Indexed OCR Text
Pages 61-80
٣٣ - كتاب البيوع (٣٠) باب (١٣٦٥) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَصْلُحُ حَتَّى يَخْتَلِفَ. فَيَبِينَ اخْتِلَافُهُ. فَإِذَا أَشْبَهَ بَعْضُ ذُلِكَ بَعْضاً. وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَسْمَاؤُهُ. فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ إِلَى أَجَلٍ. وَذُلِكَ أَنْ يَأْخُذَ الثَّوْبَيْنِ مِنَ الْهَرَوِيِّ بِالثَّوْبِ مِنَ الْمَرْوِيِّ، أَوِ الْقُوهِيِّ. إِلَى أَجَلِ. أَوْ يَأْخُذَ الثَّوْبَيْنِ مِنَ الْفُرْقُبِيِّ، إحداهما: لا يجري في الجميع، وهو قول الثَّوْري وأبي حنيفة وأكثر أهل العلم؛ لأنه ليس بمكيلٍ ولا موزون، وهذا هو الصحيح، إذ لا معنى لثبوت الحكم مع انتفاء العلة وعدم النص والإجماع، والثانية: يجري الربا في الجميع؛ لأن أصله الوزن، فلا يخرج بالصناعة عنه كالخبز، انتهى. وفي ((الدر المختار))(١): واختلاف الجنس يعرف باختلاف الاسم الخاص واختلاف المقصود، قال ابن عابدين: فالثوب الهروي والمروي جنسان لاختلاف الصنعة وقوام الثوب بها، وكذا المروي المنسوج ببغداد وخراسان، واللّبد الأرمني والطّالقاني جنسان، وكذا غزل الصوف والشعر ولحم البقر والضأن أجناس. (قال مالك: ولا يصلح) أي لا يجوز النسيئة (حتى يختلف) المبيع من الجانبين (فيبين) بالنصب أي يظهر (اختلافه) ظهوراً واضحاً باعتبار المنافع (فإذا أشبه بعضُ ذلك بعضاً) أي يكون بعضها مشابهاً لبعض في المنافع المقصودة (وإن) وصلية (اختلف أسماؤه فلا يأخذ منه اثنين بواحد إلى أجل) لاتحاد الجنس (وذلك) أي مثال المذكور من قوله: ولا يصلح حتى يختلف (أن يأخذ الثوبين من الهروي) مثلاً (بالثوب) الواحد (من المروي أو) يأخذهما بالثوب الواحد من (القُوهِي) مثلاً بضم القاف، وسكون الواو، فهاء، قال في ((القاموس)): ثياب بيض، (إلى أجل) أي نسيئة (أو يأخذ) مثلاً (الثوبين من الفُرقبي) بضم الفاء، والقاف بينهما راء ساكنة، ثم موحدة، فتحتية، نسبة إلى فرقب، كقنفذ، (١) (٣٠٠/٥). ٦١ ٣٣ - كتاب البيوع (٣٠) باب (١٣٦٥) حدیث بِالثَّوْبِ مِنَ الشَّطَوِيِّ. فَإِذَا كَانَتْ هُذِهِ الْأَجْنَاسُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ. فَلَا يُشْتَرَى مِنْهَا اثْنَانِ بِوَاحِدٍ، إِلَى أَجَلِ . قَالَ مَالِكٌ: وَلَا بَأْسَ أَنْ تَبِيعَ مَا اشْتَرَيْتَ مِنْهَا، قَبْلَ أَنْ تَسْتَوْفِيَهُ مِنْ غَيْرِ صَاحِبِهِ الَّذِي اشْتَرَيْتَهُ مِنْهُ. إِذَا انْتَقَدْتَ ثَمَنَهُ. موضع، أي هي ثياب بيض من كَتّان (بالثوب) الواحد (من الشطوي، فإذا كانت هذه الأصناف على هذه الصفة) المذكورة من اتحاد المنافع (فلا يشترى منها اثنان بواحد إلى أجل). قال الزرقاني(١): وجاز يداً بيد، قال الباجي(٢): أما إذا أشبه بعض ذلك بعضاً يريد مثل قولنا: العدني والمروي والهروي، فإنه قد اختلفت أسماء ذلك، ولا يجوز فيها التفاضل مع الأجل، لتقارب المنفعة التي في معنى الجنس، ومذهب أبي حنيفة يقرب من مذهب مالك في ذلك، وهو قول النخعي، وجوَّز الشافعي التفاضل مع التساوي في الصنف الواحد، وهو قول سعيد بن المسيب، قال أبو الزناد: خالف الناس كلهم سعيد بن المسيب في قوله: لا بأس بقبطية بقبطيتين من صنفٍ واحدٍ إلى أجل، انتهى. (قال مالك: ولا بأس بأن تبيع ما اشتريت منها) أي من الثياب (قبل أن تستوفيه) أي قبل القبض (من غير) أي لغير متعلق لتبيع (صاحبه الذي اشتريت منه) وهو البائع، وهو الأوجه من النسخ الهندية بلفظ الذي اشتريته، واختلفت النسخ بعد ذلك، ففي النسخ المصرية (إذا نقدت) أي أعطيت (ثمنه) البائع الأول، وفي النسخ الهندية إذا انتقدت، أي أخذت ثمنه من الذي اشترى منك، أما إذا لم يأخذ ثمنه منه، فيدخل في بيع الكالئ بالكالئ. قال صاحب ((المحلى)): إذا انتقدت ثمنه، أي إذا أخذت ثمنه نقداً، أما (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٠٦/٣). (٢) ((المنتقى)) (٣٠/٥). ٦٢ ٣٣ - كتاب البيوع (٣١) باب (١٣٦٦) حديث (٣١) باب السلفة في العروض ٧٠/١٣٦٦ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، وَرَجُلٌ إذا كان نسيئة فإنه لا يجوز، وكذا إذا كان من بائعه، فإنه لا يصلح، وهذا في الثياب ونحوه من غير أموال الربوية. وأما الطعام فلا يجوز بيعه قبل قبضه مطلقاً ، انتهى. قلت: وقد تقدم في أول البيوع اختلافهم في ما يجوز بيعه قبل القبض، ويختصُّ المنع عند الإمام مالك بالطعام، فلا يجوز بيعه عنده قبل القبض، وتقدم البسط في اختلاف الأئمة في جواز التصرف في المبيع قبل القبض، وجملة ذلك كما في ((التعليق الممجد))(١) عن ((البناية)) أنه قال مالك: يجوز جميع التصرفات في غير الطعام قبل القبض، لورود التخصيص في الأحاديث بالطعام، وقال أحمد: إن كان المبيع مكيلاً أو