Indexed OCR Text

Pages 461-480

٣٦ - كتاب كراء الأرض
(١) باب
بسم الله الرحمن الرحيم
٣٦ - کتاب کراء الأرض
(١) باب ما جاء في كراء الأرض
بسم الله الرحمن الرحيم
(٣٦) كتاب كراء الأرض
(١) ما جاء في كراء الأرض
قال ابن رشد(١): أما كراء الأرضين فاختلفوا فيها اختلافاً كثيراً، فقوم لم
يجيزوا ذلك بتةً، وهم الأقل، وبه قال طاووس وأبو بكر بن عبد الرحمن،
وقال الجمهور بجواز ذلك، واختلف هؤلاء فيما يجوز به كراؤها، فقال قوم:
لا يجوز كراؤها إلا بالدراهم والدنانير فقط، وهو مذهب ربيعة وسعيد بن
المسيب، وقال قوم: يجوز كراؤها بكل شيء ما عدا الطعام سواء كان ذلك
بالطعام الخارج منها أو لم يكن، وما عدا ما ينبت فيها كان طعاماً أو غيره،
وإلى هذا ذهب مالك وأكثر أصحابه.
وقال آخرون: يجوز كراؤها بما عدا الطعام فقط، وقال آخرون: يجوز
كراء الأرض بكل العروض والطعام وغير ذلك ما لم يكن بجزء مما يخرج منها
من الطعام. وممن قال به سالم بن عبد الله وغيره من المتقدمين، وهو قول
الشافعي، وظاهر قول مالك في ((الموطأ))، وقال قوم: يجوز كراؤها بكل شيء
وبجزء مما يخرج منها، وبه قال أحمد والثوري والليث وأبو يوسف ومحمد
وابن أبي ليلى والأوزاعي وجماعة.
وعمدة من لم يجز كراءها بحال، ما روى مالك بسنده عن رافع بن
(١) ((بداية المجتهد)) (٢٢١/٢).
٤٦١

٣٦ - كتاب كراء الأرض
(١) باب
خديج ((أن رسول الله وَّل نهى عن كراء المزارع)»(١)، قالوا: وهذا عام، وهؤلاء
لم يلتفتوا إلى ما روى مالك من تخصيص الراوي له حين سأله حنظلة عن
كرائها بالذهب والورق، فقال: لا بأس به، وروي هذا عن رافع وابن عمر،
وأخذ بعمومه، وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - قبلُ يُكْري أرضَه، فترك،
وهذا بناءً على رأي من يرى أنه لا يخصص العموم بقول الراوي، وروي عن
رافع بن خديج قال: ((نهى رسول الله وَ ل﴿ عن إجارة الأرضين)).
قال ابن عبد البر: واحتجُوا أيضاً بحديث جابر قال: خطبنا رسول الله وَل
((من كانت له أرض فَلَيَزْرَغْها، أو لِيُزْرِعْها، ولا يُؤاجِرها))، فهذه جملة
الأحاديث التي استدل بها من لم يجز كراءها، وقالوا أيضاً من جهة المعنى:
إنه لم يجز كراؤها لما في ذلك من الغرر؛ لأنه ممكن أن يصيب الزرعَ جائحة،
فقد لزمه كراؤها من غير أن ينتفع من ذلك بشيء، قال القاضي: ويشبه أن يقال
في هذا: إن المعنى في ذلك قصد الرفق بالناس لكثرة وجود الأرض كما نهى
عن بيع الماء، ووجه الشبه بينهما أنهما أصلا الخلقة.
وأما عمدة من لم يجز كراءها إلا بالدراهم والدنانير، فحديث رافع
مرفوعاً: ((إنما يزرعُ ثلاثةٌ: رجلٌ له أرض فيزرعها، ورجل مُنِحَ أرضاً فهو يزرع
ما مُنِحَ، ورجل اكترى بذهب أو فضة))، قالوا: فلا يجوز أن يتعدى ما في هذا
الحديث، والأحاديث الأخر مطلقة، وهذا مقيد، ومن الواجب حمل المطلق
على المقيد.
وعمدة من أجاز كراءها بكل شيء ما عدا الطعام. حديث رافع مرفوعاً:
((من كانت له أرض فليزرعها أو ليزرعها أخاه، ولا يُكْرِها بثلث ولا ربع ولا
بطعام معين))، قالوا: وهذا هو معنى المحاقلة التي نهى عنه رسول الله وَير،
(١) أخرجه البخاري في المزارعة (٢٣٢٧)، و((فتح الباري)) (٩/٥).
٤٦٢

٣٦ - كتاب كراء الأرض
(١) باب
قالوا: وأيضاً هو من باب بيع الطعام بالطعام نسيئة، وعمدة من لم يجز كراءها
بالطعام، ولا بشيء مما يخرج منها، أما بالطعام فحجته حجة من لم يجز
كراءها بالطعام، وأما حجته على منع كرائها مما تنبت، فهو ما ورد من نهيه والده
عن المخابرة، قالوا: وهي كراء الأرض بما يخرج منها، وهذا قول مالك وكل
أصحابه .
وعمدة من أجاز كراءها بجميع العروض والطعام وغير ذلك مما يخرج
منها أنه كراء منفعة معلومة بشيء معلوم، فجاز قياساً على إجارة سائر المنافع،
وكان هؤلاء ضعفوا أحاديث رافع، روي عن سالم وغيره أنهم قالوا: اكترى
رافع، قالوا: وقد جاء في بعض الروايات عنه ما يجب أن يحمل عليه سائرها،
قال: كنا أكثر أهل المدينة حقلاً، وكان أحدنا يكري أرضه، ويقول: هذه
القطعة لي وهذه لك، وربما أخرجت هذه، ولم تخرج هذه، فنهاهم النبي ◌َّر،
خرجه البخاري. وأما من لم يجز كراءها بما يخرج منها، فعمدته، النظر
والأثر.
أما الأثر فما ورد من النهي عن المخابرة، وما ورد من حديث ظهير
قال: ((نهانا رسول الله (وَل عن أمر كان بنارفقا))، الحديث. وفيه قلنا: نؤاجر
على الربع وعلى الأوسق من التمر والشعير، فقال رسول الله وَله: ((لا تفعلوا،
ازرعوها، أو زارعوها أو أمسكوا))، وهذا الحديث اتفق على تصحيحه الإمامان
البخاري ومسلم.
وأما من أجاز كراءها بما يخرج منها فعمدته حديث ابن عمر الثابت ((أن
رسول الله ﴾ دفع إلى يهود نخل خيبر وأرضها على أن يعملوها من أموالهم
على نصف ما تخرجه الأرض والثمرة)) قالوا: وهذا الحديث أولى من أحاديث
رافع؛ لأنها مضطربة المتون، وإن صحت أحاديث رافع حملناها على الكراهة
لا على الحظر، بدليل ما أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عباس أنه قال: إن
٤٦٣

