Indexed OCR Text
Pages 521-540
٣٣ - كتاب البيوع (١٦) باب (١٣٢٣) حديث أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ السَّعْدَيْنِ أَنْ يَبِيعَا آنِيَةً مِنَ الْمَغَانِمِ مِنْ ذَهَبِ أَوْ فِضَّةٍ . الماجشون. قاله ابن عبد البر، كذا في ((التنوير))(١). (أمر رسول الله وَّر السعدين) المشهور في السعدين أنه يراد بهما سعد بن معاذ الأوسي، وسعد بن عبادة الخزرجي، لكن سعد بن معاذ مات في غزوة الأحزاب قبل خيبر، وهذه القصة كانت في خيبر، فلعله سعد آخر غير ابن معاذ، وقد قيل: إنه سعد بن أبي وقاص، كذا في ((المحلى)) و((المجمع)). وقال ابن عبد البر: أحد السعدين سعد بن مالك هكذا جاء في آخر الحديث. والآخر سعد بن عبادة، قال: ولا نعلم في الصحابة سعد بن مالك إلا سعد بن أبي وقاص، وأبا سعيد الخدري، والأظهر أن المراد ههنا ابن أبي وقاص لِصغَر سِنٌّ أبي سعيد. قال: ثم وجدته منصوصاً ذكر يعقوب بن شيبة، وسعد بن عبد الله بن عبد الحكم قالا : ثنا قدامة بن محمد الأشجعي عن أبيه ثني مخرمة بن بكير عن أبيه سمعت أبا كثير جلاحاً سمعت حنشا الصنعاني عن فضالة قال: كنا يوم خيبر فجعل رسول الله بَلر على الغنائم سعد بن أبي وقاص، وسعد بن عبادة، فذكره، قال: وهذا إسناد صحيح متّصل حسن، كذا في ((التنوير)) (٢). (أن يبيعا آنية) جمع إناء كما في ((المحلى)) عن المجد (من المغانم) أي مغانم خيبر (من ذهب أو فضة) بيان للآنية، قال الباجي(٣): هو من باب الوكالة في المراطلة بالذهب والمبادلة، ومن شرط صحتها أن يتوَلّى قبضَ العوض فيها من عقدها، فإن عقد هو الصرف ووَكَّلَ من يقبض أو بالعكس، فابن المواز (١) (ص٤٨٩)، و((التمهيد)) (١٠٤/٢٤ - ١٠٥). (٢) انظر: ((تنوير الحوالك)) (ص٤٨٩). (٣) ((المنتقى)) (٢٥٧/٤). ٥٢١ ٣٣ - كتاب البيوع (١٦) باب (١٣٢٣) حديث فَبَاعَا كُلَّ ثَلَاثَةٍ بِأَرْبَعَةٍ عَيْناً، أَوْ كُلَّ أَرْبَعَةٍ بِثَلَاثَةٍ عَيْناً. حكى عن مالك لا يجوز شيء من ذلك، وهذا إذا فارق الذي عقد الصرف قبل أن يقبض الآخر، اهـ. (فباعا كُلَّ) بالإضافة والمفعولية (ثلاثة بأربعة عيناً أو كلَّ أربعةٍ بثلاثة عيناً) شكٌّ من الراوي، قال صاحب ((المحلى)): أي كل ثلاثة مثاقيل من الآنية بأربعة دنانير، وظاهر كلام الباجي كما سيأتي، أن كلامه أن المراد كل ثلاثة آنية بأربعة دنانير، إذ قال: ظاهر لفظ آنيةٍ يقتضي صحتها، وبقاء صياغتها، ويؤكد هذا الظاهر أنهما باعا كل ثلاثة بأربعة، وذلك يقتضي جواز اتخاذ ذلك؛ لأن ما لا يجوز اتخاذه لا يجوز بيعه، بل لا يجوز إقراره ولا تملكه، ولما أمر النبي ◌َّ ببيعها، ولم يأمر بإتلاف صياغتها اقتضى ذلك بيعها على هيئتها . وقد قال مالك في كتاب الزكاة من ((المدونة))(١) في الرجل يشتري آنية ذهب أو فضة زنتُها أقلُّ من قيمتها: يزكي وزنَها، فجعل للصياغة قيمة، وذلك يقتضي إباحتها، وقال في الصرف في ((المدونة))(٢): كان مالك يكره هذه الأشياء التي تُصَاغ من الفضة والذهب كالأبارق والمداهن والمجامر والأقداح، فيحتمل