Indexed OCR Text
Pages 221-240
٣٣ - كتاب البيوع (٤٥) باب (١٣٩١) حديث وذكر الأخ في الحديث ليس قيداً، بل لزيادة التنفير، قال ابن عابدين: وكذا البيع على بيع غيره، انتهى. وقال الزرقاني(١): ذكر المسلم ليس للتقييد، فلا فرق بين المسلم وغيره عند الجمهور خلافاً للأوزاعي وغيره، بل لأنه أسرع امتثالاً، فذكر المسلم أو الأخ لا مفهوم له لما ذكر، أو لأنه خرج مخرج الغالب، وقال الأبي في النكاح: إذا كان الأول فاسقاً تجوز الخطبة على خطبته، قال ابن عرفة: وكذا عندي في السوم، إذا كان كسب الأول حراماً جاز السوم على سومه، وقياساً على ما قاله ابن العربي في النجش: إن السلعة إذا لم تبلغ قيمتها، جاز السوم على سومه، فقيل: له يفرق بأن الثاني في السوم سلم حقه في الزيادة، بخلاف مسألة النجش، فلم يقبل الفرق، انتهى. الثالث: في شرط النهي، وسيأتي الكلام عليه قريباً في تفسير الإمام مالك، والرابع: فيمن خالف فباع على بيع الآخر، قال الباجي: فإن وقع وساوم رجل على سوم أخيه، روى ابن حبيب عن مالك يستغفر الله، ويعرضها على الأول بالثمن، زادت أو نقصت، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك، وروى سحنون عن ابن القاسم في ((العتبية)) لا يفسخ، وأرى أن يؤدب، وقال غيره: بل یفسخ ذلك. وقال الموفق(٢): فإن خالف وعقد، فالبيع باطل؛ لأنه منهيٌّ عنه، والنهي يقتضي الفساد، ويحتمل أنه صحيح؛ لأن المحرم عرض سلعته على المشتري أو قوله الذي فسخ البيع من أجله، وذلك سابق على البيع، ولأنه إذا صح الفسخ الذي حصل به الضرر، فالبيع المحصل للمصلحة أولى، أو لأن النهي لحق آدمي فأشبه بيع النجش، وهذا مذهب الشافعي، انتهى. (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٣٨/٣). (٢) («المغني)) (٣٠٦/٦). ٢٢١ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٥) باب (١٣٩٢) حديث ٩٦/١٣٩٢ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَّهِ قَالَ: (لَا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ لِلْبَيْعِ. وقال الحافظ: ذهب الجمهور إلى صحة البيع المذكور مع تأثيم فاعله، وعند المالكية والحنابلة في فساده روايتان، وبه جزم أهل الظاهر، انتهى. ٩٦/١٣٩٢ - (مالك عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة أن رسول الله وَ طار قال: لا تلقوا) بفتح التاء واللام والقاف، أصله لا تتلقوا حذفت إحدى التائين أي لا تستقبلوا (الركبان) قال العيني في ((شرح الطحاوي)): بضم الراء جمع ركب، والركب جمع راكب، وهم الذين يحملون المتاع إلى البلد (للبيع) قال الزرقاني(١): أي قبل أن يقدموا للبيع أي محل بيعها، وفي ((المحلى)): أي لا تستقبلوهم للاشتراء، انتھی . وفيه أيضاً أبحاث، الأول: في حكم التلقي، وترجم البخاري في ((صحيحه)) ((باب النهي عن تلقي الركبان، وأن بيعه مردود؛ لأن صاحبه عاصٍ آثم إذا كان عالماً به، وهو خداع في البيع، والخداع لا يجوز)) قال الحافظ(٢): أما كون صاحبه عاصياً آثماً، والاستدلال عليه بكونه خداعاً فصحيح، ولكن لا يلزم من ذلك أن يكون البيع مردوداً، قال ابن المنذر: أجاز أبو حنيفة التلقي، وكرهه الجمهور، قال الحافظ: والذي في كتب الحنفية يكره التلقي في حالتين أن يضر بأهل البلد، وأن يلتبس السعر على الواردين، انتهى. وقال الموفق(٣): كرهه أكثر أهل العلم، منهم عمر بن عبد العزيز ومالك والليث والأوزاعي والشافعي وإسحاق، وحكي عن أبي حنيفة أنه لم ير بذلك بأساً، وسنة رسول الله وَ لل أحق أن تتبع، انتهى. (١) («شرح الزرقاني)) (٣٣٨/٣). (٢) ((فتح الباري)) (٤/ ٣٧٤). (٣) ((المغني)) (٦/ ٣١٣). ٢٢٢ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٥) باب (١٣٩٢) حديث وفي ((المحلى)): قال ابن الهمام: للتلقي صورتان، أحدهما: أن يتلقاهم المشترون للطعام منهم في سنة حاجة ليبيعوه من أهل البلد بزيادة، وثانيهما: أن يشتري منهم بأرخص من سعر البلد، وهم لا يعلمون بالسعر، ولا خلاف عند الشافعية أنه إذا خرج إليهم لذلك يعصي، أما إذا لم يقصد ذلك، بل اتفق إن خرج فرآهم فاشترى، ففي معصيته قولان، والوجه أن لا يعصي إذا لم يلبس، وعندنا محل النهي إذا يضر بأهل البلد أو لبس، أما إذا لم يضر ولم يلبس فلا بأس، وفي ((البخاري)) عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: ((كنا نتلقى الركبان، فنشتري منهم الطعام، فنهانا النبي ◌ّط ﴿ أن نبيعه، حتى يبلغ به سوق الطعام))، قال البخاري: هذا في أعلى السوق بالبلد خارجها، وهو يدل على أن التلقي إلى أعلى السوق جائز؛ لأن النهي إنما وقع على التبايع لا على التلقي، انتهى. البحث الثاني: في محل التلقي المنهي عنه، وترجم البخاري في ((صحيحه)) ((باب منتهى التلقي))، وأورد فيه حديث ابن عمر المذكور في كلام ((المحلى)) قريباً قال الحافظ (١): الظاهر أنه لا حَدَّ لانتهائه من جهة الجالب، وأما من جهة المتلقي، فقد أشار المصنف بهذه الترجمة إلى أن ابتداءه الخروج من السوق أخذاً من قول الصحابي: إنهم كانوا يتبايعون بالطعام في أعلى السوق، فيبيعونه في مكانه، فنهاهم النبي ◌ُّل أن يبيعوه في مكانه حتى ينقلوه، ولم ينههم عن التبايع في أعلى السوق، فدل على أن التلقي إلى أعلى السوق جائز، فإن خرج عن السوق، ولم يخرج عن البلد، فقد صرح الشافعية بأنه لا يدخل في النھي. وحدُّ ابتداءِ التلقي عندهم الخروج من البلد، والمعنى فيه أنهم إذا قدموا البلد أمكنهم معرفة السعر وطلب الحظ لأنفسهم، فإن لم يفعلوا فهو من تقصيرهم، وأما إمكان معرفتهم ذلك قبل دخول البلد فنادر، والمعروف عند (١) ((فتح الباري)) (٣٧٥/٤). ٢٢٣ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٥) باب (١٣٩٢) حديث المالكية اعتبار السوق مطلقاً، كما هو ظاهر الحديث، وهو قول إسحاق، وعن الليث كراهة التلقي، ولو في الطريق، ولو على باب البيت حتى تدخل السلعة السوق، انتھی. وقال أيضاً قبيل ذلك: إن مطلق النهي عن التلقي يتناول طول المسافة وقصرها، وهو ظاهر إطلاق الشافعية، وقيد المالكية محمل النهي بحد مخصوص، ثم اختلفوا، فقيل: ميل، وقيل: فرسخان، وقيل: يومان، وقيل: مسافة القصر، وهو قول الثوري، انتهى. وقال الباجي(١): قوله: ولا تَلقو الرُّكبان، يحتمل أن يريد ◌َّ تلقي من يجلب السلع، فيبتاع منهم قبل ورود أسواقها ومواضع بيعها، وسواء كان التلقي فيما بَعُدَ عن موضع البيع أو قَرُبَ، قال ابن حبيب عن مالك وأصحابه: وإن كان على مسيرة يوم أو يومين من الحاضرة، ووجه ذلك أن هذا مضرة عامة على الناس؛ لأن من تلقاها واشتراها غلاها على الناس، فمنع من ذلك ليصل بائعوها بها إلى البلد، فيبيعونها في أسواقها، فيصل كل أحد إلى شرائها والنيل من رخصها . وسئل مالك عن خروج أهل مصر إلى الإصطبل مسيرة ميل، ونحوه أيام الأضحى، يتلقون الغنم يشترونها، قال: هذا من التلقي، وهذا فيما جرت العادة بتبليغه الأسواق، ولا مضرة في ذلك. فأما ما كان يَضُرُّ بالناس كالفواكه والثمار التي يلحق أهل الأصول ضررٌ بتفريق بيعها، ويحتاجون إلى بيعها جملة ممن يجنيها أو يبقيها في أصلها ويدخلها إلى الأمصار والقرى، فقد روى ابن القاسم عن مالك في الأجنة التي تكون حول الفسطاط من نخيل وأعناب يخرج إليها التجار، فيشترونها، (١) ((المنتقى)) (١٠١/٥). ٢٢٤ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٥) باب (١٣٩٢) حديث ويحملونها إلى الفسطاط للبيع لا بأس بذلك، وقال في سماع أشهب هو من التلقي، وقال أشهب: لا بأس به وليس هو من التلقي، انتهى. وفي ((شرح الطحاوي)) للعيني: اختلف في حدِّ التلقي الممنوع، فعن مالك كراهة ذلك على مسيرة يومين، وعنه تخفيفه وإباحته على ستة أميال، ولا خلاف في منعه إذا كان قرب المصر وأطرافه، قال أبو عمر في ((التمهيد)): وجملة قول مالك في ذلك أنه لا يجوز أن يشتري أحد من الجلب حتى يبلغ بالسلعة سوقها، هذا إذا كان التلقي في أطراف المصر أو قريباً منه، قيل المالك: أرأيت إن كان ذلك على ستة أميال؟ فقال: لا بأس، وروى أبو قرة عن مالك إني لأكره تلقي السلع، وأن يبلغوا بالتلقي أربعة برد، انتهى. وقال في ((شرح البخاري))(١): أما ما كان خارجاً من السوق في الحاضرة أو قريباً منها بحيث يجد من يسأله عن سعرها، فهذا يكره أن يشتري هناك؛ لأنه داخل في معنى التلقي، وأما الموضع البعيد الذي لا يقدر فيه على ذلك، فيجوز فيه البيع، وليس بتلقٌّ، قال مالك: وأكره أن يشتري في نواحي المصر حتى يهبط بها إلى السوق. قال ابن المنذر: بلغني هذا القول عن أحمد وإسحاق أنهما نهيا عن التلقي خارج السوق ورخصا فيه في أعلاه، ومذاهب العلماء في حدِّ التلقي متقاربة، روي عن يحيى بن سعيد، أنه قال في مقدار