Indexed OCR Text

Pages 41-60

٣٣ - كتاب البيوع
(٢٧) باب
في ظاهر قول أصحابنا، وهو قول عامة الفقهاء، انتهى.
وفي ((المحلى)): قال أبو حنيفة وأبو يوسف: يجوز بيع اللحم بالحيوان؛
لأن الحيوان ليس من مال الربا، وهو بيع موزون بغير موزون، واختار المزني
بحديث لم يثبت عندهم، وقال محمد: إذا باعه بلحم من جنسه لا يجوز إلا إذا
كان اللحم أكثر، فيكون الزائد في مقابلة السقط.
قال محمد في ((موطئه))(١) بعد ما روى حديث الباب عن ابن المسيب:
وبهذا نأخذ من باع لحماً من لحم الغنم بشاة حية، لا يُدرى اللحم أكثر أو ما
في الشاة، فالبيع فاسد، وهذا مثل المزابنة، وأجاب الحنفية عن الحديث، بأن
المراد بالنهي ما إذا كان أحدهما نسيئة؛ لأن المتأخر منهما لا يمكن ضبطه،
انتھی.
قال الباجي(٢): الحيوان على ثلاثة أجناس: ذوات الأربع التي هي مباحة
الأكل كلها جنس، والطير كله جنس، والحيتان كلها جنسٌ، وأما الجراد فروي
عن مالك أنها جنسٌ رابعٌ، روى ذلك عنه الشيخ أبو القاسم، وروي عنه في
((المدونة)) أنه قال: ليست بلحم، وإنما يمنع بيع اللحم بالحيوان من جنسه، فلا
يجوز بيع لحم ضأن بشيء من الحيوان ذوات الأربع وحشيها وإنسيها، ويجوز
بيع لحم ذوات الأربع بحي الطير، قال ابن القاسم: ولم أر عند مالك تفسير
حديث النبي ◌َ # في اللحم بالحيوان إلا من صنف واحد لموضع المزابنة.
وذهب الشافعي إلى أنه لا يجوز بيع لحم الحيوان من جنسه ولا من غير
جنسه من الطير وذوات الأربع، والدليل على ما نقوله أن ما يجري فيه الربا
يعتبر فيه الجنس، كالحبوب والثمار، وهذا كله فيما كان أكله مباحاً، وأما ما
(١) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٢٢٧/٣).
(٢) ((المنتقى)) (٢٥/٥).
٤١

٣٣ - كتاب البيوع
(٢٧) باب
(١٣٦٠ - ١٣٦١) حديث
٦٤/١٣٦٠ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ،
عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَيَوانِ
بِاللَّحْم.
٦٥/١٣٦١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْن؛ أَنَّهُ
سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ: مِنْ مَيْسِرٍ
حرم أكله فلا يمنع من ذلك؛ لأنه ليس مما يحل أكله، فيقال: إن فيه من جنس
هذا اللحم، انتهى.
٦٤/١٣٦٠ - (مالك عن زيد بن أسلم عن سعيد بن المسيب) مرسلاً (أن
رسول الله (صَلّ نهى عن بيع الحيوان باللحم) قال الزرقاني(١): نهي تحريم
للتفاضل في الجنس الواحد، فهو من المزابنة إذ لا يدرى، هل في الحيوان
مثل اللحم الذي أعطاه أو أقل أو أكثر؟ قال ابن عبد البر: لا أعلمه يتصل من
وجه ثابت، وأحسن أسانيده مرسل سعيد هذا، ولا خلاف عن مالك في
إرساله، ورواه يزيد بن مروان عن مالك عن ابن شهاب عن سهل بن سعد،
وهذا إسناد موضوع لا يصح عن مالك، ولا أصل له في حديثه، ورواه أبو
داود في ((المراسيل)) عن القعنبي عن مالك به مرسلاً، وصححه الحاكم، وله
شاهد، أخرجه البزار من حديث ابن عمر، انتهى.
وفي ((المحلى)) بعد أثر الباب: وعند عبد الرزاق بلفظ ((نهى عن بيع
اللحم بالشاة وهي حية))، وقال الزيلعي(٢): وفي لفظ: ((نهى عن بيع الحي
بالميت))، انتهى.
٦٥/١٣٦١ - (مالك عن داود بن الحصين) بمهملتين مصغراً (أنه سمع
سعيد بن المسيب يقول: من ميسر) أي من قمار مصدر ميمي، كالموعد،
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٠٣/٣).
(٢) ((نصب الراية)) (٣٩/٤).
٤٢

٣٣ - كتاب البيوع
(٢٧) باب
(١٣٦٢) حديث
أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، بَيْعُ الْحَيَوانِ باللَّحْمِ، بِالشَّاةِ وَالشَّاتَيْنِ.
٦٦/١٣٦٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: نُهِيَ عَنْ بَيْعِ الْحَيَوانِ باللَّحْمِ.
قَالَ أَبُو الزِّنَادِ: فَقُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَرَأَيْتَ رَجُلاً اشْتَرَى
شَارِفاً بِعَشَرَةِ شِيَاءٍ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ: إِنْ كانَ اشْتَرَاهَا لِيَنْحَرَهَا، فَلَا خَيْرَ
فِي ذَلِكَ.
مأخوذ من اليسر؛ لأن فيه أخذ المال بُيُسر من غير كد وتعب، أو من اليسار؛
لأنه سبب له (أهل الجاهلية) يعني أنهم كانوا يعاملون بهذا البيع (بيع اللحم
بالشاة والشاتين) هكذا في النسخ الهندية، يعني يبيعون اللحم بالشاة والشاتين،
وفي النسخ المصرية: بيع الحيوان باللحم، بالشاة والشاتين، يعني أنهم كانوا
يفعلون ذلك الأمر بالشاة والشاتين.
قال أبو عمر (١): هذا من القمار والمزابنة، لقوله: ميسر، قال إسماعيل:
إنما دخل ذلك في المزابنة؛ لأنه لو ضمن له من جزوره أو شاته المعينة
أرطالاً، فما زاد فله، وما نقص فعليه كان هو المزابنة، فلما منع ذلك لم يجز
اشتراء الجزور ولا الشاة بلحم؛ لأنه يصير إلى ذلك المعنى، انتهى.
٦٦/١٣٦٢ - (مالك عن أبي الزناد) بالزاي عبد الله بن ذكوان (عن
سعيد بن المسيب أنه كان يقول: نُهِي) ببناء المجهول (عن بيع الحيوان باللحم،
قال أبو الزناد: فقلت لسعيد بن المسيب: أرأيت) بهمزة الاستفهام، أي أخبرني
(رجلاً اشترى شارفاً) بشين معجمة وراء، المسنة من النوق (بعشر شياه) أي
بعوضها (فقال سعيد: إن كان اشتراها) أي الشارف المسنة (لينحرها فلا خير في
ذلك) البيع إذ كأنه اشترى لحماً بحيّ، فإن لم يُرِدْ أن ينحرها جاز؛ لأن الظاهر
أنه اشترى حيواناً بحيوان، فوكل إلى نيته وأمانته، قاله إسماعيل القاضي.
(١) انظر: ((الاستذكار)) (١٠٦/٢٠).
٤٣

