Indexed OCR Text
Pages 281-300
٣٣ - كتاب البيوع (٤٦) باب (١٣٩٦) حديث والصحيح - إن شاء الله - أن هذا يجوز، لكن يكون جعالةً لا إجارة، فإن الإجارة لا بد فيه من مدة أو عمل معلوم، أما الجعالة فتجوز على عمل مجهول كردِّ اللقطة والآبق، وحديث أبي سعيد في الرقية إنما كان جعالة. وإذا استأجره مدة فَكَحَلَه فيها فلم تبرأ عينه استحق الأجر. وبه قال الجماعة، وحكي عن مالك أنه لا يستحق أجراً حتى تبرأ عينه، ولم يحك ذلك أصحابه، وهو فاسد؛ لأن المستأجر قد وفّى العمل الذي وقع العقد عليه، فوجب له الأجر وإن لم يحصل الغرض، انتهى. وقال أيضاً: إن استأجر ليبيع له ثياباً بعينها صَحَّ، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يصحُّ؛ لأن ذلك يتعذر عليه فأشبه ضراب الفحل، وحمل الحجر الكبير. ولنا؛ أنه عمل مباحٌ تجوز النيابة فيه، وهو معلوم، فجاز الاستئجار عليه كشراء الثياب، ولأنه يجوز عقد الإجارة عليه مقدراً بزمن، فجاز مقدراً بالعمل كالخياطة، وقولهم: إنه غير ممكن، لا يصحّ، فإن الثياب لا تنفك عن راغب فيها، ولذلك صحت المضاربة، ولا تكون إلا بالبيع والشراء، اهـ. وقال العيني(١): هذا الباب فيه اختلاف للعلماء، فقال مالك: يجوز أن يستأجره على بيع سلعته إذا بين لذلك أجلاً، قال: وكذلك إذا قال له: بع هذا الثوب، ولك درهم أنه جائز، وإن لم يوقت له ثمناً، وكذلك إن جعل له في كل مائة دينار شيئاً، وهو جُعْلٌ، وقال أحمد: لا بأس بأن يعطيه من الألف شيئاً معلوماً، وذكر ابن المنذر عن حماد والثوري أنهما كرها أجره، وقال أبو حنيفة: إن دفع له ألف درهم يشتري بها بَزّاً بأجر عشرة دراهم، فهو فاسد، وكذلك لو قال: اشتر مائة ثوب فهو فاسد، فإن اشترى فله أجر مثله، ولا (١) ((عمدة القاري)) (٦٢٣/٨). ٢٨١ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٦) باب (١٣٩٦) حديث قَالَ مَالِكٌ: فَأَمَّا الرَّجُلُ يُعْطَى السِّلْعَةَ. فَيُقَالُ لَهُ: بِعْهَا وَلَكَ كَذَا وَكَذَا. فِي كُلِّ دِينَارٍ. لِشَيْءٍ يُسَمِّيهِ. فَإِنَّ ذُلِكَ لَا يَضْلُحُ. لِأَنَّهُ كُلَّمَا نَقَصَ دِينَارٌ مِنْ ثَمَنِ السِّلْعَةِ، نَقَصَ مِنْ حَقِّهِ الَّذِي سَمَّى لَهُ. فَهذَا غَرَرٌ. لَا يَدْرِي كَمْ جَعَلَ لَهُ. يجاوز ما سمى من الأجر، وإن اكتراه شهراً على أن يشتري له ويبيع فذلك جائز، انتهى. قلت: ما حكي عن مالك من الجواز في كل مائة دينار شيئاً يخالفه قول مالك الآتي قريباً. (قال مالك: فأما الرجل يعطي) رجلاً آخر (السلعة فيقال) وفي نسخة ((فيقول)) وهو أوضح (له) أي للرجل الآخر (بعها ولك كذا وكذا في كل دينار لشيء يسميه) بعينه مثلاً يقول له: بعها ولك في كل دينار درهم (فإن ذلك لا يصلح؛ لأنه كلما نقص دينار من ثمن السلعة نقص) درهم (من حقه الذي سمى له) وهذا ظاهر، فإنه إن باعها بعشرة دنانير أخذ عشرة دراهم، وإن باعها بثمانية دنانير نقص الدرهمان من أجرته (فهذا غرر) لأنه (لا يدري كم جعل له). قال الباجي(١): وهذا كما قال: لأنه لم يسم ثمناً يبيعه به، وإذا لم يكن الثمن معلوماً كان جعل العامل مجهولاً، ولا يجوز أن يكون الجعل مجهولاً؛ لأنه لا ضرورة تدعو إلى ذلك، وإنما جاز أن يكون العمل مجهولاً للضرورة الداعية إلى ذلك، انتهى. وقال الزرقاني(٢): الإجارة بيع منافع، فلا يجوز أن يكون البدل فيها إلا معلوماً عند الجمهور، وقال الظاهرية وبعض السلف: يجوز جهل البدل فيها، كمن يعطي حماره لمن يسقي عليه أو يعمل به بنصف ما يرزق بسقيه على ظهره (١) انظر: ((المنتقى)) (١١٢/٥) و((الاستذكار)) (١١١/٢١). (٢) (شرح الزرقاني)) (٣٤٤/٣). ٢٨٢ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٦) باب (١٣٩٧) حديث ١٠١/١٣٩٧ - وحدّثني مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّهُ سَأَلَّهُ عَنِ الرَّجُلِ يَتَكَارَى الدَّابَّةَ. ثُمَّ يُكْرِيهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا تَكَارَاهَا بِهِ. فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ. كل يوم قياساً على القراض والمساقاة، قالوا: وقد جاء القرآن بجواز الرضاع، وما يأخذه الصبي كل يوم من اللبن غير معلوم، قاله أبو عمر، انتهى. وفي ((الفتاوى الهندية)): في ((الواقعات)) للناطفي: إذا قال الرجل: بع هذا المتاع ولك درهم ففعل، أو قال: اشتر لي هذا المتاع ولك درهم، ففعل، فله