٣٦ - كتاب كراء الأرض
(١) باب
النبي ◌ُّلّ لم ينه عنها، ولكن قال: ((إن يمنح أحدكم أخاه يكن خيراً له من أن
يأخذ منه شيئاً))، قالوا: وقدم معاذ بن جبل اليمن حين بعثه رسول الله وَل،
وهم يخابرون فأَقَرَّهم، اهـ مختصراً.
وقال الموفق(١): تجوز المزارعة ببعض ما يخرج، ومعنى المزارعة: دفعُ
الأرض إلى من يزرعها ويعمل عليها، والزرع بينهما، وهي جائزةٌ في قول كثير
من أهل العلم، قال البخاري: قال أبو جعفر: ما بالمدينة أهلُ بيتٍ إلا
ويزرعون على الثلث والربع، وزَارَع عليٍّ وسعدٌ وابنُ مسعود وعمر بن
عبد العزيز وغيرهم كما تقدم قريباً في كلامه.
قال: وأما ما احتجُوا به فالجواب من حديث رافع من أربعة وجوهٍ:
أحدها: أنه قد فسر المنهيّ عنه في حديثه بما لا يختلف في فساده، قال: كنا
من أكثر الأنصار حقلاً، فكنا نُكْري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه،
الحديث، متفق عليه، وهذا خارج عن محل الخلاف، فلا دليل فيه عليه ولا
تعارض بين الحدیثین.
الثاني: أن حديثه ورد في الكراءِ، بثلثٍ أو ربع، والنزاع في المزارعة،
ولم يدل حديثه عليها أصلاً، وحديثه الذي فيه المزارعة يحمل على الكراء
أيضاً؛ لأن القصة واحدة.
الثالث: أن أحاديث رافع مضطربةٌ جداً، الرابع: لو قدر صحة خبر رافع،
وامتنع تأويله، وتعذر الجمع لوجب حمله، على أنه منسوخ؛ لأنه لا بد من
نسخ أحد الخبرين، ويستحيل القول بنسخ حديث خيبر لكونه معمولاً به من
جهة النبي 18َّ إلى موته، ثم من بعده إلى عصر التابعين.
ثم قال(٢) بعد بسط القول في صحة المزارعة: وتجوز إجارة الأرض
(١) ((المغني)) (٥٥٨/٧).
(٢) (٥٦٩/٧).
٤٦٤

٣٦ - كتاب كراء الأرض
(١) باب
بالورق والذهب وسائر العروض سوى المطعوم في قول أكثر أهل العلم، قال
أحمد: قلما اختلفوا في الذهب والفضة، وقال ابن المنذر: أجمع عوام أهل
العلم على أن اكتراء الأرض وقتاً معلوماً جائز بالذهب والفضة، روينا هذا
القول عن سعيد ورافع بن خديج وابن عمر وابن عباس، وبه قال سعيد بن
المسيب وعروة والقاسم وسالم ومالك والليث والشافعي وإسحق وأبو ثور
وأصحاب الرأي، وروي عن طاووس والحسن كراهة ذلك، لما روى رافع ((أن
النبي ◌َّ نهى عن كراء الأرض)).
ولنا، أن رافعاً قال: أما بالذهب والفضة فلا بأس، متفق عليه، وعن
سعد قال: ((كنا نُكْرِي الأرضَ بما على السواقي، فنهانا رسول الله وَ له عن
ذلك، وأمرنا أن نكريها بذهب أو فضة))، رواه أبو داود.
وأما حديثهم فقد فسره الراوي بما ذكرنا عنه فلا يجوز الاحتجاج به على
غيره، وحديثنا مفسِّرٌ لحديثهم، فإن راويهما واحد، وأما إجارتها بطعام فتنقسم
ثلاثة أقسام: أحدها: أن يؤجرها بمطعوم غير الخارج منها معلوم، فيجوز،
نَصَّ عليه أحمدُ، وهو قول أكثر أهل العلم، منهم سعيد بن جبير، وعكرمة،
والنخعي، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، ومنع منه مالكٌ، حتى منع
إجارتها، باللَّبَنِ والعسل.
وقد رُوي عن أحمد أنه قال: ربما تَهَيَّيْتُه، قال القاضي: وهذا من أحمد
على سبيل الورع، ومذهبه الجواز، والحجة لمالك ما روى رافع عن بعض
عمومته قال: قال رسول الله وَله: ((من كانت له أرض فلا يكريها بطعام
مسمى))، رواه أبو داود وابن ماجه(١)، وروى أبو سعيد قال: ((نهى رسول الله وَل
عن المحاقلة)) والمحاقلة استكراء الأرض بالحنطة.
(١) أخرجه أبو داود (٣٣٩٥)، وابن ماجه (٢٤٦٥).
٤٦٥