٣٣ - كتاب البيوع
(٢٨) باب
(١٣٦٣) حديث
قَالَ أَبُو الزّنَادِ: وَكُلُّ مَنْ أَدْرَكْتُ مِنَ النَّاسِ يَنْهَوْنَ عَنْ بَيْعِ
الْحَيَوانِ بِاللَّحْم.
قَالَ أَبُو الزّنَادِ: وَكَانَ ذُلِكَ يُكْتَبُ فِي عُهُودِ الْعُمَّالِ. فِي زَمَانِ
أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، وَهِشَام بْنِ إِسْمَاعِيلَ. يَنْهَوْنَ عَنْ ذُلِكَ.
(٢٨) باب بيع اللحم باللحم
٦٧/١٣٦٣ - قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي لَحْم
الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَم وَمَا أَشْبَهَ ذُلِكَ مِنَ الْوُحُوشِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَى بَعْضُهً
بِنَعْضٍ.
(قال أبو الزناد: وكلُّ من أدركت من أهل العلم) وفي النسخ المصرية
محله ((من الناس))، والمراد منه أيضاً العلماء كانوا (ينهون عن بيع الحيوان
باللحم قال أبو الزناد: وكان) ذلك النهي (يكتب) ببناء المجهول (في عهود
العُمَّال) جمع عامل، أي في دفتر أحكامهم المتعلقة بهم (في زمان) أي في
زمان إمارة (أبان بن عثمان) بن عفان، قال صاحب ((التعليق الممجد))(١): هو
زمان عبد الملك بن مروان (وهشام بن إسماعيل) المخزومي، عامل مدينة
لعبد الملك بن مروان (ينهون) ببناء المعلوم، أي العمال أو ببناء المجهول أي
الناس (عن ذلك) البيع، يدل ذلك على شهرة ذلك بالمدينة المنورة.
(٢٨) بيع اللحم باللحم
٦٧/١٣٦٣ - (قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا) بالمدينة المنورة (في
لحم الإبل والبقر والغنم) وغير ذلك من ذوات الأربع (وما أشبه ذلك من الوحوش)
جمع وحش، كالظباء والمها(٢) (أنه لا يشترى) ببناء المجهول (بعضه ببعض)
(١) (٢٢٦/٣).
(٢) المَهَا واحدها المَهَاة: البقرة الوحشية.
٤٤

٣٣ - كتاب البيوع
(٢٨) باب
(١٣٦٣) حديث
إِلَّا مِثْلاً بِمِثْلِ وَزْناً بوَزْنٍ. يَداً بِدٍ.
لدخولها في أحكام الربا (إلا مثلاً بمثل وزناً بوزن) جمع بينهما للتأكيد (يداً بيد)
أي مناجزة.
قال الباجي(١): وهذا كما قال: إن لحم ذوات الأربع جنس يحرم فيه
التفاضل، ولحم الطير جنس آخر يحرم فيه التفاضل، ويجوز التفاضل بينه وبين
لحم ذوات الأربع، ولحم الحيتان جنس ثالثٌ يحرم فيه التفاضلُ، ويجوز
التفاضلُ بينه وبين الجنسين الأولين، وأما الجراد، فروي عن مالك أنها جنس
رابع، وروى ذلك عنه الشيخ أبو القاسم، وروي عنه في ((المدونة)) أنه قال:
ليست بلحم، وقد روي في ((المختصر)) عن أشهب: لا بأس بالجراد متفاضلاً،
فأخرجه بذلك عن أن يكون مُقتاتاً أو مدّخراً، وإذا جاز التفاضل فيه، فأن
یجوز بینه وبین غیرہ أولی.
واختلف قول الشافعي، فمرةً قال: کل جنس من الحیوان بلحمه جنس
مخصوص، يجوز التفاضل فيه بينه وبين لحم غيره من الحيوان، وهو قول أبي
حنيفة، غير أن أبا حنيفة جعل البخت والعراب جنساً واحداً، والبقر
والجواميس جنساً واحداً، والماعز والضأن جنساً واحداً، وقال الشافعي أيضاً:
إن اللحوم كلها جنس واحد، لحوم ذوات الأربع والطير والحيتان، والدليل
على ما نقوله مراعاة المنافع والأغراض، وإذا كان وجه استعماله مخالفاً لوجه
استعمال لحم الوحش، وجب أن یکونا جنسین کلحم الحيتان، انتهى.
وقال ابن رشد (٢): قال مالك: اللحوم ثلاثة أصناف، لحم ذوات الأربع
وذوات الماء والطيور، فهذه الأصناف مختلفة، يجوز فيها التفاضل، وقال أبو
حنيفة: كل واحد من هذه أنواع كثيرة، والتفاضل فيها جائز إلا في النوع
(١) ((المنتقى)) (٢٦/٥).
(٢) (بداية المجتهد)) (١٣٦/٢).
٤٥

