Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤ - كتاب القراض (٥) باب (١٤٠٣) حديث لِأَجْلِ أَنَّهُ يَطْلُبُ ثَمَرَ النَّخْلِ أَوْ نَسْلَ الدَّوَابِّ. وَيَحْبِسُ رِقَابَهَا. قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ هُذَا. وَلَيْسَ هُذَا مِنْ سُنَّةِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْقِرَاضِ. إِلَّا أَنْ يَشْتَرِيَ ذُلِكَ. ثُمَّ يَبِيعَهُ كَمَا يُبَاعُ غَيْرُهُ مِنَ السِّلَعِ. قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُقَارِضُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ غُلَاماً يُعِينُهُ بِهِ. عَلَى أَنْ يَقُومَ مَعَهُ الْغُلَامُ (لأجل أنه) أي رب المال (يطلب) ويبتغي (ثمر النخل أو نسل الدواب ويحبس) أي يريد أن يبقي (رقابها) أي رقاب النخل والدواب. (قال مالك: لا يجوز هذا) الشرط (وليس هذا من سنة المسلمين في القراض) قال الزرقاني(١): وبه قال سائر الفقهاء، فإن دفع لم يصح، وله أجر مثله فيما اشتراه والدواب والنخل لرب المال، قاله أبو عمر، انتهى. قال الباجي (٢): وهذا كما قال: إنه لا يجوز أن يشترط رب المال على العامل أن يشتري به نخلاً، يوقف رقابها ويكون ربحها ثمارها؛ لأن العمل الذي يعامل عليه المقارض هو التجارة دون السقي والقيام على النخل، ولا يجوز أن يكون عوضاً عن سقي النخل، والقيام عليها غير مقدرة، ووجه آخر، وهو أنه قد يجد العامل بالرقاب الربح، فيكون ممنوعاً عنه، وهو المقصود بالقراض، انتهى. (إلا أن يشتري ذلك) أي لا يجوز غير أن يشتري النخل والدواب (ثم يبيعه كما يباع غيره من السلع) بكسر ففتح جمع سلعة أي يبيع الدواب والنخل أيضاً، كما تباع عامة المبيعات في القراض. (قال مالك: لا بأس أن يشترط المقارض على رب المال غلاماً يعينه به) أي يعين رب المال العامل بالغلام (على أن يقوم معه) أي مع العامل (الغلام (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٥٢/٣). (٢) ((المنتقى)) (١٦٥/٥). ٣٤١ ٣٤ - كتاب القراض (٦) باب (١٤٠٤) حديث فِي الْمَالِ. إِذَا لَمْ يَعِدْ أَنْ يُعِينَهُ فِي الْمَالِ. لَا يُعِينُهُ فِي غَيْرِهُ. (٦) باب القراض في العروض ١٤٠٤/ ٧ - قَالَ يَحْيَىُ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُقَارِضَ أَحَداً إِلَّا فِي الْعَيْنِ. لِأَنَّهُ لَا تَنْبَغِي في المال إذا لم يعِذ) بصيغة المضارع من الوعد وضمير الفاعل إلى رب المال (أن يعينه في المال) خاصة (لا يعينه في غيره) أي لا يعينه في غير المال، وذلك لما تقدم في آخر ما يجوز من القراض، أن معونة الغلام على ثلاثة أوجه: منها: أن يعينه في حفظ المال خاصة هذا لا يجوز، وأما للخدمة والإعانة فجائز. قال الدردير(١): يجوز اشتراطُ ربِ المال عمل غلام غير رقيب على العامل بنصيب للغلام من الربح، وأولى بغير نصيب أصلاً احترازاً من جعل النصيب للسيد، أي إن كان نصيب فللغلام لا للسيد، وإلا فسد، وردّ لأجرة مثله، فالشرط أن لا يكون الغلام رقيباً، وأن لا يكون بنصيب للسيد، قال الدسوقي: قوله: غير رقيب أي غير جاسوس يتطلع على ما يفعله العامل في المال، ویخبر به ربه، انتھی. (٦) القراض في العروض وتقدم قريباً في ((باب ما لا يجوز من القراض)) ما قال مالك: لا يصلح القراض إلا في العين من الذهب والورق، ولا يكون في شيء من العروض، وتقدم فيه اختلاف الفقهاء في ذلك. ١٤٠٤/ ٧ - (قال مالك: لا ينبغي لأحد أن يقارض) ويضارب (أحداً إلا في العين) من الذهب والفضة (ولا ينبغي) ولا يصلح، وفي النسخ المصرية (٢): (١) ((الشرح الكبير)) (٥٢١/٣). (٢) انظر: ((الاستذكار)) (١٥٥/٢١). ٣٤٢ ٣٤ - كتاب القراض (٦) باب (١٤٠٤) حديث الْمُقَارَضَةُ فِي الْعُرُوضِ. لِأَنَّ الْمُقَارَضَةَ فِي الْعُرُوضِ إِنَّمَا تَكُونُ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ. إِمَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ صَاحِبُ الْعَرْضِ: خُذْ هُذَا الْعَرْضَ فَبِعْهُ. فَمَا خَرَجَ مِنْ ثَمَنِهِ فَاشْتَرِ بِهِ. وَبِعْ عَلَى وَجْهِ الْقِرَاضِ. فَقَدِ اشْتَرَطَ صَاحِبُ الْمَالِ فَضْلًا لِنَفْسِهِ. مِنْ بَيْع سِلْعَتِهِ وَمَا يَكْفِيهِ مِنْ مَؤُونَتِهَا. أَوْ يَقُولَ: اشْتَرِ بِهَذِهِ السِّلْعَةِ وَبِعْ. فَإِذَا فَرَغْتَ فَابْتَعْ لِي مِثْلَ عَرْضِي الَّذِي دَفَعَتُ إِلَيْكَ. فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَهُوَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ. وَلَعَلَّ لأنه لا تنبغي (المقارضة في العروض) وبين وجه عدم جوازه بقوله: (لأن المقارضة في