Indexed OCR Text

Pages 401-420

٣٤ - كتاب القراض
(١٥) باب
(١٤١٣) حديث
قال الباجي(١): وهذا كما قال: إن العامل إذا رَدَّ المال، وكان قد سافر سفراً
اكتسى فيه، وتجهَّزَ من مال القراض، فإن ما بقي من جهازه وكسوته مما لا قيمة له
للعامل، قال ابن القاسم في ((العتبية)): كخلق الجُبَّة والقِرْبة، قال محمد: وكذلك
الغرارة والإداوة، قال سحنون: وما كان من الثياب تافهاً خلقاً تركت له، وإن كان
للثياب بال بيعت، ورُدّ ثمنها في المال، ومعنى ذلك أن مثل هذه المعاني تترك لمن
كان له الانتفاع، ألا ترى أن العامل لو عمل في المال عملاً يسيراً، لا يلزمه من
نقل متاع أو عمل خفيف لم یکن له فيه عوض.
ومعنى قوله: إلا أن يتخَلَّل أن يعلمه ما بقي عنده، ويعلمه بصفته وقدره،
فإن جعله رب المال في حل منه ساغ له ذلك، وإلا ردّ إليه منه حقه، انتهى.
قال الزرقاني(٢): ووافق مالكاً في ذلك الليث، وقال أبو حنيفة والشافعي:
يَرُدُّ قليلَ ذلك وكثيرَه، واحتجّ له بعضُهم بقوله ◌َّهِ: ((يا عائشة إياكٍ ومُحَقَّراتِ
الذنوب، فإن لها من الله طالباً))، ولا حجة فيه كما لا يخفى، انتهى.
قال السرخسي(٣): فإذا رجع يعني عن السفر، وقد بقي معه ثياب أو طعام أو
غيره ردّه في مال المضاربة؛ لأن استحقاقه قد انتهى برجوعه إلى مصره، فعليه رَدُّ
ما بَقِيَ كالحاج عن الغير إذا بقي معه شيءٌ من النفقة بعد رجوعه، انتهى.
(كمل كتاب القراض وبتمامه كمل الجزء الثالث من الموطأ من تجزية أربعة
أجزاء) هكذا في النسخ الهندية، وليس هذا في النسخ المصرية، والظاهر أنه
كتبه بعض من اعتنى بالكتاب من علماء الهند على طريق الحاشية لزيادة الإفادة،
وقد وقع الفراغ من تسويد هذا الشرح إلى ((كتاب القراض)) بعون الله وحمده في
الساعة التاسعة من تاسع رجب سنة ١٣٦٥هـ يوم الاثنين، فللَّه الحمد والمنة.
(١) ((المنتقى)) (١٨١/٥).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٦٣/٣).
(٣) ((المبسوط)) (٢٢/ ٦٣).
٤٠١

٣٥ - كتاب المساقاة
(١) باب
بسم الله الرحمن الرحيم
٣٥ - كتاب المساقاة
(١) باب ما جاء في المساقاة
(٣٥) كتاب المساقاة
هكذا في جميع النسخ الهندية والمصرية بذكر هذا الكتاب، بعد
القراض، إلا في نسخة ((المنتقى)) ففيها ذكر بعد القراض كتاب الأقضية، وذكر
المساقاة بعد البيوع قبل القراض، وقد ذكر في ((مختصر خليل)) أيضاً المساقاة
بعد القراض. قال الدردير: ومناسبتها للقراض ظاهرة.
بسم الله الرحمن الرحيم
هكذا في النسخ الهندية وأكثر المصرية بتأخير التسمية عن الكتاب، وفي
بعض المصرية بتقديمها على الكتاب وكل موجّهٌ.
(١) ما جاء في المساقاة
وفيه أبحاث:
الأول: في لغتها وهي مفاعلة من السقي بفتح السين وسكون القاف،
وهي أن يعامل غيره على نخل أو شجر أو غيرهما ليتعهده بالسقي والتربية على
أن الثمرة لهما، واشتقّ لها اسمٌ من السقي مع أنها اشتملت على غيره،
كالتلقيح والتعريش والحفظ وغيرها؛ لأن السقي معظم عملها، وأصل منفعتها،
وأكثرها مؤنة لا سيما في الحجاز، فإنهم يسقون من الآبار.
ثم وُسِّع في الإطلاق، فأجازوا مساقاة البعل، وهو الكبوس الذي ينبت
بماء السماء، ولا سقي فيه لما فيه من المؤن الأخر، تقوم مقام السقي.
والمفاعلة فيه إما للواحد كقولهم: عافاك الله، أو لوحظ العقد، وهو منهما.
٤٠٢

٣٥ - كتاب المساقاة
(١) باب
قال ابن عابدين(١) في المزارعة: ذكر في ((البدائع)) أن المفاعلة على
بابها، لأن الزرع هو الإنبات لغةً وشرعاً، والمتصوّر من العبد التسبب في
حصوله، وقد وجد من أحدهما بالعمل، ومن الآخر بالتمكين منه، إلا أنه
اختص العامل بهذا الاسم في العرف كاسم الدابة لذوات الأربع، ويقال:
المفاعلة قد تستعمل فيما لا يوجد إلا من واحد كالمداواة والمعالجة، اهـ.
الثاني: في تعريفها عند الفقهاء المالكية والحنفية، قال الدردير(٢): هي
عقد على خدمة شجر وما ألحق به بجزء من غلته أو بجميعها بصيغة. قال
الدسوقي: ما ألحق به أي كالزرع والمقتأة، وقال الأبي: رسمها الشيخ بأنها
العقد على القيام بمؤنة النبات بقدرٍ من غلته، لا بلفظ الإجارة والجعالة،
وقال: بقدر، ولم يقل بجزء لتدخل المساقاة على أن للعامل كل الثمرة، اهـ.
وفي ((الدر المختار)) (٣): وهي شرعاً معاقدة دفع الشجر إلى من يصلحه
بجزء معلوم من ثمره. قال ابن عابدين: قوله: دفع الشجر أي كل نبات بالفعل
أو بالقوة يبقى في الأرض سنة أو أكثر فيشمل أصول الرطبة والفُؤَّه وبصل
الزعفران، اهـ.
والثالث: في حكمها، فجمهور العلماء من السلف والخلف على إباحته
حتى حكى غير واحد من نقلة المذاهب الإجماع على ذلك، ولا شك أن
الإجماع مُتعَقَّبٌ.
قال الموفق(٤): الأصل في جوازها السنَّة والإجماع، أما السنَّة، فما
(١) ((الدر المختار)) (٥٨٢/٦) وانظر: ((البدائع)) (٢٥٤/٥).
(٢). ((الشرح الكبير)) (٥٣٩/٣).
(٣) (٥٩٥/٦).
(٤) («المغني)) (٥٢٧/٧).
٤٠٣

