Indexed OCR Text
Pages 141-160
٣٣ - كتاب البيوع (٣٨) باب (١٣٧٦) حديث قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي السِّلْعَةَ مِنَ الرَّجُلِ. فَيَخْتَلِفَانِ فِي الثَّمَنِ. فَيَقُولُ الْبَائِعُ: بِعْتُكُهَا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ. والرد قول الأجنبي، سواء اشترط خياره البائع أو المشتري، وقال عكس هذا القول من جعل خياره ههنا كالمشورة، وقيل: بالفرق بين البائع والمشتري، أي القول في الإمضاء والرد قول البائع دون الأجنبي، وقول الأجنبي دون المشتري إن كان المشتري هو مشترط الخيار، وقيل: غير ذلك، كما بسطه ابن رشد. وقال الموفق (١): إن شرط الخيار لأجنبي صحَّ، وكان اشتراطاً لنفسه وتوكيلاً لغيره، وهذا قول أبي حنيفة ومالك، وللشافعي قولان؛ أحدهما لا يصحّ، وكذلك قال القاضي؛ لأن الخيار شرطٌ لتحصيل الحظ لكل واحد من المتعاقدين بنظره، فلا يكون لمن لا حظ له فيه، وإن جعل الأجنبي وكيلاً صح، ولنا، أن الخيار يعتمدُ شرطهما، ويُفَوِّضُ إليهما، وقد أمكن تصحيح شرطهما وتنفيذ تصرفهما على الوجه الذي ذكرناه، فلا يجوز إلغاؤه مع إمكان تصحيحه، لقول النبي ◌ُّير: ((المسلمون على شروطهم))(٢). فعلى هذا يكون لكل واحد من المشترط ووكيله الذي اشترط الخيار له الفسخ، ولو قال: بعتك على أن أستأمر فلاناً، وحدّد ذلك بوقت معلوم، فهو خيار صحيح، وله الفسخ قبل أن يستأمره؛ لأنا جعلنا ذلك كناية عن الخيار، وهذا قول بعض أصحاب الشافعي، وإن لم يضبطه بمدة معلومة فهو خيار مجهول حكمه حكمه، انتهى. (قال مالك: الأمر عندنا في الرجل يشتري السلعة من الرجل) الآخر (فيختلفان في الثمن) قبل قبض السلعة (فيقول البائع: بعتكها بعشرة دنانير، (١) ((المغني)) (٤٠/٦). (٢) أخرجه البخاري في: باب أجر السمسرة، من كتاب الإجارة. ((عمدة القاري) (٨/ ٦٢٤)، وأبو داود (٣٥٩٤). ١٤١ ٣٣ - كتاب البيوع (٣٨) باب (١٣٧٦) حدیث وَيَقُولَ الْمُبْتَاعُ ابْتَعْتُهَا مِنْكَ بِخَمْسَةِ دَنَانِيرَ. إِنَّهُ يُقَالُ لِلْبَائِعِ: إِنْ شِئْتَ فَأَعْطِهَا لِلْمُشْتَرِي بِمَا قَالَ. وَإِنْ شِئْتَ فَاحْلِفْ بِاللَّهِ مَا بِغَتُ سِلْعَتَكَ إِلَّا بِمَا قُلْتُ. فَإِنْ حَلَفَ قِيلَ لِلْمُشْتَرِي: إِمَّا أَنْ تَأْخُذَ السِّلْعَةَ بِمَا قَالَ الْبَائِعُ. وَإِمَّا أَنْ تَحْلِفَ بِاللَّهِ مَا اشْتَرَيْتَهَا إِلَّا بِمَا قُلْتَ. فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ مِنْهَا. وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّعْ عَلَى صَاحِبِهِ. ويقول المبتاع: ابتعتها منك بخمسة دنانير) مثلاً، فقال مالك في هذه الصورة: (إنه يقال للبائع) أولاً (إن شئت) بصيغة الخطاب (فأعطها) أي السلعة (المشتري بما قال) وهو خمسة دنانير (وإن شئت فاحلف بالله ما بعتُ) بصيغة المتكلم (سلعتك) التي اشتريتها (إلا بما قلت) بصيغة المتكلم، وهو عشرة دنانير (فإن حلف) البائع (قيل) بعد ذلك (للمشتري إما أن تأخذ السلعة بما قال البائع) أي بعشرة دنانير (وإما أن تحلف بالله ما اشتريتها إلا بما قلت) أي بخمسة دنانير. (فإن حلف) المشتري أيضاً (برئ) المشتري (منها) أي السلعة (وذلك) أي وجه حلفهما جميعاً (أن كل واحد منهما مدّع على صاحبه) فيبدأ بالبائع، وقيل: يبدأ المبتاع، وهو شذوذ، وبالأوّل قال أبو حنيفة والشافعي، فإن اختلفا بعد قبض السلعة وقبل فواتها تحالفا وتفاسخا، رواه ابن القاسم وأشهب، فإن فاتت بزيادة أو نقص أو حوالة سوق، فالقول قول المبتاع، رواه ابن القاسم، قاله الزرقاني(١). وبسط ذلك الباجي (٢)، فقال: ذلك على ثلاثة أحوال: أحدها: أن يختلفا قبل القبض، والثاني: أن يختلفا بعد القبض قبل فوات السلعة، والثالث: أن يختلفا بعد فوات السلعة، أما إن اختلفا قبل أن يقبض المبتاع السلعة، فهي المسألة التي تكلم عليها مالك في أصل الكتاب، فإذا حلفا لم يلزم أحدهما ما حلف عليه الآخر، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي. (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٢٣/٣). (٢) ((المنتقى)) (٦٠/٥). ١٤٢ ٣٣ - كتاب البيوع (٣٨) باب (١٣٧٦) حديث ووجه ذلك أن كل واحد منهما مدَّع ومدَّعَى عليه، فلم يكن دعوى أحدهما بأظهر من دعوى الآخر، لكن قدم البائع بالتخيير بين التسليم أو اليمين؛ لأن ملكه أقدم من ملك المبتاع والإيجاب الذي من جهته قبل القبول الذي من جهة المشتري، أما إذا اختلفا بعد قبض السلعة وقبل فواتها، فالذي رواه أشهب وابن القاسم عن مالك أنهما يتحالفان ويتفاسخان، وروى ابن وهب عن مالك أن القول قول المبتاع. وفي ((كتاب ابن المواز)): لم يختلف قول مالك قبل التفرق أنهما يتحالفان ويتفاسخان، واختلف قوله إذا