الميل من المدينة أو آخر منازلها هو من تلقي البيوع المنهي عنه، انتهى. البحث الثالث: في حكم من تلقى، قال الباجي: فإن وقع التلقي من إنسان، فلمالك في ذلك قولان في ((الموازية))، روى عنه ابن القاسم أنه ينهى، فإن عاد أدب، ولا ينزع منه شيء، وهو اختيار أشهب، وروى عنه ابن وهب (١) ((عمدة القاري)) (٤٦٧/٨). ٢٢٥ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٥) باب (١٣٩٢) حديث أنه ينزع منه ما ابتاع، فيباع لأهل السوق، واختار ابن الموّاز أن يرد شراؤه وترد على بائعها، وبه قال ابن حبيب، انتهى. وتقدم في البحث الأول ما ترجم به البخاري أن بيعه مردود، قال الحافظ(١): جزم المصنف بأن البيع مردود بناء على أن النهي يقتضي الفساد، لكن محل ذلك عند المحققين فيما يرجع إلى ذات المنهي عنه، لا ما إذا كان يرجع إلى أمر خارج عنه، فيصح البيع ويثبت الخيار بشرطه الآتي، وأما كون صاحبه عاصياً آثماً والاستدلال عليه بكونه خداعاً فصحيح. ولكن لا يلزم من ذلك أن يكون البيع مردوداً؛ لأن النهي لا يرجع إلى نفس العقد ولا يخلُّ بشيء من أركانه وشرائطه، وإنما هو لدفع الإضرار بالركبان، والقول ببطلان البيع صار إليه بعض المالكية وبعض الحنابلة، ويمكن أن يحمل قول البخاري: إن البيع مردود على ما إذا اختار البائع ردّه، فلا يخالف الراجح. ثم اختلفوا، فقال الشافعي: من تلقاه فقد أساء، وصاحب السلعة بالخيار، لحديث أبي هريرة ((أن النبي ◌َّ نهى عن تلقي الجلب، فإن تلقاه، فاشتراه فصاحبه بالخيار إذا أتى السوق))، أخرجه أبو داود والترمذي، وأخرج مسلم(٢) بمعناه، وقوله: بالخيار أي إذا قدم السوق، وعلم السعر، وهل يثبت له مطلقاً أو بشرط أن يقع له في البيع غبن؟ وجهان، أصحهما الأول، وبه قال الحنابلة، وظاهره أيضاً أن النهي لأجل منفعة البائع، وإزالة الضرر عنه، قال ابن المنذر: وحمله مالك على نفع أهل السوق لا على نفع رب السلعة، وإلى ذلك جنح الكوفيون والأوزاعي، قال: والحديث حجة للشافعي؛ لأنه أثبت (١) ((فتح الباري)) (٤/ ٣٧٤). (٢) أخرجه مسلم (١٥١٩)، وأبو داود (٣٤٣٧)، والترمذي (١٢٢١). ٢٢٦ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٥) باب (١٣٩٢) حديث الخيار للبائع لا لأهل السوق، واحتج مالك بحديث ابن عمر - رضي الله عنهما - انتهى. قلت: وما تقدم من كلام ابن الهمام في البحث الأول يدل على أن الحنفية قالوا بتلك العلتين مضرة الجالبين وأهل الأسواق، وقال الموفق(١): فإن تُلُقُّوا واشْتُري منهم فهم بالخيار إذا دخلوا السوق، وعرفوا أنهم قد غُبِنوا إن أحبوا أن يفسخوا البيع فسخوا. ثم قال بعد ذكر اختلاف العلماء في كراهة التلقي: فإن خالف وتلقى الركبان واشترى منهم، فالبيع صحيح في قول الجميع، قاله ابن عبد البر، وحكي عن أحمد رواية أخرى أن البيع فاسد لظاهر النهي، والأول أصح، لرواية أبي هريرة في الخيار عند مسلم، والخيار لا يكون إلا في عقد صحيح؛ ولأن النهي لا لمعنى في البيع، بل يعود إلى ضرب من الخديعة يمكن استدراكها بإثبات الخيار، وإذا ثبت هذا، فللبائع الخيار إذا علم أنه قد غبن، وقال أصحاب الرأي: لا خيار له، وظاهر المذهب أنه لا خيار له إلا مع الغبن؛ لأنه إنما ثبت لأجل الخديعة ودفع الضرر ولا ضرر مع عدم الغبن، وهذا ظاهر مذهب الشافعي. ويحمل إطلاق الحديث في الخيار على هذا لعلمنا بمعناه ومراده؛ لأنه وَ ال جعل له الخيار إذا أتى السوق، فيفهم منه أنه أشار إلى معرفته بالغبن في السوق، ولولا ذلك لكان الخيار له من حين البيع، ولم يقدر الخرقي الغبن المثبت للخيار، وينبغي أن يتقيد بما يخرج عن العادة، وقال أصحاب مالك: إنما نهي عن التلقي لما يفوت به من الرفق لأهل السوق، وهذا مخالف لمدلول الحديث، فإنه ◌ّ جعل الخيار للبائع إذا دخل السوق، انتهى. (١) («المغني)) (٣١٢/٦). ٢٢٧ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٥) باب (١٣٩٢) حديث وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ. وَلَا تَنَاجَشُوا. وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ. (ولا يبع) مجزوم بلا الناهية، وفي رواية: ((لا يبيع)) بالرفع على أنها نافية، وعلى ما تقدم من كلام الحافظ في الجملة السابقة إشباع (بعضكم على بيع بعض) تقدم في الحديث السابق الكلام عليه مفصلاً، وتقدم أيضاً أن بعضهم حملوه