Indexed OCR Text
Pages 61-80
٣٨ - كتاب الأقضية (٢٠) باب (١٤٤٤) حديث يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أكذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: اذْهَبْ فَهُوَ حُرُّ. وَلَكَ وَلَاؤُهُ. قال الحافظ(١) في قصة عمر: لم أقف على اسم هذا العريف، إلا أن الشيخ أبا حامد ذكر في تعليقه أن اسمه سنان، وفي الصحابة لابن عبد البر: سنان الضمري، استخلفه أبو بكر الصديق مرة على المدينة، فيحتمل أن يكون هو ذا، فقد قيل: إن أبا جميلة ضمري، فإن كان أبو جميلة سلمياً، فينظر من كان عريف بني سليم في عهد عمر - رضي الله عنه -، انتهى. (يا أمير المؤمنين إنه) أي أبا جميلة (رجل صالح) أي لا يتهم (فقال عمر: أكذلك؟) هو بهمزة الاستفهام على وجه التحقيق والتثبيت (قال) العريف: (نعم) واستدل به البخاري على اعتبار تزكية الواحد فترجم عليه ((إذا زكى رجل رجلاً كفاه)) (فقال عمر بن الخطاب) لأبي جميلة: (اذهب) به (فهو حر). قال الموفق(٢): اللقيط حر في قول عامة أهل العلم إلا النخعي، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن اللقيط حُر روينا هذا عن عمر - رضي الله عنه - وعلي - رضي الله عنه - وبه قال عمر بن عبد العزيز والشعبي ومالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي ومن تبعهم، وقال النخعي: إن التقطه للحِسْبة فهو حرٌّ، وإن كان أراد أن يسترقَّه فذلك له، وذلك قول شَذَّ فيه عن الخلفاء والعلماء، ولا يصح في النظر، فإن الأصل في الآدميين الحُرِّيَّةُ، انتھی . قال الباجي: اللقيط حر، وإن التقطه عبد أو نصرانيٌّ، ووجه ذلك أنه لا يتيقن فيه سبب من أسباب الاسترقاق. (ولك ولاؤه) قال أبو عمر (٣): حكمه بأنه حر يقتضي أن لا ولاء عليه (١) «فتح الباري)) (٢٧٥/٥). (٢) ((المغني)) (٣٥٠/٨). (٣) انظر: ((الاستذكار)) (٥٧/١٢). ٦١ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٠) باب (١٤٤٤) حديث لأحد، إذ لا ولاء على حر؛ لقوله وَله: ((إنما الولاء لمن أعتق))، فنفى الولاء عن غير المعتق، انتهى. قال صاحب ((المحلى)): لم يأخذ بقول عمر - رضي الله عنه - أحدٌ غير إسحاق، فقال: يرث اللقيط من الملتقط خلافاً للأئمة، وأَوّلوا قول عمر - رضي الله عنه - بأن المراد منه أنت الذي يتولى تربيته والقيام بأمره، فهي ولاية الإسلام، لا ولاية العتق، انتهى. وفي ((الهداية))(١): إن التقطه رجلٌ لم يكن لغيره أن يأخذه منه؛ لأنه ثبت حق الحفظ له لسبق يده، انتهى. قال الموفق(٢): ولاؤه لسائر المسلمين؛ يعني ميراثه لهم، فإنه حر الأصل، ولا ولاء عليه وإنما يرثه المسلمون؛ لأنهم خَوَّلُوا كل مال لا مالك له، ولأنهم يرثون مال من لا وارث له غير اللقيط، فكذا اللقيط، وهو قول مالك والشافعي وأكثر أهل العلم، وقال شريح وإسحاق: عليه الولاء لملتقطه؛ لما روى واثلة عنه ◌َّة: المرأة تحوز ثلاث مواريث عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعنت عليه. أخرجه أبو داود والترمذي(٣)، وقال عمر لأبي جميلة: لك ولاؤه . ولنا، قول النبي وَلّ، ((إنما الولاء لمن أعتق))، ولأنه لم يثبت عليه رق ولا على آبائه، فلم يثبت عليه ولاء، وحديث واثلة لا يثبت، قاله ابن المنذر، وخبر عمر - رضي الله عنه قال - ابن المنذر: أبو جميلة رجل مجهول، لا تقوم بحديثه حجة، ويحتمل أن عمر - رضي الله عنه - عنى بقوله: لك ولاؤه أي لك (١) (٤١٥/١). (٢) ((المغني)) (٣٥٨/٨). (٣) أخرجه أبو داود (٢٩٠٦)، والترمذي (٢١١٥)، وابن ماجه (٢٧٤٢). ٦٢ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٠) باب (١٤٤٤) حديث ولايته، والقيام به وحفظه، ولذلك ذكره عقيب قول عريفه: إنه رجل صالح، وهذا يقتضي تفويض الولاية إليه لكونه مأموناً عليه دون الميراث. إذا ثبت هذا، فإن حكم اللقيط في الميراث حكم من عرف نسبه وانقرض أهله، يدفع إلى بيت المال إذا لم يكن له وارث، فإن كان له زوجة مثلاً، فلها الربع والباقي لبيت المال، انتهى. قال الباجي(١): قوله: ولك ولاؤه، يريد تخصيصه بذلك، قال ابن المواز: قال مالك: ولو أعلم أن عمر - رضي الله عنه - قال في المنبوذ ما ذكر ما خولف يريد - والله أعلم - أن يجعل الولاء لملتقطه، والحديث صحيح لا شك فيه؛ لأنه يرويه عن ابن شهاب عن سُنَيْنٍ أبي جميلة، وهو من الصحابة، ولكنه لفظ يحتمل التأويل، فيكون معنى قولِ مالك ذلك أن لو علم أن عمر أراد ما يتأولونه عليه لم أخالفه، لتقارب الأدلة في ذلك وترجحها. ولو أن مالكاً تأوَّلَ قول عمر: ((لك ولاؤه)) أي قد جعلت لك أن تتولى تربيته والقيام بأمره، وأنت