تفرقا، ووجه رواية ابن القاسم أن السلعة باقية على صفتها، فكان حكمها أن يتحالفا ويتفاسخا، ووجه رواية ابن وهب أن جنبة المشتري قد قويت بالقبض، ولليد تأثير في ثبوت الأيمان في جنبة ذي اليد، وأما إذا فاتت السلعة بزيادة أو نقصان أو حوالة أسواق، فروى ابن القاسم عن مالك أن القول قول المبتاع، وبه قال أبو حنيفة، وروى أشهب عن مالك أنهما يتحالفان أبداً، وإن تلفت السلعة، وبه قال الشافعي. وجه رواية ابن القاسم أن التحالف قبل الفوات يوجب الفسخ في عين السلعة، وردّ عينها إلى البائع، وذلك متعذر بعد تلفها، وإنما يردُّه بدلها، وهو القيمة، فيقرر بها من ذلك أن المبتاع غارم لما تعلق بذمته، ومن كان هذا حكمه فالقول قوله، ووجه رواية أشهب أن هذه إحدى حالتي السلعة، فوجب إذا اختلف متبايعاها في الثمن أن يتحالفا ويتفاسخا كحالة الوجود، انتهى. قال الخرقي: إذا باع شيئاً واختلفا في ثمنه تحالفا، فإن شاء المشتري أخذه بعد ذلك بما قال البائع، وإلا انفسخ البيع بينهما، قال الموفق(١): إذا اختلفا والسلعة قائمة، ولأحدهما بَيِّنَةٌ حكم بها، وإن لم يكن لهما بيّنة تحالفا، (١) («المغني)) (٢٧٨/٦). ١٤٣ ٣٣ - كتاب البيوع (٣٨) باب (١٣٧٦) حديث وبهذا قال شريح وأبو حنيفة والشافعي ومالك في رواية، وعنه: القول قول المشتري مع يمينه، وبه قال أبو ثور وزفر؛ لأن البائع يدّعِي زيادة ينكرها المشتري، والقول قول المنكر، وقال الشعبي: القول قول البائع أو يترادان البيع، وحكاه ابن المنذر عن أحمد، والمشهور في المذهب الأول، ويحتمل أن يكون معنى القولين واحداً، وأن القول قول البائع مع يمينه، فإذا حلف فرضي به المشتري أخذ به، وإن أبى حلف أيضاً. وفسخ البيع بينهما؛ لأن في بعض ألفاظ حديث ابن مسعود أن النبي وَلقر قال: ((إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة ولا بينة لأحدهما تحالفا)) ثم المبتدئ باليمين البائع، فيحلف: ما بعتُه بعشرة، وإنما بعتُه بعشرين، فإن شاء المشتري أخذه بما قال البائع، وإلا يحلف: ما اشتريتُه بعشرين، وإنما اشتريتُه بعشر، وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: يبتدئ بيمين المشتري؛ لأنه منكر، واليمين في جنبته أقوى، ولنا، قول النبي وق وله: ((فالقول ما قال البائع والمشتري بالخيار)) رواه أحمد (١)، ومعناه، إن شاء أخذ وإن شاء حلف، وإن حلفا جميعاً لم ينفسخ البيع بنفس التحالف؛ لأنه عقد صحيح وتعارضهما لا يفسخه، كما لو أقام كل واحد منهما بينة بما اذَّعاه، لكن إن رضي أحدهما بما قال صاحبه أقرَّ العقد بينهما، وإن لم يرضيا فلكل واحد منهما الفسخ، هذا ظاهر كلام أحمد. ويحتمل أن يقف الفسخ على الحاكم، وهو ظاهر مذهب الشافعي؛ لأن العقد صحيح وأحدهما ظالم فيفسخه الحاكم، ولنا، قوله مَلتر: ((أو يترادّان البيع))، وظاهره استقلالهما بذلك، وفي القصة أن ابن مسعود باع الأشعث، الحديث. وفي آخره: فالقول قول البائع أو يترادّان البيع، قال: فإني أرُدُّ البيع، رواه سعيد عن هشيم عن ابن أبي ليلى عن عبد الرحمن بن القاسم عن ابن مسعود، وفي لفظ: ((ثم كان المشتري بالخيار إن شاء أخذ وإن شاء ترك)) وهذا (١) ((المسند)) (٤٦٦/١). ١٤٤ ٣٣ - كتاب البيوع (٣٨) باب (١٣٧٦) حديث ظاهر في أنه يفسخ من غير حاكم، وإن كانت السلعة تالفة، واختلفا في ثمنها بعد تلفها. فعن أحمد فيه روايتان: إحداهما: يتحالفان مثل لو كانت قائمة، وهو قول الشافعي وإحدى الروايتين عن مالك، والأخرى: القول قول المشتري مع يمينه اختارها أبو بكر. وهذا قول النخعي والثوري والأوزاعي وأبي حنيفة؛ لقوله ◌َيقر في الحديث: ((والسلعة قائمة)) فمفهومه أنه لا يشرع التحالف عند تلفها، ولأنهما اتفقا على نقل السلعة إلى المشتري واستحقاق عشرة في ثمنها. واختلفا في عشرة زائدة البائع يَدَّعِيْها، والمشتري ينكرها، والقول قول المنكر، وتركنا هذا القياس حال قيام السلعة للحديث الوارد فيه، ففيما عداه يبقى على القياس. ووجه الرواية الأولى عموم قوله: ((إذا اختلف المتبايعان فالقول قول البائع والمشتري بالخيار)) قال أحمد: ولم يقل فيه: والمبيع قائم إلا يزيد بن هارون، وقد أخطأ. رواهُ الحَلِفِ عن المسعودي، ولم يقولوا هذه الكلمة، لكنها في حدیث معن، انتهى. وقال محمد في ((موطئه))(١) بعد ذكر حديث ابن مسعود الذي تقدم في المتن قريباً: وبهذا نأخذ إذا اختلفا في الثمن تحالفا وترادًا البيع، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، إذا كان المبيع قائماً بعينه، فإن كان المشتري قد استهلكه، فالقول ما قال المشتري في الثمن في قول أبي حنيفة، وأما في قولنا، فيتحالفان ويترادان القيمة، انتهى. قال الشيخ في ((البذل))(٢): إن هلك المبيع، ثم اختلفا لم يتحالفا عند