على ظاهره، وبعضهم على معنى الشراء، وبعضهم على معنى السوم . (ولا تناجشوا) بحذف إحدى التائين وفتح الجيم وضم الشين المعجمة، يأتي الكلام عليه في آخر الباب (ولا يبع) بالجزم على النهي، وفي رواية: ((لا يبيع)) بالرفع على النفي واحتمال الإشباع (حاضرٌ لبادٍ) وفيه أيضاً أبحاث. الأول: في المراد بالبادي، قال الباجي(١): أما البادي الذي منع من البيع له، فإن أهل البوادي ضربان، ضرب أهل عمود، وضرب أهل منازل واستيطان، فأما أهل العمود، فلا خلاف أنهم مرادون في الحديث، قال ابن الموّاز عن مالك: هم الأعراب أهل العمود لا يباع لهم ولا يشرى عليهم، والأصل في ذلك الحديث في النهي عن ذلك، ومن جهة المعنى أنهم لا يعرفون الأسعار، فيوشك إذا تناولوا البيع لأنفسهم استرخص منهم ما يبيعون، وأما أهل القرى فقد قال ابن المواز عن مالك: إنه لم يرد بالنهي عن ذلك أهل القرى الذين يعرفون الأثمان والأسواق، ولا بأس به، وروى ابن المواز عن مالك: وأما أهل القرى الذين يشبهون أهل البادية، فلا يباع لهم ولا يشرى علیهم. وينقسم الأمر على ذلك ثلاثة أقسام: البدوي؛ لا يباع له عرف السعر أو لم يعرفه، والقروي؛ إن كان يعرف الأسعار، فلا بأس أن يباع له، وإن كان لم (١) ((المنتقى)) (١٠٣/٥). ٢٢٨ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٥) باب (١٣٩٢) حديث يعرفها لم يبع له، وروى ابن الموّاز عن مالك: لا يبيع مدنيٌّ لمصري ولا مصري لمدني، وفي ((العتبية)): وأما أهل المدائن يبيع بعضهم لبعض، أرجو أن يكون خفيفاً . وجه الأول أن بُعْدَ أوطانهم يقتضي جهلهم بالأسعار، فمنع من يعرفها ليرخص بذلك ما جلبوه، ووجه القول الثاني أن حرمتهم متساوية، وبأيسر مقام في البلد يعرفون الأسعار، ولا يصح أن يخفى ذلك عليهم، فلا فائدة لكتمانهم ذلك، انتهى. وقال الموفق: (١) البادي ههنا من يدخل البلدة من غير أهلها، سواء كان بدوياً أو من قرية أو بلدة أخرى، انتهى. وفي ((الدر المختار))(٢): قيل: الحاضر المالك والبادي المشتري، والأصح أنهما السمسار والبائع، ولذا عدي باللام لا بمن، قال ابن عابدين: قوله: قيل: الحاضر المالك، مشى عليه في ((الهداية))(٣) حيث قال: هو أن يبيع من أهل البادية طمعاً في الثمن الغالي، لما فيه من الإضرار بهم، قوله: والأصح إلخ بأن يصير الحاضر سمساراً للبادي البائع، قال الحلواني: هو أن يمنع السمسار الحاضر القروي من البيع، ويقول له: لا تبع أنت، أنا أعلم بذلك منك، فيتوكل له، ويبيع ويغالي، ولو تركه يبيع لنفسه لرخص على الناس، انتھی. وقال الحافظ(٤): فسر الحاضر بالبادي بأن المراد نهى الحاضر أن يبيع (١) («المغني)) (٣٠٩/٦). (٢) (٤١٢/٧). (٣) (٥٤/٢). (٤) ((فتح الباري)) (٤/ ٣٧١). ٢٢٩ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٥) باب (١٣٩٢) حديث للبادي في زمن الغلاء شيئاً يحتاج إليه أهل البلد، فهذا مذكور في كتب الحنفية، وقال غيرهم: صورته أن يجيء البلد غريب بسلعته يريد بيعها بسعر الوقت في الحال، فيأتيه بلدي، فيقول له: ضعه عندي لأبيعه لك على التدريج بأغلى من هذا السعر، فجعلوا الحكم منوطاً بالبادي، ومن شاركه في معناه قال: وإنما ذكر البادي في الحديث لكونه الغالب، فألحق به من يشاركه في عدم معرفة السعر الحاضر، وإضرار أهل البلد بالإشارة عليه بأن لا يبادر بالبيع، وهذا تفسير الشافعية والحنابلة. وجعل المالكية البداوة قيداً، وعن مالك لا يلتحق بالبدوي في ذلك إلا من كان يشبهه، قال: فأما أهل القرى الذين يعرفون أثمان السلع، والأسواق فليسوا داخلين في ذلك، انتهى. البحث الثاني في حكمه: قال الموفق(١): وممن كره بيع الحاضر للبادي طلحة بن عبيد الله وابن عمر وأبو هريرة وأنس وعمر بن عبد العزيز ومالك والليث والشافعي وأحمد، ونقل أبو إسحاق في سماعاته أن الحسن بن علي المصري سأل أحمد عن بيع حاضرٍ لبادٍ، فقال: لا بأس به، فقال له: فالخبر الذي جاء بالنهي؟ قال: كان ذلك مرة، فظاهر هذا صحة البيع، وأن النهي اختص بأول الإسلام لما كان عليهم من الضيق في ذلك، وهذا قول مجاهد وأبي حنيفة وأصحابه، والمذهب الأولُ، انتهى. وقال البخاري في (صحيحه)): رخص فيه عطاء، قال الحافظ(٢): وصله عبد الرزاق عن الثوري عن عبيد الله بن عثمان عن عطاء بن أبي رباح، قال: سألته عن أعرابي أبيع له، فرخّص لي، وأما ما رواه سعيد بن منصور عن (١) ((المغني)) (٣٠٩/٦). (٢) ((فتح الباري)) (٤/ ٣٧١). ٢٣٠ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٥) باب (١٣٩٢) حديث مجاهد قال: إنما نهى رسول الله 18 أن يبيع حاضر لباد، لأنه أراد أن يصيب المسلمون غرتهم، فأما اليوم فلا بأس، فقال عطاء: لا يصلح اليوم، فقال مجاهد: ما أرى أبا محمد إلا لو أتاه ظئر له من أهل البادية إلا سيبيع له، فالجمع بين الروايتين عن عطاء أن يحمل قوله هذا على كراهة التنزيه، ولذا نسب إليه مجاهد ما نسب، وأخذ بقول مجاهد في ذلك أبو حنيفة، انتهى. ومال البخاري في هذه المسألة إلى أن النهي لمن يبيع بالأجرة كالسمسار، وأما بدون الأجرة فيجوز، واستدل لذلك بحديث ((النصح لكل مسلم))، وفي ((المحلى)): خصه الحنفية بزمن القحط؛ لأن فيه إضراراً بأهل البلدة، فلا يكره زمن الرخص، انتهى. وفي ((الدر المختار)) (١): كره بيع الحاضر للبادي في حالة قحط وعوز، وإلا لا لانعدام الضرر، انتهى. البحث الثالث: في المراد بالبيع في الحديث المذكور، هل هو في معناه المعروف أو يشمل الشراء أيضاً؟ وترجم البخاري في ((صحيحه)) ((باب لا يشتري حاضر لباد بالسمسرة))، وكرهه ابن سيرين وإبراهيم البائع والمشتري، قال إبراهيم: إن العرب تقول: بع لي ثوباً، وهي تعني الشراء. قال الحافظ(٢): قوله: لا يشتري قياساً على البيع أو استعمالاً للفظ البيع في البيع والشراء، قال ابن حبيب المالكي: الشراء للبادي مثل البيع لقوله بَير: ((لا يبع بعضكم على بعض))، فإن معناه الشراء، وعن مالك في ذلك روايتان، انتھی . قال الباجي(٣): أما ما يمنع من التصرف، فقد روى ابن المواز عن مالك (١) (٣١٢/٧). (٢) ((فتح الباري)) (٣٧٣/٤). (٣) ((المنتقى)) (١٠٤/٥). ٢٣١ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٥) باب (١٣٩٢) حديث في البدوي لا يبيع له الحضري، ولا يشتري له، وهذا متفق عليه في البيع، وقال مالك في ((العتبية)): إذا قدم البدوي فأكره أن يخبره الحضري بالسعر، وأما الشراء للبدوي، ففي ((الموازية)) و((العتبية)) عن مالك لا بأس بذلك، بخلاف البيع، وقال ابن حبيب: لا يبيع له ولا يشتري، انتهى. وقال الموفق(١): فأما الشراء لهم، فيصح عند أحمد، وهو قول الحسن، وكرهت طائفة الشراء لهم، كما كرهت البيع، ويروى عن أنس قال: كان يقال: هي كلمة جامعة، يقول: لا تبيعن له شيئاً، ولا تبتاعن له شيئاً، انتهى. وقال العيني (٢): قد اختلف العلماء في شراء الحاضر للبادي، فكرهت طائفة، كما كرهوا البيع له، واحتجوا بأن البيع في اللغة يقع على الشراء، كما يقع الشراء على البيع، ورُوِي ذلك عن أنس، وأجازت طائفة الشراء لهم، وقالوا: إن النهي إنما جاء في البيع خاصة، ولم يعدوا ظاهر اللفظ، رُوِي ذلك عن الحسن البصري، واختلفَ قول مالك في ذلك، فمرة قال: لا يشتري له، ومرة أجاز الشراء له، وبهذا قال الشافعي والليث، وقال الكرماني: قال إبراهيم: العرب تطلق البيع على الشراء، قال الكرماني: هذا صحيح على مذهب من جوز استعمال المشترك في معنييه، اللَّهم إلا أن يقال: البيع والشراء ضِدَّان، فلا يصحُّ إرادتُهما معاً، انتهى. البحث الرابع: هل يدخل في النهي الإشارة أيضاً أم لا؟ قال الحافظ(٣): أجاز الأوزاعي أن يشير الحاضر على البادي، وقال: ليست الإشارة بيعاً، وعن الليث وأبي حنيفة لا يشير عليه؛ لأنه إذا أشار عليه فقد باعه، وعند الشافعية (١) ((المغني)) (٣١٠/٦). (٢) ((عمدة القاري)) (٨/ ٤٦٢). (٣) ((فتح الباري)) (٤/ ٣٧٢). ٢٣٢ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٥) باب (١٣٩٢) حديث في ذلك وجهان، والراجح منهما الجواز؛ لأنه إنما نهي عن البيع له، وليست الإشارة بيعاً، وقد ورد الأمر بنصحه، فدلّ على جواز الإشارة، انتهى. وفي ((المنتقى)) (١): قال مالك في ((العتبية)): إذا قدم البدوي، فأكره أن يخبره الحضري بالسعر، انتهى. قال الموفق(٢): أما إن أشار الحاضر على البادي من غير أن يباشر البيع له، فقد رخص فيه طلحة بن عبيد الله والأوزاعي وابن المنذر، وكرهه مالك والليث، وقول الصحابي حُجَّةٌ ما لم يثبت خلافه، انتهى. وقال الأبي(٣): لمالك وابن حبيب لا بأس بأن يبعث البدوي إلى الحضري بالشيء يبيعه له؛ لأن النهي إنما جاء فيما جلبه بنفسه، وكره ابن القاسم للحضري أن يخبر البدوي بالسعر. قال ابن رشد: لما فيه من الإضرار بأهل الحاضرة من قطع المرافق، ولا أعلم فيه خلافاً، انتهى. قلت: أراد خلاف المالكية، فإن خلافهم فيه معروف، وقال العيني(٤): واختلف في أهل القرى، هل هم مرادون بالحديث؟ فقال مالك: إن كانوا يعرفون بالأثمان فلا بأس به، وإن كانوا يشبهون أهل البادية، فلا يباع، ولا يشار عليهم، قال شيخنا: لا يلزم من النهي عن البيع تحريم الإشارة عليه إذا استشاره، وهو قول الأوزاعي، قال: وقد أمر بنصحه في بعض طرق هذا الحديث، وهو قوله: ((إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصح له))، وحكى الرافعي (١) ((المنتقى)) (١٠٤/٥). (٢) (٣١١/٦). (٣) ((إكمال إكمال المعلم)) (٤/ ١٨٣). (٤) ((عمدة القاري)) (٤٢٩/٨). ٢٣٣ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٥) باب (١٣٩٢) حديث عن أبي الطيب وأبي إسحاق المروزي أنه يجب عليه إرشاده إليه بذلاً للنصيحة، وعن أبي حفص بن الوكيل أنه لا يرشده توسعاً على الناس، ونُقِلَ مثلُه عن مالك، بل حكى ابن العربي عنه أنه لو سأله عن السعر لا يخبره به لحق أهل الحضر، انتهى. وقال في موضع آخر: روى أحمدُ من حديث حكيم بن أبي يزيد عن أبيه حدثني أبي قال: قال رسول الله وَر: ((دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض، فإذا استنصح الرجلُ الرجلَ فلينصح له»، وروى أبو داود من طريق سالم المكيّ أن أعرابياً حدثه أنه قدم بحلوبة (١) له على طلحة بن عبيد الله، فقال له: إن النبي ◌ٍّل نهى أن يبيع حاضر لباد، ولكن اذهب إلى السوق، وانظر من يبايعك، فشاورني حتى آمرك وأنهاك، انتهى. البحث الخامس: في شرائط النهي في الحديث المذكور، قال صاحب (المقنع)): في بيع الحاضر للبادي روايتان، إحداهما يصح، والأخرى لا يصح بخمسة شروط، أن يحضر البادي لبيع سلعة بسعر يومها جاهلاً بسعرها، ويقصده الحاضر وبالناس حاجة إليها، وإن اختلَّ شرطٌ منها صحَّ البيع، قال الشارح: ظاهر كلام الخرقي أنه يحرم بثلاثة شروط. أحدها: أن يكون الحاضر قصد البادي ليتولى البيع له، فإن كان هو القاصد للحاضر جاز؛ لأن التضييق حصل منه لا من الحاضر. الثاني: أن يكون البادي جاهلاً بالسعر، قال أحمد في رواية أبي طالب: إن كان البادي عارفاً بالسعر لم يحرم. الثالث: أن يكون قد جلب السلعة للبيع، فأما إن جلبها ليأكلها أو (١) حلوبة: بالحاء المهملة أي ناقة تحلب، وقيل: بالجيم، وهي ما تجلب من كل ما يباع والمراد الناقة التي تجلب للبيع، كذا في ((بذل المجهود)) (١٠٨/١٥). ٢٣٤ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٥) باب (١٣٩٢) حديث يخزنها، فليس في بيع الحاضر له تضييقاً، بل توسعةً، وذكر القاضي شرطين آخرين: أحدهما: أن يكون مريداً لبيعها بسعر يومها، فأما إن كان في نفسه أن لا يبيعها رخيصة، فليس في بيعه تضييق، الثاني: أن يكون بالناس حاجة إليها، وضرر في تأخير بيعها كالأقوات ونحوها، وقال أصحاب الشافعي: إنما يحرم بشروط أربعة، وهي ما ذكرنا إلا حاجة الناس إليها، فإن اختلَّ شرط منها لم يحرم البيع، انتهى. وكذا قال الموفق(١). وقال الحافظ(٢): قال ابن المنذر: اختلفوا في هذا النهي والجمهور على أنه للتحريم بشرط العلم بالنهي، وأن يكون المتاع المجلوب مما يحتاج إليه، وأن يعرض الحضري ذلك على البدوي، فلو عرضه البدوي على الحضري لم يمنع، وزاد بعض الشافعية عموم الحاجة، وأن يظهر ببيع ذلك المتاع السعة في تلك البلد، قال ابن دقيق العيد: أكثر هذه الشروط تدور بين اتباع اللفظ أو المعنى، انتھی. وقال ابن عبد البر(٣): حمله مالك على أهل العمود خاصة البعيدين عن الحاضرة، الجاهلين بالسعر فيما يجلبونه من فوائد البادية دون شراء، وإنما قيده بهذه القيود؛ لأن الغرض من الحديث إرفاق أهل الحضر بأهل البادية مما ليس فيه ضرر ظاهر على أهل البادية، وهذا إنما يحصل بمجموع تلك القيود، وبيانه إذا لم يكونوا أهل عمود فهم أهل بلاد، والغالب أنهم يعرفون السعر، فلهم أن يتوصلوا إلى تحصيله بأنفسهم وبغيرهم. وكذا إن كان الذي جلبوه اشتروه، فهم فيه تجار يقصدون الربح، فلا (١) انظر: ((المغني)) (٣١٠/٦). (٢) ((فتح الباري)) (٣٧١/٤). (٣) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٣٣٩/٣). ٢٣٥ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٥) باب (١٣٩٢) حديث يحال