أجر مثله لا يجاوز به الدرهم، وفي الدلال والسمسار يجب أجر المثل وما تواضعوا عليه أن من كل عشرة دنانير كذا فذلك حرام عليهم. كذا في ((الذخيرة))، انتهى. ١٠١/١٣٩٧ - (مالك عن ابن شهاب أنه سأله) أي سأل مالك الزهري (عن الرجل يتكارى الدابة) أي يأخذها على الكراء (ثم يكريها) رجلاً ثالثاً (بأكثر مما تكاراها به فقال) الزهري: (لا بأس بذلك). قال الباجي(١): له أن يكريها بأكثر مما اكتراها به قبل القبض وبعده، وبهذا قال مالك والشافعي وطاووس وجماعة من العلماء، قال أبو محمد: له أن يكريها بمثل ما اكتراها به وأقل وأكثر؛ لأنه عارض على ملكه كبائع الأعيان، وقال أبو حنيفة: من استأجر داراً أو دابة فليس له أن يؤاجرها حتى يقبضها، وليس له بعد قبضها أن يؤاجرها بأكثر مما استأجرها، وبه قال ابن سيرين والنخعي والشعبي، اهـ. وقال الموفق(٢): يجوز للمستأجر أن يؤجر العين المستأجرة إذا قبضها نصَّ عليه أحمد، وهو قول ابن المسيب وابن سيرين ومجاهد وعكرمة وأبي (١) ((المنتقى)) (١١٣/٥). (٢) ((المغني)) (٥٤/٨). ٢٨٣ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٦) باب (١٣٩٧) حديث سليمان بن عبد الرحمن والنخعي والشعبي، والثوري وأصحاب الرأي، وذكر القاضي فيه رواية أخرى أنه لا يجوز؛ لأنه وَ * نهى عن ربح مالم يضمن، والمنافع لم تدخل في ضمانه، ولأنه عقد على ما لم يدخل في ضمانه، فلم يجز كبيع المكيل والموزون قبل قبضه. والأول أصحُّ؛ لأن قبض العين قام مقام قبض المنافع. وإذا ثبت هذا فإنه لا تجوز إجارته إلا لمن يقوم مقامه أو دونه في الضرر. فأما إجارتها قبل قبضها، فلا تجوز من غير المؤجر في أحد الوجهين، وهذا قول أبي حنيفة والمشهور من قولي الشافعي، والآخر يجوز، وهو قول بعض الشافعية. وأما إجارتها قبل القبض من المؤجر، فإذا قلنا: لا يجوز من غير المؤجر، فكان ههنا وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لأنه عقد عليها قبل قبضها. والثاني: يجوز؛ لأن القبض لا يتعذر عليه بخلاف الأجنبي، فأما إجارتها بعد قبضها من المؤجر فجائزة، وبهذا قال الشافعي . وقال أبو حنيفة: لا يجوز؛ لأن ذلك يؤدي إلى تناقض الأحكام، ويجوز للمستأجر إجارة العين بمثل الأجر وزيادة. نَصَّ عليه أحمد. وروي ذلك عن عطاء والحسن والزهري، وبه قال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر، وعن أحمد: إن أحدث في العين زيادة جاز أن يكريها بزيادة وإلا لم تجز الزيادة، فإن فعل تصدق بالزيادة، روى هذا الشعبي، وبه قال الثوري وأبو حنيفة؛ لأنه يربح بذلك فيما لم يضمن، وقد نهى النبي ◌َّر عن ربح ما لم يضمن. وعن أحمد رواية ثالثة: إن أذن المالك في الزيادة جاز، وإلا لم يجز، وكره ابن المسيب وأبو سلمة وابن سيرين ومجاهد وعكرمة والشعبي والنخعي الزيادة مطلقاً لدخولها في ربح ما لم يضمن، انتهى. ٢٨٤ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٦) باب (١٣٩٧) حديث وفي ((الدر المختار)) (١): وله السكنى بنفسه وإسكان غيره بإجارة وغيرها. وكذا كل ما لا يختلف بالمستعمل، ولو آجر بأكثر تصدق بالفضل إلا في مسألتين؛ إذا آجرها بخلاف الجنس أو أصلح فيها شيئاً، ولو آجرها من المؤجر لا تصح، وتنفسخ الإجارة في الأصح ((بحر)) معزياً ((للجوهرة)) وفي ((الوهبانية))(٢) وغيره: الصحيح لا تنفسخ، انتهى. (کمل كتاب البيوع) هكذا في النسخ الهندية. وليس هذا الكلام في النسخ المصرية لا في المتون، ولا في الشروح. (١) (٣١٠/٦). (٢) ((الدر المختار)) (٣٧٩/٦). ٢٨٥ ٣٤ - كتاب القراض (١) باب بسم الله الرحمن الرحيم ٣٤ - كتاب القراض (١) باب ما جاء في القراض بسم الله الرحمن الرحيم هكذا في أكثر النسخ المصرية بتقديم التسمية على الكتاب، وفي بعضها والنسخ الهندية بتقديم الكتاب على التسمية. (٣٤) كتاب القراض قال الزرقاني: هكذا في نسخ صحيحة مقروءة تقديمه على المساقاة، وفي نسخ تأخيره عنها، وعن كراء الأرض، والخطب سهل، انتهى. قلت: هكذا في النسخ الهندية وأكثر المصرية ذكر القراض ههنا، وفي نسخة ((المنتقى)) ذكر ههنا كتاب المساقاة، ثم كراء الأرض، ثم القراض. (١) ما جاء في القراض وهو بالقاف والراء مصدر قارض مقارضة وقراضا، وهو أحد أنواع الشركة . قال الموفق(١): الشركة على ضربين: شركة أملاك، وشركة عقود، والثاني أنواع خمسة، شركة العنان، والأبدان، والوجوه، والمضاربة، والمفاوضة. ثم قال(٢): النوع الثالث: أن يشترك بدن ومال، وهذه المضاربة، وتسمى (١) ((المغني)) (١٠٩/٧). (٢) (١٣٢/٧). ٢٨٦ ٣٤ - كتاب القراض (١) باب قراضاً أيضاً، ومعناها أن يدفع رجلٌ مالَه إلى آخر يَتِّجر له فيه على أن ما حصل من الربح بينهما على حسب ما يشترطانه، فأهل العراق يسمونه مضاربةً، مأخوذٌ من الضرب في الأرض، وهو السفر فيها للتجارة، قال تعالى: ﴿وَءَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى الْأَرَضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اَللَّهِ﴾(١). ويحتمل أن يكون من ضرب كل واحد منهما في الربح بسهم، ويسميه أهل الحجاز القراض، فقيل: هو مشتق من القطع يقال: قرض الفأرّ الثوب إذا قطعه، فكأن صاحب المال اقتطع من ماله قطعة، وسلّمها إلى العامل، واقتطع له قطعة من الربح، وقيل: اشتقاقه من المساواة والموازنة يقال: تقارض الشاعران إذا وازن كل واحد منهما الآخر بشعره، وههنا من العامل العمل، ومن الآخر المال، فتوازنا، اهـ. قال الدردير(٢): القراض بكسر القاف من القرض، وهو القطع، سُمِّ بذلك؛ لأن المالك قطع قطعة من ماله لمن يعمل بجزء من الربح، قال الدسوقي: أي والعامل قطع لرب المال جزءاً من الربح الحاصل بسعيه، وحينئذ فالمفاعلة علی بابها، انتهى. قال الزرقاني(٣): وأهل العراق يسمونه المضاربة، ولا يقولون: قراضاً البتة، وكان ذلك في الجاهلية، فأُقرّ في الإسلام، وعمل به ◌َله لخديجة قبل البعثة، ونقلته الكافة عن الكافة، ولا خلاف في جوازه، انتهى. وقال الموفق(٤): أجمع أهل العلم على جوازه في الجملة ذكره ابن (١) سورة المزمل: الآية ٢٠. (٢) ((الشرح الكبير)) (٣٥١/٣). (٣) ((شرح الزرقاني)) (٣٤٥/٣)، وانظر ((الاستذكار)) (١١٩/٢١). (٤) ((المغني)) (١٠٩/٧). ٢٨٧ ٣٤ - كتاب القراض (١) باب المنذر، انتهى. قال الزرقاني: لا أصل للقراض في كتاب ولا سنة إلا أنه كان في الجاهلية فأُقرَّ في الإسلام، وأجمع على جوازه بالدراهم والدنانير، قاله أبو عبد الملك، انتهى. وفي ((البدائع))(١): القياس أن لا يجوز عقد المضاربة؛ لأنه استئجار بأجر مجهول، بل بأجر معدوم، ولعمل مجهول، لكنا تركنا القياس بالكتاب والسنة والإجماع، أما الأول، فقوله عز شأنه: ﴿وَءَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلٍ اللَّهِ﴾ والمضارب يضرب في الأرض يبتغي من فضل الله، وأما السنة، فما روي عن ابن عباس أن سيدنا العباس إذا دفع المال مضاربة اشترط على صاحبه أن لا يسلك به بحراً، ولا ينزل به وادياً، ولا يشتري به دابة ذات كبد رطبة، فإن فعل ذلك ضمن، فبلغ شرطه رسول الله وَالیت، فأجاز شرطه. وكذا بعث رسول الله ◌َ* والناس يتعاقدون المضاربة، فلم ينكر عليهم، وذلك تقرير لهم على ذلك، والتقرير أحد وجوه السنة، وأما الإجماع، فإنه رُوي عن جماعةٍ من الصحابة أنهم دفعوا مال اليتيم مضاربة، منهم عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عمر وعبيد الله بن عمر وعائشة، ولم ينقل أنه أنكر عليهم من أقرانهم أحد، ومثله يكون إجماعاً، انتهى. وفي ((المحلى)): هي جائزة بالإجماع، وأصله من المرفوع ما رواه ابن ماجه عن صهيب أنه ◌َل﴿ قال: ((ثلاث فيهن البركة، البيع إلى أجل، والمقارضة، واختلاط البر بالشعير لا للبيع))، انتهى. وقال ابن رشد (٢): لا خلاف بين المسلمين في جوازه، وأجمعوا على أن صفته أن يعطي الرجل الرجل المال على أن يَتَّجِر فيه على جزء معلوم يأخذه (١) ((بدائع الصنائع)) (١٠٨/٥). (٢) ((بداية المجتهد)) (٢٣٦/٢). ٢٨٨ ٣٤ - كتاب القراض (١) باب (١٣٩٨) حديث ١/١٣٩٨ - حدّثني مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ وَعُبَيْدُ اللَّهِ ابْنَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي جَيْشٍ إِلَى الْعِرَاقِ. فَلَمَّا قَفَلًا مَرَّا عَلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ. وَهُوَ أَمِيرُ الْبَصْرَةِ. فَرَخَّبَ بِهِمَا وَسَهَّلَ. ثُمَّ قَالَ: لَوْ أَقْدِرُ لَكُمَا عَلَى أَمْرِ أَنْفَعُكُمَا بِهِ لَفَعَلْتُ. العامل من ربح المال أيّ جزء كان مما يتفقان عليه ثلثاً أو ربعاً أو نصفاً، وأن هذا مستثنى من الإجارة المجهولة، وأن الرخصة في ذلك إنما هي لموضع الرفق بالناس، وأنه لا ضمان على العامل فيما تلف من رأس المال إذا لم يتعد، وإن كان اختلفوا فيما هو تَعَدِّ مما ليس