موزوناً أو معدوداً لم يجز بيعه قبل القبض، وفي غيره يجوز، وقال محمد وزفر والشافعي: لا يجوز بيع شيءٍ قبل القبض، لإطلاق الأحاديث، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: يجوز بيع غير المنقول قبل القبض. (٣١) السلف في العروض كذا في النسخ الهندية، وفي المصرية(٢) السلفة، قال صاحب ((المحلى)): يعني السلم فيها . ٧٠/١٣٦٦ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن القاسم بن محمد) بن أبي بكر (أنه قال: سمعت عبد الله بن عباس، ورجلٌ) لم يسم كان (١) (١٩٩/٣). (٢) في ((الاستذكار)) (١٥١/٢٠) السلفة. ٦٣ ٣٣ - كتاب البيوع (٣١) باب (١٣٦٦) حديث يَسْأَلُهُ: عَنْ رَجُلِ سَلَّفَ فِي سَبَائِبَ فَأرادَ بَيْعَهَا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: تِلْكَ الْوَرِقُ بِالْوَرِقِ. وَكَرِهَ ذَلِكَ. قَالَ مَالِكٌ: وَذُلِكَ فِيمَا نُرَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَبِيعَهَا مِنْ صَاحِبِهَا الَّذِي اشْتَرَاهَا مِنْهُ، بِأَكْثَرَ مِنَ الثَّمَنِ الَّذِي ابْتَاعَهَا بِهِ. وَلَوْ أَنَّهُ بَاعَهَا مِنْ غَيْرِ الَّذِي اشْتَرَاهَا مِنْهُ، لَمْ يَكُنْ بِذْلِكَ بَأْسٌ. (يسأله) أي ابن عباس (عن) حكم (رجل سلّف) أي أسلم (في سبائب) بسين مهملة أوله وموحدة آخره، شَقَقٌ رقيقة، جمع سِبة بالكسر، وسبيبة، وقال أبو عمر: السبائب عمائم الكتان وغيره، وقيل: شَقَقُ الكتَّان وغيره، وقيل: الملاحف (فأراد) المشتري (بيعها) أي أراد أن يبيعها (قبل أن يقبضها، فقال ابن عباس) راداً على هذا البيع (تلك) الصورة يلزم منها أن يكون بيع (الورق بالورق، وكره) ابن عباس (ذلك) البيع، ولما كان هذا البيع جائزاً عند مالك، لاختصاص النهي عنده بالطعام، أوّل قول ابن عباس. فقال: (قال مالك: وذلك) أي نهي ابن عباس (فيما نرى) أي نظن (والله أعلم أنه) أي الرجل (أراد بيعها) وفي بعض النسخ المصرية ((أنه إنما أراد أن يبيعها)) (من صاحبها الذي اشتراها منه) وهو البائع (بأكثر من الثمن الذي ابتاعها به) فَيْتَّهَمان على القرض بزيادة، وجعلا العقد مُحَلِّلاً بينهما (ولو أنه) أي الرجل (باعها) أي السبائب (من غير الذي اشتراها منه لم يكن بذلك بأس) أي حرج. قال الباجي(١): يحتمل قول مالك هذا أن يريد بيان مذهب ابن عباس، ويحتمل أن يريد به ما يحتمله اللفظ المروي في ذلك بما هو الصواب عنده، وقد قال عيسى: سألت ابن القاسم عن ربح ما لم يضمن، فقال: ذكر مالك أنه بيع الطعام قبل أن يستوفى، أما غير الطعام العروض والحيوان والثياب، فإن ربحه حلال، انتھی. (١) ((المنتقى)) (٣١/٥). ٦٤ ٣٣ - كتاب البيوع (٣١) باب (١٣٦٦) حديث قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا، فِيمَنْ سَلَّفَ فِي رَقِيقٍ أَوْ مَاشِيَةٍ أَوْ عُرُوضٍ. فَإِذَا كَانَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ ذُلِكَ مَوْصُوفاً. فَسَلَّفَ فِيهِ إِلَى أَجَلِ. فَحَلَّ الْأَجَلُ. فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَبِيعُ شَيْئاً مِنْ ذُلِكَ. مِنَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْهُ. بِأَكْثَرَ مِنَ الثَّمَنِ الَّذِي سَلَّفَهُ فِيهِ. قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ مَا سَلَّفَهُ فِيهِ. وَذُلِكَ أَنَّهُ إِذَا فَعَلَهُ، فَهُوَ الرِّبَا. صَارَ الْمُشْتَرِي إِنْ أَعْطَى الَّذِي بَاعَهُ. دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ فَانْتَفَعَ بِهَا . وقال أبو عمر (١): مذهب ابن عباس أن العروض كالطعام يمنع بيعه قبل قبضه؛ لأنه عنده من ربح ما لم يضمن، خلاف ما ظنه مالك، وقد صَحَّ أن ابن عباس قال: وأحسب أن كل شيء بمنزلة الطعام، انتهى. قلت: أخرجه البخاري عنه في (صحيحه))، وأما الاختلاف في التصرف في المبيع قبل القبض فتقدم مجملاً قريباً، ومفصلاً سابقاً . (قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا فيمن سَلَّفَ) بتشديد اللام أي أسلم (في رقيق أو ماشية أو عروض، فإذا كان كل شيء من ذلك موصوفاً) بالصفات المعتبرة في السلم؛ لأن صحة السلم؛ موقوفة عليها عند القائلين بجواز السلم في الحيوان (فسلّف فيه إلى أجل) معلوم (فَحَلَّ) بتشديد اللام (الأجل) أي جاء وقت أداء المسلم فيه (فإن المشتري لا يبيع) أي لا يجوز له أن يبيع (شيئاً من ذلك) أي المسلم فيه (من الذي) أي بيد من (اشتراه منه بأكثر من الثمن الذي سلّفه فيه قبل أن يقبض ما سلّفه فيه، وذلك) أي سبب المنع (أنه إذا فعله) وفي بعض النسخ المصرية ((إذا فعل ذلك))، يعني يبيع المشتري المسلم فيه قبل القبض بيد البائع، وهو المسلم إليه (فهو الربا). وتوضيح ذلك أنه (صار المشتري) وهو رب السلم (إن أعطى الذي باعه) وهو المسلم إليه (دنانير أو دراهم) أي