أحق به من غيرك، وذلك أن من التقط لقيطاً فهو أحق به من غيره، فإن نزعه منه غيره، فقد قال ابن القاسم: إن كان ملتقطه قوياً على مؤنته، وإمساكه ردّ إليه. قال أشهب: فإن كانا سواء فالأول أولى، فإن خيف أن يضيع عند الأول فالثاني أولى به، وهذا إن كانا مسلمين، فإن كان ملتقطه نصرانياً. فقد قال أصبغ: ينزع منه لئلا يُنَصِّرَه، وهذه ولاية الإسلام لا ولاية العتق؛ لأن اللقيط مجهول النسب، فولاؤه لجماعة المسلمين، وإلى هذا ذهب مالك وأكثر أهل الحجاز وبه قال الشافعي، وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: اللقيط حر، وله أن يوالي من أحبّ الذي التقطه أو غيره، وبه قال ابن شهاب وعطاء (١) ((المنتقى)) (٣/٦). ٦٣ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٠) باب (١٤٤٤) حديث وعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ. وجماعة من أهل المدينة، وقال النخعي: ميراث اللقيط بمنزلة اللقطة. وبه قال أكثر الكوفيين، وقال أبو حنيفة: ميراثه لمن التقطه إلا أن له أن ينتقل عنه حيث شاء ما لم يعقل عنه من والاه، فإن عقل عنه لم يكن له أن ينتقل عنه بولائه، انتھی . (وعلينا نفقته) يريد مؤنته في بيت مال المسلمين إن أمكن ذلك؛ لأنه من فقرائهم مع عجزه عن التكسب وخوف الضياع، وإن تعذر الإنفاق عليه من بيت مال المسلمين، فقد قال مالك في ((الموازية)): من التقط لقيطاً فعليه نفقته، حتى يبلغ ويستغني، وليس له أن يطرده، انتهى. وقال الموفق(١): إن اللقيط إذا لم يوجد معه شيء لم يلزم الملتقط الإنفاق عليه في قول عامة أهل العلم، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن نفقة اللقيط غير واجبة على الملتقط، كوجوب نفقة الولد، وذلك لأن أسباب وجوب النفقة من القرابة والزوجية والملك، والولاء منتفية، والالتقاط إنما هو تخليص له من الهلاك، وتبرع بحفظه، فلا يوجب ذلك النفقة، وتجب نفقته في بيت المال لقول عمر في حديث أبي جميلة، ولأن بيت المال وارثه، وماله مصروف إليه، فتكون نفقته عليه، فإن تعذّر الإنفاق عليه من بيت المال لكونه لا مال فيه أو كان في مكان لا إمام فيه، فعلى من علم حاله من المسلمين الإنفاق عليه، وهو فرض كفاية إذا قام به أحد سقط عن الباقين وإلا أثموا، انتهى. قال الزرقاني(٢): خرج قاسم بن أصبغ والبيهقي (٣) حديث سنين بأتم (١) ((المغني)) (٣٥٥/٨). (٢) ((شرح الزرقاني)) (١٩/٤). (٣) ((السنن الكبرى)) (٢٩٨/١٠). ٦٤ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٠) باب (١٤٤٤) حدیث قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْمَنْبُوذِ، أَنَّهُ حُرٍّ. وَأَنَّ وَلَاءَهُ لِلْمُسْلِمِينَ. هُمْ يَرِثُونَهُ وَيَعْقِلُونَ عَنْهُ. ألفاظاً من حديث مالك قال: وجدت منبوذاً على عهد عمر، فذكره عريفي لعمر فأرسل إليّ فجئت، والعريف عنده، فلما رآني مقبلاً قال: عسى الغوير أبؤساً، كأنه اتهمه فقال له عريفه: يا أمير المؤمنين إنه غير متهم، فقال عمر: على ما أخذت هذه النسمة، قلت: وجدت نفساً بمضيعة، فخفت أن يأخذني الله عليها، فقال عمر: هو حر ولك ولاؤه وعلينا نفقته. وقال الزيلعي(١): روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري أن رجلاً حدثه أنه جاء إلى أهله وقد التقط منبوذاً، فذهب إلى عمر - رضي الله عنه -، فذكره له، فقال: عسى الغوير أبؤساً، فقال الرجل: ما التقط إلا وأنا غائب، وسائل عنه عمر، فأثنى عليه خيراً، فقال له عمر: ولاؤه لك، ونفقته من بيت المال، قال الدارقطني في ((العلل)): وبعضهم رواه عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي جميلة، والصواب ما رواه مالك، انتهى. (قال مالك: الأمر عندنا في المنبوذ أنه حر) وتقدم الإجماع عليه (وأن ولاءه للمسلمين، يعني هم يرثونه ويعقلون عنه) يؤدون الدية عنه، قال الموفق(٢): إذا جنى اللقيطُ جنايةً تحملها العاقلة، فالعقل على بيت المال؛ لأن ميراثه له ونفقته عليه، وإن جنى جناية لا تحملها العاقلة، فحكمه فيها حكم غير اللقيط، إن كانت توجب القصاص، وهو بالغ عاقل اقتصّ منه، وإن كانت موجبة للمال، وله مال استوفي منه، وإلا كان في ذمته حتی یوسر، انتهى. وفي ((الهداية))(٣): ونفقته في بيت المال هو المروي عن عمر وعلي، ولأن ميراثه لبيت المال، والخراج بالضمان، ولهذا كانت جنايته فيه، انتهى. (١) ((نصب الراية)) (٤٦٥/٣). (٢) («المغني)) (٣٥٣/٨). (٣) (٤١٥/١). ٦٥ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢١) باب (١٤٤٥) حديث (٢١) باب القضاء بإلحاق الولد بأبيه ١٤٤٥/ ٢٠ - قَالَ يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ وَّةَ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، (٢١) القضاء بإلحاق الولد بأبيه أي بإثبات نسبه منه عند اشتباه الأحوال. ٢٠/١٤٤٥ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن عروة بن الزبير عن) أم المؤمنين (عائشة زوج النبي ◌ّ ر أنها قالت: كان عتبة) بضم العين المهملة وسكون الفوقية (ابن أبي وقاص) مالك الزهري مات على شركه، كما جزم به الدمياطي والسفاقسي وغيرهما، قال في ((الإصابة)): لم أر من ذكره في الصحابة إلا ابن منده، واشتدّ إنكار أبي نعيم عليه في ذلك، وقال: هو الذي كسر رباعية النبي ◌ّير يوم أحد، ما علمت له إسلاماً، إلى آخر ما بسطه الزرقاني(١). وقال الحافظ في ((الفتح))(٢): مختلف في صحبته فذكره في الصحابة العسكري، ونقل ما ذكره الزبير بن بكار في ((النسب)) أنه أصاب دماً بمكة، فانتقل إلى المدينة، ولما مات أوصى إلى سعد، وذكره ابن منده في الصحابة، ولم يذكر مستنداً إلا قول سعد: عهد إلي أخي أنه ولده، استنكره أبو نعيم، وذكر أنه الذي شجّ وجه رسول الله ◌َّر بأحد، قال: وما علمت له إسلاماً، بل قد روى عبد الرزاق عن مقسم أن النبي ◌ّ ر دعا بأن لا يحول على عتبة الحول حتى يموت كافراً فمات قبل الحول، وهذا مرسل، انتهى. (عهد) بفتح العين وكسر الهاء أي أوصى (إلى أخيه سعد بن أبي وقاص) الصحابي الشهير أحد العشرة المبشرة، أمه حمنة بنت سفيان، وأم أخيه عتبة (١) ((شرح الزرقاني)) (١٩/٤). (٢) ((فتح الباري)) (٣٢/١٢). ٦٦ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢١) باب (١٤٤٥) حديث أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ مِنِّي. فَاقْبِضْهُ إِلَيْكَ. هند بنت وهب، كذا في ((الفتح))(١) (أن ابن وليدة) بفتح الواو وكسر اللام الجارية، وأصلها المولودة، وتطلق على الأمة، قال الحافظ: وهذه الوليدة لم أقف على اسمها لكن ذكر مصعب الزبيري وابن أخيه الزبير في ((نسب قريش)) أنها كانت أمة يمانية (زمعة) بفتح الزاي وسكون الميم وقد تحرك، قال النووي: التسكين أشهر، وقال الوقشي: التحريك، هو الصواب، وقال الحافظ: الجاري على ألسنة المحدثين التسكين في الاسم، والتحريك في النسب، وهو ابن قيس بن عبد شمس القرشي العامري والد سودة أم المؤمنين، والابن المذكور فصحابيٌ صغير، قال ابن عبد البر: لم يختلف النسّابون أن اسمه عبد الرحمن. قال الحافظ في ((الفتح)): وقد أعقب بالمدينة. وفي ((الإصابة))(٢): عبد الرحمن بن زمعة بن قيس العامري أخو عبد بغير إضافة، ولد في عهد النبي ◌ّر، وهو الذي تخاصم فيه عبد بن زمعة وسعد بن أبي وقاص بمكة في عام الفتح. وقال العيني(٣): ولعبد الرحمن بن زمعة هذا عقب بالمدينة، وله ذكر في الصحابة، وقال الذهبي في ((التجريد)): عبد الرحمن بن زمعة بن قيس القرشي العامري، هو ابن وليدة زمعة صاحب القصة، انتهى. (مني) أي ابني (فاقبضه) أي الولد بهمزة وصل وكسر الموحدة (إليك) أي استلحق نسبه مني، قال الخطابي، وتبعه عياض والقرطبي وغيرهما: كان أهل الجاهلية يقتنون الولائد، ويقررون عليهن الضرائب، فيكتسبن بالفجور وكانوا يلحقون النسب بالزناة، إذا ادّعوا الولد، كما في النكاح، وكانت لزمعة أمة، (١) ((فتح الباري)) (٣٣/١٢). (٢) (٦٩/٥/٣). (٣) ((عمدة القاري)) (٣٠٤/٨). ٦٧ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢١) باب (١٤٤٥) حديث وكان يُلِمُّ بها، فظهر بها حمل. زعم عتبة بن أبي وقاص أنه منه، وعهد إلى أخيه سعد أن يستلحقه فخاصم فيه عبد بن زمعة، فقال سعد: هو ابن أخي على ما كان عليه الأمر في الجاهلية، وقال عبد: هو أخي على ما استقر عليه الأمر في الإسلام، فأبطل النبي ◌َّر حكم الجاهلية، وألحقه بزمعة. وأبدل عياض قوله: إذا ادّعوا الولد بقوله: إذا اعترفت به الأم، وبنى عليهما القرطبي، فقال: ولم يكن حصل إلحاقه بعتبة في الجاهلية، إما لعدم الدعوى، وإما لكون الأم لم تعترف به لعتبة. قال الحافظ: وقد أخرج البخاري(١) من حديث عائشة ما يؤيد أنهم كانوا يعتبرون إلحاق الأم في صورة، وإلحاق القائف في صورة، ولفظها ((أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء))، الحديث. وفيه ((ويجتمع الرهط ما دون العشرة، فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها، فإذا حملت ووضعت ومضت ليال أرسلت إليهم، فاجتمعوا عندها فقالت: قد ولدت فهو ابنك يا فلان فيلحق به ولدها إلى أن قالت: ونكاح البغايا كن ينصبن على أبوابهن رايات، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا وضعت جمعوا لها القافة، ثم ألحقوا الولد بالذي يرى القائف)) واللائق بقصة أمة زمعة الأخير، فلعل جمع القافة تعذر بوجه من الوجوه، أو أنها لم تكن بصفة البغايا، بل أصابها عتبة سراً من زنا، وهما كافران فبغته الموت قبل استلحاقه، فأوصى أخاه أن يستلحقه، انتهى. قلت: وهذا الأخير هو الأليق عندي بقصة زمعة، وهذا أيضاً من أنحاء النكاح، فقد قال الحافظ (٢) في حديث عائشة: كان النكاح في الجاهلية على أربعة أنحاء: قال الداودي وغيره: بقي أنحاء لم تذكرها، الأول: نكاح (١) أخرجه البخاري (٥١٢٧). (٢) انظر: ((فتح الباري)) (١٨٤/٩). ٦٨ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢١) باب (١٤٤٥) حديث قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ عَامُ الْفَتْحِ أَخَذَهُ سَعْدٌ. وَقَالَ: ابْنُ أَخِي. قَدْ كَانَ عَهِدَ إِلَيَّ فِیهِ. الخدن، وهو في قوله تعالى: ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ كانوا يقولون: ما استتر فلا بأس به، وما ظهر فهو لوم. الثاني: نكاح المتعة وهو معروف. الثالث: نكاح البدل، وقد أخرج الدارقطني(١) من حديث أبي هريرة كان البدل في الجاهلية أن يقول الرجل للرجل: انزل لي عن امرأتك وأنزل لك عن امرأتي، وأزيدك، لكن إسناده ضعيف جداً، انتهى. قلت: فالظاهر عندي: أن قصة زمعة كانت من نكاح الخدن، ولما كان سراً لم يلحقه بحياته، وأوصى به عند موته لعدم بقاء الاحتياج إلى السر لموته، ولم يكن عيباً عندهم لقولهم: ما كان سراً فلا بأس به. وقال الخطابي: أمة زمعة كانت من البغايا اللاتي عليهن من الضرائب، فكان الإلحاق مختصاً باستلحاقها على ما ذكر، أو بإلحاق القائف على ما في حديث عائشة، لكن لم يذكر الخطابي مستنداً لذلك. والذي يظهر من سياق القصة أنها كانت أمة مستفرشة لزمعة، فاتفق أن عتبة زنى بها، وكان طريق الجاهلية في مثل ذلك أن السيد إن استلحقه لحقه وإن نفاه انتفى عنه، وإذا ادعاه غيره كان مرد ذلك إلى السيد أو القافة، كذا في (الفتح))(٢). (قالت) عائشة - رضي الله عنها -: (فلما كان عام الفتح) لمكة برفع العام على أنه اسم كان التامة، وفي رواية بالنصب بتقدير لفظ في. (أخذه) أي الولد (سعد وقال:) هو (ابن أخي) عتبة، وفي رواية عند البخاري: فلما كان يوم الفتح رأى سعد الغلام فعرفه بالشبه فاحتضنه إليه، وقال: ابن أخي ورب الكعبة، (قد كان عهد) أي أوصى (إليّ) بتشديد الياء (فيه) أي في الولد. (١) ((سنن الدارقطني)) (٢١٨). (٢) ((فتح الباري)) (٣٤/١٢). ٦٩ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢١) باب (١٤٤٥) حديث قال الباجي(١): وعتبة بن أبي وقاص، إنما ادَّعى هذا الولد من جهة زنا في الجاهلية، ومثل هذا كان يلحق به لو ادّعاه بعدما أسلم في الإسلام ما لم يكن هناك سبب هو أولى من دعواه، رواه عيسى عن ابن القاسم، وفي مسألة ابن زمعة قد كان هناك ما هو أقوى من الزناء، وهو ادّعاء الفراش له، فإن أمة زمعة ادّعى ابن زمعة لها الفراش، ومعناه وطء أبيه لها، لأن الأمة تصير عندنا فراشاً بالوطء، أو بالإقرار به، ومعنى ذلك أن من أقَرَّ بوطء أمته، ثم ولدت ولداً ألحق به، وإن لم يقربه ومات قبل وضعه، ويحتمل أن يكون ما ادّعاه عتبة لم يثبت عنه، وإنما كان في ذلك مجرد دعوى سعد أخيه له، ولا يصح استلحاق العم ابن أخ، انتهى. وقال الحافظ (٢): استدل بهذه القصة على أن الاستلحاق لا يختص بالأب، بل للأخ أن يستلحق، وهو قول الشافعية وجماعة بشرط أن يكون الأخ حائزاً أو يوافقه باقي الورثة وإمكان كونه من المذكور، وأن يوافق على ذلك إن كان بالغاً عاقلاً، وأن لا يكون معروف الأب، وتُعُقِّبَ بأن زمعة كان له ورثة غير عبد، وأجيب بأنه لم يخلف وارثاً غيره إلا سودة. فإن كان زمعة مات كافراً فلم يرثه إلا عبد وحده، وعلى تقدير أن يكون أسلم ورثته سودة، فيحتمل أن تكون وكلت أخاها في ذلك أو ادّعت أيضاً، وخص مالك وطائفة الاستلحاق بالأب، وأجابوا بأن الإلحاق لم ينحصر في استلحاق عبد لاحتمال أن يكون النبي وَ الر اطلع على ذلك بوجه من الوجوه، كاعتراف زمعة بالوطء، ولأنه إنما حكم بالفراش لأنه قال بعد قوله هو لك: الولد للفراش، انتهى. (١) ((المنتقى)) (٦/٦). (٢) ((فتح الباري)) (٣٤/١٢). ٧٠ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢١) باب (١٤٤٥) حدیث فَقَامَ إِلَيْهِ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فَقَالَ: أَخِي. وَابْنُ وَلِيدَةٍ أَبِي. وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ. فَتَسَاوَقَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ: وبسط ابن رشد(١) الكلام على هذا الحديث، وقال بعد ذكر استدلال الإمام الشافعي به: أما أكثر الفقهاء فقد أشكل عليهم معنى هذا الحديث لخروجه عندهم عن الأصل المجمع عليه في ثبوت النسب، ولهم في ذلك تأويلات إلى آخر ما بسطها . (فقام إليه عبد) بلا إضافةٍ (ابن زمعة) بن قيس القرشي العامري، أسلم يوم الفتح، روى عن عائشة - رضي الله عنها - تزوج ◌ّ سودة بنت زمعة، فجاء أخوها عبد بن زمعة، فجعل يحثو التراب على رأسه، فقال بعد أن أسلم: إني لسفيةٌ يوم أحثو التراب على رأسي، أن تزوج رسول الله وَليل بسودة أختي. قال ابن عبد البر: كان من سادات الصحابة، وقال العيني: عبد بن قيس بن عبد شمس بن عبد وُدِّ بن نصر، وقال أبو نعيم: عبد بن زمعة بن الأسود العامري أخو سودة أم المؤمنين كان شريفاً سيداً من سادات الصحابة، قال الذهبي: كذا نسبه أبو نعيم، فوهم، إنما هو ابن زمعة بن قيس، انتهى. قال الحافظ(٢): عبد بن زمعة بغير إضافة، ووقع في ((مختصر ابن الحاجب)) عبد الله، وهو غلط، وفي بعض الطرق من غير رواية عائشة - رضي الله عنها - عند الطحاوي في هذا الباب عبد الله بن زمعة، ونَبَّهَ على أنه غلط، وأن عبد الله بن زمعة هو ابن الأسود بن المطلب رجل آخر، انتهى. (فقال) عبد: هو (أخي وابن وليدة) أي جارية (أبي) و (ولد على فراشه) وفي رواية ((فجاء عبد بن زمعة، فقال: بل هو أخي، وُلِد على فراش أبي من جاريته)) (فتساوقا) أي ساق كل منهما صاحبه (إلى رسول الله وَ له) أي تدافعا إليه بعد تخاصمهما، وتنازعهما في الولد. (١) ((بداية المجتهد)) (٣٥٧/٢). (٢) ((فتح الباري)) (٣٢/١٢). ٧١ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢١) باب (١٤٤٥) حديث قال الباجي(١): ليحكم بينهما في دعواهما، فأدلى سعد بحجته، فقال: ابن أخي، قد كان عهد إليّ فيه، ولم يدَّع بينة على ذلك، وإنما ادّعى أنه عهد إليٍّ فيه، ولم يمنعه من ذلك عبد بن زمعة، لأنه لا طريق له إلى معرفة ذلك، ولكنه أدلى بحجته أيضاً، فقال: ابن وليدة أبي، وُلِد على فراشه، فادّعاه أخاً، ولم يدع بينة على استلحاق أبيه له، وإنما احتجّ بمجرد دعواه كما احتجّ الآخر بمجرد دعواه. فلما استوعب النبي ◌َّر حجة كل واحد منهما حكم بينهما بالحق، فقال: ((هو لك يا عبد بن زمعة))، وإنما أضافه إليه لأنه ابن أمة أبيه، ولو لم يدعّه أخا لقضى له به عبداً، ولكنه قد أقرّ بحريته وأخوّته، فقيل له: أنت أعلم بما تدَّعيه فيما يخصك. ولا يصلح استلحاق الرجل أخاً. قال أشهب في ((كتاب ابن سحنون)): من استلحق أخاً في بلاد الإسلام لم يوارثه، ولا يستلحق الأخ، وفي ((المدنية)) من رواية عبد الرحمن بن دينار عن ابن كنانة فيمن شهد أن أباه كان مقراً بوطء جارية، فهلك عنها أبوه، وهي حامل، قال: لا يقبل شهادته وحده، ولا يرث معه في حظه، وإنما هو عبد للورثة، ولو شهد أن أباه كان أقَرَّ بولد امرأة حرة ورث معه في حظه خاصة، ما لم يكن سفيهاً مولىّ عليه، ومعنى ذلك أنه أقرّ بحمل جارية، فالولد عبد لجميع الورثة، فلا يرث شيئاً من حظه، ولا حظ غيره. وإذا أقرّ أنه من حرة، فهو حر، فلذلك له حق في حظه، وعبد بن زمعة انفرد بميراث أبيه؛ لأنهما كانا كافرين، وسودة أخته مسلمة، فلم ترثه ولم يذكر في الحديث أنه ورثه، وإنما أضافه إلى عبد إذ قد أقرّ بأنه أخوه، وهو المنفرد بميراث أبيه، فلا يحلّ له بيعه، ولا يثبت بذلك نسبه، لأن النسب إنما يلحق (١) ((المنتقى)) (٦/٦). ٧٢ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢١) باب (١٤٤٥) حدیث فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْنُ أَخِي. قَدْ كَانَ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ. وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: أَخِي. وَابْنُ وَلِيدَةٍ أَبِي. وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَّهِ: ((هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ)) الأب فلا يلزمه ذلك بقول عبدٍ إلا على وجه الشهادة عليه، فيلزمه ذلك إذا كملت الشهادة، انتهى. قلت: وهذا كله على مسلك المالكية أن الاستلحاق لا يصحّ إلّا من الأب، وتقدم قريباً خلاف الأئمة في ذلك. (فقال سعد) في حجته: (يا رسول الله) هذا (ابن أخي) أي عتبة (قد كان) عتبة (عهد إليّ) بتشديد الياء (فيه) وفي رواية: عهد إليّ أنه ابنه، زاد في أخرى: انْظُرْ إلى شَبَهِه (وقال عبد بن زمعة) هو (الولد أخي وابن وليدة أبي) لأنه (ولد) ببناء المجهول (على فراشه فقال رسول الله ويطلق: هو لك) وفي رواية ((هو أخوك)) (يا عبد بن زمعة). قال الزرقاني(١): بضم الدال على الأصل، ويروى بفتحها ونصب نون ابن على الوجهين، وسقط في رواية النسائي حرف النداء، فبنى على ذلك بعض الحنفية، فقال: إنما ملَّكَه إياه، لأنه ابن أمة أبيه، لأنه ألحقه به، قال عياض: وليس كما زعم، فالرواية إنما هي بالياء، وعلى تسليم إسقاطها، فعبد ههنا. علم، والعلم يحذف منه حرف النداء، انتهى. وقال الباجي (٢): معناه أنه مَلَّكَك، لكنك قد أقررت له بالحرية، فأنت أعلم بقولك في ذلك فيما يخصُّك، وقال الطحاوي: معناه أنه بيدك، لا أنك تملكه، ولكنه يمنع منه غيرك، وقال الطبري: هو لك عبد، وهذا أيضاً غير صحيح، وقال الشافعي: معناه هو لك أخ، انتهى. (١) ((شرح الزرقاني)) (٢١/٤). (٢) ((المنتقى)) (٧/٦). ٧٣ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢١) باب (١٤٤٥) حديث وفي (المحلى)): هو أخوك إما بالاستلحاق، وإما من القضاء بعلمه، لأن زمعة كان صهره وَّر، ويؤيده رواية البخاري ((هو لك فهو أخوك يا عبد))، وأما ما لأحمد والنسائي من زيادة ((ليس لك بأخ)) فأعلَّها البيهقي، وقال المنذري: إنها زيادة غير ثابتة، ولو صح فيمكن الجمع بأن المثبت الأخوّة الشرعية، والمنفيّ الأخُوَّةُ الحقيقية، وهو أن يخلقا من ماء رجل واحد، وقال محمد بن جرير الطبري: هو لك عبد، لأنه ابن وليدة أبيك، وكل أمة تلد من غير سيدها، فولدها عبد، يريد أنه لما لم ينقل في الحديث اعتراف على سيدها بأنه كان يُلِمُّ بها، ولا شهد بذلك أحد، وكانت الأصول تدفع قبول قول ابنه عليه، لم يبق إلا القضاء بأنه عبد تبعاً لأمه، وقال العيني: في ((مسند أحمد)) و((النسائي)): ليس لك بأخ، فإن قلتَ: أعلَّ هذه الزيادة البيهقي والمنذري والمازري. قلتُ: الحاكم استدركها، وصحح إسنادها، انتهى. وقال الزرقاني(١): تنازع الفريقان الحديث، فقال المالكية وموافقوهم: هو ردّ على الحنفية، فإنه ألحق الولد بزمعة، ولم يثبت أنها ولدت منه قبل ذلك، وقالت الحنفية: هو يرد عليكم؛ لأنه ألحقه بزمعة، ولم يذكر أنه اعترف بوطئها، والجواب حمله على أن زمعة عرف وطؤه لها باعترافه عنده وَالر أو باستفاضته، وهذا التأويل اضطرنا إليه [ما ذكرتم من] اتفاقنا جميعاً على منع إلحاق الولد بأبيه إلا أن يثبت سببه، واختلفا في السبب، فقلنا: ثبوت الوطء، وقلتم: استلحاق ولد سابق، ومعلوم أنه لم يكن ولد سابق، وثبوت الوطء لا يعلم عدمه. فامتنع تأويلكم، وأمكن تأويلنا، فوجب حمل الحديث عليه، انتھی . وأنت خبير بأنه كما أمكن اعتراف الوطء كذلك أمكن أن وُلِدَ له ولدٌ قبله (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٢/٤). ٧٤ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢١) باب (١٤٤٥) حديث ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَه: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ. ومات، (ثم قال رسول الله (وَلير: الولد للفراش) قال صاحب ((المحلى)): بكسر الفاء أي لصاحب الفراش زوجها وسيدها، وللبخاري في الفرائض عن أبي هريرة: الولد لصاحب الفراش. قال النووي(١): معناه إذا كان للرجل امرأة أو أمة صارت فراشاً له، فأتت بولد بمدة الإمكان لحقه، وصار ولداً له يجري بينهما المواريث وغيره من الأحكام، ثم المرأة تصير فراشاً عند الكلّ، وأما الأمة فتصير فراشاً بالوطء لا بمجرد الملك، وقال أبو حنيفة: لا تصير فراشاً إلا إذا ولدت ولداً واستلحقه، فما تأتي به بعد ذلك يلحقه إلا أن ينفيه. قال: وفي الحديث دليل للشافعي ومالك على أبي حنيفة فإنه لم يكن لزمعة ولد آخر من هذه الأمة قبل هذا. وأجاب عنه ابن الهمام بأنه وَلّ قضى لابن زمعة على أنه عبد له، لا أنه أخوه، ولو كان أخاً شرعياً لها لم يأمر سودة بالاحتجاب، ويدفع الأول بأن في رواية ((هو أخوك يا عبد))، وأما الأمر بالاحتجاب، فلما رأى من الشبه البيِّن بعتبة، ودفع الدفع الأول بأن رواية ((هو لك)) أرجح؛ لأنها مشهورة، وليس بشيء فإنه لا تنافي بينهما، والثاني بأن الشبه لا يوجب الاحتجاب شرعاً، انتهى. وقال العيني(٢): وإنما قال # ذلك بأن حكمه وال* لم يكن بمجرد الاستلحاق، بل بالفراش، فقال: ((الولد للفراش))، وأجمعت جماعة من العلماء بأن الحرة فراش بالعقد مع إمكان الوطء، وإمكان الحمل، فإذا كان عقد النكاح يمكن معه الوطء والحمل فالولد لصاحب الفراش، لا ينتفي عنه أبداً بدعوى غيره، ولا بوجه من الوجوه إلا باللعان. (١) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٣٧/١٠/٥). (٢) ((عمدة