أن يريد بذلك كراهية بيعها بجنسها متفاضلاً أو كراهية استعمالها، فيحتمل أن يريد كراهية اتخاذها، فأما استعمالها فلا خلاف في المذهب في تحريمه، وهو قول جمهور الفقهاء، اهـ. وفي ((الشرح الكبير))(٣) لابن قدامة: لا يختلف المذهب فيما علمنا في تحريم اتّخاذ آنية الذهب والفضة، وحُكِي عن الشافعي إباحتُه لتخصيص النهي (١) (٢١١/١). (٢) (١٠١/٣). (٣) (٥٦/١). ٥٢٢ ٣٣ - كتاب البيوع (١٦) باب (١٣٢٣) حديث بالاستعمال، وذكره بعض أصحابنا وجهاً في المذهب، ولنا أن ما حرم استعماله مطلقاً حرم اتخاذه على هيئة الاستعمال كالملاهي. وأما ثياب الحرير فإنها تباح للنساء وتباح التجارة فيها، فحصل الفرق، وأما تحريم استعمالها فهو قول أكثر أهل العلم، منهم أبو حنيفة ومالك، وعن معاوية بن قرة أنه قال: لا بأس بالشرب من قدح فضة، وعن الشافعي قول: إنه مكروه غير محرم، اهـ. وقال الحافظ في ((الفتح)) (١): نقل ابن المنذر الإجماع على تحريم الشرب في آنية الذهب والفضة إلا عن معاوية بن قرة أحد التابعين، فكأنه لم يبلغه النهي، وعن الشافعي في القديم، ونقل عن نصه في حرملة أن النهي فيه للتنزيه، ونص في الجديد على التحريم، ومن أصحابه من قطع به، وهذا اللائق به لثبوت الوعيد عليه بالنار عند البخاري، ونقل عن نصه في حرملة تحريم اتخاذ الإناء من الذهب أو الفضة، وإذا حرم الاتخاذ فتحريم الاستعمال أولى. ثم قال(٢): قال القرطبي: في الحديث تحريم استعمال أواني الذهب والفضة في الأكل والشرب، ويلحق بهما ما في معناه مثل التكحل وسائر وجوه الاستعمالات، وبهذا قال الجمهور. وأغربت طائفة شَذَّتْ، فأباحت ذلك مطلقاً، ومنهم من قصر التحريم على الأكل والشرب، ومنهم من قصره على الشرب؛ لأنه لم يقف على الزيادة في الأكل. واختلف في علة المنع، فقيل: يرجع ذلك إلى أعيانهما، ويؤيد ذلك ما في الحديث ((هي لهم في الدنيا)) وقيل: لكونهما الأثمان وقِيم المتلفات، فلو (١) ((فتح الباري)) (١٠/ ٩٤). (٢) أي الحافظ في ((فتح الباري)) (٩٧/١٠). ٥٢٣ ٣٣ - كتاب البيوع (١٦) باب (١٣٢٣) حديث أبيح استعمالهما لجاز اتخاذ الآلات منهما، فيفضي إلى قلتهما بأيدي الناس، فيجحف بهم، ويرد على هذا جواز الحلي للنساء من النقدين، ويمكن الانفصال عنه، وهذه العلة هي الراجحة عند الشافعية. وقيل: علة التحريم السرف والخيلاء أو كسر قلوب الفقراء، ويرد عليه جواز استعمال الأواني من الجواهر النفيسة، وغالبها أكثر قيمةً من الذهب والفضة، ولم يمنعها إلا من شَذّ، وقد نقل ابن الصباغ في ((الشامل)) الإجماع على الجواز، وتبعه الرافعي. واختلف في اتخاذ الأواني دون استعمالها، والأشهر المنع، وهو قول الجمهور، ورخصت طائفة فيه، وهو مبني على العلة في منع الاستعمال، ويتفرع على ذلك غرامة أرش ما أفسد منها، وجواز الاستئجار عليها، اهـ. وفي ((الدر المختار)) (١): وكره الأكل والشرب والإذهان والتطيّب من إناء ذهب وفضة للرجل والمرأة لإطلاق الحديث، واستثنى القهستاني وغيره استعمال البيضة والجوشن في الحرب