٣٦ - كتاب كراء الأرض
(١) باب
ولنا، قول رافع: فأما بشيء معلوم مضمون فلا بأس به، وحديث رافع
قد سبق الكلام عليه في المزارعة، وحديث أبي سعيد يحتمل المنع من كرائها
بالحنطة إذا اكتراها لزرع الحنطة .
الثاني: إجارتها بطعام معلوم من جنس ما يزرع فيها كإجارتها بقفزان
حنطة لزرعها، فقال أبو الخطاب: فيها روايتان: إحداهما، المنع وهي التي
ذكرها القاضي مذهباً وهي قول مالك، والثانية، جواز ذلك اختارها أبو
الخطاب، وهو قول أبي حنيفة والشافعي.
والثالث: إجارتها بجزء مشاع مما يخرج منها كنصف وثلث، فالمنصوص
عن أحمد جوازه. وهو قول أكثر الأصحاب، واختار أبو الخطاب أنها لا
تصح، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، وهو الصحيح، إن شاء الله لما تقدم من
الأحاديث في النهي من غير معارض لها، ولأنها إجارة بعوض مجهول، فلم
تصح كإجارتها بثلث ما يخرج من الأرض الأخرى، ولأنه لا نص في جوازها،
ولا يمكن قياسها على المنصوص، فإن النصوص وردت بالنهي عن إجارتها
بذلك، ولا نعلم في تجويزها نصاً، والمنصوص على جوازها إجارتها بذهب
أو فضة أو شيء مضمون معلوم، وليست هذه كذلك، وأما نص أحمد في
الجواز فيتعين حمله على المزارعة بلفظ الإجارة، فيكون حكمها حكم المزارعة
في جوازها، ولزومها، وسائر أحكامها، اهـ مختصراً.
وقال الأبي: (١) منع الحسن وطاووس كراء الأرض البتة لحديث جابر
عند مسلم: ((نهى رسول الله وَ ﴿ عن كراء الأرض))، ولنهيه وَل عن المحاقلة،
وفسرها الراوي بكراء الأرض فعَمَّ، والمشهور عندنا منعه بالطعام، وإن لم
تنبته، كالعسل واللبن، وبما تنبته كالقطن والكتان والزعفران ما عدا الخشب
والحطب.
(١) ((إكمال إكمال المعلم)) (٢١٥/٤).
٤٦٦

٣٦ - کتاب کراء الأرض
(١) باب
(١٤١٧) حديث
١/١٤١٧ - حدّثنا يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي
عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسِ الزُّرَقِيِّ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ؛ أنّ
رَسُولَ اللَّهِ إِ لهَ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ.
أخرجه مسلم في: ٢١ - كتاب البيوع، ١٩ - باب كراء الأرض بالذهب
والورق، حديث ١١٥.
وقال ابن نافع: يجوز بكل شيء وبالطعام ما عدا الحنطة، وأخواتها، إذا
كان ما تكرى به خلاف ما يزرع فيها، وقال ابن كنانة: لا تكرى بما إذا أعيد
فيها نبت، ولا بأس بغيرها طعاماً كان أو غيره ونسبه إلى مالك، اهـ.
١/١٤١٧ - (مالك، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن) الرأي (عن حنظلة بن
قيس) بن عمرو بن حصن بن خلدة (الزرقي) الأنصاري من رواة الستة إلا
الترمذي، ذكره ابن عبد البر في الصحابة جانحاً لقول الواقدي: إنه ولد على
عهد النبي وَّر (عن رافع بن خديج) الأنصاري (أن رسول الله وَل نهى عن كراء
المزارع) جمع مزرعة، وهي مكان الزرع، وظاهره منع كرائها مطلقاً، وإليه
ذهب الحسن وطاووس وأبو بكر الأصم، قال الحافظ(١): قال طاووس،
وطائفة قليلة: لا يجوز كراء الأرض مطلقاً، وذهب إليه ابن حزم، وقوّاه واحتج
له بالأحاديث المطلقة في ذلك، اهـ.
وقال الباجي(٢): ذهب إليه طاووس في أحد قوليه، وذهب فقهاء الأمصار
إلى تجويز ذلك، ووجهه أن الراوي للمنع باللفظ العام لم ينقل لفظ النبي ◌َّ وإنما
أخبره عنه، وهو الذي أخبر بأن ذلك مقصور على غير الذهب والفضة، اهـ.
قال الزرقاني(٣): وقد تأول مالك وأكثر أصحابه أحاديث المنع على
كرائها بالطعام أو بما تنبته كقطن وكتان، اهـ.
(١) (فتح الباري)) (٢٥/٥).
(٢) ((المنتقى)) (١٤٣/٥).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٣٧٤/٣).
٤٦٧

٣٦ - كتاب كراء الأرض
(١) باب
(١٤١٨) حديث
قَالَ حَنْظَلَةُ: فَسَأَلْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجِ، بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ؟ فَقَالَ:
أَمَّا بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، فَلَا بَأْسَ بِهِ.
٢/١٤١٨ - وحدّثني مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابِ؛ أَنَّهُ قَالَ: سَأَلَتُ
سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِالذّهَبِ وَالْوَرِقِ؟ فَقَالَ: لَا بَأُسَ
بِهِ .
(قال حنظلة: فسألت رافع بن خديج) أنُهِيَ عن كرائها (بالذهب والورق)
أيضاً، ولعل منشأ السؤال تجويز العامة ذلك (فقال) رافع: (أما بالذهب والورق
فلا بأس به) يحتمل أنه قال ذلك اجتهاداً، أو علم ذلك بالنص على جوازه، أو
علم أن النهي عنه ليس على إطلاقه بل بما إذا كان بشيء مجهول ونحو ذلك،
فاستنبط منه جوازه بالذهب والفضة.
ويرجح كونه مرفوعاً ما أخرجه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح عن
ابن المسيب عن رافع قال: ((نهى وَل﴿ عن المحاقلة والمزابنة، وقال: إنما يزرع
ثلاثة: رجل له أرض ورجل منح أرضاً، ورجل اكترى أرضاً بذهب أو فضة)).
لكن بَيَّنَ النسائي من وجه آخر أن المرفوع منه النهي عن المحاقلة والمزابنة،
وأن بقيته مدرج من كلام ابن المسيب، كذا في ((الفتح))(١).
وفي ((المحلى)): أما ما رواه الترمذي من طريق مجاهد عن رافع بن
خديج في النهي عن كراء الأرض ببعض خراجها، أو بالدراهم فقد أعَلَّه
النسائي بأن مجاهداً لم يسمعه من رافع، قال الحافظ: وفي إسناده أبو بكر بن
عياش، وفي حفظه مقال، اهـ.
٢/١٤١٨ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (أنه قال: سألت سعيد بن
المسيب عن كراء الأرض بالذهب والورق؟ فقال: لا بأس بذلك) ولعل المصنف
أشار بذلك إلى أن جوازه مستمرٌّ إلى زمن التابعين، وفي ((المحلى)): قال
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٢٦/٥).
٤٦٨