٣٣ - كتاب البيوع
(٢٨) باب
(١٣٦٣) حديث
الواحد بعينه، وللشافعي قولان: أحدهما: مثل قول أبي حنيفة، والثاني: أن
جميع اللحوم صنف واحد، فلا يجوز بيع لحم الطير بلحم الغنم متفاضلاً،
وعمدته قوله : ((الطعام بالطعام)) فإذا فارقت الحياة زالت الصفات التي
كانت بها تختلف، ويتناولها اسم اللحم تناولاً واحداً.
وعمدة المالكية أن هذه أجناس مختلفة، فوجب أن يكون لحمها مختلفاً،
والحنفية تعتبر الاختلاف في الجنس الواحد من هذه، وتقول: إن الاختلاف
الذي بين الأنواع التي في الحيوان، أعني في الجنس الواحد منه، كأنك قلت:
الطائر هو وزان الاختلاف الذي بين التمر والبر والشعير، والحنفية أقوى من
جهة المعنى؛ لأن تحريم التفاضل إنما هو عند اتفاق المنفعة، انتهى.
وقال الخرقي: سائر اللُّحمان جنسٌ واحدٌ، لا يجوز بيع بعضه ببعض
رطباً، ويجوز إذا تناهى جفافه مثلاً بمثل، قال الموفق(١): ظاهر كلام الخرقي
أن اللحم كله جنس واحد، ذكره ابن عقيل رواية عن أحمد، وهو قول أبي ثور
وأحد قولي الشافعي، وأنكر القاضي أبو يعلى كون هذا رواية عن أحمد،
وقال: الأنعام والوحوش والطير ودوابّ الماء أجناسٌ، يجوز التفاضل فيها
رواية واحدة.
وإنما في اللحم روايتان، إحداهما: أنه أربعة أجناس، كما ذكرنا، وهو
مذهب مالك، إلا أنه يجعل الأنعام والوحش جنساً واحداً، فيكون عنده ثلاثة
أصناف، والثانية: أنه أجناس باختلاف أصوله، وهو قول أبي حنيفة وأحد
قولي الشافعي، وهي أصح؛ لأنها فروع أصول هي أجناسٌ، فكانت أجناساً
كالأَّدِقَّة.
واختار القاضي أنها أربعة أجناس، واحتج بأن لحم هذه الحيوانات
(١) ((المغني)) (٨٤/٦).
٤٦

٣٣ - كتاب البيوع
(٢٨) باب
(١٣٦٣) حديث
وَلَا بَأْسَ بِهِ. وَإِنْ لَمْ يُوزَنْ إِذَا تَحَرَّى أَنْ يَكُونَ مِثْلاً بِمِثْلٍ. يَداً بِيَدٍ.
تختلف المنفعة بها والقصدُ إلى أكلها، فكانت أجناساً، وهذا ضعيف جداً؛
لأن كونها أجناساً لا يوجب حصرها في أربعة أجناس، ولا نظير لهذا، فيقاس
عليه، وقد صرح الخرقي في الأيمان، بأنه إذا حلف لا يأكل لحماً، فأكل من
لحم الأنعام أو الطائر أو السمك حنث، على أن جميع اللحم جنس؛ لأنه
اشترك في الاسم.
والصحيح أنه أجناس باختلاف أصوله، فلحم الإبل كله صنف بخاتيها
وعرابها، والبقر عرابها، وجواميسها صنف، والغنم ضأنها، ومعزها صنف،
ويحتمل أن يكونا صنفين؛ لأن الله تعالى سماها في الأزواج الثمانية، فقال:
﴿ثَمَنِيَذَ أَزْوَجْ مِّنَ الضَّأْنِ أَثْنَْ وَمِنَ الْمَعْزِ أَثْنَبْنَ﴾(١).
والوحش أصناف، بقرها صنف، وغنمها صنف، وظباؤها صنف، وكل
ماله اسم يخصُّه، فهو صنف، والطيور أصناف، كل ما انفرد باسم وصفة فهو
صنف، فيباع لحم صنف بلحم صنف آخر متفاضلاً ومتماثلاً، انتهى مختصراً.
وفي ((الدر المختار)) (٢): جاز بيع لحوم مختلفة بعضها ببعض متفاضلاً يداً
بيد، قال ابن عابدين: أي مختلفة الجنس كلحم الإبل والبقر والغنم؛ بخلاف البقر
والجاموس والمعز والضأن؛ ولا يحل النسأ لوجود القدر؛ قال: فلو اتحد لم يجز
متفاضلاً إلا في لحم الطير؛ لأنه لا يوزن عادة؛ حتى لو وزن لم يجز، انتهى. (ولا
بأس به) أي يجوز (وإن لم يوزن) وصلية (إذا تحری) وتحقق بالتحري (أن يكون مثلاً
بمثل يداً بيد) وهذا مبني على جواز التحري في الموزون.
واختلف قول مالك في ذلك، قال الباجي(٣): واعتبار التماثل في اللحم
وكل موزون من الخبز، وهل يجوز ذلك بالتحري؟ روى ابن القاسم عن مالك
(١) سورة الأنعام: الآية ١٤٤.
(٢) (٣٠٨/٥).
(٣) ((المنتقى)) (٢٧/٥).
٤٧

٣٣ - كتاب البيوع
(٢٨) باب
(١٣٦٣) حديث
في ((العتبية)) وغيرها: أن الخبز واللحم والبيض يجوز بيع بعضه ببعض تحرياً
دون كيل ولا وزن، ولم يجز أبو حنيفة والشافعي التحري في ذلك، والدليل
على صحة ما نقوله أن هذا مما تدعو الحاجة إلى قسمته ومبادلته في السفر دون
الحضر، وحيث لا توجد الموازين، فجاز ذلك لضرورة عدمها مع الوصول
بذلك إلى التماثل، قال القاضي أبو محمد من أصحابنا: من أجازه على
الإطلاق، ومنهم من أجازه بشرط تعذر الموازين، كالبوادي والأسفار، وقال
الشافعي وأبو حنيفة: لا يجوز بوجه، وهذا في الموزون دون المكيل
والمعدود، انتهى.
وقال أيضاً في موضع آخر: وقد اختلف قول مالك في إجازة التحري
فيما يحرم فيه التفاضل، فأجازه في البيض بالبيض، والخبز بالخبز، واللحم
باللحم، وأجازه مع القول بإباحته في القديد باللحم الطري مرة، ومنعه
أخرى، وروي في ((الواضحة)) أنه قال: وما لا يجوز فيه التفاضل من الطعام
والإدام لا يجوز قسمته تحرياً، وكذلك السمن والزيت والعسل لا يجوز إلا
كيلاً أو وزناً.
واختلف أصحابنا في تأويل ذلك، فمنهم من قال: إن ذلك على إحدى
الروايتين على الإطلاق، ومنهم من قال: إن ذلك لاختلاف حالين، فيجوز مع
تعذر الموازين ويمنع مع وجودها، ومنع ذلك أبو حنفية والشافعي بكل حال.
فإن قلنا: يجوز ذلك، ففي أيّ شيء يجوز؟ المشهور عن مالك أنه يجوز
في الموزون دون المكيل والمعدود، وهذا عندي مبنيٌ على قول من قال: إن
ذلك ممنوع إلا في الأسفار، وحيث تعدم الموازين، وأما على قول من حمل
ذلك على الإطلاق مع القدرة على الموازين، وهو الأظهر لتجويزه السلم في
اللحم بالتحري، فإنه يجب أن يجوز ذلك في المكيل، ووجه ذلك أن الكيل
يعدم، كما يعدم الميزان، والقبضة ليست بمقدار صحيح؛ لأنه لا يتأتى فيها
٤٨