العروض إنما تكون على أحد وجهين) وكل منهما ممنوع (إما أن يقول له) أي للعامل (صاحب العرض: خذ هذا العرض) الذي عندي (فبعه) أولاً (فما خرج) وحصل (من ثمنه) بعد البيع فهو رأس مال المضاربة (فاشتر به وبع) أي اتّجر به (على وجه القراض) ففي هذه الصورة (فقد اشترط صاحب المال) مالك العروض (فضلاً) أي زيادة (لنفسه) على المضارب (من بيع سلعته) بيان للفضل (وما يكفيه) عطف على بيع (من مؤنتها) أي مؤنة بيع السلعة، فإن ما حصلت المؤنة للعامل من بيع عروضه أولاً ضاع له بلا أجر. (أو) يجعل العرض نفسه رأس مال المضاربة، وهو الوجه الثاني من الوجهين المذكورين، وعلى هذا (يقول) صاحب العرض للعامل: (اشتر بهذه السلعة) مال المضاربة (وبع) إياها (فإذا فرغت) بصيغة الخطاب، أي أتممت عمل المضاربة وحصل لك العين بالتجارة (فابتع لي مثل عرضي) هذا (الذي دفعتُ) بصيغة المتكلم (إليك) لأن في المضاربة يجب أن يسلم أولاً رأس المال إلى ربه، وهو كان في هذه الصورة عروضاً، فلا بد من شرائه ليسلمه إلى رب المال. (فإن فضل شيء) من الربح بعد شرائك مثل عروضي (فهو) ربح (بيني وبينك) وهذا ظاهر الفساد، ثم أوضح فساده فقال: (ولعل) أي يحتمل أن ٣٤٣ ٣٤ - كتاب القراض (٦) باب (١٤٠٤) حديث صَاحِبَ الْعَرْضِ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى الْعَامِلِ فِي زَمَنِ هُوَ فِيهِ نَافِقٌ. كَثِيرُ الثَّمَنِ. ثمَّ يَرُدَّهُ الْعَامِلُ حِينَ يَرُدُهُ وَقَدْ رَخُصَ. فَيَشْتَرِيهِ بِثُلُثِ ثَمَنِهِ. أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذُلِكَ. فَيَكُونُ الْعَامِلُ قَدْ رَبِحَ نِصْفَ مَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِ الْعَرْضِ. فِي حِصَّتِهِ مِنَ الرِّبْحِ. أَوْ يَأْخُذَ الْعَرْضَ فِي زَمَانٍ ثَمَنُهُ فِيهِ قَلِيلٌ. فَيَعْمَلُ فِيهِ حَتَّى يَكْثُرَ الْمَالُ فِي يَدَيْهِ. ثُمَّ يَغْلُو ذُلِكَ الْعَرْضُ. وَيَرْتَفِعُ ثَمَنُهُ حِينَ يَرُدُّهُ. فَيَشْتَرِيهِ بِكُلِّ مَا فِي يَدَيْهِ. فَيَذْهَبُ عَمَلُهُ وَعِلَاجُهُ بَاطِلاً. فَهَذَا غَرَرٌ لَا يَصْلُحُ. (صاحب العرض) رب المال (أن يدفعه إلى العامل في زمان هو) أي العرض (فیہ نافق) أي رائج، فیکون حينئذ (کثیر الثمن) یکون قيمته ألف دینار مثلاً، (ثم يرده العامل حين يرده) بعد الفراغ عن المضاربة (وقد رخص) بضم الخاء أي صار ثمنها رخيصاً جداً (فيشتريه) من السوق (بثلث ثمنه أو أقل من ذلك) أي أقل من الثلث أيضاً فيشتريه بمائة دينار مثلاً، ويكون ثمانمائة الباقية من ثمنه الأول في الربح (فيكون العامل قد ربح) أي أخذ في الربح (نصف ما نقص من ثمن العرض) وهو أربعمائة أخذها (في حصته من الربح) وقد كان في الابتداء رأس المال. (أو) يكون تارة خلاف الصورة السابقة بأن (يأخذ) العامل (العرض) من رب المال (في زمان ثمنه فيه قليل) مائتا دينار مثلاً (فيعمل فيه) ويتجر في ثمنه (حتى يكثر المال في يديه) ويبلغ ألف دينار. (ثم) إذا أراد قسمة الربح بعد رد رأس المال، فيشتري ذلك العرض لرد رأس المال (يغلو ذلك العرض ويرتفع ثمنه حين يرده) إلى رب العرض، حتى يصير قيمته ألف دينار (فيشتريه بكل ما في يديه) ليرده إلى رب العروض (فيذهب عمله وعلاجه) عطف تفسير أي ما عالج من المشقة في التجارة (باطلاً) بلا ربح؛ لأن ألف دينار الذي حصل له بالتجارة، قد صار حينئذ قيمة ذلك العرض (فهذا غرر) لا يدرى أيحصل له شيء بعد الربح أيضاً أم لا؟ و(لا يصلح) أي لا ٣٤٤ ٣٤ - كتاب القراض (٦) باب (١٤٠٤) حديث فَإِنْ جُهِلَ ذُلِكَ. حَتَّى يَمْضِيَ. نُظِرَ إِلَى قَدْرِ أَجْرِ الَّذِي دُفِعَ إِلَيْهِ الْقِرَاضُ، فِي بَيْعِهِ إِيَّاهُ، وَعِلَاجِهِ فَيُعْطَاهُ. ثُمَّ يَكُونُ الْمَالُ قِرَاضاً. مِنْ يَوْمَ نَضَّ الْمَالُ. وَاجْتَمَعَ عَيْناً. وَيُرَدُّ إِلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ. يجوز فيفسخ العقد قبل الشروع في عمل التجارة (فإن جهل) أحد (ذلك) أي عدم الجواز، وشرع في العقد واستمر عليه (حتى يمضي) وينقضي العمل (نظر إلى قدر أجر) أي تخمين أجرة (الذي دفع إليه القراض) وهو العامل (في بيعه إياه وعلاجه) في التجارة (فيعطاه) أي أجر المثل (ثم يكون المال قراضاً من يوم نض المال) نقداً (واجتمع عيناً) تفسير لقوله: نض (ويرد إلى قراض مثله). قال الزرقاني(١): وهذا بيانٌ شافٍ لكراهة القراض بالعروض، لا يشكل على من له أدنى تأمل، قاله أبو عمر، انتهى. قال الباجي(٢): وهذا كما قال: إنه لا ينبغي القراض إلا بالعين، الدراهم والدنانير، وقد تقدم تفسير ذلك، فإن قارضه بعرض، فإن ذلك يكون على وجهين: أحدهما: أن يقول له: بع هذا العرض، فإذا نضَّ ثمنه، فاعمل به قراضاً يكون الثمن رأس المال فهذا لا يجوز، وبه قال مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: هو جائز، والدليل على ما نقوله أن هذا شرط مستأنف، فلم يجز تعليق القراض به وهو قراض، وإجارة، فلم يجز أن يجتمعا في عقد واحد. والوجه الثاني: أن يقول له: خذ هذا العرض على القراض يكون العرض رأس المال ترد إليّ بعد تمام العمل مثله، فما فضل شيء فهو ربح بيني وبينك، وهذا أيضاً لا يجوز خلافاً لابن أبي ليلى في تجويزه لذلك. والدليل عليه ما احتجّ به مالك من الغرر، وهو أنه يجوز أن يأخذ العرض في وقت رخصه، ويرده في وقت غلائه، فيذهب رب المال بربح (١) ((شرح الزرقاني) (٣٥٣/٣). (٢) ((المنتقى)) (١٦٦/٥). ٣٤٥ ٣٤ - كتاب القراض (٦) باب (١٤٠٤) حديث المال، أو يأخذه في وقت نفاقه، ويرده في وقت كساده، فيشتريه ببعض رأس المال، ويقاسمه البعض الآخر دون أن ينمي بعمله، ولذلك لم يجز القراض بما تختلف أسواقه، ويختص ببعض الأوقات نفاقه. وقوله: إن جهل ذلك حتى يمضي إلى آخر الفصل يريد في الوجهين جميعاً أنه لما كان القراض لا يجوز إلا بالعين، وجب أن يصحح به عند الفوات، فيكون القراض من وقت صحّ الثمن، وحصل بيد العامل، وما كان قبل ذلك، فلا يمكن ردّه إلى القراض الصحيح؛ لأنه لا يصحُّ القراض به لوجه، فكان فيه أجرة المثل، اهـ. وفي ((البدائع))(١): أما الذي يرجع إلى رأس المال، فأنواع: منها: أن يكون رأس المال من الدراهم والدنانير عند عامة العلماء، فلا تجوز المضاربة بالعروض، وعند مالك هذا ليس بشرط، وتجوز المضاربة بالعروض، والصحيح قول العامة؛ لأن ربح ما يتعين بالتعيين ربح ما لم يضمن؛ لأن العروض تتعين عند الشراء بها، والمعين غير مضمون حتى لو هلكت قبل التسليم لا شيء على المضارب، فالربح عليها يكون ربح ما لم يضمن، ولأن المضاربة بالعروض تؤدي إلى جهالة الربح وقت القسمة؛ لأن قيمة العروض تعرف بالحزر والظن، وتختلف باختلاف المقومين، والجهالة تفضي إلى المنازعة، وهذا لا يجوز. وقد قالوا: إنه لو دفع إليه عروضاً، فقال: بعها واعمل بثمنها مضاربة، فباعها بدراهم أو دنانير، وتصرف فيها جاز؛ لأنه لم يضف المضاربة إلى العروض، وإنما أضافها إلى الثمن، والثمن تصح به المضاربة، اهـ. قلت: ما حكي من مذهب الإمام مالك، وهكذا حكى عنه الموفق كما (١) (بدائع الصنائع)) (١١٣/٥). ٣٤٦ ٣٤ - كتاب القراض (٧) باب (١٤٠٥) حدیث (٧) باب الكراء في القراض ٨/١٤٠٥ - قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضاً. فَاشْتَرَى بِهِ مَتَاعاً. فَحَمَلَهُ إِلَى بَلَدِ التِّجَارَةِ. فَبَارَ عَلَيْهِ. وَخَافَ النُّقْصَانَ إِنْ بَاعَهُ. فَتَكَارَى عَلَيْهِ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ. فَبَاعَ بِنُقْصَانٍ. فَاغْتَرَقَ الْكِرَاءُ أَصْلَ الْمَالِ كُلَّهُ. قَالَ مَالِكٌ: إِنْ كَانَ فِيمَا بَاعَ وَفَاءٌ لِلْكِرَاءِ، فَسَبِيلُهُ ذُلِكَ. تقدم في ((باب ما لا يجوز من القراض)) فلعل المراد ما في هذا الباب من قوله: فإن جهل إلى آخر الفصل، وإلا فعامة كتب مذهبه تأبى الجواز بالعروض، فتأمل. (٧) الكراء في القراض يعني حكم الكراء ومؤن الحمل في مال القراض. ٨/١٤٠٥ - (قال مالك في رجل) وهو العامل (دفع إليه رجل) وهو رب المال (مالاً قراضاً) هكذا في النسخ الهندية، وفي أكثر المصرية: في رجل دفع إلى رجل مالاً، وهو أيضاً واضح، وفي بعضها: في رجل دُفِعَ إليه مال، وعلى هذا الفعل مبني للمجهول، والمؤدى واحد (فاشترى) العامل (به متاعاً فحمله إلى بلد للتجارة) أي ليبيعه فيها (فبار) بالموحدة والراء المهملة أي كسد في هذا البلد (عليه) أي على العامل (وخاف) عليه (النقصان إن باعه) في هذا البلد (فتكارى عليه) أي أكرى على حمل المتاع مرة أخرى وذهب به (إلى بلد آخر) ولم يجد الغلاء في هذا البلد الثاني أيضاً (فباع) المتاع (بنقصان فاغترق) واستوفى (الكراء أصل المال) أي رأس المال (كله) أو زاد عليه أيضاً. (قال مالك) في الصورة المذكورة: (إن كان فيما باع) من الثمن (وفاء للكراء) الذي بذله العامل في أسفار البلاد (فبسبيل ذلك) وفي النسخ المصرية: فسبيله ذلك، يعني يوفي الكراء مما باع، ولا شيء لرب المال ولا غرم على العامل. ٣٤٧ ٣٤ - كتاب القراض (٧) باب (١٤٠٥) حدیث وَإِنْ بَقِيَ مِنَ الْكِرَاءِ شَيْءٌ، بَعْدَ أَصْلِ الْمَالِ كَانَ عَلَى الْعَامِلِ. وَلَمْ يَكُنْ عَلَى رَبِّ الْمَالِ مِنْهُ شَيْءٌ يُتْبَعُ بِهِ. وَذلِكَ أَنَّ رَبَّ الْمَالِ إِنَّمَا أَمَرَهُ بِالتِّجَارَةِ فِي مَالِهِ. فَلَيْسَ لِلْمُقَارَضِ أَنْ يَتْبَعَهُ بِمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْمَالِ. وَلَوْ كَانَ ذُلِكَ يُتْبَعُ بِهِ رَبُّ الْمَالِ لَكَانَ ذُلِكَ دَيْناً عَلَيْهِ. مِنْ غَيْرِ الْمَالِ الَّذِي قَارَضَهُ فِيهِ. فَلَيْسَ لِلْمُقَارِض أَنْ يَحْمِلَ ذُلِكَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ . (وإن بقي من الكراء شيء بعد أصل المال) أي زاد من الكراء على رأس المال أيضاً (كان) الزائد (على العامل) يغرمه (ولم يكن على رب المال منه) أي من الكراء الزائد (شيء يتبع به) ويُؤخذ منه (وذلك) أي وجه عدم اتباع رب المال بالزائد (أن رب المال إنما أمره بالتجارة في ماله) الذي دفعه إليه، وهو رأس مال القراض (فليس للمقارض) بفتح الراء أي للعامل (أن يتبعه) أي رب المال (بما سوى ذلك من المال) الذي عنده. (ولو كان ذلك) الكراء الزائد (يتبع به) ببناء المجهول (رب المال) نائب الفاعل أي لو ألزم رب المال بذلك الزائد (لكان ذلك) الزائد (دينا عليه من غير المال الذي قارضه فيه) من مال بيته (فليس للمقارض أن يحمل ذلك) الزائد (على رب المال) لأنه إنما أطلق يده على رأس مال القراض دون غيره من أموال بيته. قال الباجي(١): وهذا كما قال: لأن رب المال أطلق يد العامل من ماله على رأس مال القراض دون غيره، فكل ما عمل فيه العامل من عمل على وجه النظر عاد ذلك بخسران أو ربح، فإنه يلزمه فيه دون سائر أمواله، فإن لحق العامل بعد ذلك غرم بسبب مال القراض، فهو ملتزم متعد في التزامه، فكان عليه غرمه، اهـ. (١) ((المنتقى)) (١٦٦/٥). ٣٤٨ ٣٤ - كتاب القراض (٨) باب (١٤٠٦) حديث (٨) باب التعدّي في القراض ٩/١٤٠٦ - قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالاَ قِرَاضاً. فَعَمِلَ فِيهِ فَرَبِحَ. ثُمَّ اشْتَرَى مِنْ رِبْحِ الْمَالِ أَوْ مِنْ جُمْلَتِهِ جَارِيَةٌ. فَوَطِئَهَا . قال ابن رشد(١): لا أعلم خلافاً بين فقهاء الأمصار أنه إن تكارى العامل على السلع إلى بلد، فاستغرق الكراء قيم السلع، وفضل عليه فضلة أنها على العامل لا على رب المال؛ لأن رب المال إنما دفع ماله إليه ليتّجر به، فما كان من خسران في المال فعليه، وكذلك ما زاد على المال واستغرقه، اهـ. (٨) التعدي في القراض قال الموفق(٢): إذا تَعَدَّى المضاربُ، وفعل ما ليس له فعله أو اشترى شيئاً نُهي عن شرائه، فهو ضامن للمال في قول أكثر أهل العلم، روي ذلك عن أبي هريرة وحكيم بن حزام وأبي قلابة ونافع وإياس والشعبي والنخعي والحكم وحماد ومالك والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي. وعن علي - رضي الله عنه -: لا ضمان على من شورك في الربح، وروي معنى ذلك عن الحسن والزهري، اهـ. ٩/١٤٠٦ - (قال مالك في رجل دفع إلى رجل مالاً قراضاً فعمل فيه) المضارب (فربح) في المال (ثم اشترى) المضارب (من ربح المال أو) اشترى (من جملته) أي رأس المال والربح جميعاً (جارية) للقراض أو على وجه السلف منه، قاله الزرقاني(٣) (فوطئها) المضارب، زاد في النسخ الهندية بعد ذلك لفظ ((جارية))، وليس هذا في النسخ المصرية، والظاهر أنه تحريف من (١) ((بداية المجتهد)) (٢٤١/٢). (٢) («المغني)) (١٦٢/٧). (٣) ((شرح الزرقاني)) (٣٥٤/٣). ٣٤٩ ٣٤ - كتاب القراض (٨) باب (١٤٠٦) حديث فَحَمَلَتْ مِنْهُ. ثُمَّ نَقَصَ الْمَالُ. قَالَ مَالِكٌ: إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، أُخِذَتْ قِيمَةُ الْجَارِيَةِ مِنْ مَالِهِ. فَيُجْبَرُ بِهِ الْمَالُ. فَإِنْ كَانَ فَضْلٌ بَعْدَ وَفَاءٍ الْمَالِ. فَهُوَ بَيْنَهُمَا عَلَى الْقِرَاضِ الْأَوَّلِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَفَاءٌ، بِيعَتِ الْجَارِيَةُ حَتَّى يُجْبَرَ الْمَالُ مِنْ ثَمَنِهَا . الناسخ، فلعله كان في الأصل بين السطور بياناً لضمير وطئها كتبه بعض النساخ في نسق الكتاب (فحملت منه) أي من المضارب أو الوطء (ثم نقص المال) أي مال المضاربة. (قال مالك) في الصورة المذكورة: (إن كان له) أي للعامل (مال) بأن كان موسراً (أُخِذَت) ببناء المجهول (قيمة الجارية من ماله) أي مال العامل (فيجبر) ببناء المجهول (به المال) أي يكمل نقصانه. (فإن كان فضل) أي بقي شيء من المال (بعد وفاء) رأس (المال) لرب المال (فهو) أي الفضل (بينهما) يقتسمان به (على) ما شرطا في (القراض الأول) من نصف أو ثلث أو غيرهما (وإن لم يكن له وفاء) أي لم يكن للعامل مال يوفي به قيمة الجارية (بيعت الجارية) لرجل آخر (حتى) للتعليل أي لأجل أن (يجبر المال) أي رأس مال المضاربة (من ثمنها) الذي بيعت به. قال الباجي(١): وهذا كما قال: إن من ابتاع