٣٥ - كتاب المساقاة
(١) باب
روى ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: ((عامل رسول الله وَل﴿ أهل خيبر))
الحديث متفق عليه(١).
وأما الإجماع، فقال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين - رضي الله
عنه - وعن آبائه: ((عامل رسول الله وَلقول أهل خيبر بالشطر))، ثم أبو بكر وعمر
وعثمان وعلي، ثم أهْلُوهم إلى اليوم يعطون الثلثَ والربعَ. وهذا عَمِل به
الخلفاء الراشدون في مدة خلافتهم، واشتهر ذلك، فلم ينكره منكر فكان
إجماعاً. فإن قيل: لا نُسلم أنه لم ينكره منكر، فإن ابن عمر - رضي الله
عنهما - راوي حديثٍ معاملةِ أهل خيبر قد رجع عنه، وقال: كنا نخابرُ أربعين
سنةً حتى حدَّثنا رافع بن خديج ((أنَّ رسولَ الله وَلَّ نهى عن المخابرة))(٢).
وهذا يمنع انعقاد الإجماع. ويدلُّ على نسخ حديث ابن عمر لرجوعه عن
العمل به إلى حديث رافع. قلنا: لا يجوز حملُ حديث رافع على ما يخالف
الإجماعَ، ولا حديث ابن عمر؛ لأنه وَ لو لم يزل يعامل أهل خيبر حتى مات ثم
عَمِل به الخلفاءُ بعده، ولو صح حديث رافع لوجب حمله على ما يوافق السُّنَّة
والإجماع، إلى آخر ما بَسَطَه.
وفي ((المحلى)): قال عياض: لم أر أحداً من أهل العلم منع عن
المساقاة غير أبي حنيفة.
وفي ((المغني)): قال أبو حنيفة وزفر: لا تجوز، وقال ابن رشد(٣): وأما
جوازها، فعليه جمهور العلماء مالك، والشافعي، والثوري، وأبو يوسف،
-
(١) ((صحيح البخاري)) (٢٣٢٨)، و((صحيح مسلم)) (١٥٥١)، وأخرجه أبو داود (٣٤٠٨)،
والترمذي (١٣٨٣)، وابن ماجه (٢٤٦٧).
(٢) أخرجه مسلم (١١٨١/٣).
(٣) ((بداية المجتهد)) (٢٤٤/٢).
٤٠٤

٣٥ - كتاب المساقاة
(١) باب
ومحمد صاحبا أبي حنيفة، وأحمد، وداود، وهي عندهم مستثناة بالسنّة من بيع
ما لم يخلق، ومن الإجارة المجهولة، وقال أبو حنيفة: لا تجوز المساقاة
أصلاً. وعمدة الجمهور في إجازتها حديث ابن عمر الثابت في معاملة أهل
خیبر .
وأما أبو حنيفة ومن قال بقوله، فعمدتهم مخالفة هذا الأثر للأصول مع
أنه حكم مع اليهود، واليهود يحتمل أنهم أقرّهم على أنهم عبيد، ويحتمل أن
يكون أقرَّهم على أنهم ذمة، إلا أنا إذا أنزلنا أنهم ذمة كان مخالفاً للأصول؛
لأنه بيع ما لم يخلق، وأيضاً فإنه من المزابنة، وهو بيع التمر بالتمر متفاضلاً؛
لأن القسمة بالخرص بيع بالخرص.
واستدلوا على مخالفته للأصول بما روي في حديث عبد الله بن رواحة
أنه كان يقول لهم عند الخرص: ((إن شئتم فلكم وتضمنون نصيب المسلمين،
وإن شئتم فلي وأضمن نصيبكم)). وهذا حرام بالإجماع، وربما قالوا: إن النهي
الوارد عن المخابرة هو ما كان من هذا الفعل بخيبر، والجمهور يرون أن
المخابرة هي كراء الأرض ببعض ما يخرج منها، قالوا: ومما يدل على نسخ
هذا الحديث أو أنه خاص باليهود ما ورد من حديث رافع وغيره من النهي عن
كراء الأرض بما يخرج منها، اهـ.
وفي ((الهداية))(١) في باب المزارعة: وله ما روي أنه بُّ ((نهى عن
المخابرة)) وهي المزارعة، ولأنه استئجار ببعض ما يخرج من عمله، فيكون في
معنى قفيز الطحان، ولأن الأجر مجهول أو معدوم وكل ذلك مفسد، ومعاملة
النبي ◌َ ◌ّ أهل خيبر كان خراج مقاسمة بطريق المَنِّ والصلح، وهو جائز، اهـ.
قال السرخسي(٢): وتأويله عند أبي حنيفة من وجهين:
(١) (٣٣٧/٢).
(٢) ((المبسوط)) (٢/٢٣).
٤٠٥