٣٣ - كتاب البيوع
(٢٨) باب
(١٣٦٣) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَلَا بَأْسَ بِلَحْم الْحِيتَانِ، بِلَحْم الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ
وَالْغَنَمِ، وَمَا أَشْبَهَ ذُلِكَ مِنَ الْوُحُوشَِ كُلِّهَا. اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ، وَأَكْثَرَ مِنْ
ذُلِكَ.َ يَداً بِيَدٍ. فَإِنْ دَخَلَ، ذُلِكَ، الْأَجَلُ، فَلَا خَيْرَ فِيهِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَأَرَى لُحُومَ الطَّيْرِ كُلَّهَا مُخَالِفَةً لِلُحُومِ الْأَنْعَامِ
وَالْحِيتَانِ. فَلَا أَرَى بَأْساً بِأَنْ يُشْتَرَى بَعْضُ ذُلِكَ بِبَعْضٍ. مُتَفَاضِلاً.
يَدَاً بِيَدٍ. وَلَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِنْ ذُلِكَ، إِلَى أَجَلٍ .
لتعذر بقائها على شكل واحد من القبض والبسط، بخلاف المكيل المعتاد،
انتهى مختصراً.
(قال مالك: ولا بأس بلحم الحيتان) جمع حوت (بلحم الإبل والبقر
والغنم وما أشبه ذلك) المذكور من ذوات الأربع (من الوحوش) بيان لما، جمع
وحش (كلها) تأكيد، فيجوز بيع (اثنين) منها (بواحد أو أكثر من ذلك) وذلك
لما تقدم قريباً أن لحم الحيتان صنف، ولحم ذوات الأربع صنف، فإذا اختلف
الصنفان فيجوز التفاضل بينهما (يداً بيد) شرط للجواز (فإن دخل في ذلك) البيع
(الأجل) أي النسيئة فاعل دخل (فلا خير في ذلك) أي لا يجوز لوجود علة ربا
النسأ .
(قال مالك: وأرى لحوم الطير كلها مخالفة للحوم الأنعام) أي ذوات
الأربع (و) لحوم (الحيتان) لأن أصناف اللحوم ثلاثة (فلا أرى بأساً بأن يشترى
بعض ذلك ببعض متفاضلاً) لاختلاف الأصناف (يداً بيد، ولا يباع شيء من
ذلك) المذكور (إلى أجل) أي نسيئة لوجود علة الربا، وهي الادخار
والاقتيات.
قال الباجي(١): ولحم الحيتان، وإن كان من غير جنس ذوات الأربع،
ويجوز بينهما التفاضل، فإنه لا يجوز بينهما الأجل، خلافاً لأبي حنيفة،
(١) ((المنتقى)) (٢٨/٥).
٤٩

٣٣ - كتاب البيوع
(٢٩) باب
(١٣٦٤) حديث
(٢٩) باب ما جاء في ثمن الكلب
٦٨/١٣٦٤ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ
الْأَنْصَارِيِّ؛
والدليل على ما نقوله أن كل شيئين جمعتهما علة واحدة في الربا، فإنه لا
يجوز بيع أحدهما بالآخر نسأ كالذهب والورق، انتهى.
قلت: ما حكى من خلاف الحنفية ليس بوجيه، فإن صاحب ((الدر
المختار)) قيد جواز بيع اللحوم المختلفة بقوله: يداً بيد، قال ابن عابدين: فلا
يحل النَّسأ لوجود القدر، وحكي عن القهستاني لا بأس بلحوم الطير واحداً
باثنین يداً بيد.
(٢٩) ما جاء في ثمن الكلب
يعني هل يجوز بيعه وأخذ ثمنه أم لا؟ وعلم من الرواية عدم الجواز.
٦٨/١٣٦٤ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن أبي بكر بن
عبد الرحمن بن الحارث بن هشام) المخزومي أحد الفقهاء السبعة (وعن أبي
مسعود) عقبة بن عمرو (الأنصاري) المعروف بالبدري، هكذا في النسخ الهندية
بالواو، وليست الواو في النسخ المصرية، وهو وإن كان غلطاً في نفسه، لكن
لا بد منه في نسخة يحيى، لما قال ابن عبد البر(١): وقع في نسخة يحيى،
وعن أبي مسعود بالواو، وهو وهم بَيِّنٌّ، وغلط واضحٌ، لا يُعَرَّجُ على مثله،
ولا يُلتفت إليه؛ لأنه من خطأ اليد وسوء النقل، والحديث محفوظ في جميع
((الموطآت))، ورواة ابن شهاب كلهم لأبي بكر عن أبي مسعود، أما لابن
شهاب عن أبي مسعود فلا، انتهى.
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٠٥/٣).
١٠