٣٦ - كتاب كراء الأرض
(١) باب
(١٤١٩) حديث
٣/١٤١٩ - وحدّثني مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّهُ سَأَلَ سَالِمَ بْنَ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعَ؟ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهَا. بِالذَّهَبِ
وَالْوَرِقِ .
قَالَ ابْنُ شِهَاب: فَقُلْتُ لَهُ: أَرَأَيْتَ الْحَدِيثَ الَّذِي يُذْكَرُ عَنْ
رَافِعِ بْنِ خَدِيجِ؟ فَقَالَ: أَكْثَرَ رَافِعٌ.
ابن المنذر: إن الصحابة أجمعوا على جواز كراء الأرض بالذهب والفضة، وقد
نقل ابنُ بطال اتفاق فقهاء الأمصار عليه، اهـ.
٣/١٤١٩ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (أنه سأل سالم بن عبد الله بن
عمر عن كراء المزارع) جمع مزرعة (فقال: لا بأس بها) أي يجوز (بالذهب
والورق. قال ابن شهاب: فقلت له) أي لسالم (أرأيت) أي هل عرفت أو بمعنى
أخبرني (الحديث الذي يذكر) ببناء المجهول (عن رافع بن خديج) في النهي عن
كراء المزارع مطلقاً (فقال) سالم: (أكثر) بفعل الماضي من الإكثار (رافع بن
خديج) قال الزرقاني(١): أي أتى بكثير موهم بغير المراد، وكأنه لم يبلغه إخبار
رافع بجوازه بالذهب والفضة، اهـ.
قلت: وهو ما روي في ((الصحيحين)) من رواية حنظلة عن رافع في النهي
عنه، وفي آخره فقلت لرافع: كيف هي بالدنانير والدراهم؟ فقال رافع: لا بأس
بها بالدنانير والدراهم، وفي ((المحلى)): أكثر رافع، فلم يفرق في النهي بين
الكراء ببعض ما يخرج من الأرض، وبين الكراء في النقد، فالنهي إنما هو عن
الأول، اهـ.
وقال الباجي(٢): يريد أنه رُوِي من النهي ما منع منه وما لم يمنع، وأن
النهي إنما توجه إلى منفعة بغير الذهب والورق، لكن رواه بلفظ العموم أو نقل
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٧٥/٣).
(٢) ((المنتقى)) (١٤٣/٥).
٤٦٩

٣٦ - کتاب کراء الأرض
(١) باب
(١٤٢٠) حديث
وَلَوْ كَانَ لِي مَزْرَعَةٌ أَكْرَيْتُهَا .
٤/١٤٢٠ - وحدّثني مَالِكٌ، أَنَّهُ بَلَغَهُ؛ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمُنِ بْنَ
عَوْفٍ، تَكَارَى أَرْضاً. فَلَمْ تَزَلْ فِي يَدَيْهِ بِكِرَاءٍ حَتَّى مَاتَ. قَالَ ابْنُهُ:
فَمَا كُنْتُ أُرَاهَا إِلَّا لَنَا، مِنْ طُولِ مَا مَكَثَتْ
اللفظ على ما سمعه، ولم ينقل معه ما يمنع حمله على العموم من العرف
والعادة أو ما يوجب التخصيص.
ويدل عليه قوله: (ولو كانت لي مزرعة) اسم ظرف أي أرض تزرع
(أكريتها) من الإفعال في النسخ المصرية، والافتعال في الهندية.
قال الباجي: على معنى تجويز الكراء في الجملة، لا على معنى تجويز
كرائها بكل عوض، وإنما يقتضي ذلك أنه يرى اكتراءها جائزاً في الجملة، اهـ.
ولفظ البخاري برواية جويرية عن مالك عن الزهري أن سالماً أخبره،
قال: أخبر رافع عبد الله بن عمر أن عميه وكانا شهدا بدراً أخبراه أن
رسول الله وَيّ نهى عن كراء المزارع، قلت لسالم: فتكريها أنت؟ قال: نعم،
إن رافعاً أكثر على نفسه.
قال العيني: هذا إنكار من سالم على رافع، قال الكرماني: فإن قلت:
رافع رفع الحديث إلى رسول الله وسير فلم قال: هو أكثر على نفسه؟ قلت: لعل
غرضه أنه لا يفرق بين الكراء ببعض ما يحصل من الأرض والكراء بالنقد،
ونحوه، والأول هو المنهيُّ عنه لا مطلقاً، اهـ.
٤/١٤٢٠ - (مالك، أنه بلغه أن عبد الرحمن بن عوف) أحد العشرة
(تكارى أرضاً) بفتح المثناة الفوقية والراء أي أخذها بالكراء (فلم تزل) الأرض
(في يديه) وتصرفه (بكراء كان) يؤديه (حتى مات قال ابنه) أبو سلمة أو حميد،
قاله الزرقاني، واقتصر صاحب ((المحلى)) على الأول (فما كنت أراها) بضم
الهمزة أي أظن الأرض المذكورة (إلا) مملوكة (لنا من طول ما مكثت) الأرض
٤٧٠