٣٥ - كتاب المساقاة
(١) باب
أحدهما: أنه ﴿ ﴿ حين افتتح خيبر استرقَّهم، وتملَّك أراضيهم ونخيلَهم،
ثم جعلها في أيديهم يعملون فيها للمسلمين بمنزلة العبيد في نخيل مواليهم،
وكان في ذلك منفعة للمسلمين ليتفرغوا للجهاد بأنفسهم، ولأنهم كانوا أبْصَرَ
بذلك العمل، وما جعل لهم من الشرط بطريق النفقة لهم، فإنهم مماليكُ
للمسلمين يعملون لهم، فيستوجبون النفقة، فجعل النفقة فيما يحصل بعملهم،
ليكونَ ذلك ضريبة عليهم بمنزلة المولَى يُشارط عبده الضريبة إذا كان مكتسباً،
وقد نُقِل بعض هذا عن الحسين بن علي - رضي الله عنهما -.
والثاني: أنه منَّ عليهم برقابهم وأراضيهم ونخيلهم وجعل شطرَ الخارج
عليهم بمنزلة خراج المقاسمة، وللإمام رأي في الأرض الممنُون بها على أهلها
إن شاء جعل عليهم خراج الوظيفة، وإن شاء جعل خراج المقاسمة، وهذا
أصح التأويلين، فإنه لم ينقل عن أحد من الولاة أنه تصرف في رقابهم أو
رقاب أولادهم كالتصرف في المماليك، وكذلك عمر - رضي الله عنه - أجلاهم
ولو كانوا عبيداً لما أجلاهم، اهـ.
الرابع: ما قال الدسوقي(١): إن المساقاة مستثناة للضرورة من أمور خمسة
ممنوعة: الأول: بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، الثاني: بيع الطعام بالطعام نسيئة
إذا كان العامل يغرم طعام الدواب والأجراء؛ لأنه يأخذ عن ذلك الطعام طعاماً
بعد مدة. الثالث: الغرر للجهل بما يخرج على تقدير سلامة الثمرة. الرابع:
الدَّيْنُ بالدَّينِ، لأن المنافع والثمار كلاهما غير مقبوض الآن. الخامس:
المخابرة وهي كراء الأرض بما يخرج منها بالنسبة لترك البياض للعامل، اهـ.
قلت: والسادس: عن المزابنة على ما تقدم في كلام ابن رشد، وهو غير
الوجه الثاني المذكور ههنا، والسابع: عن قفيز الطحان، كما تقدم في كلام
صاحب ((الهداية)) في البحث الثالث.
(١) ((حاشية الدسوقي)) (٥٣٩/٣).
٤٠٦

٣٥ - كتاب المساقاة
(١) باب
البحث الخامس: أن القائلين بجوازها اختلفوا في محل جوازها، قال
ابن رشد(١): اختلفوا في محل المساقاة، فقال داود: لا تكون إلا في النخل
فقط، وقال الشافعي: في النخل والكرم فقط، وقال مالك: تجوز في كل أصل
ثابت كالرمان والزيتون وما أشبه ذلك من غير ضرورة، وتكون في الأصول غير
الثابتة كالمقاثىء، والبطيخ مع عجز صاحبها عنها، وكذلك الزرع، ولا تجوز
في شيء من البقول عند الجميع، إلا ابن دينار، فإنه أجازها فيه إذا نبتت قبل
أن تستغلّ، اهـ.
وقال الموفق (٢): المساقاة جائزة في جميع الشجر المثمر، هذا قول
الخلفاء الراشدين، وبه قال ابن المسيب، وسالم، ومالك، والثوري،
والأوزاعي، وأبو يوسف، ومحمد، وإسحق، وأبو ثور. وقال داود: لا يجوز
إلا في النخيل؛ لأن الخبر إنما ورد فيه.
وقال الشافعي: لا يجوز إلا في النخيل والكرم، وفي سائر الشجر، له
قولان: أحدهما: لا تجوز فيه؛ لأن الزكاة لا تجب في نمائه، فأشبه ما لا
ثمرة له. ولنا، عموم قوله: ((عامَلَ رسول الله وَ ط﴿ أهل خيبر بشطر ما يخرج
منها من زرعٍ أو ثمرٍ))، وهذا عام في كل ثمر.
فأما ما لا ثمر له من الشجر كالصفصاف والجوز ونحوهما، أو له ثمر
غير مقصود كالصَّنوبر والأرز، فلا تجوز المساقاة عليه. وبه قال مالك
والشافعي، ولا نعلم فيه خلافاً؛ لأنه ليس بمنصوص عليه، ولا في معنى
المنصوص، ولأن المساقاة إنما تكون بجزءٍ من الثمرة، وهذا لا ثمرة له، إلا
أن يكون مما يُقصد وَرَقُهُ كالتوت والورد، فالقياس يقتضي جواز المساقاة
(١) ((بداية المجتهد)) (٢٤٥/٢).
(٢) («المغني)) (٥٣١/٧).
٤٠٧

٣٥ - كتاب المساقاة
(١) باب
(١٤١٤) حديث
١/١٤١٤ - حدّثنا يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّب؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَ لهَ قَالَ لِيَهُودِ خَيْبَرَ، يَوْمَ افْتَتَحَ
خَيْبَرَ: ((أُقِرُّكُمْ فِيهَا مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.
عليه، اهـ. وستأتي في الباب أقوال الإمام مالك - رحمه الله - فيما يجوز فيه
المساقاة .
١/١٤١٤ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن سعيد بن المسيب) قال
ابن عبد البر: أرسله جميع رواة ((الموطأ)» وأكثر أصحاب ابن شهاب، ووصله
طائفة، منهم صالح بن أبي الأخضر، أي: وهو ضعيف، فزاد عن أبي هريرة،
قاله الزرقاني(١).
(أن رسول الله (وَ لقر قال ليهود خيبر) بوزن جعفر مدينة كبيرة ذات حصون
ومزارع ونخل كثير على ثمانية برد من المدينة إلى جهة الشام (يوم افتتح خيبر)
في صفر سنة سبع عند الجمهور بعد ما حاصرها بضع عشرة ليلة، ومن قال:
سنة ست بناه على أن ابتداء التاريخ من شهر الهجرة وهو ربيع الأول.
قال الباجي(٢): يريد في ذلك الزمن حيث وجب تفرغ النظر للمسلمين
فيها، كما يقال: قال كذا يومَ بدر، وفعل كذا يومَ أحد، وإنما جرى ذلك في
الأيام المضافة إليها .
(أقركم) بضم الهمزة على زنة المتكلم من الإقرار أي أثبتكم وأترككم،
زاد في النسخ المصرية بعد ذلك ((فيها)) أي في خيبر (ما أقركم الله) بفتح الهمزة
زاد في أوله في النسخ الهندية لفظ ((على))، أي على وفق مدة أثبت الله عليها،
كذا في ((المحلى))، وفيه إيماء إلى أن هذا الحكم لا يستمر.
وفي ((الصحيحين)): ((أقركم ما شئنا))، وكان ذلك على سؤالهم، ففي
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٦٣/٣).
(٢) ((المنتقى)) (١١٨/٥).
٤٠٨