٣٣ - كتاب البيوع
(٢٩) باب
(١٣٦٤) حديث
أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ.
(أن رسول الله ( 18) وحديث أبي مسعود هذا أخرجه الشيخان وأصحاب
السنن (نهى عن ثمن الكلب) المنهي عن اتخاذه اتفاقاً لورود النهي عنه وعن
بيعه والأمر بقتله، ومن لا ثمن له، لا قيمة له إذا قتل، والمأذون في اتخاذه،
ككلب الصيد والحراسة على المشهور للحديث، ولأن إباحة المنفعة لا تبيح
البيع كأم الولد ينتفع بها، ولا تباع، وعلة المنع عند من قال بنجاسته كالشافعي
نجاسته، فلا يباع مطلقاً، كما لا تباع العذرة.
وروي عن مالك، وبه قال سحنون وأبو حنيفة وصاحباه يجوز بيع
الكلاب التي ينتفع بها؛ لأنه حيوان منتفعٌ به حراسة واصطياداً، حتى قال
سحنون: أبيعه وأحج بثمنه.
وحملوا هذا الحديث على غير المأذون في اتخاذه، لحديث النسائي عن
جابر: ((نهى ◌َّل عن ثمن الكلب إلا كلب صيد))، لكنه حديث ضعيف باتفاق
المحدثين، قاله الزرقاني.
وقال الباجي(١): نهيه وَ ل عن ثمن الكلب يحتمل أن يريد به ثمن الكلب
المنهي عن اتخاذه، وأما الكلب المباح اتخاذه، وهو كلب الماشية والحرث
والصيد، فاختلف فيه قول مالك فيتأول بعض أصحابه أنه يجوز بيعه، وروى
عنه ابن القاسم أنه كره بيعه، وهي رواية ((الموطأ))، وجه القول الأول ما روي
أن رسول الله وَالر قال: ((من اقتنى كلباً فإنه ينتقص من عمله كل يوم قيراط، إلا
كلب غنم أو حرث أو صيد)) فأباح اتخاذ ما استثنى منها، وإذا أباح اتخاذه جاز
بيعه، كسائر الحيوانات، ووجه الرواية الثانية عموم حديث الباب.
قال الموفق(٢): لا يختلف المذهب في أن بيع الكلب باطل أيّ كلب
(١) ((المنتقى)) (٢٨/٥).
(٢) («المغني)) (٣٥٢/٦).
٥١

٣٣ - كتاب البيوع
(٢٩) باب
(١٣٦٤) حديث
كان، وبه قال الحسن، وربيعةٌ، وحماد، والأوزاعي، والشافعي، وداود،
ورخّص في ثمن كلب الصيد خاصة جابر بن عبد الله وعطاء والنخعي، وجَوَّز
أبو حنيفة بيعَ الكلاب كلها وأَخذَ أثمانها، وعنه رواية في الكلب العقور أنه لا
يجوز بيعه، واختلف أصحاب مالك، فمنهم من قال: لا يجوزُ، ومنهم من
قال: الكلب المأذون في إمساكه يجوز بيعه، ويُكره، واحتجّ من أجاز بيعَه
بحديث جابر.
ولنا حديث أبي مسعود هذا، وأما حديثهم فقال أحمد: هذا من
الحسن بن أبي جعفر، وهو ضعيف، وقال الدارقطني: الصحيح أنه موقوف
على جابر، وقال الترمذي: لا يصح إسناد هذا الحديث، وقد روي عن أبي
هريرة، ولا يصحّ أيضاً، انتهى.
وفي ((المحلى)): قال أبو حنيفة وصاحباه وسحنون من المالكية: الكلاب
التي ينتفع بها يجوز بيعها وأثمانها؛ لأنه حيوان منتفع به حراسةً واصطياداً
الرواية الترمذي عن أبي هريرة، وقد رُوِي أيضاً عن جابر مرفوعاً عند النسائي،
قال الترمذي: لا يصح إسناده، لكن روى أبو حنيفة في ((مسنده)) عن الهيثم عن
عكرمة عن ابن عباس، قال: رخّص رسول الله وَلّ في ثمن كلب الصيد، وهذا
سند جيد، فإن الهيثم ذكره ابن حبان في الثقات من أثبات التابعين.
قال ابن الهمام(١): فهذا الحديث يصلح مخصصاً على رأيهم، وتعليل
إخراج كلب الصيد ظاهر أنه لكونه منتفعاً به، فصار المنتفع به مطلقاً
مخصصاً، وبقي العقور على المنع، ومن مشى من أهل المذهب على التعميم
في الجواز يقول: كل كلب يتأتى منه الحراسة فيجوز بيعه، ويرد عليه أنه نسخ
لموجب العام بالتعليل، بأن لا يبقى منه فرد ولا نسخ بالقياس، انتهى.
(١) ((فتح القدير)) (٢٤٦/٦).
٥٢

٣٣ - كتاب البيوع
(٢٩) باب
(١٣٦٤) حديث
وَمَهْرِ الْبَغِيِّ. وَحُلْوَانِ الْكَاهِن.
أخرجه البخاريّ في: ٣٤ - كتاب البيوع، ١١٣ - باب ثمن الكلب. ومسلم
في: ٢٢ - كتاب المساقاة، ٩ - باب تحريم ثمن الكلب وحلوان الكاهن ومهر البغيّ،
حدیث ٣٩.
يَعْنِي بِمَهْرِ الْبَغِيِّ مَا تُعْطَاهُ الْمَرْأَةُ عَلَى الزِّنَا. وَحُلْوَانُ الْكَاهِنِ
رِشْوَتُهُ، وَمَا يُعْطَى عَلَى أَنْ يَتَكَهَّنَ.
وفي ((الهداية))(١): يجوز بيع الكلب المعلم وغير المعلم في ذلك سواء،
والحديث محمول على الابتداء قلعاً لهم عن الاقتناء، انتهى. (ومهر البغي)
بفتح الموحدة، وكسر المعجمة، وشد التحتية، فعيل بمعنى فاعل، يستوي فيه
المذكر والمؤنث (وحلوان الكاهن) بضم الحاء المهملة وسكون اللام مصدر
حلوته إذا أعطيته، إلى ههنا الحديث المرفوع.
وفسره الإمام مالك بقوله: (يعني) وَ﴾ (بمهر البغي ما تعطى) ببناء
المجهول، وفي النسخ المصرية ((ما تعطاه)) بذكر ضمير المفعول الراجع إلى
الموصول (المرأة) نائب الفاعل (على الزنا) قال الزرقاني: هو حرام إجماعاً،
وسمي مهراً لشبهه بالمهر في الصورة، قال الموفق(٢): ما منفعته محرَّمةٌ، كالزنا
والزمر والنوح والغناء، فلا يجوز الاستئجار لفعله، وبه قال مالك والشافعي
وأبو حنيفة وصاحباه وأبو ثور، وكره ذلك الشعبي والنخعي، انتهى.
(وحلوان الكاهن رشوته) بكسر الراء وفتحها وضمها (و) هي (ما يعطى
على أن يتكهّن) قال أبو عبيد: أصله من الحلاوة شبّه ما يعطى الكاهن بشيء
حلو لأخذه إياه سهلاً دون كلفة، يقال: حلوت الرجل إذا أطعمته الحلو،
وحكى ابن عبد البر وغيره الإجماع على حرمة ما يأخذه الكاهن؛ لأنه باطل
کذب کله.
(١) (٧٧/٢).
(٢) («المغني)) (١٣١/٨).
٥٣