أبي حنيفة وأبي يوسف، والقول قول المشتري، وقال محمد: يتحالفان، ويفسخ البيع على قيمة الهالك، وهو قول الشافعي، انتهى. (١) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٢٤٢/٣). (٢) ((بذل المجهود)) (١٩١/١٥). ١٤٥ ٣٣ - كتاب البيوع (٣٩) باب (١٣٧٧) حديث (٣٩) باب ما جاء في الربا في الدين ٨١/١٣٧٧ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، وحاصل المذاهب المتقدمة للأئمة الستة في ذلك أنهما إذا اختلفا والسلعة قائمة، فيتحالفان ويترادّان البيعَ عند الستة إلا في رواية لمالك، ورواية لأحمد أن القول قول المبتاع، والرواية المشهورة عنهما الأولى، وأما إذا اختلفا بعد فوات السلعة فعن مالك روايتان؛ الأولى: القول قول المبتاع، وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف، والثانية: يتحالفان ويترادان القيمة، وهو قول الشافعي ومحمد، وهما روايتان لأحمد. (٣٩) ما جاء في الربا في الدين يعني يكون لأجل على آخر دينٌّ، فيأخذ منه فيه الربا، ولما كان عند الإمام حكم ((ضَعْ وتَعَجَّلْ)) أيضاً في حكم الربا ذكره أيضاً في هذا الباب، قال ابن رشد(١): اتفق العلماء على أن الربا يوجد في شيئين: في البيع، وفيما تقرر في الذمة من سلف أو غيره، وما تقرر في الذمة صنفان: صنف متفق عليه، وهو ربا الجاهلية الذي نهي عنه، وذلك أنهم كانوا يُسلفون بالزيادة وينظرون، فكانوا يقولون: أنظرني أزدك، وهذا هو الذي عناه عليه الصلاة والسلام بقوله في حجة الوداع: (ألا إن ربا الجاهلية موضوع)) الحديث، والثاني ((ضَعْ وتَعَجَّلْ))، وهو مختلف فيه، وأما الربا في البيع، فإن العلماء أجمعوا على أنه صنفان: نسيئة، وتفاضل، إلا ما روي عن ابن عباس من إنكاره الربا في التفاضل، انتهى. ١٣٧٧/ ٨١ - (مالك عن أبي الزناد) بكسر الزاي وخفة نون عبد الله بن ذكوان (عن بسر) بضم الموحدة وسكون السين المهملة (ابن سعيد) بكسر (١) ((بداية المجتهد)) (١٢٨/٢). ١٤٦ ٣٣ - كتاب البيوع (٣٩) باب (١٣٧٧) حديث عَنْ عُبَيْدٍ، أَبِي صَالِحِ مَوْلَى السَّفَّاحِ؛ أَنَّهُ قَالَ: بِعْتُ بَزَّا لِي مِنْ أَهْلِ دَارِ نَخْلَةَ. إِلَى أَجَلٍ. ثُمَّ أَرَدْتُ الْخُرُوجَ إِلَى الْكُوفَةِ. فَعَرَضُوا عَلَيَّ أَنْ أَضَعَ عَنْهُمْ بَعْضَ الثَّمَنِ. وَيَنْقُدُونِي العين، المدني (عن عبيد) مصغراً بدون الإضافة (أبي صالح) كنية عبيد، وفي البيهقي برواية ابن بكير عن مالك بلفظ عن أبي صالح مولى السفاح، وفي ((موطأ محمد)) بلفظ عن أبي صالح بن عبيد مولى السفاح، وفي ((التعليق الممجد)) (١): هكذا وجدنا العبارة في نسخة شرح عليها القاري، وفي ((موطأ يحيى) عن عبيد أبي صالح، وفي ((جامع الأصول))(٢): أبو صالح عبيد بن أبي صالح مولى السفّاح تابعي، روى عن زيد بن ثابت، وعنه بسر بن سعيد، وفي (كتاب الثقات)) لابن حبان: عبيد بن خزاعة عِدَادُه في أهل المدينة، يروي عن زيد بن ثابت، وعنه بسر، انتهى. (مولى السّفاح) بفتح السين المهملة وتشديد الفاء، لقب لأول خلفاء بني العباس، وهو عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس (أنه قال: بعتُ) بصيغة المتكلم من البيع (بزاً) بفتح الموحدة وتشديد الزاي أي ثياباً (لي من أهل دار نخلة) قال الزرقاني(٣): محل بالمدينة فيه البَزَّازون، وفي ((المحلى)): موضع بين مكة والطائف (إلى أجل) أي نسيئةً (ثم أردتُ الخروجَ إلى الكوفة) فطلبتُ أهلَ دار نخلة ثمنَ الثياب (فعرضوا عليَّ) بشد الياء أي طلبوا مني (أن أضع عنهم) أي أسقط عنهم، زاد في النسخ المصرية بعد ذلك ((من الثمن))، وليس هذا في الهندية أي أضع عنهم بعض الثمن (وينقُدُوْني) أي يعجلوا لي باقي الثمن بعد الوضع. (١) (٢٠١/٣). (٢) (٥٧١/١). (٣) ((شرح الزرقاني)) (٣٢٣/٣). ١٤٧ ٣٣ - كتاب البيوع (٣٩) باب (١٣٧٧) حديث فَسَأَلْتُ عَنْ ذُلِكَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ. فَقَالَ: لَا آمُرُكَ أَنْ تَأْكُلَ هُذَا وَلَا تُوكِلَهُ. (فسألت عن ذلك) أي عن حكم هذا الذي سألوه (زيد بن ثابت) الصحابي الشهير كاتب الوحي (فقال) زيد: (لا آمرك) أي لا أُبِيح لك (أن تأكل) أنت هذا المال (ولا تُؤكله) غيرَك، وقيل: المعنى لا تأكل أنت أي الثمن الذي تأخذه عنهم معجلاً، ولا تُؤْكله لهم ما تحطّه عنه. قال محمد في ((موطئه)) بعد هذا الأثر: وبهذا نأخذ، من وجب له دين على إنسان إلى أجل، فسأل أن يضع عنه، ويعجل له ما بقي، لم ينبغ له ذلك؛ لأنه يُعَجِّلُ قليلاً بكثير ديناً، فكأنه يبيع قليلاً ديناً بكثير ديناً، وهو قول عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمر، وهو قول أبي حنيفة، انتهى. قال الباجي(١): قوله: إن أهل دار نخلة عرضوا عليه، يريد - والله أعلم - أن ينقُدُوه