للضرورة، وهذا فيما يرجع للبدن، وأما لغيره تجملاً بأوان متخذة من ذهب أو فضة فلا بأس به، اهـ مختصراً. قال ابن عابدين: والأحسن ما في ((القهستاني)) حيث قال: وفي الاستعمال إشعار بأنه لا بأس باتخاذ الأواني منهما للتجمل، اهـ. وفي ((الدر المختار))(٢) أيضاً: ولا يتختم إلا بالفضة، فيحرم بغيرها، كحجر وذهب وحديد وغيرها، فإذا ثبت كراهة لبسِها ثبت كراهة بيعها وصيغها لما فيه من الإعانة على ما لا يجوز، وكل ما أدّى إلى ما لا يجوز لا يجوز، (١) (٦٥٦/٦). (٢) (٦٧٦/٦). ٥٢٤ ٣٣ - كتاب البيوع (١٦) باب (١٣٢٤) حديث فَقَالَ لَهُمَا رَسُوْلُ اللهِ وَله: «أَرْبَيْتُمَا فَرُدَّا)). ٣٠/١٣٢٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي تَمِيم، عَنْ أَبِي الْحُبَابِ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّله قَالَ: ((الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَم، قال ابن عابدين: إلا أن المنع في البيع أخفُّ منه في اللبس، إذ يمكن الانتفاع بها في غير ذلك، ويمكن سكها وتغيير هيئتها، اهـ. (فقال لهما رسول الله وَل ◌َوَ أَربَيْتُما) لتبيع الجنس بالجنس بغير المساواة، قال الباجي(١): ولا اعتبار بالسكة ولا بالصياغة في شيء من ذلك (فَرُدًا) - بضم الراء وتشديد الدال ـ أمر السعدين بردٌّ بيعهما . قال الزرقاني(٢): وإنما أمر ◌َ لهبردّ البيع، ولم يأمر عامله على خيبر لما باع صاعين بصاع من التمر بالردِّ، لاحتمال أن مبتاع الآنية موجود معلوم بخلاف ذلك، أو لم يتقدم نهي قبل بيع التمر بخلاف الآنية. قلت: هذا مبني على أن البيع لم يرد في قصة عامل خيبر، وقد تقدم هناك أن في بعض الروايات فيها أيضاً رد البيع، وفي الحديث حجة للجمهور على أن المصوغ وغيره والتبر والدرهم كلها سواء في باب الربا، وسيأتي الإجماع على ذلك إلا ما شَذَّ فيه بعض السلف في كلام ابن عبد البر قريباً في حديث الصائغ. ٣٠/١٣٢٤ - (مالك عن موسى بن أبي تميم) المدني روى له مسلم والنسائي في الصرف، له في ((الموطأ)) مرفوعاً هذا الحديث الواحد (عن أبي الحباب) بضم المهملة وتخفيف الموحدتين بينهما ألف (سعيد) بكسر العين (ابن يسار) المدني (عن أبي هريرة) - رضي الله عنه - (أن رسول الله مَّه قال: الدينار بالدينار) بالرفع أي يباع، وبالنصب أي بيعوا (والدرهم بالدرهم) بالرفع والنصب (١) ((المنتقى)) (٢٥٨/٤). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٧٦/٣). ٥٢٥ ٣٣ - كتاب البيوع (١٦) باب (١٣٢٤) حديث لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا)). مثلاً بمثل (لا فضل بينهما)(١) أي لا زيادة، وقد زاد في حديث علي عند ابن ماجه(٢)، وصححه الحاكم عقب قوله: لا فضل بينهما، فمن كانت له حاجة بورق فليصرفها بذهبٍ ومن كانت له حاجة بذهب فليصرفها بالورق، والصرف هاء وهاء. وحديث الباب رواه مسلم والنسائي قال الباجي(٣): يريد إيجاب التساوي وتحريم التفاضل في كل شيء بجنسه. وبدل الدنانير بالدنانير والدراهم بالدراهم على