٣٦ - كتاب كراء الأرض
(١) باب
(١٤٢٠) حديث
فِي يَدَيْهِ. حَتَى ذَكَرَهَا لَنَا عِنْدَ مَوْتِهِ. فَأَمَرَنَا بِقَضَاءِ شَيْءٍ كَانَ عَلَيْهِ
مِنْ كِرَائِهَا . ذَهَبِ أَوْ وَرِقٍ .
(في يديه) أي الوالد (حتى ذكرها لنا عند موته) أنها بالكراء عنده (فأمرنا بقضاء
شيء كان عليه) أي بقي على ذمته (من كرائها) بيان لشيء (ذهب أو ورق)
بالشك من الراوي بالجر بدل عن شيء.
قال الباجي(١): يحتمل أنه كان اكتراها مساقاة، وذلك بأن يكريها منه
بدينار في كل عام، ولا يحد في ذلك أعواماً، ولكنه يطلق فيها القول، وهذا
عند مالك جائز، ومنع منه الشافعي، وقال: هو باطل، والدليل على ما نقوله
قوله ولول ليهود: ((نقركم على ذلك ما شئنا))، وهذا نص في موضع الخلاف.
ومن جهة المعنى أن ما جاز العقد على واحد منه غير معين جاز العقد على
جملة منه غير مقدرة، كما لو قال: أشتري منك هذه الصبرة كل قفيز بدرهم، وإذا
ثبت ذلك فإنما يلزم الكراء لما مضى، وللمكتري أن يخرج متى شاء، ولصاحب
الأرض أن يخرجه متى شاء، رواه عيسى عن ابن القاسم في ((العتبية))؛ لأن عدم
التقدير ينافي اللزوم، ولا يلزم منه إلا وجيبة واحدة في المشهور من المذهب، اهـ.
وهذا ينافي ما تقدم في أول الباب في قصة خيبر من قول الأبي: إن
المساقاة إلى أجل مجهول لا تجوز عند مالك والشافعي، والأكثر، ويؤيده، ما
قال ابن رشد (٢): أما الوقت الذي هو شرط في مدة المساقاة، فإن الجمهور
على أنه لا يجوز أن يكون مجهولاً، أعني مدة غير مؤقتة، وأجاز طائفةٌ أن
يكون إلى مدة غير مؤقتة، منهم أهل الظاهر.
وعمدة الجمهور، ما يدخل في ذلك من الغرر قياساً على الإجارة،
وعمدة أهل الظاهر ما وقع في مرسل مالك من قوله وَلير: ((أقركم على ما
أقركم الله)»، اهـ.
(١) ((المنتقى)) (١٤٤/٥).
(٢) ((بداية المجتهد)) (٢٤٩/٢).
٤٧١

٣٦ - كتاب كراء الأرض
(١) باب
(١٤٢١) حديث
٥/١٤٢١ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ
كَانَ يُكْرِي أَرْضَهُ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ.
وَسُئِلَ مَالِكٌ: عَنْ رَجُلِ أَكْرَى مَزْرَعَتَهُ بِمِائَةِ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ. أَوْ
مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنَ الْحِنْطَةِ أَوْ مِنْ غَيْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا؟ فَكَرِهَ ذُلِكَ.
اللَّهم إلا أن يقال: إن الأصل فيه أن لا يجوز إلا مدة معينة، لكن لما
شرع العامل في عمل سنة لزمته تلك السنة، كما تقدم هناك من كلام الباجي.
٥/١٤٢١ - (مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه أنه كان يكري) بضم
أوله (أرضه) أي يعطيها بالكراء (بالذهب والورق) وقد عدَّ البخاري عروة فيمن
يزرعون على الثلث والربع، قال الحافظ (١): وأثر عروة وهو ابن الزبير وصله
ابن أبي شيبة، قلت: وهذا لا ينافي ما في الباب فإنه لعله كان يعطي أرضه
بالكراء على العين، وعلى الثلث أو الربع معاً فلا منافاة.
(وسئِلَ) ببناء المجهول (مالكٌ عن رجل أكرى) بفتح الهمزة (مزرعته بمائة
صاع من تمر) مثلاً (أو مما يخرج منها) أي من الأرض عطف على من تمر (من
الحنطة) مثلاً بيان لما يخرج (أو من غير ما يخرج منها) من الطعام كاللبن
والعسل (فكره ذلك) مالك، وهذا مبنيٌ على ما تقدم من مذهب الإمام مالك أنه
لا يجوز كراؤها بالطعام أو بما تنبته الأرض، وتقدم خلاف الأئمة في ذلك في
أول الباب، وتقدم أيضاً أقوال فيها للمالكية أيضاً.
والمرجح ما قال الدردير(٢): وفسد كراء الأرض صالحة لزراعة بطعام،
سواء أنبتته كالقمح أو لم تنبته كاللبن أو بما تنبته غير طعام كقطن وكتّان وعصفر
وزعفران وتبن، إلا أن يكون ما تنبته كخشب وحطب وقصب فارسي وعود هندي
وصندل من كل ما يطول مكثه فيها، حتى يعدّ كأنه أجنبي منها فيجوز، اهـ.
(تم كتاب الكراء) كذا في النسخ الهندية، وليس هذا في النسخ المصرية.
(١) ((فتح الباري)) (١١/٥).
(٢) ((الشرح الكبير)) (٤/ ٧).
٤٧٢