جارية من مال القراض، فوطئها فحملت منه، فإن كان له مال أخذت منه قيمتها، ولا فرق في هذا بين أن يبتاعها من مال القراض على وجه الاستيلاد، وبين أن يكون بيده جارية من مال القراض، فيطؤها، فتحمل منه، وإن كان عديماً، فتعدى على جارية من القراض، فوطئها، فحملت، كان صاحب المال مخيراً بين أن يضمنها له، ويتبعه بقيمتها في ذمته، والقيمة في ذلك يوم الوطء، وليس له من قيمة ولدها ولا مما نقصها الوطء شيء، وبين أن تباع عليه جميعاً إن لم يكن في المال (١) ((المنتقى)) (١٦٧/٥). ٣٥٠ ٣٤ - كتاب القراض (٨) باب (١٤٠٦) حديث قَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلِ دَفَعَ إِلَى رَجُلِ مَالاَ قِرَاضاً. فَتَعَدَّى فَاشْتَرَى بِهِ سِلْعَةً. وَزَادَ فِي ثَمَنِهَا مِنْ عِنْدِهِ ربح، أو حصته منها إن كان في المال ربح، فإن نقص ثمن ما بيع منها من ذلك النصيب الذي بيعت عن قيمتها يوم الوطء اتبعته بذلك النقصان بنصيبه، إلى آخر ما بسط الباجي من فروعه. وقال الموفق(١): ليس للمضارب وطء أمةٍ من المضاربة، سواء ظهر في المال ربحٌ أو لم يظهر، فإن فعل فعليه المهر والتعزيرُ، وإن علقت منه ولم يظهر في المال ربح فولده رقيق؛ لأنها علقت منه في غير ملك ولا شبهة ملك، ولا تصير أم ولد له لذلك، وإن ظهر في المال ربح فالولد حُرٌّ، وتصير أم ولد له وعليه قيمتها، ونحو هذا قال سفيان وإسحاق، وقال القاضي: إن لم يظهر ربحٌّ فعليه الحد، لأنه وَطِئَ في غير ملك ولا شبهة ملك، والمنصوص عن أحمد أن عليه التعزير؛ لأن ظهور الربح ينبني على التقويم، والتقويم غير متحقق . وإذا أذن رب المال للمضارب في الشراء من مال المضاربة، فاشترى جارية ليتسرى بها خرج ثمنها من المضاربة، وصار قرضاً في ذمته؛ لأن استباحة البضع لا تحصل إلا بملكه، اهـ. وبسط صاحب ((الهداية)) وغيره من فقهاء الحنفية في فروع المسألة لا يسعها هذا المختصر. (قال مالك في رجل دفع إلى رجل مالاً قراضاً فتعدى) العامل (فاشترى به سلعة) تزيد قيمتها على مال المضاربة (وزاد) العامل (في ثمنها من عنده) يعني قضى العامل من عند نفسه ما زاد على رأس المال وأطلق عليه التعدي؛ لأن ذلك لا يجوز عند مالك. قال ابن رشد(٢): اختلفوا في العامل يستدين مالاً، فيتّجر به مع مال (١) «المغني)) (١٥٥/٧). (٢) ((بداية المجتهد)) (٢٤١/٢). ٣٥١ ٣٤ - كتاب القراض (٨) باب (١٤٠٦) حديث قَالَ مَالِكٌ: صَاحِبُ الْمَالِ بِالْخِيَارِ. إِنْ بِيَعَتِ السِّلْعَةُ بِرِبْحٍ أَوْ وَضِيعَةٍ. أَوْ لَمْ تُبَعْ. إِنْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَ السِّلْعَةَ، أَخَذَهَا وَقَضَاهُ مَا أَسْلَفَهُ فِيهَا. وَإِنْ أَبَى، كَانَ الْمُقَارَضُ شَرِيكاً لَهُ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ فِي النَّمَاءِ وَالنُّقْصَانِ. بِحِسَابٍ مَا زَادَ الْعَامِلُ فِيهَا مِنْ عِنْدِهِ. القراض، فقال مالك: ذلك لا يجوز، وقال الشافعي وأبو حنيفة: ذلك جائز، ويكون الربح بينهما على شرطهما، اهـ. لكن قال الدردير(١): جاز للعامل خلطه من غير شرط وإن بماله، وشارك العامل رب المال إن زاد فيختص بربح الزيادة وخسرها، اهـ. فتأمل. (قال مالك) في الصورة المذكورة: (صاحب) رأس (المال) فيها (بالخيار) في الأمرين الآتي بيانهما (إن بيعت السلعة المذكورة بربح أو) بيعت (بوضيعة) أي بنقصان (أو لم تبع) أصلاً يعني هو مخير في الصور الثلاثة (إن شاء) رب المال وهو أول الأمرين المخيرين (أن يأخذ السلعة) مفعول شاء (أخذها) جزاء الشرط (وقضاه) أي قضى رب المال العامل (ما أسلفه فيها) يعني يقضي العامل ما زاد هو من عند نفسه (وإن أبى) رب المال من أخذها بذلك، وهذا هو الأمر الثاني من الأمرين المخيرين (كان المقارض شريكاً له) أي لرب المال (بحصته من الثمن) الزائد الذي أداه من عند نفسه، وإذا شرك معه فيكون شريكاً (في النماء) أي الربح (والنقصان) كما هو دأب الشركاء (بحساب ما زاد العامل فيها من عنده). وقال الموفق(٢): ليس له أن يشتري بأكثر من رأس المال؛ لأن الإذن ما تناول أكثر منه، فإن كان رأس المال ألفاً، فاشترى عبداً بألف، ثم اشترى عبداً آخر بعين الألف، فالشراء فاسد؛ لأنه اشتراه بمال يستحق تسليمه في البيع (١) ((الشرح الكبير)) (٥٢٣/٣). (٢) («المغني)) (١٥٥/٧). ٣٥٢ ٣٤ - كتاب القراض (٨) باب (١٤٠٦) حدیث قَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلِ أَخَذَ مِنْ رَجُلِ مَالاَ قِرَاضاً. ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَى رَجُلٍ آخَرَ. فَعَمِلَ فِيهِ قِرَاضاً بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهِ: إِنَّهُ ضَامِنٌ لِلْمَالِ. إِنْ نَقَصَ فَعَلَيْهِ النُّقْصَانُ. الأول، وإن اشتراه في ذمته صحَّ الشراء، والعبد له؛ لأنه اشترى في ذمته لغيره ما لم يأذن له في شرائه فوقع له، وهل يقف على إجازة رب المال؟ على روايتين. ومذهب الشافعي كنحو ما ذكرنا، اهـ. وفي ((العالمكيرية)): لو دفع إليه ألف درهم مضاربة، فاشترى المضارب بها وبألف من ماله جارية، ثم خلط الألفين قبل أن ينقدهما بعد الشراء، ثم نقدهما، فلا ضمان عليه، فإن باعها بعد ذلك، وقبض الثمن مختلطاً فلا ضمان عليه، وله أن يشتري بالثمن بعد ذلك ويبيع، فيكون نصفه على المضاربة حصة ما اشترى من الجارية بمال المضاربة ونصفه للمضارب حصة ما اشترى منها بمال نفسه، ولو أنه حين أخذ ألف المضاربة خلطها بألف من ماله قبل أن يشتري بها، ثم اشترى بها كان مشترياً لنفسه، وهو ضامن لمال المضاربة، انتھی . وفي (رد المحتار))(١): إذا اشترى بأكثر من المال كانت الزيادة له، ولا يضمن بهذا الخلط الحكمي، اهـ. (قال مالك في رجل) أي عمرو مثلاً (أخذ من رجل) أي زيد (مالاً قراضاً ثم دفعه) أي دفع عمرو مال المضاربة (إلى رجل آخر) ثالث، وهو بكر مثلاً (فعمل) بكر (فيه) أي في المال (قراضاً بغير إذن صاحبه) أي صاحب المال زيد (إنه) أي عمرو (ضامن للمال) المذكور (وأنه إن نقص المال فعليه) أي على عمرو (النقصان) أي جبره إذ هو متعدٍّ؛ لأنه لم يكن له دفع المال إلى بكر قراضاً بغير إذن زيد. (١) (٥٠٣/٨). ٣٥٣ ٣٤ - كتاب القراض (٨) باب (١٤٠٦) حديث وَإِنْ رَبِحَ فَلِصَاحِبِ الْمَالِ شَرْطُهُ مِنَ الرِّبْحِ. ثُمَّ يَكُونُ لِلَّذِي عَمِلَ، شَرْطُهُ بِمَا بَقِيَ مِنَ الْمَالِ. (وإن ربح) بكر في هذا المال (فلصاحب المال) أي لزيد (شرطه) يعني ما شرط لعمرو (من الربح) إن شرط نصف الربح مثلاً فيأخذ زيد نصف الربح (ثم يكون للذي عمل) وهو بكر (شرطه) اسم يكون، يعني مقدار ما شرط مع عمرو، فإن شرط هو أيضاً النصف مثلاً، فيأخذ بكر النصف (مما بقي من المال) بعد أخذ زيد رأس المال ونصف الربح، فيكون لبكر ربع الربح ولعمرو ربعه . قال أبو عمر: لا أعلم خلافاً في هذا إلا أن المزني قال: ليس للثاني أي لبكر إلا أجر مثله؛ لأنه عمل على فساد مال القراض، وهو أصل الشافعي في الجديد، وقوله في القديم كمالك، اهـ. قاله الزرقاني(١). وما حكي من الإجماع مشكل، فقد قال الموفق(٢): ليس للمضارب دفع المال إلى آخر مضاربة، نص عليه أحمد في رواية الأثرم وغيره، وخَرَّجَ القاضي وجهاً في جواز ذلك بناءً على توكيل الوكيل من غير إذن الموكل، ولا يصحُّ هذا التخريج. وقياسه على الوكيل ممتنعٌ لوجهين: أحدهما: أنه إنما دفع إليه المال ههنا ليضارب به، وبدفعه إلى غيره يخرج عن كونه مضارباً به بخلاف الوكيل، والثاني: أن هذا يوجب في المال حقاً لغيره، ولا يجوز إيجاب حق في مال إنسان بغير إذنه، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي، ولا أعلم عن غيرهم خلافهم، فإن فعل فلم يتلف المال، ولا ظهر فيه ربح ردّه إلى مالكه، ولا شيء له ولا علیه. (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٥٥/٣). (٢) («المغني)) (١٥٦/٧). ٣٥٤ ٣٤ - كتاب القراض (٨) باب (١٤٠٦) حديث وإن تلف أو ربح فيه، فقال الشريف أبو جعفر: هو في الضمان، والتصرف كالغاصب، ولرب المال مطالبة من شاء منهما برد المال إن كان باقياً وبرد بدله إن كان تالفاً، وإن ربح في المال، فالربح لمالكه، ولا شيء للمضارب الأول، لأنه لم يوجد منه مال ولا عمل، وهل للثاني أجر مثله؟ على روايتين؛ إحداهما: له ذلك؛ لأنه عمل في مال غيره بعوض، لم يسلم إليه، فكان له أجر مثله كالمضاربة الفاسدة، والثانية: لا شيء له؛ لأنه عمل في مال غيره بغير إذنه، فلم يستحق لذلك عوضاً كالغاصب، وسواء اشترى بعين المال أو في الذمة. ويحتمل أنه إن اشترى في الذمة يكون الربح له، قال الشريف أبو جعفر: هذا قول أكثرهم يعني قول مالك والشافعي وأبي حنيفة، ويحتمل أنه إن كان عالماً بالحال فلا شيء للعامل كالغاصب، وإن جهل الحال، فله أجر مثله يرجع به على المضارب الأول؛ لأنه غَرَّه، واستعمله بعوض لم يحصل له، فوجب أجره عليه، كما لو كان استعمله في مال نفسه. وقال القاضي: إن اشترى بعين المال فالشراء باطل، وإن كان اشترى في الذمة ثم نقد المال، وكان قد شرط رب المال للمضارب النصف، فدفعه المضارب إلى آخر على أن يكون لرب المال النصف، والنصف الآخر بينهما فهو على ما اتفقوا عليه، لأن رب المال رضي بنصف الربح، فلا يدفع إليه أكثر منه، والعاملان على ما اتفقا عليه، وهذا قول قديم للشافعي، وليس هذا موافقاً لأصول المذهب، ولا لنص