وجهين: أحدهما وزناً، والثاني عدداً، فأما الوزن فلا يجوز فيه إلا التساوي، ولا تجوز فيه زيادةٌ على وجه معروف، ولا بمسامحة، ولا يجوز أن يكون مع أحدهما زيادة من جنسه ولا من غير جنسه؛ لأن العوض الآخر يُقَسّطُ على الذهب والزيادة التي معها، فيؤدي إلى التفاضل في الذهب. واختلف قول مالك في الرجل يأتي دار السكة، فیدفع إلیهم فضة وزنا، ويأخذ منهم وزناً دراهم، ويعطيهم أجرة العمل، فقال مرة: أرجو أن يكون خفيفاً، وذكره ابنُ المواز، ومنع من ذلك عيسى بن دينار، وحكاه ابن حبيب عن جماعة من أصحاب مالك، وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة. وأما المبادلة بالعدد فإنه يجوز ذلك، وإن كان بعضها [أوزن] من بعض في الدينار والدينارين على سبيل المعروف والتفضل، وليس ذلك من التفاضل؛ لأنهما لم يبنيا على الوزن، ولهذا النوع من المال تقديران: الوزن، والعدد، فإن كان الوزن أخصَّ به، وأولى فيه إلا أن العدد معروفٌ، فإذا عمل فيه على العدد جوّز يسير الوزن زيادة على سبيل المعروف ما لم يكن في ذلك وجه من المكايسة والمغابنة، فيمنع منه، اهـ. (١) أخرجه مسلم في المساقاة: ١٥ - (١٥٨٨)، باب بيع الذهب بالورق نقداً، والنسائي في البيوع (٢٧٨/٧)، باب بيع الدینار بالدينار. (٢) أخرجه ابن ماجه (٢٢٦١). (٣) ((المنتقى)) (٢٥٩/٤). ٥٢٦ ٣٣ - كتاب البيوع (١٦) باب (١٣٢٥) حديث ٣١/١٣٢٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لِّ قَالَ: ((لَا تَبِيعُوا الذَّهَبََ بِالذَّهَبِ. إِلَّا مِثْلاً بِمِثْلِ. وَلَا تُشِفُوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ. وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ. إِلَّا مِثْلاً بِمِثْلِ. وَلَا تُشِفَّوا بَعْضَها على بَعْضٍ. وَلَا تَبِيعُوا مِنْها شَيْئاً. غَائِباً بِنَاجِزٍ)). أخرجه البخاريّ في: ٣٤ - كتاب البيوع، ٧٨ - باب بيع الفضة بالفضة. ومسلم في: ٢٢ - كتاب المساقاة، ١٤ - باب الربا، حديث ٧٥. قلت: ورَدَّ ابن عبد البر في ((التمهيد))(١) على هذه الرواية التي رويت عن مالك فيمن أتى دار السكة، فارجع إليه. ٣١/١٣٢٥ - (مالك عن نافع) مولى ابن عمر (عن أبي سعيد الخدري) سعد بن مالك (أن رسول الله وَ ل قال: لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل) أي إلا حال كونهما متماثلين أي متساويين (ولا تُشِفُّوا) بضم الفوقية وكسر الشين المعجمة وضم الفاء المشددة من الإشفاف أي لا تفضلوا، والشف من الأضداد، يقال: شفّ الدرهم إذا زاد أو نقص (بعضها على بعض). قال الباجي: هذا يقتضي المنع من يسير الزيادة؛ لأن الشفوف إنما يستعمل في يسير الزيادة. وفي ((التعليق الممجد))(٢): فيه دليل على أن الزيادة وإن قَلَّتْ حرام؛ لأن الشفوف الزيادة القليلة، ومنه شفافة الإناء لبقية الماء، اهـ. (ولا تبيعوا الورق بالورق) بكسر الراء فيهما أي الفضة بالفضة (إلا) حال كونهما (مثلاً بمثل) بكسر الميم (ولا تُشِفُّوا بعضها على بعض) قال الباجي(٣): عام في