الثمن (فانتفع) المسلم إليه (بها) أي بهذه (١) ((الاستذكار)) (١٥٢/٢٠). ٦٥ ٣٣ - كتاب البيوع (٣١) باب (١٣٦٦) حديث فَلَمَّا حَلَّتْ عَلَيْهِ السِّلْعَةُ وَلَمْ يَقْبِضْهَا الْمُشْتَرِي. بَاعَهَا مِنْ صَاحِبِهَا بأَكْثَرَ مِمَّا سَلَّفَهُ فِيهَا. فَصَارَ أَنْ رَدّ إِلَيْهِ مَا سَلَّفَهُ. وَزَادَهُ مِنْ عِنْدِهِ. الدنانير والدراهم إلى زمان (فلما حلت عليه السلعة) التي باعها، أي لما جاء وقت أداء المسلم فيه (ولم يقبضها المشتري) أي رب السلم إلى الآن (باعها) أي باع رب السلم هذه السلعة (من صاحبها) أي بيد المسلم إليه (بأكثر مما سلّفه فيه) أي بأكثر من المسلم فيه (فصار) أي آل الأمر إلى (أن رد) المسلم إليه (إليه) أي إلى رب السلم (ما سلَّفه) وهو المسلم فيه (وزاده من عنده) وهو مقدار ما زاد على المسلم فيه. وذلك الربا بعينه إذ هو زيادةٌ خاليةٌ عن العوض، هذا إذا أريد بقوله: بأكثر مما سلّفه فيها المسلم فيه، كما يدل عليه لفظ في، وإن أريد به الثمن، فصار المعنى أنه آل الأمر إلى ردّ المسلم إليه إلى رب السلم الثمن، وزاد من عنده، وهو ظاهر الربا . قال الباجي(١): قوله: قبل أن يقبضه يريد ما دام في ذمّته وقبل استيفائه منه؛ لأنه حينئذ یکون قد دفع إلیه دیناراً، وأخذ منه دینارین، وأما إن باعه بمثل الثمن الذي اشتراه به منه أو أقل من ذلك، فإنه لا بأس به؛ لأنه في بيعه بمثله يعود إلى معنى القرض، فإذا باعه بأقل من الثمن بعد عن التهمة؛ لأن مثل هذا لا يفعل، لا يقصد أحد أن يسلّف دينارين في دينار واحد، انتهى. وقال الموفق(٢): أما بيع المسلم فيه قبل قبضه، فلا نعلم في تحريمه خلافاً، وقد نهى النبي بَّر عن بيع الطعام قبل قبضه، وعن ربح ما لم يضمن، ولأنه مبيع لم يدخل في ضمانه، فلم يجز بيعه، كالطعام قبل قبضه، وأما الإقالة في المسلم فيه فجائزة؛ لأنها فسخ، قال ابن المنذر: أجمع كل من (١) ((المنتقى)) (٣٢/٥). (٢) ((المغني)) (٤١٥/٦). ٦٦ ٣٣ - كتاب البيوع (٣١) باب (١٣٦٦) حديث قَالَ مَالِكٌ: مَنْ سَلَّفَ ذَهَباً أَوْ وَرِقاً فِي حَيَوانٍ أَوْ عُرُوضٍ إِذَا كَانَ مَوْصُوفاً إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى. نحفظ عنه من أهل العلم على أن الإقالة في جميع ما أسلم فيه جائزة؛ لأنها فسخ للعقد، ورفع له من أصله، وليست بيعاً، انتهى. قلت: وما حكى من الإجماع على منع البيع قبل القبض مشكلٌ، فإن هذا الباب في ((الموطأ)) يرد الإجماع، قال ابن رشد (١): اختلف العلماء في بيع المسلم فيه، إذا حان الأجل من المسلم إليه قبل قبضه، فمن العلماء من لم يجز ذلك أصلاً، وهم القائلون بأن كل شيء لا يجوز بيعه قبل قبضه، وبه قال أبو حنيفة وأحمد وإسحاق، وتمسكوا في منعه بحديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً: ((من أسلم في شيء فلا يصرفه في غيره))، وأما مالك فإنه منع ذلك في موضعين: أحدهما: إذا كان المسلم فيه طعاماً، وذلك بناء على مذهبه في أن الذي يشترط في بيعه القبض هو الطعام، والثاني: إذا لم يكن المسلم فيه طعاماً، فأخذ عوضه المسلم ما لا يجوز أن يسلم فيه رأس ماله، انتهى. وفي ((المحلى)): واستدل الجمهور بما رواه أبو داود(٢) عن أبي سعيد: ((من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره))، ولابن أبي شيبة عن عمر - رضي الله عنه -: إذا أسلمت في شيء، فلا تبعه حتى تقبضه، ولا تصرفه إلى غيرك، وروى عبد الرزاق عن ابن عمر: إذا أسلفت في شيء فلا تأخذ إلا رأس مالك أو الذى أسلفت فيه، انتهى. (قال مالك: ومن سَلَّفَ) بتشديد اللام أي أسلم (ذهباً أو ورقاً) أي فضة (في حيوان أو عرض) آخر غير الطعام، وفي نسخة ((أو عروض)) بالجمع (إذا كان) المسلم فيه (موصوفاً) بالصفات اللازمة لصحة السلم (إلى أجل مسمى) (١) ((بداية المجتهد)) (٢٠٥/٢). (٢) أخرجه أبو داود في ((السنن)) (٢٤٧/٢). ٦٧ ٣٣ - كتاب البيوع (٣١) باب (١٣٦٦) حدیث ثُمَّ حَلَّ الْأَجَلُ. فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَ الْمُشْتَرِي تِلْكَ السِّلْعَةَ مِنَ الْبَائِعِ. قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ الْأَجَلُ. أَوْ بَعْدَ مَا يَحِلُّ. بِعَرْضٍ مِنَ الْعُرُوضَ. يُعَجِّلُهُ وَلَا يُؤَخِّرُهُ. بَالِغاً مَا بَلَغَ ذُلِكَ الْعَرْضُ. إِلَّا الطَّعَامَ. فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ أَنْ يَبِيعَهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ. وَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَبِيِعَ تِلْكَ السِّلْعَةَ. مِنْ غَيْرِ صَاحِبِهِ الَّذِي ابْتَاعَهَا مِنْهُ، بِذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ أَوْ عَرْضٍ مِنَ الْعُرُوضِ. يَقْبِضُ ذَلِكَ وَلَا يُؤَخِّرُهُ. لِأَنَّهُ إِذَا