٣٧ - كتاب الشفعة
بسم الله الرحمن الرحيم
٣٧ - كتاب الشفعة
(٣٧) كتاب الشفعة
بضم المعجمة وسكون الفاء، وغلط من حركها كذا في ((الفتح)) (١)، وقال
العيني: قال صاحب ((تثقيف اللسان)): الفقهاء يضمون الفاء، والصواب
الإسكان، وعلى هذا لا ينبغي أن ينسب الفقهاء إلى الغلط صريحاً لرعاية
الأدب، وكان ينبغي أن يقال: الصواب الإسكان . اهـ.
وفي ((القهستاني)): هي لغةً فعلة بالضم بمعنى المفعول، اسم للملك
المشفوع بملك. وفي ((الدر المختار))(٢): هي لغةً الضم، قال ابن عابدين: أفاد
في ((المغرب)) استعمالها في المعنيين، وأنه لم يسمع من الشفعة فعل. وأما
قولهم: الدار التي يشفع بها، فمِن استعمال الفقهاء، اهـ.
قال العيني(٣): اختلف في اشتقاقها في اللغة على أقوال، إما من الضم
أو الزيادة أو التقوية أو الإعانة أو الشفاعة، وكل ذلك يوجد في حق
الشفيع، اهـ. والأكثر قالوا: هي من الضم لغةً، قال الزرقاني (٤): هي لغة
الضم على الأشهر من شفعت الشيء ضممته، فهو ضَمُّ نصيبٍ إلى نصيب،
وقيل: من الشفع ضد الوتر؛ لأنه ضَمَّ نصيب شريكه إلى نصيبه. وقيل: من
الزيادة؛ لأنه يزيد ما يأخذه إلى ماله. وقيل: من الشفاعة؛ لأنه يتشفع بنصيبه
إلى نصيب صاحبه. وقيل: لأنهم كانوا إذا باع الشريك حصته أتى المجاور
شافعاً إلى المشتري ليوليه ما اشتراه وهذا أظهر، اهـ.
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٤٣٦/٤).
(٢) (٣٦١/٩).
(٣) ((عمدة القاري)) (٥٩٢/٨).
(٤) ((شرح الزرقاني)) (٣٧٦/٣).
٤٧٣

٣٧ - كتاب الشفعة
قال الزيلعي: مأخوذ من الشفع، وهو الضم ضد الوتر، ومنه شفاعة
النبيِ وَّ للمذنبين؛ لأنه يضمُّهم بها إلى الفائزين، يقال: شفع الرجل شفعاً إذا
كان فرداً فصار ثانياً. والشفيع يضم المأخوذ إلى ملكه فلذلك سمي شفعة، اهـ.
وقال ابن حزم: هي لفظة شرعية لم تعرف العرب معناها قبل
رسول الله وَلقر، كما لم يعرفوا معنى الصلاة والزكاة ونحوهما حتى بينها الشارع
كذا في ((العيني)).
ثم اختلف في معناها شرعاً أيضاً. قال الكرماني: الشفعة في الاصطلاح
تملكٌ قهريٌّ في العقار بعوض يثبت على الشريك القديم للحادث، وقيل: هو
تملك العقار على مشتريه جبراً بمثل ثمنه، وقال أصحابنا: هي تملك البقعة
جبراً على المشتري بما قام عليه، كذا في ((العيني))(١).
وقال الحافظ(٢): هي في الشرع انتقال حصة شريك إلى شريك كانت
انتقلت إلى أجنبي بمثل العوض المسمى. وقال الزرقاني: هي شرعاً استحقاق
شريك أخذ مبيع شريكه بثمن، اهـ. ولم يختلف الفقهاء في مشروعيتها حتى
حكى الإجماع عليه غير واحد من نقلة المذاهب، وقال الحافظان ابن حجر
والعيني: لم يختلف العلماء في مشروعيتها إلا ما نقل عن أبي بكر الأصم من
إنكارها ، اهـ.
قال الموفق(٣): هي ثابتة بالسنة والإجماع، أما السنة فما روي عنه أنه وَ النهـ
قضى بالشفعة في الروايات، وأما الإجماع فقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم
على إثبات الشفعة للشريك الذي لم يقاسم فيما بيع من أرض أو دار أو حائط،
(١) ((عمدة القاري)) (٨/ ٥٩٢).
(٢) ((فتح الباري)) (٤٣٦/٤).
(٣) ((المغني)) (٤٣٥/٧).
٤٧٤

٣٧ - كتاب الشفعة
(١) باب
(١) باب ما تقع فيه الشفعة
ولا نعلم أحداً خالف هذا إلا الأصم، فإنه قال: لا تثبت الشفعة؛ لأن في
ذلك إضراراً بأرباب الأملاك، فإن المشتري إذا علم أنه يؤخذ منه إذا ابتاعه لم
يبتعه، ويتقاعد الشريك عن الشراء فيستضر المالك، وهذا ليس بشيء لمخالفته
الآثار الثابتة والإجماع المنعقد قبله، اهـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
هكذا في جميع النسخ الهندية والمصرية من تأخير التسمية عن الكتاب إلا
في نسخة ((المنتقى)) ففيها تقديم التسمية على الكتاب. قال الزرقاني(١): تقدم
غير ما مرة أن الإمام تارة يقدم البسملة على كتاب، وتارة يؤخرها عنه تفنناً، اهـ.
(١) ما يقع فيه الشفعة
هكذا في جميع النسخ المصرية، وفي النسخ الهندية ((ما تقع به الشفعة))
بلفظ ((به)) بدل ((فيه))، والأوجه الأول، لأحكام وردت في الباب، ولما سيأتي
من الترجمة الآتية.
قال الموفق(٢): إن الشفعة تثبت على خلاف الأصل، إذ هي انتزاع ملك
المشتري بغير رضاءٍ منه، وإجبارٌ له على المعاوضة، لكن أثبتها الشرع لمصلحة
راجحةٍ، فلا تثبت إلا بشروط أربعة: أحدها: أن يكون الملك مشاعاً غير
مقسوم، فأما الجار فلا شفعة له، وبه قال مالك والشافعي، وقال الثوري
وأصحاب الرأي: الشفعةُ بالشركة، ثم بالشركة في الطريق ثم بالجوار.
الثاني: أن يكون المبيع أرضاً؛ لأنها التي تبقى على الدوام، ويدوم
ضررُها. وأما غيرها فينقسم قسمين؛ أحدهما: تثبت فيه الشفعة تبعاً للأرض،
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٧٧/٣).
(٢) ((المغني)) (٤٣٦/٧).
٤٧٥