القاري)) (٣٠٥/٨). ٧٥ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢١) باب (١٤٤٥) حديث وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ)) ثُمَّ قَالَ لِسَوْدَةً بِنْتِ زَمْعَةً واختلفوا في الأمة، فقال مالك: إذا أقرّ بوطئها صارت فراشاً، إن لم يدع استبراء ألحق به ولدها، وإن ادعى استبراءً حلفه، وبرئ من ولدها، وقال العراقيون: لا تكون الأمة فراشاً بالوطء إلا بأن يدعي سَيِّدُها ولدها، وأما إن نفاه فلا يلحق به، سواء أقرَّ بوطئها أو لم يُقِرَّ، وسواء استبرأ أو يستبرئ، انتھی . (وللعاهر) الزاني، من عهر الرجل المرأة إذا أتاها بالفجور، وعهرت هي تعهر إذا زنت، والعهر الزنا (الحجر) أي الخيبة، ولا حق له في الولد، والعرب تقول في حرمان الشخص: له الحجر، وبفيه التراب ونحو ذلك، يريدون ليس له إلا الخيبة، وقيل: هو على ظهره أي الرجم بالحجارة، وضعفه النووي والعيني بأنه ليس كل زانٍ يرجم، بل المحصن فقط، وأيضاً لا يلزم من رجمه نفي الولد، والحديث إنما هو في نفیه عنه. وقال الباجي(١): قضى و18َّ بالحجر للعاهر على معنى - والله أعلم - يستحق بفعله الرجم لا الولد، وإن كان لا يرجم زاني المشركين، لكنه ◌َليّ لم يخرج قوله ذلك على معنى الاختصاص بأحكام المشركين، بل على سبيل العموم، فلما قصد أن يثبت الزنا والعهارة أخبر عنه بأشد أحكامه في الدنيا؛ لأن من حكمه جلد مائة أو جلد خمسين، وعلى حسب ما تتنوع إليه الأحكام في ذلك، ويحتمل أن يريد بقوله: ((وللعاهر الحجر)) أنه لا شيء له من الولد، ولا يحصل له من ذلك الزنا غير طرده بالحجارة، انتهى. (ثم قال) بَّر (السودة) أم المؤمنين (بنت زمعة) بن قيس العامرية القرشية تزوّجها رسول الله 18 بعد خديجة قبل عائشة، وكانت قبله عند السكران بن عمر، ولما أراد النبي وَلّ طلاقها وهبت يومها لعائشة - رضي الله عنها - (١) ((المنتقى)) (٨/٦). ٧٦ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢١) باب (١٤٤٥) حديث ((احْتَجِبِي مِنْهُ)) لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُثْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ. قَالَتْ: فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ. أخرجه البخاريّ في ٣٤ - كتاب البيوع، ٣ - باب تفسير المشبَهّات. ومسلم في: ١٧ - كتاب الرضاع، ١٠ - باب الولد للفراش، وتوقّي الشبهات، حديث ٣٦. أسلمت قديماً بمكة، وهاجرت هي وزوجها إلى الحبشة الهجرة الثانية، ومات هناك زوجها، قال ابن أبي خيثمة: توفيت في آخر خلافة عمر - رضي الله عنه -، ورجّح الواقدي أنها توفيت سنة ٥٤ هجرية، وقال ابن حبان: ماتت سنة ٦٥ هجرية، وفي ((التقريب)): ماتت سنة ٥٥ هجرية على الصحيح. (احتجبي منه) أي من عبد الرحمن المولود (لما رأى) بكسر اللام وخِفّة الميم أي لأجل ما رأى ◌َل﴾ (من شبهه بعتبة بن أبي وقاص قالت) عائشة: (فما رآها) أي ما رأى عبد الرحمن سودة (حتى لقي الله عزّ وجلّ) أي حتى مات. قال العيني(١): أشكل معناه على العلماء، فذهب أكثر القائلين بأن الحرام لا يحرم الحلال، وأن الزنا لا تأثير له في التحريم، وهو قول ابن الماجشون إلى أن ذلك كان على وجه الاختيار والتنزه، وأن للرجل أن يمنع امرأته من رؤية أخيها، وهذا قول الشافعي، وقال طائفة: كان ذلك منه لقطع الذريعة بعد حكمه بالظاهر، فكأنه حكم بحكمين؛ حكم ظاهر، وهو الولد بالفراش، وحكم باطن، وهو الاحتجاب، انتهى. وقال عياض وغيره: قيل: هو على وجه الندب لا سيما في حق أزواجه وهله وتغليظ أمر الحجاب عليهن، قال القرطبي: فهو كقوله لأم سلمة وميمونة: ((أفعمياوان أنتما))؟ وقد دخل عليهما ابن أم مكتوم، وقال لفاطمة بنت قيس: ((انتقلي إلى ابن أم مكتوم تضعين ثيابك عنده، فإنه لا يراك))، فأباح لها ما منعه لأزواجه، وقال المزني: لو ثبت أنه أخوها ما أمرها أن تحتجب منه؛ لأنه (١) ((عمدة القاري)) (٣٠٥/٨). ٧٧ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢١) باب (١٤٤٥) حديث بُعِثَ بصلة الأرحام، وقد قال لعائشة في عمها من الرضاعة: ((إنه عمك، فليلج عليك))، لكنه لم يصح أنه أخوها لعدم البينة، أو إقرار من يلزمه إقراره. وفي ((الاستذكار))(١): جواب المزني هذا أصحُ في النظر، وأجرى على القواعد من قول سائر أصحاب الشافعي أنه أخوها، لأنه ألحقه بفراش زمعة، لكنه بين بالأمر بالاحتجاب حكماً آخر أنه يجوز للرجل أن يمنع زوجته من رؤية أخيها، واحتج به أحمد والثوري والأوزاعي والكوفيون أن الزنا يحرم الحلال، وجعلوا الأمر بالاحتجاب واجباً، وهو أحد قولي مالك والصحيح من قوله، وقول الشافعي