أَخَرَ ذَلِكَ قَبُحَ. وَدَخَلَهُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ. معلوم، لكونه شرطاً لصحة السلم (ثم حلّ الأجل) وجاء وقت الأداء (فإنه لا بأس أن يبيع المشتري) أي رب السلم (تلك السلعة) أي المسلم فيه (من البائع) أي بيد المسلم إليه (قبل أن يحل الأجل أو بعدما يحل) الأجل (بعرض) آخر غير المسلم فيه (من العروض) بشرط أن (يعجله) أي بشرط أن يأخذ المبيع عاجلة. (ولا يؤخره) تأكيد (بالغاً ما بلغ ذلك العرض) الآخر يعني في أي مقدار كان (إلا الطعام) إذ لا يجوز بيعه قبل قبضه، فإن كان المسلم فيه طعاماً (فإنه لا يحلُّ أن يبيعه) أي الطعام (حتى يقبضه) وفي النسخ المصرية ((قبل أن يقبضه))، فإن النهي عن البيع قبل أن يقبضه مقتصر عند الإمام مالك على الطعام. (وللمشتري) أي لرب السلم (أن يبيع تلك السلعة) المذكورة، وهي المسلم فيه المذكور إذا لم يكن طعاماً (من غير صاحبها) بضمير التأنيث في النسخ الهندية، فالمرجع السلعة، وبتذكير الضمير في النسخ المصرية فالمرجع المشتري، والمعنى يبيع تلك السلعة بيد غير (الذي ابتاعها منه) وهو المسلم إليه (بذهب أو ورق أو عرض) آخر غير المسلم فيه (من العروض) الباقية بشرط أن (يقبض ذلك) البدل عاجلاً (ولا يؤخره لأنه) دليل لشرط التعجيل (إذا أخَّرَ ذلك) أي بدل المسلم فيه (قَبُحَ) أي حَرُمَ ذلك البيعُ (ودخله) أي في هذا البيع (ما يُكْرَهُ من) بيع (الكالئ بالكالئ) بيان لما، وبيع الكالئ بالكالئ منهيٌّ عنه بالإجماع . ٦٨ ٣٣ - كتاب البيوع (٣١) باب (١٣٦٦) حديث وَالْكَالِىُ بِالْكَالِيِّ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ دَيْنَاً لَهُ عَلَى رَجُلٍ. بِدَيْنٍ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ. قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ سَلَّفَ فِي سِلْعَةٍ إِلَى أَجَلِ. وَتِلْكَ السِّلْعَةُ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ وَلَا يُشْرَبُ. فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يَبِيعُهَا مِمَّنْ قال الباجي(١): ومن شرط صحة هذا البيع القبض قبل التفرق، أو ما هو في حكم ذلك؛ لأنه يدخله قبل الأجل، وبعده فسخ دَيْن في دَيْنٍ، وذلك ممنوع بالاتفاق، انتهى. وقد ورد النهي عن بيع الكالئ بالكالئ، كما تقدم في أول جامع بيع الثمر. (والكالئ بالكالئ) أي تفسير هذا البيع المنهي عنه (أن يبيع الرجل) أي زيد مثلاً (ديناً له) أي لزيد (على رجل) على عمرو مثلاً (بدين له) هكذا في النسخ الهندية بزيادة لفظ له، وليس هذا في النسخ المصرية(٢)، فيكون المعنى على النسخ المصرية أي يبيعه نسيئة بيد رجل آخر (على رجل آخر) أي بكر مثلاً . قال الباجي(٣): يريد أن يبيع ديناً له على رجل من رجل آخر بعرض يُؤَخِّرُه عليه، وإنما نعني بذلك أن هذا من جملة الكالئ بالكالئ، لأن هذا هو جميع ما يقع عليه الاسم، بل بيعُ ثوبٍ إلى أجل بحيوانٍ على بائعه إلى أجلٍ أدخل في باب الكالئ بالكالئ، انتهى. (قال مالك: ومن سلّف) أي أسلم (في سلعة إلى أجل وتلك السلعة) المسلم فيها (مما لا يؤكل ولا يشرب) قيد بذلك للنهي عن بيع الطعام قبل القبض (فإن المشتري) أي رب السلم (يبيعها) أي السلعة المسلم فيها (ممن (١) ((المنتقى)) (٣٢/٥). (٢) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٣٠٨/٣). (٣) ((المنتقى)) (٣٣/٥). ٦٩ ٣٣ - كتاب البيوع (٣١) باب (١٣٦٦) حديث شَاءَ. بِنَقْدٍ أَوْ عَرْضٍ. قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهَا مِنْ غَيْرِ صَاحِبِهَا الَّذِي اشْتَرَاهَا مِنْهُ. وَلَا يَنْبَغِي لَّهُ أَنْ يَبِيعَهَا مِنَ الَّذِي ابْتَاعَهَا مِنْهُ. إِلَّا بِعَرْضٍ يَقْبِضُهُ وَلَا يُؤَخِّرُهُ. قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ كَانَتِ السِّلْعَةُ لَمْ تَحِلَّ. فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَبِيعَهَا مِنْ صَاحِبِهَا بِعَرْضِ مُخَالِفٍ لَهَا. بَيِّنِ خِلَافُهُ. يَقْبِضُهُ وَلَا يُؤَخِّرُهُ. شاء) أي بيد من شاء (بنقد أو عرض قبل أن يستوفيها) لأن النهي عند المالكية مقتصر على منع بيع الطعام قبل القبض (من غير صاحبها الذي اشتراها منه)، وهو المسلم إليه، وهو بيان لمن شاء (ولا ينبغي) أي لا يجوز له أن يبيعها من الذي ابتاعها منه) أي المسلم إليه (إلا بعرضٍ) آخر غير المسلم فيه (يقبضه ولا يؤخره) لئلا يدخل في الكالئ بالكالئ. (قال مالك: وإن كانت السلعة) المذكورة (لم تَجِلَّ) أي لم يجئ وقت أدائها (فلا بأس بأن يبيعها من صاحبها) أي بيد المسلم إليه (بعرضٍ) آخر (مخالف لها) أي مخالف للسلعة المسلم فيها (بَيِّنِ) أي ظاهر (خلافه) أما إذا لم يكن خلافه ظاهراً فلا يجوز؛ لأنه يدخل في متّحدي الجنس (يقبضه ولا يؤخره) لما مَرّ، فهذه