بتعدٍّ. وكذلك أجمعوا بالجملة على أن لا يقترن به شرط يزيد في مجهلة الربح، أو في الغرر الذي فيه، وإن كان اختلفوا فيما يقتضي ذلك من الشروط مما لا يقتضي، وكذلك اتفقوا على أنه يجوز بالدنانير والدراهم، واختلفوا في غير ذلك، انتھی. ١/١٣٩٨ - (مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه) أسلم العدوي مولى عمر - رضي الله عنه _ (أنه قال) أي أسلم، وأخرجه الدارقطني بسنده إلى عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده (خرج عبد الله) بفتح العين (وعبيد الله) بضمها مصغراً (ابنا عمر بن الخطاب) في زمان خلافته (في جيش إلى العراق) بعث بهما للغزو (فلما قفلا) أي رجعا من الغزو (مَرًّا على أبي موسى الأشعري) الصحابي الشهير اسمه عبد الله بن قيس (وهو) أي أبو موسى إذ ذاك (أمير البصرة) من جهة عمر - رضي الله عنه -، ولفظ الدارقطني مَرَّا بأبي موسى الأشعري، وهو على العراق مقبلين من أرض فارس (فرحب بهما) من الترحيب أي قال: مرحباً (وسهّل) بتشديد الهاء أي قال: أهلاً وسهلاً. (ثم قال) أبو موسى: (لو أقدر) بصيغة المتكلم (لكما) اللام للنفع (على أمرٍ أنفعكما به) أي لو قدرت على شيء يصل به النفع إليكما (لفعلت) جواب ٢٨٩ ٣٤ - كتاب القراض (١) باب (١٣٩٨) حدیث ثُمَّ قَالَ: بَلَى، هَاهُنَا مَالٌ مِنْ مَالِ اللَّهِ أُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَ بِهِ إِلَى أَمِيرٍ الْمُؤْمِنِينَ. فَأُسْلِفُكُمَاهُ. فَتَبْتَاعَانِ بِهِ مَتَاعاً مِنْ مَتَاعِ الْعِرَاقِ. ثُمَّ تَبِيعَانِهِ بِالْمَدِينَةِ. فَتُؤَدِّيَانِ رَأْسَ الْمَالِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَيَكُونُ الرِّبْحُ لَكُمَا . فَقَّالَا: وَدِدْنَا ذُلِكَ. فَفَعَلَ لو، وليس في بعض النسخ لفظ لفعلت، فلو للتمني لا يحتاج إلى الجواب (ثم قال: بلى) سنح لي أمر فيه نفع لكما (ههنا مال) عندي (من مال الله) أي من بيت المال (أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين) عمر - رضي الله عنه - (فأسْلِفُكماه) بضم الهمزة أي أعطيكماه قرضاً (فتبتاعان به) ههنا (متاعاً من متاع العراق) للتجارة، (ثم تبيعانه) أي المتاع (بالمدينة) المنورة (فتؤديان رأس المال) أي المقدار الذي أعطيكماه (إلى أمير المؤمنين) عمر - رضي الله عنه - (ویکون لكما الربح) الحاصل بالتجارة (فقالا) أي عبد الله وعبيد الله: (وَدِدْنَا ذلك) أي أحببنا أن تفعل هكذا (ففعل) أبو موسى، فأعطاهما مالاً واشتريا به متاعاً. قال الباجي(١): قول أبي موسى: ههنا مال، إلخ. لم يرد بذلك إحراز المال في ذمتهما، وإنما أراد منفعتهما بالسلف، ومن مقتضاه ضمانهما المال، وإنما يجوز السلف لمجرد منفعة المتسلف، فإذا قصد المسلف منفعة نفسه دخل الفساد، وإن أراد المسلف منفعته بالسلف، بأن يقصد إحراز ماله في ذمة المتسلف إلى بلد القضاء كالسفاتج التي يستعملها أهل المشرق، فالمشهور من مذهب مالك أن ذلك غير جائز. وروى أبو الفرج جواز السفاتج، ولعله أراد ما لم يقصد المسلف نفع نفسه، وسواء فيما ذكر كان المسلف صاحب المال أو غيره ممن له النظر عليه من إمام أو قاض أو وصي أو أب، فلا يجوز للإمام أن يسلف شيئاً من مال المسلمين ليحرزه في ذمة المتسلف، وقد نص على ذلك أصحابنا في مسألة القاضي. (١) ((المنتقى)) (١٤٩/٥). ٢٩٠ ٣٤ - كتاب القراض (١) باب (١٣٩٨) حديث وَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّاب، أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمَا الْمَالَ. فَلَمَّا قَدِمَا بَاعَا فَأُرْبِحَا. فَلَمَّا دَفْعَا ذُلِكَ إِلَى عُمَرَ، قَالَ: أَكُلَّ الْجَيْشِ أَسْلَفَهُ مِثْلَ مَا أَسْلَفَكُمَا؟ قَالَا: لَا. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: ابْنَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينِ. فَأَسْلَفَكُمَا . ووجه ذلك أن ما لا يجوز للإنسان في مال نفسه من الارتفاق، فلا يجوز في مالٍ يلي عليه، وإذا ثبت ذلك، ففعل أبي موسى الأشعري هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون فعل هذا لمجرد منفعة عبد الله وعبيد الله، وجاز له ذلك وإن لم يكن الإمام المفوض إليه؛ لأن المال كان بيده بمنزلة الوديعة، ولو تلف المال، ولم يكن عندهما وفاءٌ لضمنه أبو موسى، والوجه الثاني: أن يكون لأبي موسى النظر في المال بالتثمير والإصلاح، فإذا أسلفه كان لعمر بن الخطاب الذي هو الإمام المفوض إليه تعقب فعله، فَتَعَقَّبَه، ورَدَّه إلى القراض، انتھی . (وكتب) أبو موسى (إلى عمر بن الخطاب أن يأخذ منهما المال) أي مقدار المال الذي أعطاهما أبو موسى (فلما قدما) المدينة (باعا) المتاع (فأربحا) أي حصل لهما الربح في ذلك (فلما دفعا) بالدال في النسخ المصرية أي دفعا (ذلك) المال، وفي النسخ الهندية بالراء أي رفعا القصة أو المال (إلى عمر بن الخطاب)، وأخبره بالقصة أو بلغَه من غيرهما (قال) عمر - رضي الله عنه -: (أكل الجيش) بنصب ((كل)) بتقدير الفعل على شريطة التفسير (أسلفه مثل ما أسلفكما؟) أو خصّكما بهذا السلف (قالا: لا) لم يسلف كل الجيش، بل خصنا بذلك من بين الجيش. (فقال عمر بن الخطاب:) أنتما (ابنا أمير المؤمنين فأسلفكما) لذلك محاباةً له ورشوةً، قال الباجي(١): قول عمر: أكل الجيش أسلفه تَعَقُّبٌ منه لفعل أبي (١) (١٥٠/٥). ٢٩١ ٣٤ - كتاب القراض (١) باب (١٣٩٨) حديث أَدِّيَا الْمَالَ وَرِبْحَهُ. موسى، ونظر في تصحيح أفعاله، وتبيين لموضع المحظور منه؛ لأنه لا يخفى على عمر أن أبا موسى لم يسلف كل واحد من الجيش مثل ذلك، وإنما أراد أن يبين لابنَيْه موضعَ المحاباة في موضع فعل أبي موسى، فلما قالا: لا، أقرّا بالمحاباة، فقال: ابنا أمير المؤمنين يريد أن تخصيصهما بالسلف دون غيرهما، إنما كان لموضعهما من أمير المؤمنين. وهذا مما كان يتورع منه عمر - رضي الله عنه - أن يخص أحداً من أهل بيته أو ممن ينتمي إليه بمنفعة من مال الله لمكانه منه، وكان عمر - رضي الله عنه - يبالغ في التوقي منه، ولذا قسم لعبد الله بن عمر أقلَّ مما قسم لغيره من المهاجرين الأولين، وكان يعطي حفصة ابنته مما يصلح لأزواج النبي وَ لّ آخر من يعطي، فإن كان نقصان ففي حصتها، اهـ. (أديا المال و)أديا (ربحه) احتياطاً للمسلمين؛ لأنه مالهم، قاله أبو عمر (١)، وقال الباجي(٢): نقض من عمر - رضي الله عنه - لفعل أبي موسى وتغيير لسلفه بردِّ ربح المال إلى المسلمين، وإجرائه مجرى أصله، قال عيسى بن دينار: وإنما كره تفضيل أبي موسى لولديه ولم يكن يلزمهما ذلك، وهذا على قولنا: إن أبا موسى استسلف المال وأسلفهما إياه لمجرد منفعتهما، وإن المال كان بيده على وجه الوديعة، وأما إذا قلنا: إنه بيده لوجه التثمير والإصلاح، فإن لعمر - رضي الله عنه - تَعَقُّبَ ذلك، والتكلم فيه والنظر في ذلك لهما وللمسلمين بوجه الصواب. ولم يختلف أصحابنا في المبضع معه المال يبتاع به لنفسه، ويتسلفه أن صاحب المال مُخَيَّر بين أن يأخذ ما ابتاع به لنفسه أو يضمنه رأس المال؛ لأنه (١) انظر: ((الاستذكار)) (١٢١/٢١). (٢) ((المنتقى)) (١٥٠/٥). ٢٩٢ ٣٤ - كتاب القراض (١) باب (١٣٩٨) حديث فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ، فَسَكَتَ. وَأَمَّا عُبَيْدُ اللَّهِ، فَقَالَ: مَا يَنْبَغِي لَكَ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هذَا. لَوْ نَقَصَ هُذَا الْمَالُ أَوْ هَلَكَ لَضَمِنَّاهُ. فَقَالَ عُمَرُ: أَدِّيَاهُ. فَسَكَتَ عَبْدُ اللَّهِ. وَرَاجَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَاءِ عُمَرَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ جَعَلْتَهُ قِرَاضاً. إنما دفع إليه المال على النيابة عنه في عرضه وابتياع ما أمره به وكان أحق بما ابتاعه به، وهذا إذا ظفر بالأمر قبل بيع ما ابتاعه، فإن فات ما ابتاعه به، فإن ربحه لرب المال، وخسارته على المبضع معه، اهـ. (فأما عبد الله) المكبر (فسكت) عن المراجعة أدباً لأبيه وبراً به واتباعاً له وانقياداً لأمره، ولما به أيضاً من شدة الورع (وأما عبيد الله) المصغر فراجع أباه (فقال: ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين هذا) الفعل، واحتجَّ بأنه (لو نقص) هذا (المال) يعني لو كان فيه الخسران بدل الربح (أو هلك) المال كله وضاع (لضمناه) لأنه كان سلفاً عندنا (فقال عمر) رضي الله عنه: (أَدِّياه) إعراض من عمر - رضي الله عنه - عن حجته. قال الباحي: لأن المبضع معه يضمن البضاعة إذا اشترى بها لنفسه، وإن دخلها نقص جبره، ومع ذلك فإن ربحها لرب المال، اهـ. (فسكت عبد الله) حينئذٍ أيضاً (وراجعه عبيد الله) المصغر مرة ثانية، قال الزرقاني: فيه احتجاج الابن على الأب وأنه ليس بعقوق من حق الأبوة