٣٣ - كتاب البيوع
(٢٩) باب
(١٣٦٤) حديث
قَالَ مَالِكٌ: أَكْرَهُ ثَمَنَ الْكَلْبِ الضَّارِي وَغَيْرِ الضَّارِي. لِنَّهْي
رَسُولِ اللَّهِ وَ لَ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ.
قال الخطابي: الكاهن الذي يدّعي مطالعة علم الغيب، ويخبر الناس عن
الكوائن، وكان في الجاهلية كهنة يدّعون معرفة كثير من الأمور، فمنهم من
يزعم أن له تابعاً من الجن يلقي إليه الأخبار، ومنهم من يدّعي أنه يدرك الأمور
بفهم أعطيه، ومنهم من يسمى عَرَّافاً، وهو من يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات
يستدل بها على مواضعها، كالشيء يسرق، فيعرف المظنون به السرقة، والمرأة
تتهم، فيعرف من صاحبها، ونحو ذلك، ومنهم من يسمي المنجم كاهناً،
والحديث شامل لهؤلاء كلهم، قاله الزرقاني(١).
قال الباجي(٢): هو أكل المال بالباطل؛ لأن التكهن محرم، وما حرم في
نفسه حرم عوضه، كالخمر والخنزير، انتهى.
(قال مالك: أكره ثمن الكلب الضاري) أي المجترئ المولع بالصيد من
ضري الكلب وأضريته عودته وأغريته به، وجمعه ضوار، والمواشي الضارية
المعتادة لرعي زروع الناس، ضري به ضریً وضراوة فهو ضارٍ إذا اعتاده (وغير
الضاري لنهي رسول الله وَلّ عن ثمن الكلب) بالإطلاق، فشملهما .
قال الزرقاني(٣): اختلف في أن الكراهة على بابها، ويؤيده رواية ابن
نافع عنه لا بأس ببيعه في الميراث والمغانم والدين، أو على التحريم، وهو
المشهور عن مالك المعتمد في مذهبه، خلافاً لتشهير بعضهم كالقرطبي
الكراهة، وقال الباجي(٤): أما الكلب المباح، فاختلف فيه قول مالك، فيتأول
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٠٥/٣).
(٢) ((المنتقى)) (٢٨/٥).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٣٠٥/٣).
(٤) ((المنتقى)) (٢٨/٥).
٥٤

٣٣ - كتاب البيوع
(٣٠) باب
(٣٠) باب السلف وبيع العروض بعضها ببعض
بعض أصحابه أنه يجوز بيعه، وروى عنه ابن القاسم أنه كره بيعه، وهي رواية
((الموطأ)).
فإذا قلنا بالمنع من بيع الكلب الضاري، فقد قال القاضي أبو محمد: إن
أصحابنا اختلفوا في ذلك، فمنهم من قال: هذا مكروه، ويصح، ومنهم من
قال: لا يجوز، وبه قال الشافعي، فمن قتله على الوجهين، فعليه لصاحبه
قيمته عند مالك، وقال الشافعي: لا قيمة عليه، والدليل على ما نقوله أن هذا
حيوان أبيح الانتفاع به، فإذا لم يجز بيعه كان على مستهلكه قيمته، كأم الولد،
انتھی .
وقال الزرقاني: لا خلاف عن مالك أن من قتل كلبَ صيدٍ أو ماشيةٍ أو
زرع فعليه قيمته، ومن قتل ما لم يؤذن فيه لا شيء عليه، وأسقطها الشافعي
وأحمد فيهما، وأوجبها أبو حنيفة فيهما، انتهى.
وقال الخرقي: من قتله وهو معلم فقد أساء ولا غرم عليه، قال
الموفق(١): أما قتل المعلّم فحرامٌ، وقاتله مسيءٌ ظالم، وكذلك کلُّ کلبٍ
مباح إمساكه؛ لأنه محل منتفع به يباح اقتناؤه، ولا نعلم في هذا خلافاً، ولا
غرماً على قاتله، وبهذا قال الشافعي، وقال مالك وعطاء: عليه الغرم،
انتھی .
(٣٠) السلف وبيع العروض بعضها ببعض
قال صاحب ((المحلى)): المراد بالسلف ههنا جعل القرض شرطاً في
البيع، انتهى. والمراد بالعرض غير الثمن يعني لم يكن الثمن فيه، بل يكون
المبيع في كلتا الجهتين.
(١) ((المغني)) (٣٥٥/٦).
٥٥