المسألة أيضاً تقرب مما سبق. وفي ((المحلى)): الحاصل أن المسلم فيه إما طعام أو غيره، أما الطعام فلا يجوز بيعه قبل القبض مطلقاً، وأما غيره من الحيوان والثياب ونحوها، فإنه يحلُّ بيعه من البائع بعرض ما بلغ ذلك العرض، إذا كان مُعَجَّلاً، ولا يجوز بنقد أكثر من رأس المال، ويجوز بغير البائع بنقد، وبعرض إذا كان معجلاً، هذا قول مالك، وقال الجمهور: إنه لا يجوز التصرف في المسلم فيه قبل قبضه، ولا الاعتياض عنه، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة، كما في ((المنهاج)) و((الهداية))، انتهى. ٧٠ ٣٣ - كتاب البيوع (٣١) باب (١٣٦٦) حدیث قَالَ مَالِكٌ؛ فِيمَنْ سَلَّفَ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ. فِي أَرْبَعَةِ أَثْوَابِ مَوْصُوفَةٍ. إِلَى أَجَلِ. فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ. تَقَاضَى صَاحِبَهَا. فَلَمْ يَجِدْهَا عِنْدَهُ. وَوَجَدَ عِنْدَهُ ثِياباً دُونَهَا مِنْ صِنْفِهَا. فَقَالَ لَهُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَثْوَابُ: أُعْطِيكَ بِهَا ثَمَانِيَةَ أَثْوَابٍ مِنْ ثِيَابِي هُذِهِ: إِنَّهُ لَا بَأُسَ بِذَلِكَ. إِذَا أَخَذَ تِلْكَ الْأَثْوَابَ الَّتِي يُعْطِيهِ قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا. فَإِنْ دَخَلَ ذُلِكَ، الأجل، فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ وَإِنْ كَانَ ذُلِكَ قَبْلَ مَحِلِّ الْأَجَلِ. فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ أَيْضاً. إِلَّا أَنْ يَبِيعَهُ ثِياباً لَيْسَتْ مِنْ صِنْفِ النِّيَابِ الَّتِي سَلَّفَهُ فِيهَا . (قال مالك؛ فيمن سَلَّفَ) أي أسلم (دنانير أو دراهم في أربعة أثواب) مثلاً (موصوفة) بالصفات اللازمة (إلى أجل، فلما حلّ الأجل) أي وقت الأداء (تقاضى صاحبها) أي طلبها منه (فلم يجدها عنده) أي لم يجد عنده ثياباً موصوفة بالصفات المشروطة (ووجد عنده ثياباً دونها من صنفها) أي من نوعها (فقال له) أي لرب السلم (الذي عليه الأثواب) أي المسلم إليه، وهو فاعل قال (أعطيك بها) أي بالأثواب الأربع (ثمانية أثواب من ثيابي هذه) فقال مالك في هذا: (إنه لا بأس بذلك إذا أخذ تلك الأثواب) الثمانية (التي يعطيه قبل أن يفترقا) أي يقبضا نقداً. (قال مالك) وليس هذا اللفظ في النسخ المصرية، والكلام الآتي ملحق بما سبق (فإن دخل ذلك الأجل، فإن ذلك لا يصلح) أي لا يجوز (وإن كان ذلك) أي أخذ الثمانية بدل الأربعة (قبل محل) أي حلول (الأجل فإنه لا يصلح أيضاً إلا أن يبيعه ثياباً ليست من صنف الثياب التي سلّفه فيها) فيجوز. قال الباجي(١): قوله: من سلّف في أربعة أثواب، إلخ، يقتضي أن رقيق (١) ((المنتقى)) (٣٤/٥). ٧١ ٣٣ - كتاب البيوع (٣٢) باب (١٣٦٧) حديث (٣٢) باب بيع النحاس والحديد وما أشبههما مما يوزن ٧١/١٣٦٧ - قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَا كَانَ مِمَّا يُوزَنُ. مِنْ غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ. مِنَ النُّحَاسِ وَالشَّبَهِ الكَتَّان جنس واحد، وإن اختلفت أثمانه، حتى يكون للثوب منه ثمن الثوبين والأكثر، لكنه من جملة الرقيق، كما أن غليظه جنس مخالف لرقيقه، وكذلك حكم سائر الثياب من القطن والصوف وغيرهما، إذا ثبت ذلك، فإنه لا يجوز أن يأخذ منه قبل الأجل أدون من ثيابه ولا أفضل؛ لأنه لا يسلم الجنس من الثياب في جنسه، ولأنه يدخله في الأدون ((ضَعْ وتَعَجَّلْ))، ويدخله في أخذه الأفضل حُطّ عني الضمان، وأزيدُك، وإذا حلَّ الأجل جاز أن يأخذ منه أفضل من ثيابه وأدنى وأكثر عدداً، انتهى. وقد عرفت قريباً أنه لا يجوز عند الجمهور بيع المسلم فيه قبل القبض، ولا الاعتیاض عنه. (٣٢) بيع النحاس بضم النون، فحاء مهملة معروف، يقال له في الفارسية: مِسْ، وفي الهندية: تانبا . والحدید كأمير يقال له في الفارسية: آهن، وفي الهندية: لوها. وما أشبههما في كونه غير مطعوم مدّخر ولا عين. مما يوزن بيان لما أي من الأشياء الموزونة. ٧١/١٣٦٧ - (قال مالك: الأمر) المرجح (عندنا فيما كان مما يُوزن من غير الذهب والفضة) وغير المطعومات (من النحاس والشبه) بفتح الشين المعجمة ٧٢ ٣٣ - كتاب البيوع (٣٢) باب (١٣٦٧) حديث وَالرَّصَاصِ وَالآنُكِ والْحَدِيدِ وَالْقَصْبِ وَالتِّيْنِ والموحدة أعلى النحاس يشبه الذهب، يقال له في الفارسية: بربخ، وفي الهندية: بيتل (والرصاص) بفتح الراء، وتخفيف الصاد المهملة، وفي ((المحلى)) عن ((القاموس)): كسحاب ولا يكسر، انتهى. يقال له بالفارسية: ارزيز، وفي الهندية: رانگك (والآنك) بمد الهمزة، وضم النون آخره كاف، الرصاص الخالص، ويقال: الأسود، وقال ابن الجوزي: هو الرصاص القلع بفتح القاف منسوب إلى القلعة، موضع بالبادية، كذا في ((المحلى))، يقال