بينهم وبينه، ولهم أن يتوصلوا إليه بالسماسرة وغيرهم، وأما أهل العمود الموصوفون بالقيود المذكورة، فإن باع لهم السماسرة أو غيرهم ضرَّ بأهل الحضر في استخراج غاية الثمن فيما أصله على أهل العمود بلا ثمن، وقصد الشارع إرفاق أهل الحاضرة به، انتهى. قال الباجي(١): قال ابن المواز: عن مالك في النهي عن بيع الحاضر للبادي هم الأعراب أهل العمود، فإنهم لا يعرفون الأسعار، فيوشك إذا تناولوا البيع لأنفسهم استرخص منهم ما يبيعونه؛ لأن ما يبيعونه أكثره لا رأس مال لهم فيه؛ لأنهم لم يشتروه، وإنما صار إليهم بالاستغلال، فكان الرفق بمن يشتريه أولى مع أن أهل الحواضر هم أكثر الإسلام، وهي مواضع الأئمة، فيلزم الاحتياط لها والرفق بمن يسكنها، انتهى. البحث السادس: في من خالف الحديث فباع لباد، قال الأبي(٢): فإن وقع بيع الحضري للبدوي، فقال ابن القاسم في رواية عيسى عنه: يفسخ البيع؛ لأنه ابتاع حراماً للنهي، وقال في رواية سحنون: يمضي، وعلى الفسخ، فقال ابن رشد: يفسخ ما كان قائماً ويفوت بما يفوت فيه البيع الفاسد، فيمضي بالقيمة، وقيل بالثمن، وعلى أنه لا يفسخ فقيل: يخير المبتاع بين الرد والإمضاء إذا لم يعلم أن الحضري باعه، وقيل: لا حق له، فلا يخير، انتهى. قال الباجي(٣): قال ابن القاسم: يفسخ البيع حضر البدوي أو بعث سلعته إلى الحاضرة، ورواه ابن حبيب عن مالك: قال مالك: وكذلك الشراء، ولم ير ابن عبد الحكم فسخه إذا باع حاضر لباد، ورواه سحنون عن ابن (١) ((المنتقى)) (١٠٣/٥). (٢) ((إكمال الإكمال)) (١٨٣/٤). (٣) ((المنتقى)) (١٠٤/٥). ٢٣٦ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٥) باب (١٣٩٢) حديث وَلَا تُصَرُّوا الْإِلَ وَالْغَنَمَ. القاسم، وجه القول الأول أن النهي يقتضي فساد المنهي عنه، ووجه القول الثاني أن العقد سالم من الفساد، وإنما نهي عنه لمعنى الاسترخاص، ومن تكرر منه هذا، قال ابن القاسم في ((العتبية)): يؤدب، وروي عن ابن وهب يزجر ولا يؤدب، وإن كان عالماً بمكروهه، انتهى. وقال الموفق(١): وإن اجتمعت الشروط فالبيع حرام، وقد صرح الخرقي ببطلانه، ونص عليه أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد، وعن أحمد رواية أخرى أن البيع صحيح، وهو مذهب الشافعي، لكون النهي لمعنى في غير المنهي، ولنا، أنه منهي عنه والنهي يقتضي فساد المنهي عنه، انتهى. (ولا تُصرُّوا) بضم المثناة الفوقية، وفتح الصاد المهملة، والراء المشددة بعدها واو بصيغة الجمع على المشهور في ضبطه، وفيه قولان آخران يأتي بيانهما (الإبلَ) منصوب على المفعولية (والغَنَم) عطف على الإبل، هذا هو المشهور في ضبطه، وعزاه عياض لضبط المتقنين من شيوخه، قال: وكان شيخنا ابن عتّاب يُقَرِّبه للطلبة، فيقول: هو مثل ﴿فَلاَ تُزَكُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾(٢) في الضبط، وضبط بفتح التاء وضم الصاد، والإبل على هذا أيضاً منصوب على المفعولية، وعلى هذا هو من صررت الشيء إذا ربطته، وضبط أيضاً بضم التاء وفتح الصاد بدون الواو، فالإبل على هذا نائب الفاعل، والصواب الأول واشتقاقه من التصرية مصدر صرى بشدِّ الراء إذا جمع، يقال: صريت الماء في الحوض أي جمعته، والتصرية في عرف الفقهاء جمع اللبن في الضرع اليومين والثلاثة حتى يعظم، فيظن المشتري أنه لكثرة اللبن. وقال البخاري: المصراة التي صُري لبنها، وحقن فيه، وجمع، ولم (١) («المغني)) (٣١٠/٦). (٢) سورة النجم: الآية ٣٢. ٢٣٧ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٥) باب (١٣٩٢) حديث فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذُلِكَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ. بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا. إِنْ رَضِيَهَا، أَمْسَكَهَا . يحلب أياماً، قال الحافظ(١): هذا التفسير قول أبي عبيد وأكثر أهل اللغة. وقال الشافعي: هو ربط أخلاف الناقة أو الشاة، وترك حلبها، والأول أصح؛ لأنه من صريت اللبن في الضرع إذا جمعته، وليس من صررت الشيء إذا ربطته إذ لو كان منه لقيل: مصرورة أو مصررة، ولم يقل: مصراة على أنه قد سمع الأمران في كلام العرب. وقيل: يحتمل أن تكون مصراة مصررة، أبدل إحدى الرائين ياء، قال أبي(٢): ما ذكر أبو عبيد يرجع إلى أنه من التصرية، ولذا أنكر أن يكون من