ولا حق الخلافة (فقال رجل من جلساء عمر) رضي الله عنه، يقال: إنه عبد الرحمن بن عوف، قاله الزرقاني(١) (يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضاً) قال الباجي: على وجه ما رآه من المصلحة في ذلك وإن كان عمر - رضي الله عنه - لم يسأله إلا أنه قد جرى على عادته، وما عرف من حال عمر واستشارته أهل العلم، وكذلك المفتي يجوز أن يبتدئ الحكم بالفتوى إذا علم من حاله استشارته وجرت بذلك عادته. (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٤٦/٣). ٢٩٣ ٣٤ - كتاب القراض (١) باب (١٣٩٨) حدیث فَقَالَ عُمَرُ: قَدْ جَعَلْتُهُ قِرَاضاً. فَأَخَذَ عُمَرُ رَأْسَ الْمَالِ وَنِصْفَ رِبْحِهِ. وَأَخَذَ عَبْدُ اللَّهِ وَعُبَيْدُ اللَّهِ، ابْنَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، نِصْفَ رِبْحٍ الْمَالِ . (فقال عمر: قد جعلته قراضاً) قال الباجي(١): هو على سبيل التصويب لما رآه هذا المشير، والأخذ بقوله، وقوله الأول لم يكن حكماً، وإنما كان إظهاراً لما يريد أن يحكم به، وإنما جَوَّز ذلك؛ لأنهما عملا في المال بوجه شبهة، وعلى وجه يعتقدان فيه الصحة دون أن يبطلا فيه مقصوداً لمن يملكه، فلم يجز أن يبطل عليهما عملهما، فردّهما إلى قراض مثلهما، وكان قراض مثلهما النصف فأخذ عمر - رضي الله عنه - النصف من الربح وابنا عمر النصف الثاني، اهـ. (فأخذ عمر رأس المال) الذي أعطاهما أبو موسى (ونصف ربحه) فجعله أيضا في بيت المال (وأخذ عبد الله وعبيد الله ابنا عمر) - رضي الله عنه - (نصف ربح المال) قال الزرقاني(٢): وكأنه جعل ذلك قطعاً للنزاع إذ ليس من القراض في شيء، وإنما ساق مالك هذا الحديث إعلاماً بأن القراض كان معمولاً به من عهد عمر، وقيل: هو أول قراض في الإسلام، وقيل: أوله أن عمر - رضي الله عنه - أخرج من السوق من لا يعلم البيع، وكان فيهم يعقوب مولى الحرقة، فأعطاه عثمان مالاً قراضاً، وأجلسه في السوق، فإن كان محفوظاً، فمعناه أن عثمان كان يُعَلِّمُه ويُراعي أحواله، ولا ينبغي أن يظن بعثمان في فضله وورعه إلا ذلك، اهـ. وهذا يخالف ما تقدم قريباً عن الباجي إذ حمله على القراض، وحكى شيخ مشايخنا الشاه ولي الله الدهلوي في ((إزالة الخفاء))، عن المزني قال: وجه (١) ((المنتقى)) (١٥١/٥). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٤٦/٣). ٢٩٤ ٣٤ - كتاب القراض (١) باب (١٣٩٨) حدیث جعل عمر - رضي الله عنه - نصف ربح ابنيه للمسلمين عندي أنهما أجابا قول عمر رضي الله عنه عن طيب أنفسهما، اهـ. والأثر أخرجه البيهقي (١) برواية الشافعي وابن بكير عن مالك بهذا السند نحوه، ثم قال: معنى حديثهما سواء إلا أن الشافعي قال في روايته: فلما قفلا مرّا على عامل لعمر، ثم قال: قال الشافعي: وابن عمر يرى على المشتري بالبضاعة لغيره الضمان، ويرى الربح لصاحب البضاعة ولا يجعل الربح لمن ضمن، قال الربيع: آخر قول الشافعي إنه إذا تعدّى، فاشترى شيئاً بالمال بعينه، فربح فيه فالشراء باطل، وإن اشترى بمال لا بعينه، ثم نفد المال، فالشراء له، والربح له، والنقصان عليه، وهو ضامن للمال، وأوَّل المزني حديثَ عمر - رضي الله عنه - مع ابنيه بأنه سألهما لبره الواجب عليهما، أن يجعلا ربحه كله للمسلمين، فلم يجيباه، فلما طلب النصف أجاباه عن طيب أنفسهما، اهـ. وقال ابن التركماني(٢): ذكر البيهقي هذا الأثر في باب القراض وجعله المال قراضاً مشكل، وقد قال عبيد الله: لو هلك المال ضمناه، ولم ينكر عمر - رضي الله عنه - ولا أحد من الصحابة، والمقارض أمين لا ضمان عليه، إلا إذا استهلك أو ضَيَّعَ، ذكره صاحب ((الاستذكار))(٣)، وأوّله المزني بطيب أنفسهما بذلك، وفيه بُعْدٌ. وفي ((اختلاف العلماء)) للطحاوي: قال أبو حنيفة: من غصب شيئاً، فربح فيه ضمنه، وتصدق بالربح، وقال مالك: يطيب له الربح؛ لأنه ضامن للمال، (١) انظر: ((السنن الكبرى)) (١١٠/٦ - ١١٣). (٢) ((هامش السنن الكبرى)) (١١٠/٦). (٣) (١٢٤/٢١). ٢٩٥ ٣٤ - كتاب القراض (١) باب (١٣٩٨) حديث ثم ذكر الطحاوي هذا الأثر، وقال: يحتمل أن عمر - رضي الله عنه - عاقبهما بذلك كما شاطر عماله أموالهم، وكما روي أن رفقاء لحاطب سرقوا ناقة، فنحروها، فسأل صاحبها عن ثمنها، فقال: أربعمائة درهم، فقال: أعطه ثمانمائة درهم، اهـ. وقال الموفق(١): إذا غصب أثماناً فاتَّجر بها، أو عروضاً فباعها، واتجر