له في الفارسية: سرب، وفي الهندية سيسه. (والحديد والقضب) ضبطه الزرقاني بإسكان الضاد المعجمة، وفي (المحلى)): هي الرطبة، وفي ((المحيط الأعظم)): الرطبة يقال لها في العربية: القضبة. ولليابس منها القتُّ، وفي الفارسية إسپست، نوع من علف الدواب، وفي ((الصراح)): قضب وقضبة سيست، وفي ((مختار الصحاح)): القضب والقضبة الرطبة وهي الإسفست بالفارسية، انتهى. (والتين) المأكول، قاله الزرقاني(١)، يقال له في الهندية: إنجير. قال الدردير (٢): ذكر أي الخليل أن التين ليس بربوي بناءً على أن العلة الاقتيات والادخار، وكونه متخذاً للعيش غالباً، ثم قال: والمعتمد أنه ربوي، قال الدسوقي: لأنه يُقْتات ويدّخر، وإن لم يتخذ للعيش غالباً، انتهى. فذكره ههنا بناء على أنه غير ربوي، وهذا كله على ما في جميع النسخ الهندية والمصرية من المثناة التحتية بين التاء والنون، ولو كان في نسخة بدله الموحدة فلا إشكال. (١) ((شرح الزرقاني)) (٣١٠/٣). (٢) ((الشرح الكبير)) (٤٧/٣ و٥٠). ٧٣ ٣٣ - كتاب البيوع (٣٢) باب (١٣٦٧) حديث وَالْكُرْسُفِ. وَمَا أَشْبَهَ ذُلِكَ. مِمَّا يُوزَنُ. فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُؤْخَذَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ. اثْنَانِ بِوَاحِدٍ. يَداً بِيَدٍ. وَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤَخَذَ رِظْلُ حَدِيدٍ. بِرِظْلَيْ حَدِيدٍ. وَرِظْلُ صُفْرٍ. بِرِظْليْ صُفْرٍ. قَالَ مَالِكٌ: وَلَا خَيْرَ فِيهِ. اثْنَانِ بِوَاحِدٍ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ. إِلَى أَجَلٍ. فَإِذَا اخْتَلَفَ الصِّنْفَانِ مِنْ ذُلِكَ. فَبَانَ اخْتِلَافُهُمَا. فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ. إِلَى أَجَلِ. فَإِنْ كَانَ الصِّنْفُ مِنْهُ يُشْبِهُ الصِّنْفَ الآخَرَ. وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الإِسْمِ. مِثْلُ (والكرسف) بضم الكاف القطن، وفي الهندية روئي (وما أشبه ذلك مما يوزن) ولا يكون مدّخراً للاقتيات (فلا بأس بأن يؤخذ) أي يشترى ويباع (من صنف واحد) أيضاً (اثنان بواحد يداً بيد) أي بشرط المناجزة؛ لأن علة النسأ، وهي الجنس موجودة، فلا يباع نسيئة. ثم أوضح ذلك بالمثال، فقال: (ولا بأس) أي يجوز (أن يؤخذ رِطلُ حديد برطلي حديد ورطل صفر) بضم الصاد المهملة وتكسر، النحاس الجيد (برطَي صفر) يعني يجوز فيها التفاضل لعدم كونها من الربوية، فإنها ليس مما يدّخر للقوت، وهو العلة عند الإمام مالك، كذا في ((المحلى))، وفيه خلاف الحنفية إذ العلة عندهم كونه مكيلاً أو موزوناً، وهذه من الموزونات. قال مالك: (ولا خير فيه اثنان بواحد) يعني لا يجوز التفاضل إذا كان البدلان (من صنف واحد إلى أجل) أي نسيئة؛ لأن اتحاد الجنس يحرم النساء في الأموال الربوية وغيرها، وهو قول أبي حنيفة، قال الشافعي: الجنس بانفراده لا يحرم النساء، كذا في ((المحلى)). (فإذا اختلف الصنفان من ذلك فبان اختلافهما) أي يكون اختلافهما بَيّناً ظاهراً (فلا بأس بأن يؤخذ منه اثنان بواحد إلى أجل) أيضاً لانتفاء عِلَّتَي الربا عنده (فإن كان الصنف منه يشبه الصنف الآخر) ولم يكن بينهما اختلاف واضح. (وإن اختلفا) وصلية (في الاسم) بأن يكون لكل واحد منهما اسم مستقل (مثل ٧٤ ٣٣ - كتاب البيوع (٣٢) باب (١٣٦٧) حديث الرَّصَاصِ وَالآنُكِ وَالشَّبَهِ وَالصُفْرِ. فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ. إِلَى أَجَلٍ . قَالَ مَالِكٌ: وَمَا اشْتَرَيْتَ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ كُلِّها. فَلَا بَأْسَ أَنْ تَبِيعَهُ. قَبْلَ أَنْ تَقْبِضَهُ. مِنْ غَيْرِ صَاحِبِهِ الَّذِي اشْتَرَيْتَهُ مِنْهُ. إِذَا قَبَضْتَ ثَمَنَهُ. إِذَا كُنْتَ اشْتَرَيْتَهُ كَيْلاً أَوْ وَزْناً. فَإِنِ اشْتَرَيْتَهُ جِزَافاً. فَبِعْهُ مِنْ غَيْرِ الَّذِي اشْتَرَيْتَهُ مِنْهُ. الرصاص والآنك) فإنهما متشابهان (والشبه والصفر) فإنهما شديد الشبه (فإني أكره أن يؤخذ منه اثنان بواحد إلى أجل) أي نسيئة. قال الباجي(١): معنى ذلك أن المكيل والموزون مما ليس بمطعوم ولا ثمن، كالحناء والحديد وغيرهما، فإنه يجوز فيه التفاضل يداً بيد، ويحرم فيه التفاضل مع الأجل في الجنس الواحد، وإن كان الصنف يشبه الصنف الآخر وإن اختلفا في الاسم، فإني أكره أن يباع منه واحد باثنين إلى أجل، ويريد بالتشابه تقارب المنافع مع تقارب الصورة، كالآنك والرصاص، زاد ابن حبيب: والقزوير، فإنه جنس واحد في هذا الباب، وكذا الشبه والصفر والنحاس جنس واحد، والحديد لينه وذكيره جنس واحد، وإنما يختلف بالعمل، فإذا عمل الحديد سيوفاً أو سكاكين أو النحاس أواني، فإنه يصير أصنافاً باختلاف المنافع والصور، انتهى. (قال مالك: وما