٣٧ - كتاب الشفعة
(١) باب
وهو البناء والغراس، يباع مع الأرض، فإنه يُؤْخَذُ بالشفعة تبعاً للأرض بغير
خلافٍ في المذهب، ولا نعرف فيه بين من أثبت الشفعة خلافاً. الثاني: ما لا
تثبت فيه الشفعة تبعاً ولا مفرداً، وهو الزرع، والثمرة الظاهرة تباعُ مع الأرض،
فإنه لا يؤخذ بالشفعة مع الأصل، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة ومالك:
يؤخذ ذلك بالشفعة مع أصوله.
وأما ما بِيْعَ مفرداً من الأرض، فلا شفعة فيه، سواء كان مما يُنْقَلُ
كالحيوان والثياب والسفن، أو لا يُنْقَلُ كالبناء والغِرَاس إذا بيع مفرداً، وبهذا
قال الشافعي وأصحاب الرأي، وروي عن الثوري وإسحق وغيرهما لا شفعة
في المنقولات، واختلف عن مالك وعطاء، فقالا مرة كذلك، ومرة قالا :
الشفعة في كل شيء حتى في الثوب.
الثالث: أن يكون المبيع مما يمكن قسمته، فأَمَّا ما لا يمكن قسمتُه، من
العقار كالحَمَّام الصغير والرَّحَى الصغيرة والعِراص الضيقة، فعن أحمد فيه
روايتان، إحداهما: لا شفعة فيه، وبه قال الشافعي، والثانية: فيها الشفعة، وبه
قال أبو حنيفة، وعن مالك كالروايتين.
الرابع: أن يكون الشِّقْصُ منتقلاً بعوض، أما المنتقِلُ بغير عوض كالهبة
بغير ثواب، والوصية، والصدقة، والإرث، فلا شفعة فيه، في قول عامة أهل
العلم، منهم مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، وحكي عن مالك رواية
أخرى في المنتقل بهبة أو صدقة أن فيه الشفعة، ويأخذه الشفيع بقيمته.
فأما المنتقل بعوض فينقسم قسمين؛ أحدهما: ما عِوَضُه المال كالبيع،
فهذا فيه الشفعة بغير خلاف، وكذلك كل عقد جرى مجرى البيع، كالصلح عن
الجنايات والهبة المشروط فيها الثواب، وبه يقول مالك والشافعي وأصحاب
الرأي.
الثاني: ما انتقل بعوض غير المال نحو أن يجعل الشقص مهراً أو عوضاً
في الخلع أو في الصلح عن دم العمد، فظاهر كلام الخرقي أنه لا شفعة فيه،
٤٧٦

٣٧ - كتاب الشفعة
(١) باب
وبه قال أبو ثور وأصحاب الرأي، وقال ابن حامد: تجب فيه الشفعة، وبه قال
مالك والشافعي، اهـ مختصراً.
وهذا إجمال البحث فيه، وسيأتي البسط في هذه المباحث في مواضعها
وجعل شارح ((الكبير)) الشروط خمسة، وزاد في الشروط المطالبة على الفور
ساعةً يعلم، وهو نص أحمد، وبه قال الشافعي في الجديد وأبو حنيفة، وعن
أحمد رواية أخرى أنها على التراخي، وهو قول مالك، اهـ.
وقال ابن رشد في ((البداية))(١): أركانها أربعةٌ: الشافع، والمشفوع عليه،
والمشفوع فيه، وصفة الأخذ بالشفعة.
أما الأول: أي الشافع فذهب مالك والشافعي وأهل المدينة إلى أن لا
شفعة إلا للشريك ما لم يقاسم، وقال أهل العراق: الشفعة مرتبة، فأولى الناس
بها الشريك الذي لم يقاسم، ثم الشريك المقاسم إذا بقيت في الطريق، أو في
الصحن شركة، ثم الجار الملاصق.
وأما الثاني: أي المشفوع فيه فاتفق المسلمون على أنها واجبة في الدور
والعقار والأرضين كلها، واختلفوا فيما سوى ذلك.
وأما الثالث: أي المشفوع عليه فإنهم اتفقوا على أنه من انتقل إليه الملك
بشراء من شريك غير مقاسم، أو من جار عند من يرى الشفعة للجار، واختلفوا
فيمن انتقل إليه الملك بغير شراء، فالمشهور عن مالك أن الشفعة إنما تجب إذا
كان انتقال الملك بعوض كالبيع والصلح والمهر وأرش الجنايات وغير ذلك.
وعنه رواية ثانية أنها تجب بكل ملك انتقل بعوض أو بغير عوض كالهبة لغير
الثواب والصدقة ما عدا الميراث، فإنه لا شفعة فيه عند الجميع باتفاق، اهـ.
ثم ما حكى من مذهب الحنفية وغيرهم بعد ذلك فقد تسامح فيه.
وأما الركن الرابع أي الأخذ بالشفعة، فالنظر فيه بماذا يأخذ الشفيع، وكم
(١) ((بداية المجتهد)) (٢٥٦/٢).
٤٧٧