جنس ماله عليهم، وذلك مثل أن يكون له عليهم مائة دينار مؤجلة، فيدفعون إليه قبل الأجل خمسين ديناراً، ويحّ عنهم خمسين، فسأل عن ذلك زيداً، فقال: لا آمرك أن تأكله ولا توكله يريد تُطْعِمُه غيرك، ومعنى ذلك تحريمه؛ لأنه لا يمنعه من أن يأكله. ويوكله مع كونه مباحاً، وبه قال ابن عمر، وعليه جمهور الفقهاء، وأجازه النخعي وزفر، واختلفت الرواية عن ابن المسيب في ذلك، وأصحها المنع. ودليلنا على تحريمه أنهم اشتروا منه المائة المؤجلة بخمسين معجلة، وذلك غير جائز بوجهين: التفاضل، والنسأ في الجنس الواحد، وأما إذا أخذ منه قبل الأجل من غير جنسه ما قيمته أقلُّ مما له عليه، فلا يخلو أن يكون مما لا يجوز أن يدخل الأجل بينه وبين الدنانير أو مما يجوز ذلك، فإن كان مما لا يجوز ذلك كالدراهم، فلا يجوز أن يأخذ منهم قبل الأجل بدنانير دراهمَ مثل قيمتها ولا أقل ولا أكثر؛ لأن هذا ورق بذهب إلى أجل. (١) ((المنتقى)) (٦٤/٥). ١٤٨ ٣٣ - كتاب البيوع (٣٩) باب (١٣٧٨) حدیث ٨٢/١٣٧٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَفْصِ بْنِ خَلْدَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وإن كان مما يجوز ذلك مثل أن يأخذ منه بدنانير عروضاً معجلة تكون قيمتها أقلّ من دنانيره، أو مثل ذلك أو أكثر فلا بأس في ذلك؛ لأن ما آل أمره إلى شراء عرض بدنانير مؤجلة ولا خلاف في جوازه، انتهى. وقال الزرقاني(١): بمنع (ضَعْ وَتَعَجَّلْ)) وبه قال الحكم بن عتيبة والشعبي ومالك وأبو حنيفة، وأجازه ابن عباس، ورآه من المعروف، وحكاه اللخمي عن ابن القاسم، قال ابن زرقون: أُراه وهماً، وعن ابن المسيب والشافعي القولان، واحتجّ المجيز بخبر ابن عباس لما أمر رسول الله وَ﴾ بإخراج بني النضير، قالوا: لنا على الناس ديون لم تحِلّ، فقال: ((ضعوا وتعجَّلوا))، وأجاب المانعون باحتمال أن هذا الحديث قبل نزول تحريم الربا، انتهى. وقال الموفق(٢): إذا كان عليه دين مؤجل، فقال لغريمه: ضَعْ عني بعضه، وأعجل لك بقيتَه لم يجز، كرهه زيد بن ثابت وابن عمر والمقداد وابن المسيب وسالم والحسن وحماد والحكم والشافعي ومالك والثوري وهشيم وابن عُلية وإسحاق وأبو حنيفة، ورُوي عن ابن عباس أنه لم ير به بأساً، ورُوي ذلك عن النخعي وأبي ثور؛ لأنه آخذٌ لبعض حقه تاركٌ لبعضه، فجاز كما لو كان الدين حالاً، ولنا، أنه بيع الحلول فلم يجز، انتهى. وقال ابن رشد: أجاز ذلك ابن عباس من الصحابة وزفر من فقهاء الأمصار. ٨٢/١٣٧٨ - (مالك عن عثمان بن حفص) بن عمر بن عبد الرحمن (بن خلدة) بفتح الخاء المعجمة وسكون اللام، كما ضبطه الحافظ في ((التقريب)) في ترجمة جده عمر، وهكذا ضبطه الزرقاني في ((جامع الأيمان)) (عن ابن شهاب) (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٢٣/٣). (٢) ((المغني)) (١٠٩/٦). ١٤٩ ٣٣ - كتاب البيوع (٣٩) باب (١٣٧٨) حديث عَنْ سَالِم بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عن عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ الدَّيْنُ عَلَى الرَّجُلِ إِلَى أَجَلٍ. فَيَضَعُ عَنْهُ صَاحِبُ الْحَقِّ وَيُعَجِّلُهُ الآخَرُ. فَكَرِهَ ذُلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. وَنَهَى عَنْهُ. الزهري (عن سالم بن عبد الله عن) أبيه (عبد الله بن عمر أنه سئل) ببناء المجهول (عن الرجل يكون له الدين على الرجل إلى أجل) لم يأت بعد (فيضع عنه صاحب الحق) أي يحطّ بعض الدين (ويُعَجِّلُه الآخر) أي يُعَجِّلُ في أداء الباقي بعد الوضع (فكره ذلك عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (ونهى عنه) أي نهى عن هذا الفعل، كما نهى عنه زيد في الأثر السابق، وتقدم الكلام عليه . وفي ((المحلى)): ولا يعارضه ما في (الصحيحين)) أنه رَّ قال لكعب في دَينه على ابن أبي حدرد: ((أن ضَع الشطرَ من دَيْنك))، قال: قد فعلتُ يا رسول الله، قال: ((فاقضه))؛ لأن هذا في الحال، والآثار في المآل، انتهى. وحديث كعب هذا أخرجه البخاري بمواضع من كتابه، منها في ((باب التقاضي والملازمة في المسجد)) (١) بلفظ عن كعب أنه تقاضى ابن أبي حدرد ديناً كان عليه في المسجد، فارتفعت أصواتُهما حتى سمعها رسولُ اللهِ وَّ، وهو في بيته، فخرج إليهما، حتى كشف سجف حجرته، فنادى: ((يا كعب))، قال: لبيك يا رسول الله، فقال: ((ضَعْ من دينك هذا»، وأومأ إليه، أي الشطر، قال: لقد فعلت يا رسول الله، قال: ((قم فاقضه)). قال الحافظ (٢): في قوله إشارة إلى أنه لا يجتمع الوضيعة والتأجيل، وترجم أيضاً البخاري في ((صحيحه)) ((باب إذا قضى دون حقه أو حَلَّلَه))، فهو جائز، وذكر فيه قصة جابر بن عبد الله في دَيْن أبيه، وسؤاله وَ لَ غُرْماءه أن (١) كتاب الصلاة باب (٧١)، وحديث (٤٥٧). (٢) «فتح الباري)) (٥٥٢/١). ١٥٠ ٣٣ - كتاب البيوع (٣٩) باب (١٣٧٩) حديث ٨٣/١٣٧٩ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ؛ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ الرِّبَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ عَلَى الرَّجُلِ الْحَقُّ إِلَى أَجَلِ. فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ. قَالَ: أَتَقْضِي أَمْ تُرْبِي؟ فَإِنْ قَضَى، أَخَذَ. وَإِلَّا زَادَهُ فِي حَقِّهِ. وَأَخَّرَ عَنْهُ فِي الْأَجَلِ . قَالَ مَالِكٌ: وَالْأَمْرُ الْمَكْرُوهُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا. أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ يقبلوا ثمر الحائط، ويُحَلّلُوْا أباه، وقال ابن بطال: لو حَلَّلَه من جميع الدين جاز عند جميع العلماء، فكذلك إذا حَلّلَه من بعضه، انتهى. ٨٣/١٣٧٩ - (مالك عن زيد بن أسلم أنه قال: كان الربا في) زمن (الجاهلية) يعني قبل الإسلام (أن يكون للرجل على الرجل) أي لزيد على عمرو مثلاً (الحق) يعني ديناً مائة دينار مثلاً (إلى أجل) يعني إلى شهر (فإذا حلّ الأجل) أي مضى الشهر، وفي النسخ الهندية محله ((إذا حلّ الحق)) أي لزم أداؤه بمجيء الأجل (قال) زيد لعمرو (أتقضي) المائة الذي عليك (أم تربي) بضم التاء وسكون الراء، أي تزيد على المائة حتى أزيد في الأجل (فإن قضى) عمرو (أخذ) زيد حقه مائة دينار (وإلا) أي إن لم يقض عمرو (زاده) أي زاد عمرو لزيد (في حقه) وجعله مائة وعشرة مثلاً (وأخّرَ) زيد (عنه) أي عن عمرو (في الأجل) وجعله شهرین مثلاً . قال الزرقاني(١): ولا خلاف أن هذا الربا الذي حَرَّمه اللَّهُ تعالى، ولم تعرف العرب الربا إلا في النسيئة، فنزل القرآن بذلك، وزاده وَّ بياناً، وحَرَّم ربا الفضل، كما مر، قاله أبو عمر، انتهى. وإليه أشار ابن رشد، كما تقدم في أول الباب. (قال مالك: والأمر المكروه الذي لا اختلاف فيه عندنا أن يكون للرجل (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٢٤/٣). ١٥١ ٣٣ - كتاب البيوع (٣٩) باب (١٣٧٩) حديث عَلَى الرَّجُلِ الذَّيْنُ إِلَى أَجَلٍ. فَيَضَعُ عَنْهُ الطَّالِبُ وَيُعَجِّلُهُ الْمَطْلُوبُ، وَذُلِكَ عِنْدَنَا بِمَنْزِلَةِ الَّذِي يُؤْخِّرُ دَيْنَهُ بَعْدَ مَحِلُّهِ، عَنْ غَرِيمِهِ، وَيَزِيدُهُ الْغَرِيمُ فِي حَقِّهِ. قَالَ: فَهُذَا الرِّبَا بِعَيْنِهِ. لَا شَكَ فِيهِ. قَالَ مَالِكٌ، فِي الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ عَلَى الرَّجُلِ مِائَةُ دِينَارٍ. إِلَى أَجَلٍ. فَإِذَا حَلَّتْ، قَالَ . على الرجل الدين إلى أجلٍ فيضع عنه الطالب) شيئاً من الدين (ويُعَجِّلُه المطلوبُ) أي يُعَجِّلُ أداءَ ما بقي عليه. (قال مالك) ليس هذا اللفظ في النسخ المصرية، بل لحق فيه القول الآتي بالسابق، وهو الأوجه (وذلك) الذي ذكر مع ضع وتعجل (عندنا بمنزلة الذي يؤخر دينه بعد محله) أي بعد أوان أدائه (عن غريمه) أي يزيد في الأجل (ويزيده الغريم في حقه قال: فهذا الربا بعينه لا شك فيه) أي لا تردد في كونها ربا، وهو ربا الجاهلية، كما تقدم، ولا خلاف بين الأمة في حرمته، فكذلك وفي حكمه ضع وتعجل. قال الباجي(١): يريد أن معناهما العوض للزيادة؛ لأن الذي وضع قبل أجله سلف على أن وضع، والذي أَخَّرَ للزيادة أسلف على أن زاد فهو تأخير لعوض، انتهى. وقال ابن رشد (٢): وعمدة من لم يجز: ضَعْ وتَعَجَّلْ أنه شبيه بالزيادة مع النظرة المجتمع على تحريمها، ووجه شبهه بها أنه جعل للزمان مقداراً من الثمن بدلاً منه في الموضعين جميعاً، وذلك أنه هنالك لما زاد له في الزمان زاد له عرضه ثمناً، وههنا لما حظّ عنه الزيادة حط عنه في مقابلته ثمناً، انتهى. (قال مالك في الرجل) أي زيد (يكون له على الرجل) الآخر أي عمرو (مائة دينار) مثلاً (إلى أجل) أي إلى شهر مثلاً (فإذا حلّت) أي مضى الشهر (قال (١) ((المنتقى)) (٦٥/٥). (٢) ((بداية المجتهد)) (١٤٤/٢). ١٥٢ ٣٣ - كتاب البيوع (٣٩) باب (١٣٧٩) حديث لَهُ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ: بِعْنِي سِلْعَةً يَكُونُ ثَمَنُهَا مِائَةَ دِينَارٍ نَقْداً. بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ إِلَى أَجَلِ: هَذَا بَيْعٌ لَا يَصْلُحُ. وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ الْعِلْمِ يَنْهَوْنَ عنه . قَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا كُرِهَ ذُلِكَ. لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُعْطِيهِ ثَمَنَ مَا بَاعَهُ بِعَيْنِهِ. وَيُؤَخِّرُ عَنْهُ الْمِائَةَ الْأُولَى. إِلَى الْأَجَلِ الَّذِي ذَكَرَ لَهُ آخِرَ مَرَّةٍ. وَيَزْدَادُ عَلَيْهِ خَمْسِينَ دِينَاراً فِي تَأْخِيرِهِ عَنْهُ. فَهُذَا مَكْرُوهٌ. وَلَا يَصْلُحُ. وَهُوَ أَيْضاً يُشْبِهُ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي بَيْعِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ. إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا حَلَّتْ دُيُونُهُمْ، قَالُوا لِلَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُّ: إِمَّا أَنْ تَقْضِيَ وَإِمَّا أَنْ تُرْبِيَ! فَإِنْ قَضَى، أَخَذُوا. له) أي لزيد (الذي عليه الدين) وهو عمرو، فاعل قال، هكذا في النسخ المصرية، وهو أوضح من السياق الذي في النسخ الهندية بلفظ قال الذي له عليه الدين (بعني سلعة) أخرى (يكون ثمنها مائة دينار نقداً) أي يكون ثمن هذه السلعة الأخرى في النقد مائة دينار (بمائة وخمسين) متعلق بقوله: بعني (إلى أجل) أي إلى شهر آخر (هذا بيع لا يصلح) وفاسد (ولم يزل أهل العلم ينهون عنه) أي عن هذا النوع من البيع. (قال مالك: وإنما كره ذلك) البيع (لأنه) أي عمرو (إنما يعطيه) أي زيداً (ثمن ما باعه) زيد (بعينه ويؤخر) زيد (عنه) أي عن عمرو (المائة الأولى) التي حلّت (إلى الأجل الذي ذكره آخر مرة) وهو الشهر الثاني (ويزداد عليه خمسين ديناراً) إذا اشترى السلعة الأخرى بمائة وخمسين (في تأخيره عنه) أي بسبب تأخير الدين عن الأجل (فهذا مكروه) أي حرام (لا يصلح وهو) البيع (أيضاً يشبه حديث زيد بن أسلم) المذكور قبل (في بيع أهل الجاهلية) وهو ما تقدم قريباً (إنهم) أي أهل الجاهلية (كانوا إذا حلت ديونهم) وجاء وقت أدائها (قالوا للذي عليه الدين: إما أن تقضي) الدين في الحال (وإما أن تربي) أي تعطي الزيادة للتأخير (فإن قضى) الذي عليه الدين في الحال (أخذوا) أي أصحاب ١٥٣ ٣٣ - كتاب البيوع (٣٩) باب (١٣٧٩) حديث وَإِلَّا زَادُوهُمْ فِي حُقُوقِهِمْ. وَزَادُوهُمْ فِي الْأَجَلِ . الأموال (وإلا) أي إن لم يقض في الجال (زادوهم في حقوقهم وزادوهم في الأجل). قال الزرقاني(١): ويدخل في ذلك أيضاً بيعٌ وسلفٌ؛ لأنه ابتاع السلعة بمائة معجلة، وخمسين مؤخرة، ليؤخره التي حلت، انتهى. قال الباجي(٢): وهذا على ما قال: لأن من كان له على رجل مائة دينار إلى أجل، فاشترى منه عند الأجل سلعة تساوي مائة دينار بمائة وخمسين، فقضاه دينه الأول، وإنما قضاه ثمن سلعته، وزاد خمسين ديناراً في دينه لتأخيره به عن أجله، فهذا يُشْبِهُ ما تَضَمَّنه حديث زيد بن أسلم من بيوع الجاهلية في زيادتهم في الديون عند انقضاء أجلها، ليؤخروا بها، ويدخله أيضاً بيع وسلف؛ لأنه إنما ابتاع منه هذه السلعة بمائة معجلة وخمسين مؤجلة ليؤخره بالمائة التي حلت له عليه، ووجوه الفساد في هذا كثيرة جداً . فإن وقع هذا البيع، ففي ((المدنية)) عن مالك أنه قال: يفسخ البيع في هذه السلعة التي باعه إياها بمائة وخمسين، فإن فاتت رددتها إلى قيمتها نقداً، وفسخت البيع الأول، ووجه ذلك أن هذا البيع قد دخله ما قدمناه من وجوه الفساد، فوجب فسخه ما لم يفت، فإن فات ردّ إلى القيمة، وكانا على أجلهما ما في الدين الأول، ومعنى قوله: فسخت البيع الأول، يريد الذي انعقد في السلعة بمائة وخمسين، انتهى. قال الزرقاني(٣): قال ابن عبد البر: كل من قال بقطع الذرائع يذهب إلى هذا، ومن قال: لا يلزم المتبايعين إلا ما ظهر من قولهما ولم يظن بهما السوء أجازه، انتهى. (١) (شرح الزرقاني)) (٣٢٤/٣). (٢) ((المنتقى)) (٦٦/٥). (٣) ((شرح الزرقاني)) (٣٢٤/٣). ١٥٤ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٠) باب (٤٠) باب جامع الدين والحول (٤٠) جامع الدين والحول بكسر الحاء وفتح الواو، أي التحول للدين على غير المدين، قال عز اسمه: ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ أي تحولاً، فما في النسخ الهندية محلها من لفظ الحلول تحريف من الناسخ، والمعنى الأحكام المتفرقة في الدين. والحوالة وهي بفتح الحاء، وقد تكسر، مشتقٌ من التحويل، أو من الحول، تقول: حال عن العهد إذا انتقل عنه حولاً، وهي عند الفقهاء نقل دَين من ذمة إلى ذمة، واختلفوا هل هي بيع دين بدين رخص فيه، فاستثنى من النهي عن بيع الدين بالدين، أو هي استيفاء؟ وقيل: هي عقد إرفاق مستقل، ويشترط في صحتها رضا المحيل بلا خلاف، ورضا المحتال عند الأكثر، والمحال عليه عند بعض شذّ، ويشترط أيضاً تماثلُ الحقين في الصفات، وأن يكون في شيء معلوم، ومنهم من خَصّها بالنقدين، ومنعها في الطعام؛ لأنه بيع طعام قبل أن يستوفى، كذا في ((الفتح))(١). قال الموفق(٢): إذا أحيل على مليء لزم المحتال والمحتال عليه القبول، ولم يعتبر رضاهما؛ وقال أبو حنيفة: يعتبر رضاهما؛ لأنها معاوضة، فيعتبر الرضا من المتعاقدين، وقال مالك والشافعي: يعتبر رضا المحتال؛ لأن حقه في ذمة المحيل، فلا يجوز نقله إلى غيره بغير رضاه، وأما المحتال عليه، فقال مالك: لا يعتبر رضاه إلا أن يكون المحتال عدوه، وللشافعي في اعتبار رضاه قولان: أحدهما يعتبر، وهو يحكى عن الزهري؛ لأنه أحد من تتم به الحوالة، فأشبه المحيل، والثاني لا يعتبر؛ لأنه أقامه في القبض مقام نفسه، فلم يفتقر إلى رضا من عليه الحق كالتوكيل، ، انتهى. (١) ((فتح الباري)) (٤/ ٤٦٤). (٢) («المغني)) (٦٣/٧). ١٥٥ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٠) باب (١٣٨٠) حديث ٨٤/١٣٨٠ - حدّثنا يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهِ قَالَ: ((مَظْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ. ٨٤/١٣٨٠ - (مالك عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة أن رسول الله (وَّلي قال مطل الغني) أي القادر على أداء ما عليه ولو فقيراً، قال عياض: المطل منع قضاء ما استحق أداؤه، زاد القرطبي مع التمكن من ذلك وطلب صاحب الحق حقه، والجمهور على أنه مضافٌ للفاعل، وبعضهم جعله مضافاً إلى المفعول، وأن الغني هو الممطول، قال عياض وتبعه الحافظ: هو بعيد. قال الأبي: وعليه فالتقدير أن يمطل بضم الياء، فالمصدر مبنيٌ للمفعول، وفي صحة بنائه كذلك خلاف في العربية، والمعنى أنه يجب وفاء الدين، وإن كان صاحبه غنياً، ولا يكون غناه سبباً لتأخيره عنه، وإذا كان كذلك في حق الغني فالفقير أولى، كذا في ((الزرقاني)) (١) بتغير. (ظلم) قال الباجي(٢): وصفه بالظلم إذا كان غنياً خاصة، ولم يصفه بذلك مع العسر، وقد قال تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾(٣) وإذا كان غنياً فَمَطَلَ فقد ظَلَمَ، وقد قال أصبغ وسحنون: تُرَدُّ بذلك شهادته؛ لأنه وَل﴾ سماه ظالماً، انتهى، وقال ابن عبد الحكم: لا ترد. وفي ((الإكمال)): اختلف في أنه جرحة أو حتى يكون ذلك عادة، وقال النووي: مقتضى مذهبنا اعتبار تكراره، ورده السبكي بأن مقتضاه عدمه؛ لأن منع الحق بعد طلبه وانتفاء العذر عن أدائه كالغصب، والغصب كبيرة لا يشترط فيها التكرار، قاله الزرقاني. (١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٣٢٥/٣). (٢) ((المنتقى)) (٦٦/٥). (٣) سورة البقرة: الآية ٢٨٠. ١٥٦ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٠) باب (١٣٨٠) حديث وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيٍ فَلْيَتْبَعْ)). أخرجه البخاريّ في: ٣٨ - كتاب الحوالات، ١ - باب في الحوالة. ومسلم في: ٢٢ - كتاب المساقاة، ٧ - باب تحريم مطل الغنيّ، حديث ٣٣. (وإذا أتبع) بضم الهمزة، وسكون المثناة الفوقية، وكسر الموحدة مبنياً للمفعول على المشهور روايةً ولغَةً، قاله النووي وعياض، وقال القرطبي: وأما أتبع، فبضم الهمزة وسكون التاء مبنيا لما لم يسم فاعله عند الجميع، وأما فليتبع فالأكثر على التخفيف، وقَيَّده بعضهم بالتشديد، والأول أجود. قال الحافظ(١): ما ادعاه من الاتفاق على أتبع يردُّه قول الخطابي: إن أكثر المحدثين يقولونه بتشديد التاء، والصواب التخفيف، انتهى. وقال عياض: شدّدها بعضُ المحدثين، والوجه إسكانها، يقال: تبعت فلانة بحقي أتبعه تباعة، بالفتح، إذا طلبته، والمعنى إذا أحيل فليحتل، وقد رواه بهذا اللفظ أحمد عن الثوري عن أبي الزناد، وأخرج البيهقي مثله من طريق يعلى بن منصور عن أبي الزناد، وأشار إلى تفرد يعلى ولم ينفرد كما ترى. (أحدكم على) ضمن أتبع معنى أحيل، فعدي بعلى (مليء) بالهمز مأخوذ من الملأ، يقال: ملؤ الرجل بضم اللام أي صار مليئاً، وقال الكرماني: الملي كالغني لفظاً ومعنىً، فاقتضى أنه بغير همز، وليس كذلك، فقد قال الخطابي: إنه في الأصل بالهمز، ومن رواه بتركها فقد سهله، كذا في ((الفتح))(٢). قال الزرقاني(٣): وذكر غيره أن الرواية بالوجهين (فليتبع) بإسكان الفوقية على المشهور رواية ولغة، ورواه بعضهم بشدِّها، والأول أجود، كما قاله القرطبي، ورواه ابن ماجه من حديث ابن عمر بلفظ: فإذا أحللت على مليء (١) ((فتح الباري)) (٤٦٥/٤). (٢) ((فتح الباري)) (٤٦٥/٤). (٣) ((شرح الزرقاني)) (٣٢٥/٣). ١٥٧ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٠) باب (١٣٨٠) حديث فاتّبعه، وهذا بتشديد التاء بلا خلاف، والأمر للاستحباب عند الجمهور، ووهم من نقل فيه الإجماع، وقيل: أمر إباحة وإرشاد، وهو شاذٌّ، وحمله أكثر الحنابلة وأبو ثور وابن جرير وأهل الظاهر على الوجوب، وإليه مال البخاري، وهو ظاهر الحديث. وأجاب الجمهور بأن الصارف عنه إلى الندب أنه راجع لمصلحة دنيوية لما فيه من الإحسان إلى المحيل بتحصيل مقصوده من تحويل الحق عنه، والإحسان مستحب، وبأن الصارف كونه