اشتريت من هذه الأصناف) المذكورة في القول السابق (كلها) تأكيد (فلا بأس أن تبيعه قبل أن تقبضه) أي يجوز بيعه قبل القبض (من غير) أي بيد غير (صاحبه الذي اشتريته منه) وهو البائع الأول (إذا قبضت ثمنه) من الذي يشتري منك يعني لا يجوز لك بيعه نسيئة (إذا كنت) قد (اشتريته) أولاً (كيلاً أو وزناً، فإذا) كنت قد (اشتريته) من البائع الأول (جزافاً) أي تخميناً كالصبرة (فبِغْه من غير) صاحبه (الذي اشتريته منه) أي بِعْه بيد غير البائع الأول (١) ((المنتقى)) (٣٥/٥). ٧٥ ٣٣ - كتاب البيوع (٣٢) باب (١٣٦٧) حديث بِنْقَدٍ. أَوْ إِلَى أَجَلِ. وَذُلِكَ أَنَّ ضَمَانَهُ مِنْكَ إِذَا اشْتَرَيْتَهُ جِزَافاً. وَلَا يَكُونُ ضَمَانُهُ مِنْكَ إِذَا اشْتَرَيْتَهُ وَزْناً. حَتَّى تَزِنَهُ وَتَسْتَوْفِيَهُ. وَهُذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي هُذِهِ الْأَشْياءِ كُلِّهَا. وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ أَمْرُ النَّاسِ عِنْدَنَا. قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ. مِمَّا لَا يُؤْكَلُ وَلَا يُشْرَبُ. مِثْلُ الْعُصْفُرِ وَالنَّوَى وَالْخَبَطِ وَالْكَتَم وَمَا يُشْبِهُ ذُلِكَ. أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ يُؤْخَذَ مِنْ كُلِ صِنْفٍ مِنْهُ. كيفما شئت سواء كان (بنقد أو إلى أجل) يعني إن اشتراط قبض الثمن، إنما يكون فيما اشتريته كيلاً أو وزناً، ولا يشترط النقد فيما اشتريته جزافاً . (وذلك) أي وجه الفرق بين ما اشتري كيلاً أو وزناً وبين ما اشتري جزافاً (أن ضمانه) أي المبيع يكون (منك) بنفس العقد (إذا اشتريته جزافاً) لدخوله في ملكك بنفس العقد (ولا یکون ضمانه منك إذا اشتریته وزناً حتی تزنه وتستوفیه) وتقبضه، وذلك لما تقدم أن المبيع عند مالك على ضربين: ما فيه حق توفية، كالمكيل والموزون وغيرهما، وما ليس فيه حق توفية كالمبيع جزافاً، وضمان هذا النوع الثاني يكون من المشتري بنفس العقد، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: إن ضمانه من البائع قبل قبض المشتري، وبنحو قول مالك قال أحمد (وهذا) الذي ذكر من الفرق بينهما (أحبّ ما سمعت إليّ) متعلق بأحب (في هذه الأشياء كلها) المذكورة في القول السابق (وهو الذي لم يزل عليه أمر الناس) وعملهم (عندنا) بالمدينة المنورة. (قال مالك: الأمر) المختار (عندنا فيما يكال أو يوزن) أي في المكيل والموزون (مما لا يؤكل ولا يشرب) ببناء المجهول فيهما أي مما لا يدّخر للاقتيات (مثل العصفر) بضم العين المهملة، والفاء، بينهما صاد مهملة ساكنة، صبغ (والنوى) للتمر (والخبط) بفتحتين ما يُخبط بالعصا من ورق الشجر لعلف الدواب (والكتم) بفتحتين، نبت فيه حمرة يخلط بالوسمة ويختضب به للسواد (وما يشبه ذلك أنه لا بأس بأن يؤخذ من كل صنف منه) أي مما ذكر في هذا ٧٦ ٣٣ - كتاب البيوع (٣٢) باب (١٣٦٧) حديث اثْنَانِ بِوَاحِدٍ. يَداً بِيَدٍ. وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ مِنْهُ. اثْنَانٍ بِوَاحِدٍ. إِلَى أَجَلِ فَإِنِ اخْتَلَفَ الصِّنْفَانِ. فَبَانَ اخْتِلافُهُمَا. فَلَا بَأُسَ بِأَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُمَا أَثْنَانِ بِوَاحِدٍ إِلَى أَجَلِ وَمَا اشْتُرِيَ مِنْ هُذِهِ الْأَصْنَافِ ◌َلِّها. فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُبَاعَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى. إِذَا قَبَضَ ثَمَنَهُ مِنْ غَيْرِ صَاحِبِهِ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْهُ. قَالَ مَالِكٌ: وَكُلُّ شَيْءٍ يَنْتَفِعُ بِهِ الناسُ مِنَ الْأَصْنَافِ كُلِّهَا. وَإِنْ كَانَتِ الْحَصْبَاءَ وَالْقَصَّةَ. فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمِثْلَيْهِ القول (اثنان بواحد) لعدم الادخار للقوت (يداً بيد) لاتحاد الجنس. (ولا يؤخذ من صنف منه واحد) بالجر صفة لصنف (اثنان بواحد إلى أجل) توضيح لما فهم من قوله: يداً بيد (فإن اختلف الصنفان) مما ذكر (فبان اختلافهما) بياناً واضحاً (فلا بأس بأن يؤخذ منهما) أي من البدلين (اثنان بواحد إلى أجل) أيضاً لاختلاف الجنس. (وما اشتري من هذه الأصناف كلها فلا بأس بأن يباع قبل أن يستوفى إذا قبض ثمنه) من المشتري الثاني (من غير صاحبه) متعلق بيباع أي يبيعه بيد غير (الذي اشتراه منه) وهذه المسألة نظير المسألة المتقدمة، أعادها بالأمثلة الجديدة توضيحاً . (قال مالك) ذكر ضابطةً بعد الأمثلة، فقال: (وكل شيء ينتفع به الناس) فيبيعونه ويشترونه (من الأصناف كلها) ما لم يكن مدّخراً للقوت وثمناً (وإن كانت) وصلية (الحصباء) - بالمد - صغار الحصى ينتفع بها في فرش المسجد وغيره والعمارة (والقَصَّةَ) بفتح القاف والصاد المهملة الجص