جميع أنواعه من التبر والمسكوك والمصوغ والجيد والرديء (ولا تبيعوا منها) شيئاً (غائباً) أي مؤجلاً (بناجز) بنون وجيم وزاي أي بحاضر يعني فلا بد (١) (٢٠٩/٢٤). (٢) (٣٨٧/٣). (٣) ((المنتقى)) (٢٦٠/٤). ٥٢٧ ٣٣ - كتاب البيوع (١٦) باب (١٣٢٥) حديث من التقابض في المجلس، والمراد بالغائب المؤجل على الأظهر كما سيأتي قريباً عن الباجي في أثر عمر - رضي الله عنه -. قال ابن بطال: فيه حجة للشافعي في قوله: من كان له على رجل دراهم، والآخر عليه دنانير لم يجز أن يقاصَّ أحدُهما الآخر؛ لأنه يدخل في معنى بيع الذهب بالورق ديناً، لأنه إذا لم يجز غائب بناجز، فأحرى أن لا يجوز غائب بغائب، اهـ. قلت: وبقول الشافعي قال أحمد كما جزم به الموفق، قال: وحكى ابن عبد البر عن مالك وأبي حنيفة جوازه، اهـ. وحكى الأبي(١) عن القاضي عياض: أن الغائب ما كان لأجل أو غاب عن المجلس، والناجز الحاضر، ولا خلاف في منع انعقاد بيع العين بالعين على هذا الوجه، إلا في دينار في ذمة آخر صرفه الآن أو في دينار في ذمة، وصرفه في ذمة آخر، فيتقاصّان معاً، فذهب مالك وأصحابه إلى جواز الصورتين بشرط حلول ما في الذمة، وأن يتناجزا في المجلس، وأجاز أبو حنيفة الصورتين وإن لم يحلّ ما في الذمة فيهما، وراعوا في ذلك براءة الذمم، وأجاز الشافعي وابن وهب وابن كنانة الصورة الأولى دون الثانية، وأجاز البتّي وابن أبي ليلى ذلك في الاقتضاء بسعر صرف يومهم لا لغيره. وعن ابن شبرمة والليث وابن عباس وابن مسعود لا يجوز أخذ عين عن عين أخرى، ومنعه طاووس من بيع، وأجازه من قرض، ولم ير أحد من المجيزين أن ذلك من بيع غائب بحاضر في الصورة الأولى، ولا من بيع غائب بغائب في الصورة الثانية؛ لأن ما حلَّ أجلُه ليس بغائب، وإنما حكمه حكم الحاضر، بخلاف ما لم يَحُلَّ أجلُه فإنه كحكم الغائب، اهـ. (١) ((إكمال إكمال المعلم)) (٤/ ٢٣٤). ٥٢٨ ٣٣ - كتاب البيوع (١٦) باب (١٣٢٦) حدیث ٣٢/١٣٢٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ فَيْسِ الْمَكِّيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. فَجَاءَهُ صَائِغٌ. وقال الموفق(١): ويجوز اقتضاء أحد النقدين من الآخر، ويكون صرفاً بعين وذِمّةٍ في قول أكثر أهل العلم، ومنع منه ابن عباس وأبو سلمة بن عبد الرحمن وابن شبرمة؛ لأن القبض شرط، وقد تخلّف، ولنا ما روى أبو داود(٢) والأثرم عن ابن عمر: «كنت أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم)) الحديث، وفيه فقال وَ الر: ((لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا، وبينكما شيء))، قال أحمد: إنما يقضيه إياها بالسعر، لم يختلفوا أنه يقضيه إياها بالسعر إلا ما قال أصحاب الرأي: إنه يقضيه مكانها ذهباً على التراضي؛ لأنه بيع في الحال، فجاز ما تراضيا عليه إذا اختلف الجنس. ولنا حديث ابن عمر المذكور، فإن كان المقضي الذي في الذمة مؤجلاً فقد توقف فيه أحمد، وقال القاضي: يحتمل وجهين: أحدهما: المنع. وهو قول مالك ومشهور قولَي الشافعي؛ لأن