أن الزنا لا يحرم حلالاً إلا ما جرى من قولهم: لا يحل للزاني نكاح من خلقت من مائه الفاسد، وأحلها ابن الماجشون طرداً للأصل، وإبطالاً لحكم الحرام، حكاه الزرقاني. وبسط الطحاوي(٢) الكلام على طرق هذا الحديث، والبحث فيه، فقال بعد ذكر حديث الباب: ذهب قوم إلى أن الأمة إذا وطئها مولاها، فقد لزمه كل ولد يجيء بعده ادّعاه أو لم يَدِّعه، واحتجُوا بهذا الحديث، وخالفهم آخرون فقالوا: ما جاءت به من ولد لا يلزم مولاها إلا أن يُقِرَّبه، وإن مات قبل أن يُقرَّبه لم يلزمه، وإنما كان لهم من الحجة أنه وَّ قال لعبد بن زمعة: ((هو لك))، ولم يقل: هو أخوك، فيحتمل أن يكون أراد هو مملوك لك لحق مالك عليه من اليد، ولم يحكم في نسبه بشيء. والدليل عليه أمره وَل18 السودة بالحجاب منه، فلو كان ◌َل قد جعله ابن زمعة لما حجب بنت زمعة منه؛ لأنه لو لم يكن يأمر بقطع الأرحام، وقوله وَيقول: ((الولد للفراش)) على التعليم منه لسعد أي أنك تدعي لأخيك، (١) انظر: ((الاستذكار)) (١٧٥/٢٢). (٢) (شرح معاني الآثار)) (٦٦/٢). ٧٨ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢١) باب (١٤٤٦) حديث ١٤٤٦/ ٢١ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْن الْهَادِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةً؛ وأخوك لم يكن له فراش، وإنما يثبت النسب بالفراش، وأيده بما ورد في بعض طرقه، أما أنتِ فاحتجبي منه فإنه ليس لك بأخ، إلى آخر ما بسط من البحث. ٢١/١٤٤٦ - (مالك عن يزيد) بتحتية في أوله فزاي (ابن عبد الله بن الهاد) بلا ياء عند كثيرين وبالياء وصحح، قاله الزرقاني (عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي) تيم قريش (عن سليمان بن يسار) بتحتية مفتوحة وخفة سين مهملة الهلالي أحد الفقهاء السبعة (عن عبد الله بن أبي أمية)(١) قال الزرقاني(٢): اسمه حذيفة، وقيل: سهل بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي صحابي صغير أخي أم سلمة أم المؤمنين، قال الواقدي: مات و # وله ثمان سنين، وقال الخطيب في ((المتفق)): ذكره غير واحد من أهل العلم، وأنه غير عبد الله بن أبي أمية الذي استشهد بالطائف، وإنكار بعضهم أن يكون لأم سلمة أخ غير الذي استشهد بالطائف، وترجيح الخطيب له بأن أهل النسب لم يذكروه ليس بشيء، فالمثبت مقدم على النافي، ويلزم على الإنكار ردّ الأسانيد الصحيحة بلا مستند، وتجويز بعضهم أنه في الأصل ابن عبد الله ممنوع، فالأصل خلافه، انتهى مختصراً. وفي ((المحلى)): هو عبد الله بن عبد الله بن أبي أمية انتسب إلى جده، أسلم مع أبيه، وحفظ عنه وَله يروي عن عمر رضي الله عنه، وعنه سليمان بن يسار، واستشهد أبوه في الطائف، انتهى. (١) انظر ترجمته في: ((أسد الغابة)) (٥٥٢/٢)، و((الإصابة)) (٣٦/٤/٢)، و((تعجيل المنفعة)) (ص٢١١). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٤/٤). ٧٩ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢١) باب (١٤٤٦) حديث قلت: فاختلفا في تعيينه، وقال صاحب (التعليق الممجد))(١): لم أقف على تعيينه، وحاله إلى الآن، ولعل الله يحدث بعد ذلك أمراً، انتهى. والأوجه عندي ما قال صاحب ((المحلى)): وتوضيح ذلك أنه ههنا ثلاثة رجال: عبد الله بن أبي أمية الأكبر المتوفى في الطائف، وسيأتي بيانه في ((باب المؤنث من الرجال))، والأصغر الذي مال إليه الزرقاني، وعبد الله بن عبد الله بن أبي أمية الذي مال إليه صاحب ((المحلى)). فقد ترجم الحافظ في القسم الأول من (الإصابة))(٢): عبد الله بن أبي أمية صهر النبي ◌ُّر، وابن عمته عاتكة، وأخو أم سلمة كان شديد العداوة لرسول الله وَثار، ثم هداه الله إلى الإسلام، وهاجر قبل الفتح، فلقي النبي ◌ّ بطريق مكة هو وأبو سفيان، وشهد عبد الله الفتح وحنيناً، واستشهد بالطائف، وبسط الحافظ ترجمته. ثم ترجم لرجل آخر، فقال: عبد الله بن أبي أمية أخو الذي قبله، ذكره الخطيب في ((المتفق))، وقال: ذكره غير واحد من أهل العلم، وأنه غير الذي قتل بالطائف، وأسند الخطيب عن البغوي قال محمد بن عمر: مات النبي ◌َّه ولعبد الله بن أبي أمية ثمان سنين، قال الخطيب: وأنكر بعض العلماء أن يكون لأم سلمة أخ آخر، ورجحه الخطيب مستنداً إلى أن أهل العلم بالنسب لم يذكروه، انتهى. وترجم في ((التعجيل)) (٣)، فقال: عبد الله بن أبي أمية المخزومي أخو أم سلمة أمه عاتكة، أسلم قبل الفتح، واستشهد بالطائف، جاءت عنه رواية من طريق عروة، وقيل: إن الرواية عن أخ له كاسمه، وسيأتي بيانه في عبد الله بن (١) (٤٩٤/٢). (٢) (٣٦/٤/٢). (٣) (ص٢١١). ٨٠