بثمنها، فقال أصحابنا: الربح للمالك، والسلع المشتراة له، وقال الشريف أبو جعفر وأبو الخطاب: إن كان الشراء بعين المال فالربح للمالك، قال الشريف: وعن أحمد أنه يتصدق به، وإن اشترى في ذمته ثم نقد الأثمان، فقال أبو الخطاب: يحتمل أن يكون الربح للغاصب، وهو قول أبي حنيفة والشافعي في أحد قوليه؛ لأنه اشترى لنفسه في ذمته، فكان الشراء له والربح له، وعليه بدل المغصوب، وهذا قياس قول الخرقي، ويحتمل أن يكون الربح للمغصوب منه؛ لأنه نماء ملكه، فكان له، كما لو اشترى بعين المال، وهذا ظاهر المذهب، وإن حصل خسران، فهو على الغاصب؛ لأنه نقصٌ حصل في المغصوب، وإن دفع المال إلى من يضارب به، فالحكم في الربح على ما ذكرنا، وليس على المالك من أجر العامل شيء؛ لأنه لم يأذن له في العمل في ماله، وأما المضارب فإن كان عالماً بالغصب فلا أجر له؛ لأنه متعدٍ بالعمل، وإن لم يعلم بالغصب فعلى الغاصب أجر مثله؛ لأنه استعمله عملاً بعوض لم يحصل له، فلزمه أجره اهـ. وقال ابن رشد(٢): اختلفوا فيمن أودع مالاً، فتعدّی فیه واتّجر به فربح، هل ذلك الربح حلال أم لا؟ فقال مالك والليث وأبو يوسف وجماعة: إذا رد المال طاب له الربح، وإن كان غاصباً للمال فضلاً أن يكون مستودعاً عنده، (١) ((المغني)) (٣٩٩/٧). (٢) ((بداية المجتهد)) (٣١٢/٢). ٢٩٦ ٣٤ - كتاب القراض (١) باب (١٣٩٩) حدیث ٢/١٣٩٩ - وحدّثني مَالِكٌ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ؛ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أَعْطَاهُ مَالاَ قِرَاضاً يَعْمَلُ فِيهِ . عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا . وقال أبو حنيفة وزفر ومحمد بن الحسن: يؤدي الأصل، ويتصدق بالربح، وقال قوم: لرب الوديعة الأصل والربح، وقال قوم: هو مخير بين الأصل والربح، فمن اعتبر التصرف قال: الربح للمتصرف، ومن اعتبر الأصل قال: الربح لصاحب المال، ولذلك لما أمر عمر - رضي الله عنه - ابنيه أن يصرفا المال، قيل له: لو جعلته قراضاً؟ فأجاب إلى ذلك؛ لأنه قد رأى أنه قد حصل للعامل جزء، ولصاحب المال جزء، وإن ذلك عدل، اهـ. ٢/١٣٩٩ - (مالك عن العلاء بن عبد الرحمن) الحرقي (عن أبيه) عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي (عن جده) يعقوب المدني مولى الحرقة، مقبول تابعي كبير، ذكر في هامش ((التهذيب)) عن ((الخلاصة)): له عند الترمذي حديث موقوف، وذكر في هامشها: وهو قوله: ((لا يبع في سوقنا إلا من تفقه في الدين))، قلت: ذكره الترمذي قبل أبواب الجمعة. (أن عثمان بن عفان أعطاه) أي يعقوب (مالا قراضاً) أي للمضاربة (يعمل فيه) يعقوب (على أن الربح بينهما) ولعل مالكاً - رحمه الله - ذكره؛ لأن عثمان - رضي الله عنه - أيضاً عمل بالمضاربة كما عمل بها عمر - رضي الله عنه - في الأثر الماضي. قال أبو عمر(١): أجمع العلماء على أن القراض سنة معمول بها، وقال عمر وابنه وعائشة وابن مسعود اتّجروا في أموال اليتامى، لا تأكلها الزكاة، وكانوا يضاربون بأموال اليتامى، اهـ. وقال الموفق(٢): روي عن حميد بن عبد الله عن أبيه عن جده أن عمر بن (١) ((الاستذكار)) (١٢١/٢١). (٢) ((المغني)) (١٣٣/٦). ٢٩٧ ٣٤ - كتاب القراض (٢) باب (١٤٠٠) حديث (٢) باب ما يجوز في القراض ٣/١٤٠٠ - قَالَ مَالِكٌ: وَجْهُ الْقِرَاضِ الْمَعْرُوفِ الْجَائِزِ، أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ الْمَالَ مِنْ صَاحِبِهِ. عَلَى أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ. الخطاب أعطاه مال يتيم مضاربة يعمل به في العراق، وعن الحسن أن علياً - رضي الله عنه - قال: إذا خالف المضارب فلا ضمان، وعن حكيم بن حزام وابن مسعود - رضي الله عنهما - أنهما قارضا، ولا مخالف لهما في الصحابة، فحصل إجماعاً، اهـ. (٢) ما يجوز من القراض هكذا في النسخ الهندية وفي النسخ المصرية كلها ((في القراض)»، والأوجه الأول، والمقصود بيان المضاربة الجائزة. ٣/١٤٠٠ - (قال مالك: وجه القراض المعروف الجائز) يعني صورة المضاربة المعروفة بين أهل العلم الجائزة عندهم (أن يأخذ الرجل) العامل (المال من صاحبه) أي من رب المال. قال الباجي(١): هذه سنة القراض، ولو شرطا بقاء المال بيد صاحبه، وإذا اشترى العامل سلعة وزن، وإذا باع قبض الثمن لم يجز ذلك، ووجه ذلك أن هذا معنى قد أخرجهما عن صورة القراض، ومعناه