٣٧ - كتاب الشفعة
(١) باب
(١٤٢٢) حديث
١/١٤٢٢ - حدّثنا يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ. وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَوْفٍ؛ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ وَّ
يأخذ، ومتى يأخذ، أما الأول: أي بماذا يأخذ فإنهم اتفقوا على أنه يأخذ في
البيع بالثمن إن كان حالّاً، واختلفوا إذا كان البيع إلى أجل. وأما الثاني: أي
كم يأخذ فإن الشفيع لا يخلو أن يكون واحداً أو أكثر، والمشفوع عليه أيضاً
يكون واحداً أو أكثر، فإن كان الشفيع واحداً، والمشفوع عليه واحداً، فلا
خلاف في أن الواجب على الشفيع أن يأخذ الكل أو يدع، وإذا كان المشفوع
عليه واحداً والشفعاء أكثر، فإنهم اختلفوا فيه في موضعين؛ أحدهما: في كيفية
قسمة المشفوع فيه بينهم، وثانيهما: إذا اختلفت أسباب شركتهم، هل يحجب
بعضهم بعضاً من الشفعة أم لا؟.
وأما الثالث: أي متى يأخذ فإن الذي له الشفعة رجلان حاضر أو غائب.
فأما الغائب فأجمع العلماء على أنه على شفعته ما لم يعلم ببيع شريكه،
واختلفوا إذا علم وهو غائب، وأما الحاضر، فالفقهاء اختلفوا في وقت وجوب
الشفعة له، فقال الشافعي وأبو حنيفة: هي على الفور بشرط العلم وإمكان
الطلب، وعند مالك ليست على الفور، بل وقت وجوبها متّسع، واختلف قوله
في هذا الوقت، هل هو محدود أو غير محدود، اهـ.
١/١٤٢٢ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن سعيد بن المسيب)
التابعي الشهير (وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف) عطف على سعيد (أن
رسول الله (*) قال ابن عبد البر: مرسل عن مالك الأكثر رواة ((الموطأ))
وغيرهم، ووصله عنه عبد الملك بن الماجشون وأبو عاصم النبيل ويحيى بن
أبي قتيلة وابن وهب بخلف، فقالوا: عن أبي هريرة، وذكر الطحاوي أن قتيبة
أيضاً وصله عن مالك، وكذا اختلف فيه رواة ابن شهاب فرواه ابن إسحق عنه
عن سعيد وحده عن أبي هريرة، ويونس عنه عن سعيد وحده مرسلاً، ورواه
٤٧٨

٣٧ - كتاب الشفعة
(١) باب
(١٤٢٢) حديث
قَضَى بِالشُّفْعَةِ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ.
معمر عن الزهري عن أبي سلمة، عن جابر، قال أحمد: ورواية معمر حسنة،
وقال ابن معين: رواية مالك أحبُّ إليّ وأصح، يعني مرسلاً عن أبي سعيد
وأبي سلمة، وأسند هذه الروايات كلها في ((التمهيد))(١).
ثم قال: كان ابن شهاب أكثر الناس بحثاً عن هذا الشأن، فربما اجتمع
له في الحديث جماعة، فحدث به مرة عنهم، ومرة عن أحدهم، بقدر نشاطه
حين تحديثه، وربما أدخل حديث بعضهم في بعض، كما صنع في حديث
الإفك وغيره، وربما كسل فأرسل، وربما انشرح فوصل، فلذا اختلف عليه
أصحابه اختلافاً كثيراً، اهـ. قال الزرقاني(٢): ومثله يقال في مالك، اهـ.
قلت: وأخرجه البخاري برواية معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر
مرفوعاً، قال الحافظ(٣): اختلف على الزهري في هذا الحديث فقال مالك:
عنه عن أبي سلمة وابن المسيب مرسلاً كذا رواه الشافعي وغيره، ورواه أبو
عاصم والماجشون عنه، فوصله بذكر أبي هريرة أخرجه البيهقي، ورواه
ابن جريج عن الزهري لكن قال: عنهما أو عن أحدهما، أخرجه أبو داود،
والمحفوظ روايته عن أبي سلمة عن جابر موصولاً، وعن ابن المسيب عن
النبي و 18 مرسلاً، وما سوى ذلك شذوذ ممن رواه، ويُقَوِّي طريقه عن أبي
سلمة عن جابر متابعة يحيى بن أبي كثير له عن أبي سلمة عن جابر، اهـ.
(قضى) أي حكم (بالشفعة) بين الشركاء، (فيما) أي في كل شيء مشترك
بينهم (لم يقسم) ببناء المجهول أي لم يقسم إلى الآن (بين الشركاء) ولفظ
البخاري من حديث جابر - رضي الله عنه - جعل رسول الله وَية الشفعة في كل
(١) (٣٦/٧).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٧٧/٣).
(٣) ((فتح الباري)) (٤٣٦/٤).
٤٧٩

٣٧ - كتاب الشفعة
(١) باب
(١٤٢٢) حديث
ما لم يقسم، واستدل بعمومه من قال بعموم الشفعة للشريك في كل شيء، قال
العيني(١): وروي عن عطاء أنه قال: الشفعة في كل شيء حتى في الثوب،
وحكى مقالة عطاء عن بعض الشافعية ومالك. وأنكره القاضي أبو محمد، اهـ.
وحكى ابن رشد عن قوم أن الشفعة في كل شيء ما عدا المكيل والموزون.
قال الحافظ (٢): صدر الحديث يشعر بثبوتها في المنقولات. وسياقه يُشْعر
باختصاصها بالعقار، وبما فيه العقار، وقد أخذ بعمومها في كل شيء مالك في
رواية، وهو قول عطاء. وعن أحمد تثبت في الحيوانات دون غيرها من
المنقولات، وروى البيهقي من حديث ابن عباس مرفوعاً ((الشفعة في كل شيء))
ورجاله ثقات إلا أنه أعَلّ بالإرسال. وأخرج الطحاوي له شاهداً من حديث
جابر بإسناد لا بأس برُواته، اهـ.
وما حكي عن مالك قال الزرقاني(٣): رُدَّ بأنه لا يعرف عند أصحابه، وما
حكي عن أحمد فهو رواية عنه، قال الموفق(٤): قال ابن أبي موسى: وقد رُوي
عن أبي عبد الله روايةٌ أخرى أن الشفعة واجبةٌ فيما لا ينقسم كالحجارة
والسيف والحيوان، وما في معنى ذلك، قال أبو الخطاب: عن أحمد رواية
أخرى أن الشفعة تجب في البناء والغراس. وإن بِيْعَ مفرداً وهو قول مالك،
لعموم قوله وله: الشفعة فيما لم يقسم، ولأن ابن أبي مليكة روى أن النبي وَل
قال: ((الشفعة في كل شيء))(٥) ..
ولنا، أن قوله وَ له: ((الشفعة فيما لم يقسم))، إنما أراد ما لا ينقسم من
(١) ((عمدة القاري)) (٥٢٢/٨).
(٢) ((فتح الباري)) (٤٣٦/٤).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٣٧٧/٣).
(٤) («المغني)) (٤٤٠/٧).
(٥) أخرجه الترمذي (١٣٧١).
٤٨٠