على ما في النسخ المصرية(١)، وفي الهندية بدلها القصبة بالصاد المهملة، فالموحدة (فكل واحد منهما) لا يجوز بيعه (بمثليه) تثنية مثل، أي متفاضلاً لاتحاد الجنس، فإن باعه (١) انظر: ((الاستذكار)) (١٦٩/٢٠). ٧٧ ٣٣ - كتاب البيوع (٣٣) باب إِلَى أَجَلٍ. فَهُوَ رِباً. وَوَاحِدٌ مِنْهُمَا بِمِثْلِهِ. وَزِيَادَهُ شَيْءٍ مِنَ الأَشْيَاءَ إِلَى أَجَلٍّ. فَهُوَ رِباً . (٣٣) باب النهي عن بيعتين في بيعة بمثليه (إلى أجل فهو ربا و) كذلك (واحد منهما بمثله) بالإفراد (وزيادة شيء) آخر (من الأشياء إلى أجل فهو) أيضاً (رباً) لاتحاد الجنس، فإن كان نقداً يجوز لعدم الادخار للقوت. قال الباجي(١): يريد أن ما كان من جنس واحد يحرم فيه التفاضل إلى أجل، وإن كان ذلك الفضل من غير ذلك، وربما كان منفعة أو عملاً، فإنه لا يجوز ذلك فيه، انتهى. وهذا كله مبنيٌّ على أن علتي الربا عند الإمام مالك الادخار للقوت، واتحاد الجنس بالمنافع المقصودة. (٣٣) النهي عن بيعتين في بيعة بكسر الباء نظراً للهيئة، وبفتحها نظراً للمرات، كقولك: بعتك هذا الثوب نقداً بدينار ونسيئة بدينارين، وقيل: أن يبيعه شيئاً على أن يشتري منه آخر، كذا في ((المحلى)). وفي ((المنتقى))(٢): قال الفقهاء: معنى بيعتين في بيعة أن يتناول عقد البيع بيعتين على أن لا تتم منهما إلا واحدة مع لزوم العقد، فهذا هو معنى بيعتين في بيعة مثل أن يتبايعا هذا الثوب بدينار، وهذا الآخر بدينارين على أن يختار أحدهما أيّ ذلك شاء، وقد لزمهما ذلك، أو لزم أحدهما، فهذا يوصف بأنه بيعتان؛ لأنه عقد بيعة في الثوب الذي بالدينارين، وبيعة أخرى في الثوب الذي (١) ((المنتقى)) (٣٦/٥). (٢) (٣٦/٥). ٧٨ ٣٣ - كتاب البيوع (٣٣) باب بالدينار، ولم تجمعهما صفقة؛ لأنه لا يتم البيع فيهما، ويوصف بأنه في بيعة؛ لأنه إحدى البيعتين، فمثل هذا لا يجوز، سواء كان ذلك بنقد واحد أو نقدين مختلفين، خلافاً لعبد العزيز بن أبي سلمة في تجويزه ذلك بالنقد الواحد، انتھی . وحكى الزرقاني(١) عن الباجي معناه أنه يتناول عقد البيع بيعتين على أنه لا يتم منهما إلا واحدة، مع لزوم العقد، كثوب بدينار وآخر بدينارين، يختار أيهما شاء، وقد لزمهما ذلك أو لزم أحدهما، فهذا لا يجوز، كان أحدهما بنقد واحد أو بنقدين مختلفين. قال مالك: ومعنى الفساد فيه أن يقدر أنه أخذ أحدهما بدینار، ثم تركه، وأخذ الثاني بدينارين، فصار إلى أن باع ثوباً وديناراً بثوبين ودينارين، وأما إن كان بثمن واحد مثل أن يبيع أحد هذين الثوبين يختار أيهما شاء، وقد ألزمهما ذلك أو لزم أحدهما، فيجوز، انتهى. وقال الخرقي: إن قال: بعتك بكذا على أن آخذ منك الدينار بكذا لم ينعقد البيع، وكذلك إن باعه بذهب على أن يأخذ منه دراهم بصرف ذكراه، قال الموفق (٢): إن البيع بهذه الصفة باطل؛ لأنه شرط في العقد أن يصارفه بالثمن الذي وقع العقد به، والمصارفة عقد بيع، فيكون بيعتان في بيعة، قال أحمد: هذا معناه، وقد ورد النهي عنه في روايات، وهكذا كل ما كان في معنى هذا، مثل أن يقول: بعتك داري هذه على أن أبيعك داري الأخرى بكذا، أو على أن تبيعني دارك، أو على أن أوجرك، أو على تؤجرني كذا، أو على أن تزوجني ابنتك، أو على أن أزوجك ابنتي، ونحو هذا، فهذا كله لا يصح. (١) ((شرح الزرقاني (((٣١٠/٣). (٢) («المغني)» (٣٣٢/٦). ٧٩ ٣٣ - كتاب البيوع (٣٣) باب (١٣٦٨) حديث ٧٢/١٣٦٨ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ . وقال ابن مسعود: الصفقتان في صفقة رباً، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وجمهور العلماء، وجَوَّزه مالك، وقال: لا ألتفت إلى اللفظ الفاسد، إذا كان معلوماً حلالاً، فكأنه باع السلعة بالدراهم التي ذكر أنه يأخذها بالدنانیر، انتھی. قال الباجي: قال عيسى: سألت ابن القاسم عن تفسير بيعتين في بيعة، فقال: هو أكثر من أن يبلغ ذلك بتفسير، وأصل يبنى عليه ومما يعرف به مكروههما أن يتبايعا بأمرين، إن فسخت أحدهما في الآخر كان حراماً، وإن فسخت أحدهما في الآخر كان غرراً، انتهى. ٧٢/١٣٦٨ - (مالك أنه بلغه أن رسول الله وَ لي) وصله الترمذي(١)، وقال: حسن صحيح، والنسائي(٢) عن أبي هريرة، قال ابن رشد (٣): روي من حديث ابن عمر وابن مسعود، وأبي هريرة. قال أبو عمر(٤): وكلها من نقل العدول، انتهى (نهى عن بيعتين في بيعة) قال الزرقاني(6): بفتح الموحدة، كما ضبطه غير واحد، وظاهره أنه الرواية، ويجوز كسرها على إرادة الهيئة، وقيل: إنه الأحسن، انتهى. وقال الباجي: محمول على ظاهره من التحريم، انتھی . قلت: وقد ورد بلفظ ((نهى عن صفقتين في صفقة)) رواه أحمد والعقيلي (١) ((سنن الترمذي)) (٥٣٣/٣). (٢) ((سنن النسائي)) (٤٦٣٢). (٣) ((بداية المجتهد)) (١٥٣/٢). (٤) انظر: ((الاستذكار)) (١٧١/٢٠). (٥) ((شرح الزرقاني)) (٣١١/٣). ٨٠