٣٥ - كتاب المساقاة
(١) باب
(١٤١٤) حديث
((الصحيحين))(١) عن ابن عمر ((كان ◌َّهُ لما ظهر على خيبر أراد إخراج اليهود
منها، فسألته أن يُقِرَّهم بها. على أن يكفوه العمل ولهم نصف الثمر فقال ◌َله :
أقركم))، الحديث.
استدل الموفق بذلك الحديث على أن المساقاة من العقود الجائزة،
وجمهور الفقهاء على أنها من العقود اللازمة، كما سيأتي في قول مالك الآتي
قريباً أنها تساقى السنين الثلاث والأربع.
وقال الأُبِّي(٢): احتج بالحديث داود على جواز المساقاة إلى أجل
مجهول، ومالك والشافعي والأكثر يمنعونها إلا إلى أجل معين، والحديث
محمول عندهم على أن المراد إقرارهم بخيبر؛ لأنه قد كان عازماً على
إخراجهم من جزيرة العرب، كما أمر به في آخر عمره الشريف في مرضه؛ لأنه
حين عزم على إخراجهم سألوه أن يبقيهم على أن يكفوه العمل، ويكون لهم
النصف، فأجابهم بقوله هذا حين رأى المصلحة في ذلك، فكلامه هذا خرج
مخرج الجواب لهم لا أنه راجع إلى عقد المساقاة معهم، وقيل: جاز ذلك في
أول الإسلام، وقيل: كان خاصاً به وَ له ينتظر فيهم الوحي، وقيل: كان الفتح
عنوةً وكانوا عبيداً له وَّر، كما قال ابن شهاب، ويجوز بين العبد وسيده ما لا
يجوز بين الأجانب، إذ للسيد أخذ ما بيده عند الجميع، قاله ابن عبد البر.
وقيل: ليس المقصود بهذا الكلام عقد المساقاة وإنما المقصود أنها
ليست بمؤبدة، ويحتمل أنه حد الأجل، فلم يسمعه الراوي فلم ينقله، اهـ بزيادة
من الزرقاني(٣).
(١) أخرجه البخاري (٢٣٣٨) في الحرث، ومسلم في المساقاة (١١٨٣/٣).
(٢) ((إكمال إكمال المعلم)) (٢٢٨/٤).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٣٦٥/٣).
٤٠٩

٣٥ - كتاب المساقاة
(١) باب
(١٤١٤) حديث
قلت: ولكن استدل به الباجي على جواز المساقاة المطلقة عند مالك
خلافاً للشافعي، كما سيأتي في آخر الباب تحت أثر عبد الرحمن بن عوف،
فارجع إليه .
وقال الباجي(١): أقرّكم على ما أقرّكم الله، يقتضي أن ذلك كان عند
المساقاة، ولعله كان بعد وصف العمل والاتفاق منه على معلوم بعبارة أو
غيرها، وهذا اللفظ لا يتناول العقد على مدة يلزم العقد في جميعها، وإنما
يلزم في مقدار منها، فأما المساقاة؛ فإنها تلزم في عام واحدٍ؛ لأنه لا يمكن أن
تتبعض، وكذلك كلما شرع العامل في عام لزم العقد في ذلك العام، وكذلك
المتساقيان بالخيار فيما بعده لكل منهما ترك ذلك ما لم يشرع العامل في عمل
سنته، فتلزمه تلك السنة، وقال عبد الملك: يلزم أجرة جزء على حساب
الأجرة من شهر وسنة، اهـ.
وقال الأُبِّي(٢): إذا كان لا بد لها من تعيين الأجل، فأقل أجلها إلى
الجذاذ من عام العقد، فإن كانت تطعم بطنين، فإلى الجذاذ الأول إلا أن
يشترط أنها إلى الثاني، وإن أطلقا العقد وسكتا عن التعيين في العقد فهي إلى
الجذاذ، ويجوز توقيتها بالسنين قَلَّتْ أو كَثُرتْ ما لم تكثر السنين جداً، اهـ.
وفي ((الهداية))(٣): قال أبو حنيفة: المساقاة باطلة، وقالا: جائزة إذا ذكر
مدة معلومة، وإذا لم يبين المدة يجوز ويقع على أول ثمر يخرج؛ لأن الثمر
لإدراكها وقت معلوم، وقلّما يتفاوت فلا يشترط بيان المدة بخلاف الزرع؛ لأن
ابتداءه يختلف كثيراً خريفاً وصيفاً وربيعاً، والانتهاء بناءً عليه فتدخله الجهالة،
(١) ((المنتقى)) (١١٨/٥).
(٢) ((إكمال إكمال المعلم)) (٢٢٨/٤).
(٣) (٣٤٣/٢).
٤١٠