٣٣ - كتاب البيوع
(٣٠) باب
(١٣٦٥) حديث
٦٩/١٣٦٥ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ مَ ﴿ نَهَى عَنْ بَيْعِ وَسَلَفٍ.
قَالَ مَالِكٌ: وَتَفْسِيرُ ذُلِكَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ:
٦٩/١٣٦٥ - (مالك أنه بلغه أن رسول الله وَ لقول نهى عن بيع وسلفٍ) سيأتي
تفسيره، وقد وصله أبو داود والترمذي(١)، وقال: حسن صحيح، والنسائي من
طريق أيوب السختياني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ورواه الطبراني
في ((الكبير)) من حديث حكيم بن حزام بزيادة ((وشرطين في بيع، وبيع ما ليس
عندك وربح ما لم تضمن)).
وفي ((المحلى)): قال محمد: نا أبو حنيفة ثنا يحيى بن عامر عن رجل
عن عتاب بن أسيد عنه وَلير أنه قال له: ((انطلق إلى أهل مكة، فانههم عن
أربع: عن بيع ما لم يقبضوا، وعن ربح ما لم يضمنوا، وعن شرطين في بيع،
وعن سلف وبيع)) قال محمد: وبهذا كله نأخذ، فأما قوله: سلف وبيع،
فالرجل يقول لآخر: أبيعك عبدي هذا بكذا على أن تقرضني كذا، إلى آخر ما
بسط في تفسير الأربع.
وقال الباجي: ما روي أنه وَ لّ نهى عن بيع وسلف، لا نعلم له إسناداً
صحيحاً، وأشبهها ما روى أيوب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن
رسول الله ٣ قال: لا يحل بيع وسلف، وأجمع الفقهاء على المنع من ذلك،
وتلقى الأمة له بالقبول، والعمل به يدل على صحة معناه، وذلك يقوم له مقام
الإسناد(٢).
(قال مالك: وتفسير ذلك) أي تفسير بيع وسلف (أن يقول الرجل)
(١) سنن أبي داود (٣٥٠٤) وجامع الترمذي (١٣٣٤) وسنن النسائي (٢٨٨/٧).
(٢) في ((الاستذكار)) (١٢٦/٢٠) قال أبو عمر: روي عن النبي ◌َّ من وجوهِ حسانٍ.
٥٦

٣٣ - كتاب البيوع
(٣٠) باب
(١٣٦٥) حديث
آخُذُ سِلْعَتَكَ بِكَذَا وَكَذَا. عَلَى أَنْ تُسْلِفَنِي كَذَا وَكَذَا. فَإِنْ عَقَدَا
بَيْعَهُمَا عَلَى هُذَا فَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ. فَإِنْ تَرَكَ الَّذِي اشْتَرَطَ السَّلَفَ، مَا
اشْتَرَطَ مِنْهُ، كَانَ ذُلِكَ الْبَيْعُ جَائِزاً.
المشتري (للرجل) البائع (آخذ) أي أشتري (سلعتك بكذا وكذا) درهماً (على)
شرط (أن تُسْلفني كذا وكذا) درهماً (فإن عقدا بيعهما على هذا) الشرط (فهو غير
جائز) قال الزرقاني(١): أي حرام لاتهامهما على قصد السلف بزيادة، فإذا كان
البائع هو دافع السلف، فكأنه أخذ الثمن في مقابلة السلعة والانتفاع بالسلف،
وإن كان هو المشتري، فكأنه أخذ السلعة بما دفعه من الثمن والانتفاع
بالسلف، انتهى.
وقال الباجي: ووجه ذلك من جهة المعنى أن القرض ليس من عقود
المعاوضة، وإنما هو من عقود البر والمكارمة، فلا يصحُّ أن يكون له عوض.
انتھی .
(فإن ترك الذي اشترط السلف) مع البيع (ما اشترط منه) وهو السلف
مفعول ترك (كان ذلك البيع جائزاً).
قال الباجي(٢): المشهور من مذهب مالك أن مشترط القرض إن تركه
صحّ البيع، وحكى الشيخ أبو بكر أن بعض المدنيين روى عن مالك أنه لا
يصحُّ البيع وإن ترك القرض، وهو القياس، وبه قال أبو حنيفة والشافعي،
ووجهه أن البیع قد فسد عقده باشتراط السلف، انتهى.
وقال الموفق(٣): لو باعه بشرط أن يُسْلفه أو يُقرضه أو شرط المشتري
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٠٦/٣).
(٢) ((المنتقى)) (٢٩/٥).
(٣) («المغني)) (٣٣٤/٦).
٥٧

٣٣ - كتاب البيوع
(٣٠) باب
(١٣٦٥) حدیث
قَالَ مَالِكٌ: وَلَا بَأُسَ أَنْ يُشْتَرَى الثَّوْبُ مِنَ الْكَثَّانِ، أَوِ
الشَّطَوِيِّ، أَوِ الْقَصَبِيِّ، بِالْأَثْوَابِ مِنَ الْإِتْرِيِيِّ، أَوِ الْقَسِّيِّ، أَوِ الزِّقَةِ
ذلك عليه، فهو محَرَّمٌ، والبيع باطل، وهذا مذهب مالك والشافعي، ولا أعلم
فيه خلافاً إلا أن مالكاً قال: إن ترك مشترطُ السلفِ السلفَ صحَّ البيع، ولنا
حديث عبد الله بن عمرو، ولأنه اشترط عقداً في عقدٍ، ففسد كبيعتين في بيعةٍ،
ولأنه إذا اشترط القرض زاد في الثمن لأجله، فتصير الزيادة في الثمن عوضاً
عن القرض وربحاً له، وذلك ربا محرم، ففسد، كما لو صرح به، ولأنه بيع
فاسد، فلا يعود صحيحاً، كما لو باع درهماً بدرهمين ثم ترك أحدهما، انتهى.
(قال مالك: ولا بأس أن يشتري) أحد (الثوب من الكتان) نوع من الثياب
معروف (والشطوي) بالواو في النسخ الهندية، وبلفظ ((أو)) في النسخ المصرية
بفتح الشين المعجمة، والطاء المهملة، نسبة إلى شطا قرية بمصر، قال الباجي:
هو ما عُمِل بشطا، وهو من الكتان (أو القصبى) بفتح القاف، والصاد المهملة،
فموحدة، قال المجد: القصب ثياب ناعمة من كتان، الواحدة قصبي (بالأثواب)
جمع ثوب (من الإتريبي) بكسر الهمزة، وسكون الفوقية، فراء، فتحتية،
فموحدة، ثياب تعمل بإتريب، قرية بمصر (أو القَسِّيّ) بفتح القاف، وكسر السين
المهملة المشددة، والياء، نوع من الثياب فيه خطوط من حرير منسوب إلى قَسِّ
قرية بمصر على ساحل البحر.
وفي ((المجمع)) (١): نسبة إلى قس بفتح قاف، وقيل: بكسرها، وقيل:
أصله قزي نسبة إلى القَزِّ ضربٌ من الإبريسم، فأبدلت سيناً، وفسر بثياب
مضلعة فيها حرير أمثال الأترنج أو كتان مخلوط بحرير (أو الزيقة) بكسر
الزاي، وسكون التحتية، وفتح القاف، وتاء تأنيث، نسبة إلى زيق محلة
بنيسابور(٢).
(١) ((مجمع بحار الأنوار)) (٢٧٢/٤).
(٢) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٣٠٦/٣).
٥٨