ما في الذمة لا يستحق قبضه، والآخر: الجواز، وهو قول أبي حنيفة؛ لأن الثابت في الذمة بمنزلة المقبوض. ٣٢/١٣٢٦ - (مالك عن حميد بن قيس المكي) القارئ الأعرج (عن مجاهد) بن جبر بفتح جيم وسكون موحدة الإمام في التفسير (أنه قال: كنت مع عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - (فجاءه صائغ) قال الزرقاني(٣): هو وردان الرومي كما أخرجه ابن عبد البر من طريق ابن عيينة عن وردان أنه سأل ابن عمر - رضي الله عنه -، اهـ. قلت: وسيأتي هذا الطريق قريباً مع بعض الاختلاف في السياقين. (١) («المغني)) (٦/ ١٠٧). (٢) ((سنن أبي داود)) (٢٢٤/٢). (٣) ((شرح الزرقاني)) (٢٧٧/٣). ٥٢٩ ٣٣ - كتاب البيوع (١٦) باب (١٣٢٦) حديث فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمُنِ، إِنِّي أَصُوغُ الذَّهَبَ. ثُمَّ أَبِيعُ الشَّيْءَ مِنْ ذُلِكَ بِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهِ. فَأَسْتَفْضِلُ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ عَمَلِ يَدِي. فَنَهَاهُ عَبْدُ اللَّهِ عَنْ ذُلِكَ. فَجَعَلَ الصَّائِغُ يُرَدِّدُ عَلَيْهِ الْمَسْأَلَةً. وَعَبْدُ اللَّهِ يَنْهَاهُ. حَتَّى انْتَهَى إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ. أَوْ إِلَى دَابَّةٍ يُرِيدُ أَنْ يَرْكَبَهَا . ثُمَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ؛ الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ. وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَم. لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا . (فقال) الصائغ: (يا أبا عبد الرحمن) كنية ابن عمر - رضي الله عنه - (إني أصوغ الذهب) أي أجعله حلِيًّا (ثم أبيع الشيء) المصوغ (من ذلك بأكثر من وزنه) أي وزن المصوغ (فأسْتَفْضِلُ) أي أسْتَبْقي (من ذلك) أي من قيمة الحُلِيِّ (قدر) مفعول أستفضل مضاف إلى (عمل يدي) يعني أزيد في القيمة بقدر العمل (فنهاه عبد الله) بن عمر (عن ذلك) أي عن البيع بأكثر من وزنه. (فجعل الصائغ يردد) أي يُعيد (عليه) أي على ابن عمر - رضي الله عنه - (المسألة) المذكورة (وعبد الله ينهاه عن ذلك) في كل مرة، ومراجعة الصائغ له في ذلك رجاء أن يكون جوابه مبنياً على الأفضل، أو صدر على ذهبين غير مصوغين أو غير ذلك (حتى انتهى) ابن عمر - رضي الله عنه - (إلى باب المسجد أو) انتهى (إلى دابة يريد) ابن عمر (أن يركبها) شكٍّ من الراوي، وهكذا بالشك في رواية البيهقي برواية ابن بكير عن مالك. (ثم قال عبد الله بن عمر) مؤكداً لما نهى عنه (الدينار) بالرفع أي يباع أو بالنصب أي بيعوا (بالدينار والدرهم) بالرفع والنصب (بالدرهم لا فضل) أي لا زيادة (بينهما) أصلاً: قال ابن عبد البر في ((التمهيد)) (١): فيه إشارة إلى جنس الأصل، لا إلى المضروب دون غيره بدليل إرسال ابن عمر - رضي الله عنه - الحديث، على سؤال الصائغ عن الذهب المصوغ، ولا أعلم أحداً من العلماء (١) (٢٤٢/٢). ٥٣٠ ٣٣ - كتاب البيوع (١٦) باب (١٣٢٦) حديث هُذَا عَهْدُ نَبِّنَا إِلَيْنَا. وَعَهْدُنَا إَيْكُمْ. حرم التفاضل في المضروب من الذهب والفضة المدرهمة دون التبر والمصوغ منهما إلا شيء جاء عن معاوية بن أبي سفيان، روي عنه من وجوه، وقد أجمعوا على خلافه، فأغنى إجماعهم على ذلك عن الاستشهاد فيه بغيره، وفي قصة معاوية مع أبي الدرداء إذ باع معاوية السقاية بأكثر من وزنها، بيان أن الربا في المصوغ وغير المصوغ والمضروب وغير المضروب، اهـ. قلت: وحديث بيع معاوية أخرجه النسائي(١) بسنده إلى عطاء، قال: باع معاوية سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها، فقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله وَل﴿ ينهى عن مثل هذا إلا مثلاً بمثل، اهـ. وسيأتي في ((الموطأ)) قريباً. (هذا عهد) أي وصية (نبينا) وَّ (إلينا) أي الصحابة (وعهدنا إليكم) وحديث مالك هذا، هكذا أخرجه الطحاوي في ((معاني الآثار)) (٢) برواية ابن وهب عن مالك، والحاكم في ((المستدرك)) برواية بشر بن عمر عن مالك. وهكذا أخرجه البيهقي (٣) بسنده إلى بشر بن عمر عن مالك، ثم قال: وفي رواية سالم ونافع دلالة على أن ابن عمر لم يسمع من النبي ◌َّ في ذلك شيئاً، ثم أخرج بسنده إلى الربيع أنا الشافعي عن مالك بلفظ هذا عهد نبينا، ثم قال: ورواه الشافعي(٤) في رواية المزني عنه بطوله في قصة الصائغ، ثم قال الشافعي: هذا خطأ أخبرنا سفيان بن عيينة عن وردان الرومي أنه سأل ابن عمر، فقال: إني رجل أصوغ الحليّ، ثم أبيعه وأستفضلُ فيه قدرَ أجرتي أو عملَ يدي، فقال ابن عمر: الذهب بالذهب لا فضل بينهما، هذا عهد صاحبنا إلينا، وعهدنا إليكم، قال الشافعي: يعني بصاحبنا عمر بن الخطاب. أخبرناه (١) ((سنن النسائي)) (٢٨٢/٧). (٢) (٦٩/٤). (٣) ((السنن الكبرى)) (٢٧٩/٥). (٤) ((مسند الشافعي)) (٢/ ١٥٧). ٥٣١ ٣٣ - كتاب البيوع (١٦) باب (١٣٢٦) حديث أبو إسحاق أنا شافع بن محمد أنا أبو جعفر يعني الطحاوي ثنا المزني ثنا الشافعي، فذكره، اهـ. وتعقب ابن عبد البر في ((التمهيد)) كلام الشافعي رضي الله عنه هذا، فقال: حدثنا أحمد بن عبد الله نا الميمون بن حمزة الجهني نا الطحاوي نا المزني، فذكر الحديث المذكور بلفظ عهد صاحبنا، ثم قال: قال الشافعي: يعني بقوله: صاحبنا عمر بن الخطّاب، وقول حميد عن مجاهد عن ابن عمر: عهد نبينا، خطأ، قال ابن عبد البر: قول الشافعي عندي غلط عن أصله؛ لأن حديث ابن عيينة في قوله: صاحبنا يحتمل أن يكون رسول الله وَ ل، وهو الأظهر، ويحتمل أن يكون أراد عمر، فلما قال مجاهد عن ابن عمر: عهد نبينا فسر ما أجمل وردان الرومي، وهذا أصل ما يعتمد عليه الشافعي، ولكن الناس لا يسلم منهم أحد من الغلط(١)، اهـ. ولعل الباعث للإمام الشافعي لحمله لفظ الصاحب على أبيه وتخطئته حديث حميد أن الوارد في الروايات أن ابن عمر - رضي الله عنه - لم يسمع ذلك عن النبي ◌َّر، كما سيأتي التصريح بذلك قريباً من حديث البيهقي بطريق جرير عن نافع، ولذا كان ابن عمر - رضي الله عنه - أَوَّلاً