فمنع ذلك صحته؛ لأن ذلك يخرجه عن أن يكون قراضاً، ويجعله إجارة مجهولة العوض، اهـ. (على أن يعمل فيه) أي يعمل المضارب في المال. قال الباجي (٢): فإن عمل معه بغير شرط فهو ممنوع في الكثير دون القليل؛ لأن الكثير مقصود في نفسه، ومن أجله أنفق في القراض على ما أنفق فيه، فلذلك أثر في المعاملة، وأما اليسير (١) ((المنتقى)) (١٥١/٥). (٢) ((المنتقى)) (١٥١/٥). ٢٩٨ ٣٤ - كتاب القراض (٢) باب (١٤٠٠) حديث وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. وَنَفَقَةُ الْعَامِلِ فِي الْمَالِ، فِي سَفَرِهِ مِنْ طَعَامِهِ وَكِسْوَتِهِ، وَمَا يُصْلِحُهُ بِالْمَعْرُوفِ، بِقَدْرِ الْمَالِ إِذَا شَخَصَ فِي الْمَالِ، إِذَا كَانَ الْمَالُ يَحْمِلُ ذُلِكَ. فَإِنْ كَانَ مُقِيماً فِي أَهْلِهِ، فَلَا نَفَقَّةً لَهُ مِنَ الْمَالِ، وَلَا كِسْوَةَ. قَالَ مَالِكٌ: وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُعِينَ الْمُتَقَّارِضَانِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ. إِذَا صَحَّ ذَلِكَ مِنْهُمَا . مثل أن يعينه في شراء سلعة أو ينوب عنه في قبض دراهم يسيرة مما يفعله الإنسان لصديقه، فكان الأظهر أن القراض لم ينعقد على ما انعقد عليه لأجله، اهـ. وسيأتي قريباً (ولا ضمان عليه) أي على العامل؛ لأنه أمين بشرط أن لا يتعدى، وسيأتي في كلام المصنف قريباً. (ونفقة العامل) تكون (في المال) إذا كان العامل (في سفره) لا في الحضر (من طعامه وكسوته) بيان للنفقة (وما يصلحه بالمعروف) عطف على طعامه، أي وما يحتاج إليه العامل مما يناسب (بقدر المال) يعني يتحمله المال أيضاً (إذا شَخَصَ) بفتح الشين والخاء المعجمتين والصاد المهملة أي إذا سافر، وهذا توكيد لقوله السابق: في سفره، فتكون (في المال) أي في مال المضاربة (إذا كان المال يحمل ذلك) أي يتحمله، لا أن يكون المال أقلّ من ذلك، وهذا توضيح لقوله السابق: بقدر المال (فإن كان) العامل (مقيماً في أهله) وهذا احتراز، وتفريع لقوله: في سفره (فلا نفقة له من المال ولا كسوة) وستأتي هذه المباحث مستقلة في الأبواب الآتية، وذكر مالك هذه صورة القراض الجائز. (قال مالك: ولا بأس) أي يجوز (أن يعين المتقارضان) أي رب المال والعامل (كلُّ واحد منهما صاحبه على وجه المعروف) والتبرع (إذا صح ذلك منهما) بأن لا يكون بالشرط، وتقدم قريباً في كلام الباجي إذا كان يسيراً، وقال أيضاً: وهذا كما قال: فإنه لا بأس بأن يعين العامل رب المال فيما ينفرد به، إذا كانت معونته على وجه المعروف المحض، ولم يكن لأن المال بيده، وهذا ٢٩٩ ٣٤ - كتاب القراض (٢) باب (١٤٠٠) حدیث قَالَ مَالِكٌ: وَلَا بَأُسَ بِأَنْ يَشْتَرِيَ رَبُّ الْمَالِ مِمَّنْ قَارَضَهُ بَعْضَ مَا يَشْتَرِي إذا كانت المعونة يسيرة مع كون المال الذي يقرضه بيد صاحبه، فأما أن يبضع معه. فقد قال مالك: يجوز القليل منه دون الكثير، وكره ابن القاسم ما قل منه لشرط ، اهـ. وفي ((البدائع)) (١): لو شرط في المضاربة عمل رب المال فسدت المضاربة، سواء عمل رب المال معه أو لم يعمل؛ لأن شرط عمله معه شرط بقاء يده على المال، وهو شرط فاسد، ولو سلم المال ولم يشترط عمله، ثم استعان به على العمل جاز؛ لأن الاستعانة لا توجب خروج المال عن يده، اهـ. قال الموفق(٢): إذا اشترك بدنان بمال أحدهما، وهو أن يكون المال من أحدهما، والعمل منهما فهذا جائز، نص عليه أحمد في رواية الحارث، وتكون مضاربة؛ لأن غير صاحب المال يستحق المشروط له من الربح بعمله في مال غيره، وهذا هو حقيقة المضاربة، وقال أبو حامد والقاضي وأبو الخطاب: إذا شرط أن يعمل معه رب المال لم يصح، وهذا مذهب مالك والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وأبي ثور وابن المنذر، قالوا: ولا تصح المضاربة حتى يسلم المال إلى العامل، ويخلي بينه وبينه؛ لأن المضاربة تقتضي تسليم المال إلى المضارب، فإذا شرط عليه العمل فلم يسلمه؛ لأن يده عليه، فيخالف موضوعها، وتأول القاضي كلام أحمد والخرقي على أن رب المال عمل على غير شرط، اهـ. وأما إعانة رب المال المضارب بدون الشرط فجائز عندنا أيضاً، كما بسط السرخسي فروعه في ((المبسوط))، وتقدم النص به عن ((البدائع)). (قال مالك: ولا بأس بأن يشتري رب المال ممن قارضه بعض ما يشتري) (١) ((بدائع الصنائع)) (١١٧/٤). (٢) («المغني)) (١٣٦/٧). ٣٠٠