أمراً بعد نهي، وهو بيع الكالئ بالكالئ، فيكون للإباحة أو الندب عند القائلين به. وفي ((المنتقى))(١): قال الشيخ أبو محمد: إن الأمر على الندب، ويحتمل ذلك قول القاضي أبي محمد؛ لأنه معروفٌ، وقال: إنّ الحوالة استثنيت من الدَين كما استثنيت العريّة، وقال الباجي: الصحيح عندي أن الحوالة ليست من باب الدَيْن بالدين، وإذا قلنا: إنها لا تصح إلا من دَيْن ثابت للمحيل على المحال عليه، وذلك أن المحيل تبرأ ذمتُه بنفس الإحالة، فهي من باب النقد، ومعنى الحوالة عندي أن تكون على الإباحة، انتهى. قال الحافظ(٢): ادَّعى الرافعي أن الأشهر في الروايات ((وإذا أتبع))، وأنهما جملتان لا تعلق لإحداهما بالأخرى، وزعم بعض المتأخرين أنه لم يرد إلا بالواو، وغفل عما في باب الحوالة من البخاري، فإنه بالفاء ههنا في جميع الروايات، فهو كالتوطئة والعلة لقبول الحوالة، أي إذا كان المطل ظلماً، فليقبل من يحتال بدَينه عليه، فإن المؤمن من شأنه أن يحترز عن الظلم فلا يُمْطِلُ. واستدل بالحديث على أن الحوالة إذا صحّت، ثمَّ تعذّر القبض بحدوث (١) (٦٦/٥). (٢) ((فتح الباري)) (٤٦٥/٤). ١٥٨ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٠) باب (١٣٨٠) حديث حادث، كموت أو فلس، لم يكن للمحتال الرجوع على المحيل؛ لأنه لو كان له الرجوع لم يكن لاشتراط الغني فائدة، فلما شرطت علم أنه انتقل انتقالاً لا رجوع له، كما لو عَوَّضه عن دَينه بعوض، ثم تلف العوض في يد صاحب الدين، فليس له رجوع، وقال الحنفية: يرجع عند التعذر، وشَبَّهُوْه بالضمان. قال الباجي(١): وبرئت ذمة المحيل من دين المحال، ولم يكن له عليه رجوع، وإن مات المحال عليه مفلساً، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: يرجع على المحيل إن مات المحال عليه مفلساً أو جحد الحق، والدليل على ما نقوله هذا الحديث، فإنه شرط الملاءة في الحوالة، ولو كان له رجوع عليه لما كان لشرط الملاءة معنی؛ لأنه لا يخاف تلف دینه بإفلاسه، انتهى. وقال الموفق(٢): إذا اجتمعت شروط الحوالة، وصحت، برئت ذمة المحيل عند عامة الفقهاء إلا ما يُروى عن الحسن أنه كان لا يرى الحوالة براءة إلا أن يُبْرِئَه، وعن زفر أنه قال: لا تنقل الحق، وأجراها مجرى الضمان، وليس بصحيح؛ لأن الحوالة مشتقة من تحويل الحق بخلاف الضمان، فإنه مشتقٌّ من ضم ذمة إلى ذمة. وإذا ثبت أن الحق انتقل، فمتى رضي بها المحتال ولم يشترط اليسار لم يعد الحق إلى المحيل أبداً، سواء أمكن استيفاء الحق أو تعذر لمطل أو فلس أو موت أو غير ذلك، وبه قال الليث والشافعي وأبو عبيد وابن المنذر، وعن أحمد ما يدل على أنه إذا كان المحال عليه مفلساً، ولم يعلم المحتال بذلك، فله الرجوع إلا أن يرضى بعد العلم، وبه قال جماعة من أصحابنا، ونحوه قول مالك؛ لأن الفلس عيب في المحال عليه فكان له الرجوع، كما لو اشترى (١) ((المنتقى)) (٦٧/٥). (٢) ((المغني)) (٦٠/٧). ١٥٩ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٠) باب (١٣٨٠) حديث سلعة فوجدها معيبة، ولأن المحيل غَرَّه فكان له الرجوع، كما لو دلّس المبيع، وقال شريح والشعبي والنخعي: متى أفلس أو مات رجع على صاحبه. وقال أبو حنيفة: يرجع عليه في حالين، إذا مات المحال عليه مفلساً، وإذا جحده وحلف عليه عند الحاكم، وقال أبو يوسف ومحمد: يرجع عليه في هاتين الحالتين، وإذا حجر عليه لفلس. فإن شرط ملاءة المحال عليه فبان معسراً رجع على المحيل، وبه قال بعض الشافعية، وقال بعضهم: لا يرجع؛ لأن الحوالة لا تُرَدُّ بالإعسار، إذا لم يشترط الملاءة فلا تُرَدُّ به، وإن اشترط، ولو لم يرض المحتال بالحوالة، ثم بان المحال عليه مفلساً أو ميتاً رجع على المحيل بلا خلاف، انتهى. وترجم البخاري في ((صحيحه)): ((باب الحوالة، وهل يرجع في الحوالة؟)) وقال الحسن وقتادة: إذا كان يوم أحال عليه مليئاً جاز، قال الحافظ (١): وهذا الأثر أخرجه ابن أبي شيبة والأثرم، واللفظ له من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة والحسن أنهما سُئِلا عن رجل احتال على رجل فأفلس، قالا: إن كان مليئاً يوم احتال عليه، فليس له أن يرجع، وقَيّده أحمد بما إذا لم يعلم المحتال بإفلاس المحال عليه، وعن الحكم لا يرجع إلا إذا مات المحال عليه، وعن الثوري يرجع بالموت، وأما بالفلس فلا يرجع إلا بمحضر المحيل والمحال عليه . وقال أبو حنيفة: يرجع بالفلس مطلقاً، سواء عاش أو مات، ولا يرجع بغير الفلس، وقال مالك: لا يرجع إلا إن غرّه، كأن علم فلس المحال عليه ولم يعلمه بذلك، وقال الحسن وشريح وزفر: الحوالة كالكفالة، فيرجع على أيهما شاء، وبه يُشْعِرُ إدخال البخاري أبواب الكفالة في كتاب الحوالة، وذهب (١) ((فتح الباري)) (٤/ ٤٦٤). ١٦٠