٣٣ - كتاب البيوع
(٣٠) باب
(١٣٦٥) حديث
أَوِ الثَّوْبِ الْهَرَوِيِّ، أَوِ الْمَرْوِيِّ بِالْمَلَاحِفِ الْيَمَانِيَّةِ وَالشَّقَائِقِ. وَمَا
أَشْبَهَ ذُلِكَ. الْوَاحِدُ بِالإِثْنَيْنِ، أَوِ الثَّلَاثَةِ يَداً بِيَدٍ. أَوْ إِلَى أَجَلٍ. وَإِنْ
كَانَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ. فَإِنْ دَخَلَ، ذلِكَ، نَسِيئَةٌ فَلَا خَيْرَ فِيهِ.
وقال الباجي: ما عمل بصعيد مصر، وهي ثياب غليظة، وقال البوني: ثياب
تعمل بالصعيد غلاظ رديئة، ونقله أبو عمر عن ابن حبيب، وفي ((المحلى)): الزيقة
- بالقاف - الثياب الناعمة، وعُلِمَ من هذا كله أنه بالزاي، والتحتية، فما في النسخ
الهندية من الزلقة بالزاي واللام، لا وجه له (أو الثوب الهروي) بفتحتين، نسبة إلى
هراة، مدينةٌ بخراسان، (أو المروي) ((بأو)) في النسخ الهندية، وأكثر المصرية وفي
بعضها بالواو، وهو بفتح ميم وسكون راء، نسبة إلى مرو، بلدة بفاس، وينسب
إليها الآدمي بزيادة زاي على خلاف القياس.
(بالملاحف) جمع ملحفة بكسر الميم، الملاءة التي يلتحف بها (اليمانية)
بخفة الياء على الأصح، نسبة إلى اليمن، قال الباجي: هي ما كان من هذه
البرود والصنعاني كله (والشقائق) بالواو في جميع النسخ، وهي الأزر الضيّقة
الردئية، قاله البوني كابن عبد البر عن ابن حبيب.
وفي (المحلى)): هي الثياب الملونة بلون الشقائق، وقال الباجي: الشقائق
من الأبراد الصفاق الضيقة (وما أشبه ذلك) المذكور من الثياب الأخر، فيجوز
أن يشترى (الواحد بالاثنين أو الثلاثة) أو أكثر منها، وسواء كان البيع (يداً بيد
أو) يكون (إلى أجل) أي نسيئة، لجواز التفاضل والنسأ معاً، لتحقق علة الربا
بكلا جزئيها، وهو الادّخار للقوت والجنسية (وإن كان) المبيع في كلتا
الجهتين، (من صنف) أي نوع (واحد) فيجوز التفاضل (فإن دخل في ذلك) أي
في متحدي الصنف (نسيئة فلا خير فيه) أي لا يجوز لتحقق اتحاد الجنس، وإن
لم يوجد الادخار للقوت، وذلك كافٍ في حرمة النسأ .
قال الباجي(١): قوله: لا بأس بالثوب من الكتان إلخ، يريد أن رقيق
(١) ((المنتقى)) (٣٠/٥).
٥٩

٣٣ - كتاب البيوع
(٣٠) باب
(١٣٦٥) حدیث
الكتان، وهي الشطوية وما أشبهها من القصبي والفرقبي والقسّي لا بأس به،
بغليظ ثياب الكتان، وهي الإتريبي، وما أشبهه من القَسّي والزيقة والمرّيسية إلى
أجل، وأصل ذلك أن ما اختلف في جنسه من الثياب يجوز بيعه بما خالفه في
جنسه إلى أجل، ولا يجوز ذلك فيما كان من جنسه، وإنما يختلف جنسها
بالرقة والغلظ؛ لأنها المنفعة المقصودة منها، وكذلك القطن رقيقه، وهو
المروي والهروي والقوهي والعدني جنسٌ مخالفٌ لغليظه، وهي الشقائق
والملاحف اليمانية الغلاظ، ذكر ذلك كله ابن القاسم في ((المدونة)) وغيرها،
وفي ((الواضحة)): أن ثياب القطن صنف، وإن اختلفت جودتها وأثمانها
وبلدانها، وكانت هذه عمائم، وهذه أردية وشقق لتقارب منافعها، إلى آخر ما
بسط من اختلاف المنافع.
قال: فجعل اختلاف الجنس بمعنيين بالصبغ على الوجه الذي ذكروه
بالرقة والغلظ، ولم يذكر الاختلاف بالصبغ، وإنما ذكره بالرقة والغلظ؛ لأن
ثياب الكتان لم تكن هناك تستعمل على هذا الوجه، وأما ثياب الحرير فصنف،
وإن اختلفت أثمانها وصنعتها من أردية وأخمرة وغيرها، وقال أيضاً: قد غلط
بعض من فسر ((الموطأ)) فتأول عليه أنه جعل الكتان والقطن صنفاً واحداً،
وليس في اللفظ ما يقتضي ذلك، انتهى.
وقال الموفق(١): أما ما لا وَزْنَ للصناعة فيه، كمعمول الحديد،
والرَّصاص، والنُّحاس، والقطن، والكَتَّان، والصوف، والإبريسم، فالمنصوص
عن أحمد في الثياب والأكسية أنه لا يجري فيه الربا، فإنه قال: لا بأس
بالثوب بالثوبين والكساء بالكسائَيْن، وهذا قول أكثر أهل العلم، وقال: لا يباع
الفلس بالفلسين ولا السِّكين بالسكينين ولا إبرة بإبرتين، أصلُه الوزنُ، ونقل
القاضي حكم إحدى المسألتين إلى الأخرى، فجعل فيهما جميعاً روايتين،
(١) ((المغني)) (٥٩/٦).
٦٠