٣٥ - كتاب المساقاة
(١) باب
(١٤١٤) حديث
عَلَى أَنَّ الثَّمَرَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ)) قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ يَبْعَثُ
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ فَيَخْرُصُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ،
وبخلاف ما إذا دفع إليه غرساً قد علق، ولم يبلغ الثمر حيث لا يجوز إلا ببيان
المدة؛ لأنه يتفاوت بقوة الأراضي وضعفها تفاوتاً فاحشاً، اهـ
(على أن الثمر) بالمثلثة في النسخ المصرية، وبالمثناة الفوقية في الهندية،
يعني ما يخرج منها مشترك (بيننا وبينكم) نصفين، كما في ((الصحيحين)) عن
ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي وير عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج،
قال عياض: هو مفسر للإبهام في حديث ((الموطأ))، فإن المساقاة لا تجوز
مبهمة، والجزء فيها ما يتفقان عليه قَلَّ أو كثُر، اهـ.
وأوضح منه ما في ((المحلى)) عن البخاري عن ابن عمر: ((لما ظهر
رسول الله ﴾ على خيبر أراد إخراج اليهود عنها، فسألوه أن يقرهم على أن
يعملوا على نصف ما يخرج منها، فقال: نقركم بها على ذلك ما شئنا)) الحديث.
(قال) ابن المسيب: (فكان رسول الله وَ * يبعث عبد الله بن رواحة)(١)
بفتح الراء أحد شعراء الإسلام ابن ثعلبة بن امرىء القيس بن عمرو الأنصاري
الخزرجي أحد السابقين الأولين، شهد العقبة وبدراً والمشاهد كلها إلى المؤتة،
فاستشهد بها في جمادى الأولى سنة ٨هـ، وكان ثالث الأمراء بها، وظاهر
لفظ ((كان)» يقتضي التكرار، وقد بعث للخرص مرة واحدة؛ لأن خيبر فتحت في
صفر سنة سبع، كما تقدم قريباً، وابن رواحة رضي الله عنه استشهد في جمادى
الأولى سنة ثمان كما ترى.
قال الشيخ أبو إسحق في ((زاهيه)): خرص عليهم عاماً واحداً، ثم قتل
بمؤتة، (فيخرص) ابن رواحة (بينه) وَ رٍ (وبينهم) أي بين اليهود، وقال
الباجي(٢): أضاف الخرص إليه لتصرفه فيه، ويحتمل أن يكون ذلك فيما يخصه
(١) انظر ترجمته في: ((أسد الغابة)) (٥٩٢/٢) (٢٩٤٣).
(٢) ((المنتقى)) (١١٩/٥).
٤١١

٣٥ - كتاب المساقاة
(١) باب
(١٤١٤) حدیث
ثُمَّ يَقُولُ: إِنْ شِئْتُمْ فَلَكُمْ. وَإِنْ شِئْتُمُ فَلِيَ. فَكَانُوا يَأْخُذُونَهُ.
النفقة عياله. قال السرخسي(١): فيه دليل على أن للإمام في الأراضي التي يكون
خراجها خراج المقاسمة، وفي الأراضي العشرية أن يبعث من يخرص الثمار
والزروع على أهلها، إلا أن عند الشافعي هذا الخرص بمنزلة الكيل حتى إذا
ادَّعوا النقصان بعد ذلك لا يقبل قولهم إلا بحجة.
وعندنا، هذا الخرص لا يكون ملزماً إياهم شيئاً؛ لأن الذي يخرص إنما
يقول شيئاً بظن، والظن لا يغني من الحق شيئاً، فالقول قولهم في دعوى
النقصان، وعلى من يدعي الخيانة إثباتها بالبينة، وعلى هذا الأصل جَوَّزَ
الشافعي بيع العرايا بالخرص، وقال: الخرص بمنزلة الكيل، وقال علماؤنا:
الخرص ليس بمعيار شرعي، فيكون هذا بيع الثمر بالتمر مجازفة.
وتأويل ما فعله ابن رواحة من وجهين: أحدهما: أن ذلك كان على سبيل
النظر للمسلمين منه، حتى يتحرز اليهود من كتمان شيء فقد كانوا في عداوة
المسلمين بحيث لا يمتنعون مما يقدرون عليه من الإضرار بالمسلمين، وقيل:
كان ابن رواحة مخصوصاً بذلك حتى كان خرصه بمنزلة كيل غيره لا يتفاوت،
قد علم ذلك ◌ّي من طريق الوحي، أو كان ذلك له بدعاء رسول الله وله
وبكونه مبعوث رسول الله عَل، اهـ.
(ثم يقول) ابن رواحة لليهود: (إن شئتم فلكم) وتضمنون نصيب المسلمين
(وإن شئتم فلي) وأضمن نصيبكم (فكانوا) بعد تخييره (يأخذونه) بالرضاء.
وفي أبي داود(٢) من رواية ابن عباس: بعث إليهم ابن رواحة، فحزر
عليهم النخل، وهو الذي يسميه أهل المدينة الخرص، فقال: في ذه كذا وكذا،
قالوا: كثرت علينا يا ابن رواحة، قال: فأنا إلى حزر النخل وأعطيكم نصف
(١) ((المبسوط)) (٧/٢٣).
(٢) ((سنن أبي داود)) (٣٤١٠).
٤١٢

٣٥ - كتاب المساقاة
(١) باب
(١٤١٤) حديث
الذي قلت. قالوا: هذا الحق، وبه تقوم السماء والأرض قد رضينا أن نأخذه
بالذي قلت.
قلت: وفي الحديث إشكالٌ قوي في الخرص والعمل به. قال
ابن عبد البر: الخرص في المساقاة لا يجوز عند جميع العلماء؛ لأن المساقيين
شريكان لا يقتسمان إلا بما يجوز به بيع الثمار بعضها ببعض وإلا دخلته
المزابنة، قالوا: وإنما بعث رسول الله وَ لقوله من يخرص على اليهود الإحصاء
الزكاة؛ لأن المساكين ليسوا شركاء معينين، فلو ترك اليهود وأكلها رطباً
وتصرف فيها أَضَرَّ ذلك سهم المسلمين. قالت عائشة: إنما أمر بَطل بالخرص
لكي تحصى الزكاة قبل أن تؤكل الثمار، اهـ.
وفيه أنه إن كان ذاك لم يكن للخرص على اليهود معنى، فإن تعلق الزكاة
كان من المسلمين خاصة، وأيضاً لم يكن بقوله: ((إن شئتم فلكم وإن شئتم
فلي)) معنًى، ولذا قال ابن رشد: وهذا حرام بالإجماع، كما تقدم في البحث
الثالث من الأبحاث في أول الباب، وقد قال ابن مزين: سألت عيسى عن فعل
ابن رواحة إذا كان يخرص تمر خيبر الذي أقره النبي مل 1 بأيدي اليهود مساقاة،
ثم يقول لهم: ((إن شئتم فلكم وإن شئتم فلي))، أيجوز ذلك للمساقيين
والشريكين؟ فقال: لا يعمل بذلك ولا يصلح اقتسامه إلا كيلاً إلا أن تختلف
حاجتهما إليه فيقتسمانه بالخرص، وهذا الذي قاله عيسى حمله عليه أنه تأوّل
الخرص للقسمة خاصة.
وإذا كان الخرص للزكاة لزم إخراجها من جميع ثمر الحائط إن كان
العامل ذمياً أو عبداً؛ لأن الزكاة إنما تعتبر بحال مالك الأصل، فإن كان
صاحب الأصل مسلماً حراً فالزكاة في جميعه، وإن كان صاحبه عبداً أو ذمياً
فلا زكاة في شيء منه؛ لأن العامل يملك حصته من الثمرة بالقسمة، والزكاة
تجب فيها قبل ذلك ببدو الصلاح.
٤١٣

٣٥ - كتاب المساقاة
(١) باب
(١٤١٤) حديث
ويحتمل أن يكون الخرص للقسمة؛ لأنه قد علم اختلاف حاجتهما إليه؛
لأن اليهود كانوا يريدون أن يأكلوه رطباً، والصحابة لا يمكنهم ذلك، ولا
يحتاجون إليه إلا تمراً. وقد قال مالك في الشركاء في الحائط: تختلف
حاجتهم في الثمرة، فبعضهم يريد البيع، وبعضهم يريد أكله رطباً، وبعضهم
تمراً أن ذلك يبيح قسمته بينهم بالخرص، وإن اتفقت حاجتهم، فأراد جميعهم
البيع أو أكله رطباً أو تمراً، لم يقسم بينهم بالخرص.
وقول ابن رواحة: ((إن شئتم فلكم وإن شئتم فلي)) حمله عيسى على أنه
كان يسلم إليهم جميع الثمرة ليضمنوا حصة المسلمين من الثمرة، ولو كان هذا
لم يجز؛ لأنه بيع الثمرة بالثمرة في غير العربية، وإنما يجوز مثل هذا في الزكاة
أن يخرص عليهم، ثم يكون عليهم من الثمر ما أوجبه الخارص عليهم على
سنة الزكاة في أموال المسلمين؛ لأن أصل الحوائط لهم، فإذا حملناه على هذا
الوجه .
فمعنى قوله: ((إن شئتم فلكم وإن شئتم فلي)) على سبيل التحقيق لصحة
خرصه، فيقول لهم: إن شئتم تأخذوا الثمرة على أن تؤدوا زكاة ما خرصته
عليكم وإلا فأنا أشتريها من الفيء بمثل ما يشترى به، فيخرج هذا الخرص
الذي خرصه، وذلك معروف لمعرفتهم بسعر التمر، فكانوا يأخذونه لتحققهم
صحة قوله. وإن قلنا: إن المراد به خرص الثمرة لا قسمته (١) لاختلاف
الحاجة.
فمعنى قوله: ((إن شئتم فلكم)) هذا النصف ((وإن شئتم فلي))، ولكم هذا
الآخر على معنى التخيير لهم في النصفين ليأخذوا أيهما شاءوا لتحقق التساوي
بين ذلك وقت طيب النخل، أو بعد ذلك ما دامت في رؤوس النخل ليس
(١) هكذا في الأصل، والصواب على الظاهر للقسمة، اهــ (ش)).
٤١٤

٣٥ - كتاب المساقاة
(١) باب
(١٤١٤) حدیث
بوقت قسمة ثمر المساقاة؛ لأن على العامل أخذها والقيام عليها حتى يجري
الصاع أو الوزن، سبب ذلك أن الخرص قبل ذلك لم يكن للقسمة إلا بمعنى
اختلاف الأغراض، اهـ (١).
قلت: وأما مسألة الزكاة فمختلف فيها عند الأئمة. قال الموفق(٢):
ويملك العامل حصته من الثمرة بظهورها، فلو أتلفت كلها إلا واحدة كانت
بينهما، وهذا أحد قولي الشافعي، والثاني: يملكه بالمقاسمة كالقراض، ولنا،
أن الشرط صحيح، فيثبت مُقتضاه كسائر الشروط الصحيحة، ومقتضاه كون
الثمرة بينهما على كل حال؛ لأنه لو لم يملكها قبل القسمة لما وجبت القسمة،
ولا مَلَكَها كالأصول، وأما القِراض فإنه يملك الربح فيه بالظهور.
ثم(٣) الفرق بينهما أن الربح وقاية لرأس المال، فلم يملك حتى يسلم
رأس المال لربه، وهذا ليس بوقاية لشيء، ولذلك لو تَلِفَت الأصول كلها كانت
الثمرة بينهما .
فإذا ثبت هذا، فإنه يلزم كل واحد منهما زكاة نصيبه إذا بلغت حصته
نصاباً، نص عليه أحمد في المزارعة، وإن لم تبلغ النصاب، إلا بجميعها لم
تجب؛ لأن الخُلْطة لا تؤثر في غير المواشي في الصحيح، وعنه أنها تؤثر فتؤثر
ههنا، فيبدأ بإخراج الزكاة، ثم يقسمان ما بقي، وإن كانت حصة أحدهما تبلغ
نصاباً دون الآخر، فعلى من بلغت حصته نصاباً الزكاة، دون الآخر يخرجها
بعد المقاسمة.
وإن كان أحد الشريكين ممن لا زكاة عليه، كالمكاتب، والذميّ، فعلى
(١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٣٦٤/٣).
(٢) «المغني)) (٥٤٩/٧).
(٣) كذا في الأصل والصحيح كما في ((الشرح الكبير)) ولو سلم فالفرق إلخ، اهـ. ((ش)).
٤١٥