أحمد، فإن أحمد قال: لا يطيب الربح للمضارب، ولأن المضارب الأول ليس له عمل ولا مال، ولا يستحق الربح في المضاربة إلا بواحد منهما، والعامل الثاني عمل في مال غيره بغير إذنه ولا شرطه، فلم يستحق ما شرط له غيره، كما لو دفعه إليه الغاصب مضاربةً، اهـ. ٣٥٥ ٣٤ - كتاب القراض (٨) باب (١٤٠٦) حديث وفي ((الهداية))(١): إذا دفع المضارب المال إلى غيره مضاربةً، ولم يأذن له رب المال يضمن بالدفع، ولا يتصرف المضارب الثاني حتى يربح، فإذا ربح ضمن الأول لرب المال، وهذا رواية الحسن عن أبي حنيفة، وقالا: إذا عمل به ضمن، ربح أو لم يربح، وهذا ظاهر الرواية، وقال زفر: يضمن بالدفع عمل أو لم يعمل، وهو رواية عن أبي يوسف، ثم إن ضمن الأول صحَّتِ المضاربة بين الأول وبين الثاني، وكان الربح بينهما على ما شرطا، لأنه ظهر ملكه بالضمان من حين خالف بالدفع إلى غيره لا على الوجه الذي رضي به. فصار كما إذا دفع مال نفسه، وإن ضمن الثاني رجع على الأول بالعقد، لأنه عامل له كما في المودع، ولأنه أي الثاني مغرورٌ من جهته، أي الأول في ضمن العقد، وتصح المضاربة الثانية، والربح بينهما على ما شرطا؛ لأن قرار الضمان على الأول، فكأنه أي رب المال ضمنه أي الأول ابتداءً، وليطيب الربح للمضارب الثاني، ولا يطيب للأعلى أي المضارب الأول؛ لأن الأسفل يستحقه بعمله ولا خبث في العمل، والأعلى يستحقه بملكه المستند بأداء الضمان، فلا يعرى عن نوع خبث، انتهى بزيادة التوضيح. وقال ابن نجيم(٢): وإذا عمل الثاني خيّر ربُ المال إن شاء ضَمَّن الأولَ رأسَ ماله، وإن شاء ضَمَّنَ الثاني، وإن اختار رب المال أن يأخذ الربح، ولا يضمن ليس له ذلك، كذا في ((المبسوط))، فإن ضَمَّن الأول صَحَّتِ المضاربةُ بينه وبين الثاني، وكان الربح على ما شرطا، وإن ضَمَّن الثاني رجع بما ضَمَّنَ على الأول، وصَحَّت بينهما، وكان الربح بينهما، وطاب للثاني ما ربح دون الأول، اهـ. (١) (١٨٢/٦/٣). (٢) ((البحر الرائق)) (٢٦٦/٧). ٣٥٦ ٣٤ - كتاب القراض (٨) باب (١٤٠٦) حديث قَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلِ تَعَدَّى فَتَسَلَّفَ مِمَّا بِيَدَيْهِ مِنَ الْقِرَاضِ مَالاً. فَابْتَاعَ بِهِ سِلْعَةً لِنَفْسِهِ. قَالَ مَالِكٌ: إِنْ رَبِحَ، فَالرِّبْحُ عَلَى شَرْطِهِمَا فِي الْقِرَاضِ. وَإِنْ نَقَصَ، فَهُوَ ضَامِنٌ لِلنَّقْصَانِ. قَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلِ دَفَعَ إِلَى رَجُلِ مَالاَ قِرَاضاً. فَاسْتَسْلَفَ مِنْهُ الْمَدْفُوعُ إِلَيْهِ الْمَالُ مَالاَ. وَاشْتَرَى بِهِ سِلْعَةً لِنَفْسِهِ: إِنَّ صَاحِبَ الْمَالِ بِالْخِيَارِ. إِنْ شَاءَ شَرِكَهُ فِي السِّلْعَةِ عَلَى قِرَاضِهَا. وَإِنْ شَاءَ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا. وَأَخَذَ مِنْهُ رَأْسَ الْمَالِ كُلَّهُ. وَكَذْلِكَ يُفْعَلُ بِكُلَّ مَنْ تَعَدَّی. (قال مالك في رجل) مضارب (تَعَدَّى) أي فعل ما لا يجوز (فَتَسَلَّفَ) أي أخذ سلفاً لنفسه، وفي النسخ الهندية: فيسلف، والأوجه الأول (مما بيديه من) مال (القراض مالاً، فابتاع به) أي بما تسلف (سلعة لنفسه) خاصة. (قال مالك) في الصورة المذكورة: (إن ربح) العامل المتسلف في تلك السلعة (فالربح) بين العامل ورب المال (على شرطهما) أي على ما شرطا عند بدء المضاربة (في القراض، وإن نقص) وخسر العامل في تلك السلعة (فهو ضامن للنقصان) لتعدیه، اهـ. (قال مالك في رجل) أي رب المال (دفع إلى رجل) عامل (مالاً قراضاً فاستسلف) أي تَسلَّف (منه) أي من المال المذكور (المدفوع إليه المال) وهو العامل فاعل استسلف (مالاً) مفعوله، وليس في النسخ الهندية ((مالاً))، وفيها محله لنفسه (واشترى به سلعة لنفسه) خاصة (إن صاحب المال) هو مقولة الإمام مالك (بالخيار) في ذلك (إن شاء شركه) أي العامل (في السلعة على قراضها) أي إن شاء جعل هذه السلعة في حكم القراض بينهما (وإن شاء خَلَّى بينه) أي بين العامل (وبينها) أي بين السلعة (وأخذ) رب المال (منه) أي من العامل (رأس ماله) بلا ربح (وكذلك يُفْعَلُ) ببناء المجهول (بكل ما تَعدّى) العامل. ٣٥٧ ٣٤ - كتاب القراض (٨) باب (١٤٠٦) حديث قال الزرقاني(١): بلا خلاف أعلمه سواء اشتراها للتجارة أو القنية، ومعنى المسألتين متقارب، بل واحد، قاله أبو عمر، غايته أن الثانية أوضح، اهـ. قلت: وما يظهر من كلام الباجي(٢) أن الفرق بينهما بما قبل البيع وبعده إذ قال: إن من أخذ مالاً على وجه القراض، فَتَعَدَّى ما أمر به، واستسلف لينفرد بربحه، فإن ذلك لا يخلو من أن يظهر عليه قبل أن يبيع ما اشتراه به أو بعد ذلك، فإن كان