الصر الذي هو الربط، وتسمى أيضاً محفلة، والتحفيل بالمهملة والفاء: التجميع، قال أبو عبيد: سميت بذلك؛ لأن اللبن يكثر في ضرعها، وكلُّ شيء كثّرته فقد حفلته، تقول: ضرعٌ حافلٌ، أي عظيم، واحتفل القوم إذا كثر جمعهم، ومنه سمي المحفل. (فمن ابتاعها) أي المصراة (بعد ذلك) أي بعد التحفيل (فهو بخير النظرين) أي الرأيين الآتي بيانهما، وقال الباجي: قال محمد: له الردُّ بعد أن يحلب مرتين، فإن حلب ثلاثاً لزمته، انتهى. (بعدأن يحلبها) بضم اللام من باب نصر، وفي رواية البخاري: أن يحتلبها، وهو بفتح أن والفعل منصوب. قال الحافظ(٣): وظاهر الحديث أن الخيار لا يثبت إلا بعد الحلب، والجمهور على أنه إذا علم بالتصرية ثبت له الخيار، ولو لم يحلب. ثم بين النظرين بقوله: (إن رضيها) أي المشتري (أمسكها) أي المصراة، (١) ((فتح الباري)) (٣٦٢/٤). (٢) ((إكمال إكمال المعلم)) (٤/ ١٨٤). (٣) ((فتح الباري)) (٣٦٢/٤). ٢٣٨ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٥) باب (١٣٩٢) حديث وَإِنْ سَخِطَهَا، رَدَّهَا وَصَاعاً مِنْ تَمْرٍ)). أخرجه البخاريّ في: ٣٤ - كتاب البيوع، ٦٤ - باب النهي للبائع أن لا يحفّل الإبل. ومسلم في: ٢١ - كتاب البيوع، ٤ - باب تحريم بيع الرجل على بيع أخيه، حديث ١١. ولا شيء له، وهو يقتضي صحة بيع المصراة (وإن سخطها) أي كرهها (ردَّها) أي ردَّ المصراة (و)رَدَّ معها (صاعاً من تمر) قال الحافظ: الواو في وصاعاً من تمر عاطفة للصاع على الضمير في ردّها، ويجوز أن تكون الواو بمعنى مع، ويستفاد منه فورية الصاع مع الرد، ويجوز أن يكون مفعولاً معه، ويعكر عليه قول جمهور النحاة: إن شرط المعفول معه أن يكون فاعلاً. قال الزرقاني(١): نصب صاعاً على أن الواو بمعنى مع لا مفعولاً معه؛ لأن جمهور النحاة على أن شرطه أن يكون فاعلاً، نحو جئت أنا وزيداً، وفي ((المحلى)): كذا قيل، والمشهور عدم الاشتراط، واختلفت الروايات جداً في رد الصاع من التمر والطعام والبر وغير ذلك، كما بسطها الحافظ وغيره، قال الحافظ: وقد أخذ بظاهر هذا الحديث جمهور أهل العلم، وأفتى به ابن مسعود وأبو هريرة ولا مخالف لهم من الصحابة، وقال به من التابعين ومن بعدهم من لا يحصى عدده، ولم يفرقوا بين أن يكون اللبن الذي احتلب قليلاً أو كثيراً ولا بين أن يكون التمر قوت تلك البلد أم لا . وخالف في أصل المسألة أكثر الحنفية وفي فروعها آخرون، أما الحنفية فقالوا: لا يرد بعيب التصرية، ولا يجب رد صاع من التمر، وخالفهم زفر، فقال بقول الجمهور إلا أنه قال: يتخير بين صاع تمر أو نصف صاع بر، وكذا قال ابن أبي ليلى وأبو يوسف في رواية إلا أنهما قالا: لا يتعين صاع التمر بل قيمته، وفي رواية عن مالك وبعض الشافعية كذلك، لكن قالوا: يتعين قوت البلد قياساً على زكاة الفطر، وبسط الحافظ في الأعذار للحنفية عن الأخذ بهذا (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٣٩/٣). ٢٣٩ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٥) باب (١٣٩٢) حديث الحديث والرد عليها، وكذا بسط العيني في شرح البخاري(١) والطحاوي في الجواب عنها . وقال ابن رشد(٢): التصرية عند مالك والشافعي عيب، وحجتهم حديث المصراة المشهور. وقال أبو حنيفة وأصحابه: ليست التصرية عيباً للاتفاق على أن الإنسان إذا اشترى شاة، فخرج لبنها قليلاً أن ذلك ليس بعيب، قالوا: وحديث المصراة يجب أن لا يوجب عملاً لمفارقته الأصول، وذلك أنه مفارق للأصول بوجوهٍ. منها: أنه معارض لقوله وَلجر: ((الخراج بالضمان))، وهو أصل متفق عليه. ومنها: أن فيه معارضة منع بيع طعام بطعام نسيئة، وذلك لا يجوز باتفاق . ومنها: أن الأصل في المتلفات إما القيم وإما المثل، وإعطاء صاع من تمر في لبن ليس قيمة ولا مثلاً. ومنها: بيع الطعام المجهول، أي الجزاف بالمكيل المعلوم، ولكن الواجب أن يستثنى هذا من هذه الأصول كلها لموضع صحة الحديث، وهذا كأنه ليس من هذا الباب، وإنما هو حكم خاص، انتهى. وذكر العيني في شرح البخاري والطحاوي أن أبا حنيفة ومحمداً ومالكاً في رواية وأبا يوسف في المشهور عنه وأشهب من المالكية والكوفيين وابن أبي ليلى في رواية قالوا: ليس للمشتري ردُّ المصراة بخيار العيب، لكنه يرجع على البائع بنقصان العيب. (١) ((عمدة القاري)) (٤٤٥/٨). (٢) ((بداية المجتهد)) (١٧٥/٢). ٢٤٠