٣٥ - كتاب المساقاة
(١) باب
(١٤١٤) حدیث
الآخر زكاة حصته إن بلغت نصاباً، وبهذا كله قال الشافعي ومالك. وقال
الليث: إن كان شريكه نصرانياً أعلمه أن الزكاة مؤداة في الحائط، ثم يقاسمه
بعد الزكاة ما بقي، ولنا، أن النصراني لا زكاة عليه، فلا يخرج من حصته
شيء، کما لو انفرد بها، اهـ.
قلت: ما حكى الموفق من موافقة الإمام مالك في ذلك ليس بصحيح
يأباه ما تقدم من كلام الباجي، وأصرح منه ما قال الدسوقي(١): اعلم أن
النخل والزرع المساقى عليه إنما يزكى كل منهما على ملك رب الحائط
والزرع، فإن كان ربه أهلاً للزكاة وجبت الزكاة، ولو كان العامل من غير أهلها
لأنه أجيرٌ، فإن لم يكن ربه من أهلها لم تجب عليه ولا على العامل في حصته
ولو كانت نصاباً وهو من أهلها لأنه أجيرٌ، اهـ.
ومذهب الحنفية في ذلك ما في ((البدائع))(٢) إذ قال: لو دفعها مزارعة،
فأما على مذهبهما أي أبي يوسف ومحمد، فالمزارعة جائزة، والعشر يجب في
الخارج، والخارج بينهما، فيجب العشر عليهما، وأما على مذهب أبي حنيفة
فالمزارعة فاسدة، ولو كان يجيزها كان يجب على مذهبه جميع العشر على رب
الأرض إلا أن في حصته جميع العشر يجب في عينه، وفي حصة المزارع يكون
ديناً في ذمته، اهـ. وفائدة ذلك أن ما في الذمة لا يسقط بهلاك العين، بل يبقى
على ذمته، وما في العين يسقط بهلاكه.
قال السرخسي(٣): عند أبي حنيفة عشر جميع الخارج على رب الأرض،
فإن سرق الطعام بعد ما حصد أو حرق قبل أن يأخذ السلطان العشر، يبطل عن
(١) ((حاشية الدسوقي)) (٥٤٤/٣).
(٢) (١٧٤/٢).
(٣) ((المبسوط)) (٩٨/٢٣).
٤١٦

٣٥ - كتاب المساقاة
(١) باب
(١٤١٥) حدیث
٢/١٤١٥ - وحدّثني مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ
يَسَارِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ ل﴿ كَانَ يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ إِلَى خَيْبَرَ.
فَيَخْرُصُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَهُودِ خَيْبَرَ.
رب الأرض نصفه، ولزمه في ماله نصفه؛ لأن حصته النصف الذي صار
للمزارع من العشر صار ديناً في ذمة رب الأرض، فلا يسقط ذلك عنه بهلاك
الخارج، وفي النصف الذي هو ملك رب الأرض العشر باقٍ في عينه، فإذا
هلك سقط عشر ذلك لفوات المحل.
ولو استحصد الزرع فلم يحصد حتى هلك فلا عشر على واحد منهما في
القولين جميعاً؛ لأن وجوب العشر عند الحصاد. قال تعالى: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ
حَصَادِيٌ﴾(١) فالمحل فات قبل أن يأتي وقت وجوب العشر، فهو بمنزلة ما لو
استُهْلِكَ النصاب قبل تمام الحول. وكذلك الجواب في معاملة النخيل
والكروم، فهو مثل الجواب في المزارعة أنه إذا هلك قبل الجُذَاذ فلا عشر على
رب النخيل، وإن هلك بعد الجُذَاذ فعشر نصيب العامل دين عليه في قول أبي
حنيفة، فإن الجذاذ في الثمار بمنزلة الحصاد في الزرع، اهـ مختصراً.
٢/١٤١٥ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن سليمان بن يسار)
الهلالي أحد الفقهاء السبعة، والحديث مرسل في جميع ((الموطآت)). وجاء عن
ابن عباس، وسماع سليمان منه صحيح، قاله ابن عبد البر، وقد وصله أبو داود
وابن ماجه من حديث ميمون بن مهران عن مقسم عن ابن عباس، وأبو داود
من طريق إبراهيم بن طهمان عن أبي الزبير عن جابر، قاله الزرقاني (٢).
(أن رسول الله وَ الر كان يبعث عبد الله بن رواحة إلى خيبر) وقد تقدم في
الحديث السابق أنه 3 # بعثه عاماً واحداً سنة سبع (فيخرص بينه) وَ ل (وبين
يهود خيبر) ثمارهم لتمييز حق الزكاة من غيرها لاختلاف المصرفين، أو للقسمة
(١) سورة الأنعام: الآية ١٤١.
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٦٥/٣).
٤١٧

٣٥ - كتاب المساقاة
(١) باب
(١٤١٥) حديث
قَالَ، فَجَمَعُوا لَهُ حَلْياً مِنْ حَلْي نِسَائِهِم. فَقَالُوا لَهُ: هُذَا لَكَ.
لاختلاف الحاجة على اختلاف القولين في ذلك كما مرّ في الحديث السابق،
واستدل به على جواز التخريص لذلك، وبه قال الأكثر، ولم يجزه الثوري
بحال وقال: إنما على رب الحائط إخراج عشر ما يصير بيده.
وقال الشعبي: الخرص اليوم بدعةٌ، كان يرى نسخه بالنهي عن المزابنة،
وأجازه داود في النخل خاصة، ودفع حديث ابن المسيب عن عتاب بن أسيد
في خرص العنب عند أبي داود، بأنه مرسل؛ لأن عتاباً مات قبل مولد
ابن المسيب، وبأنه انفرد به عبد الرحمن بن إسحق عن الزهري، وليس
بالقوي، قاله ابن عبد البر.
ودعوى الإرسال بمعنى الانقطاع مبنيٍّ على قول الواقدي: إن عتاباً مات
يوم مات أبو بكر - رضي الله عنه - وذكر ابن جرير الطبري أنه كان عاملاً لعمر
على مكة سنة إحدى وعشرين، وقد ولد سعيد لسنتين مضتا من خلافة عمر على
الأصح، فسماعه من عتاب ممكن، وعبد الرحمن بن إسحق صدوق احتجّ به
مسلم وأصحاب السنن، قاله الزرقاني (١)، وتقدم البسط على الخرص في
((كتاب الزكاة)).
(قال) سليمان: (فجمعوا له) أي لابن رواحة (حلياً) ضبط بفتح فسكون
على أنه مفردُ وبضم فكسر وشد الياء على الجمع (من حلي نسائهم فقالوا) أي
اليهود (هذا) المجموع (لك) رشوة.
قال السرخسي: وكان شيخنا الإمام - رحمه الله - يقول: في هذا الحديث
إشارة إلى أن أمتعة النساء، وحليهن لم تزل عرضة لحوائج الرجال، فإن اليهود
لحاجتهم إلى ذلك تحكموا على نسائهم، فجمعوا من حلي نسائهم، وحكي أن
رجلاً من أهل العلم كانت له امرأة ذات يسار، فسألها شيئاً من مالها لحاجته
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٦٥/٣).
٤١٨