قبل أن يبيعه، فإن الذي دفعه إليه بالخيار بين أن يردّه إلى القراض الذي عقداه بينهما، أو يسلمه إليه، ويضمنه رأس المال، وإن علم بذلك بعد البيع، فإن كان ربح، فهو بينهما على ما شرطاه من القراض، وإن كان فيه نقصٌ، ضمنه العامل للتعدي. ووجه ذلك أن من أخذ مالاً على وجه التنمية، فليس له أن يصرفه عن ذلك الوجه إلى ما ينفرد بمنفعته؛ لأن ذلك تصرف في مال الغير بدون إذنه، فإن فعل فهو متعدٍّ، ويكون الدافع بالخيار بين أن يصرفه إلى ذلك الوجه الذي دفعه عليه، وبين أن يمضي له تعديه ويُضَمِّنُه المال، اهـ. وقال الموفق(٣): متى اشترى ما لم يُؤْذَنْ فيه، فربح، فالربح لرب المال، نَصَّ عليه أحمدُ، وبه قال أبو قلابة ونافع، وعن أحمد: أنهما يتصَدَّقان بالربح، وبه قال الشعبي والنخعي والحكم وحماد، وقال القاضي: قول أحمد: يتصدقان بالربح على سبيل الورع، وهو لرب المال في القضاء، وهذا قول الأوزاعي، وقال إياس بن معاوية ومالك: الربح على ما شرطاه؛ لأنه نوع (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٥٥/٣). (٢) انظر: ((المنتقى)) (١٧٠/٥). (٣) ((المغني)) (١٦٢/٧). ٣٥٨ ٣٤ - كتاب القراض (٨) باب (١٤٠٦) حديث تعد، فلا يمنع كون الربح بينهما على ما شرطاه، وقال القاضي: إذا اشترى في الذمة ثم نقد المال، فالربح لرب المال، وإن اشترى بعين المال، فالشراء باطلٌ في إحدى الروايتين، والأخرى هو موقوفٌ على إجازة المالك، فإن أجازه صَحّ، وإلا بطل. والمذهب الأول نصَّ عليه أحمدُ، في رواية الأثرم، وقال أبو بكر: لم يروٍ أنه يتصَدَّقُ إلا حنبلٌ، واحتجَّ أحمد بحديث عروة البارقيّ قال: عَرَضَ للنبي وَ﴿ جَلَبٌ فأعطاني ديناراً، وقال: ((اشتر لنا شاة)»، فأتيت الجلب، فاشتريت شاتين بدينار، فبعت منهما شاة بدينار، فجئت بالدينار وبالشاة، فقلت: يا رسول الله هذا ديناركم، وهذه شاتكم، قال: ((وكيف صنعت؟)) فحدثتُه، الحديث. فقال: ((اللَّهم بَارِكْ له في صفقة يمينه)) رواه الأثرم(١)، ولأنه نماء مال غيره بغير إذن مالكه، فكان لمالكه كما لو غصب حنطة فزرعها . فأما المضارب ففيه روايتان: إحداهما: لا شيء له؛ لأنه عقد عقداً لم يؤذن له فيه، فلم يكن له شيء كالغاصب، وهذا اختيار أبي بكر، والثانية: له أجر؛ لأن رب المال رضي بالبيع، وأخذ الربح، فاستحق العامل عوضاً. وفي قدر الأجر روايتان: إحداهما: أجر مثله ما لم يحط بالربح، والثانية: له الأقل من المسمى، أو أجر المثل، وإن قصد الشراء لنفسه، فلا أجر له، رواية واحدة، وقال القاضي وأبو الخطاب: إن اشترى في ذمته ثم نقد المال، فلا أجر له، رواية واحدة، وإن اشترى بعين المال فعلى روايتين، اهـ. وفي ((الدر المختار))(٢): ولا يملك تجاوز بلد أو سلعة أو شخص عَيَّنَه المالك، فإن فعل ضَمِنَ بالمخالفة، وكان ذلك الشراء له، قال ابن عابدين: (١) الحديث أخرجه ابن ماجه (٨٠٣/٢)، وأبو داود (٢٢٩/٢)، وأخرجه البخاري (٢٥٢/٤). (٢) (٢١٣/٦). ٣٥٩ ٣٤ - كتاب القراض (٩) باب (٩) باب ما يجوز من النفقة في القراض وله ربحه وعليه خسرانه، ولكن يتصدق بالربح عندهما، وعند أبي يوسف يطيب له أصله المودع إذا تصرف فيها وربح، اهـ. (٩) ما يجوز من النفقة في القراض أجمع العلماء على أن بعض المؤن والنفقات على العامل، لا يجوز أخذها من مال القراض، وبعضها في مال القراض يجوز أخذها منه، واختلفوا في تفصيلها، ولذا ترجم المصنف بالترجمتين تنبيهاً على التنويع في ذلك. قال الموفق(١): على العامل أن يتولّى بنفسه كل ما جرت العادةُ أن يتولاه المضاربُ بنفسه من نشر الثوب، وطَيِّه، وعرضه على المشتري، ومساومته، وعقد البيع معه، وأخذ الثمن، وانتقاده، وشدّ الكيس، وختمه، وإحرازه في الصندوق، ونحو ذلك، ولا أجر له عليه؛ لأنه مستحق للربح في مقابلته، فإن استأجر من يفعل ذلك، فالأجر عليه خاصة؛ لأن العمل عليه، فأما ما لا يليه العامل في العادة، مثل النداء على المتاع، ونقله إلى الخان، فليس للعامل عمله، وله أن يكترِي من يعمله، نصّ عليه أحمدُ؛ لأن العمل في المضاربة غير مشروط لمشقة اشتراطه، فرجع فيه إلى العرف، فإن فعل العامل ما لا يلزمه [فعله] متبرعاً فلا أجر له، اهـ. وقال الدردير(٢): وعلى العامل ما جرت العادة أن يتولاه كالنشر والطي الخفيفتين، وعليه الأجر في ماله إن استأجر على ذلك، لا في مال القراض ولا في ربحه، قال الدسوقي: وأما غير الخفيف وما جرت العادة أن لا يتولاه بنفسه، وهو من مصلحة المال، فله أجره إذا عمله بنفسه، وادّعى أنه عمل ليرجع بأجره من غير يمين عند سكوت رب المال، وأما إن خالفه رب المال، (١) («المغني)) (١٦٣/٧). (٢) ((الشرح الكبير)) (٥٢٢/٣). ٣٦٠