٣٥ - كتاب المساقاة
(١) باب
(١٤١٥) حديث
وَخَفِّفْ عَنَّا. وَتَجَاوَزْ فِي الْقَسْمِ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ: يَا مَعْشَرَ
الْيَهُودِ! وَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَمِنْ أَبْغَضَِ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيَّ وَمَا ذَاكَ بِحَامِلِي عَلَى
أَنْ أَحِيفَ عَلَيْكُمْ.
إلى ذلك، فأبت، فقال: لا تكوني أكفَر من نساءٍ خيبر، كُنَّ يُوَاسِينَ أزواجَهُن
بِحُلِيِّهِنَّ وأنتِ تَأْبَيْنَ ذلك، اهـ.
(وخفف عنا وتجاوز في القَسْمِ).
قال الباجي(١): أرادوا بذلك التخفيف من الحق الذي يجب في
الخرص. ولا يجوز فعله لما فيه من الحيف على المسلمين، وأما التخفيف
اليسير، فإن كان بمعنى المقاسمة، فلا يجوز فيه إلا المساواة، وإن كان بمعنى
الزكاة، فقد تقدم ذكره في الزكاة، اهـ.
وقال السرخسي: وما طلبوا من التخفيف من غير ميل ولا خيانة، فقد
كان ابن رواحة يفعل ذلك من غير طلبهم، وبه كان أمره وَلّ على ما روي
أنه وَلّ قال للخرّاصين: ((خفّفوا في الخرص، فإن في المال العريّةَ
والوصيةَ))(٢)، اهـ.
(فقال عبد الله بن رواحة: يا معشر اليهود! والله إنكم لمن أبغض خلق الله
إليّ) قتلتم أنبياء الله وكذبتم على الله، كما زاده في حديث جابر.
وقال الباجي: يريد لكفرهم وإظهارهم العداوة والمخالفة للنبي وَلام
وللمسلمين، وقد أنبأ الله لذلك فقال: ﴿لَتَجِدَنَ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَوَةً لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ
اُلْيَهُودَ﴾(٣) الآية (وما ذاك) أي عداوتي إياكم (بحاملي) بإضافة صيغة الفاعل إلى
مفعوله (على أن أحيف) بفتح الهمزة وكسر الحاء أي أظلم (عليكم) بإلزام
(١) ((المنتقى)) (١٢١/٥).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (٨٥/٣).
(٣) سورة المائدة: الآية ٨٢.
٤١٩

٣٥ - كتاب المساقاة
(١) باب
(١٤١٥) حديث
فَأَمَّا مَا عَرَضْتُمْ مِنَ الرُّشْوَةِ فَإِنَّهَا سُحْتٌ. وَإِنَّا لَا نَأْكُلُها. فَقَالُوا:
بِهَذَا قَامَتِ السَّمُوَاتُ وَالْأَرْضُ.
قَالَ مَالِكٌ: إِذَا سَاقَى الرَّجُلُ النَّخْلَ وَفِيهَا الْبَيَاضُ، فَمَا ازْدَرَعَ
الرَّجُلُ الدَّاخِلُ فِي الْبَيَاضِ، فَهُوَ لَهُ.
الزيادة عليكم (فأما ما عرضتم) علي (من الرشوة) بتثليث الراء أي من الحلي
(فإنها) وفي نسخة فإنما هي (سحت) بضم السين يريد: حرام، وقد وصف الله
تعالى اليهود بأكلها فقال: ﴿سَنَّعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّلُونَ لِلِسُّحْتِ﴾ (وإنا لا نأكلها)
أي الرشوة لحرمتها بلا خلاف بين المسلمين، وقال جماعة من المفسرين في
قوله تعالى: ﴿أَكَّلُونَ لِلِسُّحْتِّ﴾: إنه الرشوة في الحكم، وقيل: كل ما لا
یحل کسبه.
(فقالوا) أي اليهود: (بهذا) العدل (قامت السماوات) على الرؤوس بغير
عمد (والأرض) استقرت على الماء.
قال الباجي(١): يحتمل أن يريدوا به الإقرار بالحق والرجوع إلى
الاعتراف به، إما لتعجيل الخزي لهم في الدنيا، أو ليتخلصوا به مما ظنوا أنه
يحل بهم من العقوبة، وقال ابن عبد البر: فيه دليل على أن الرشوة عند اليهود
حرام لقولهم بهذا، ولولا حرمته في كتابهم ما عَيَّرهم الله تعالى بقوله:
﴿أَكَلُونَ لِلشُّحْتِ﴾ وهو حرام عند جميع أهل الكتاب، وفيه أن ما يأخذه
الحاكم أو الشاهد على الحكم بالحق أو الشهادة به رشوة، وكل رشوة سُحْتٌ،
وكل سحت حرام، لا يحل للمسلم أكله بلا خلاف بين المسلمين، اهـ.
(قال مالك: إذا ساقى الرجلُ النخل) مثلاً (وفيها البياض) أي أرض
بيضاء لا نبات فيها (فما ازدرع) الدال فيه بدل من تاء الافتعال أي ما ازترع
(الرجل الداخل) في الأرض وهو عامل المساقاة (في البياض) أي في أرض
بيضاء (فهو له) أي للعامل. واستدل لذلك الباجي بقصة خيبر كما سيأتي في
١
(١) ((المنتقى)) (١٢١/٥).
٤٢٠