يفتي في الصرف مثل ابن عباس - رضي الله عنه -، فلو كان عنده في ذلك عِلْمٌ من النبي وَ﴿ لما أفتى بذلك، ثم رجع عنه بعد ما أخبر بروايات النھي . فقد أخرج مسلم(٢) بسنده إلى أبي نضرة قال: سألت ابن عمر وابن عباس عن الصرف، فلم يريا به بأساً، فإني لقاعد عند أبي سعيد الخدري، (١) انظر: ((التمهيد)) (٢٤٨/٢) و((شرح الزرقاني)) (٢٧٨/٣). (٢) أخرجه مسلم (١٥٩٤). ٥٣٢ ٣٣ - كتاب البيوع (١٦) باب (١٣٢٦) حديث فسألته عن الصرف، فقال: ما زاد فهو ربا، فأنكرت ذلك لقولهما، فقال: لا أحدثك إلا ما سمعت من رسول الله وَ له، الحديث. وفي آخره قال: فأتيت ابن عمر - رضي الله عنه - بعد، فنهاني، ففيه أن ابن عمر - رضي الله عنهما - رجع عن فتياه بعد ذلك. وأخرج البخاري في ((صحيحه)) عن سالم عن عبد الله بن عمر أن أبا سعيد حَدَّثه مثل ذلك حديثاً عن رسول الله وَلّر، فلقيه عبد الله بن عمر، فقال: يا أبا سعيد! ما هذا الذي تحدث عن رسول الله وَلٍ﴾؟ فقال أبو سعيد: في الصرف سمعت رسول الله 18 يقول: الذهب بالذهب مثل بمثل والورق بالورق مثل بمثل. قال الحافظ(١): هكذا ساقه، وفيه اختصار وتقديم وتأخير، وقد أخرجه الإسماعيلي من وجهين عن يعقوب شيخ شيخ البخاري، وفيه بلفظ أن أبا سعيد حدّثه حديثاً مثل حديث عمر عن رسول الله وَّ في الصرف. فظهر بذلك معنى قوله: مثل ذلك أي مثل حديث عمر - رضي الله عنه -، وقوله: فلقيه عبد الله أي بعد أن كان سمع منهم الحديث، فأراد أن يستثبته فيه، وقد وقع لأبي سعيد مع ابن عمر قصة، وهي هذه، ووقعت له فيه مع ابن عباس قصة أخرى كما في البخاري. وأما قصته مع ابن عمر هذه، فانفرد بها البخاري من طريق سالم، وأخرجها مسلم من طريق الليث عن نافع، ولفظه: أن ابن عمر قال له رجل من بني ليث: إن أبا سعيد الخدري يأثر هذا عن رسول الله وَله. قال نافع: فذهب ابن عمر وأنا معه، والليث حتى دخل على أبي سعيد، فقال: إن هذا أخبرني أنك تخبر أن رسول الله وَلّ نهى عن بيع الورق بالورق إلا مثلاً بمثل، (١) ((فتح الباري)) (٤/ ٣٨٠). ٥٣٣ ٣٣ - كتاب البيوع (١٦) باب .(١٣٢٧) حدیث ٣٣/١٣٢٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ جَدِّهِ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ؛ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَقَّانَ قَالَ: الحديث. ولمسلم من طريق أبي نضرة في هذه القصة لابن عمر مع أبي سعيد أن ابن عمر نهى عن ذلك بعد أن كان أفتى به لما حدّثه أبو سعيد بنهي النبي ◌َ لآ، اهـ وهذان الحديثان أشار إليهما البيهقي(١) في كلامه إذ قال: وفي رواية سالم ونافع دلالة على أن ابن عمر لم يسمع من النبي ◌ّ في ذلك شيئاً، وقال ابن التركماني: ورَدَّ بعضُ أصحابنا على صاحب ((التمهيد)) بأن ابن عمر لم يسمع ذلك من النبي ◌َّر، كما صرح به ابن عمر - رضي الله عنه - في بعض الروايات، ولا يرد ذلك عليه؛ لأنه لم يلتزم أن ابن عمر سمعه من النبي (وَلآ، بل لو عهده عليه السلام إلى عمر أو غيره، ثم سمعه ابن عمر منه، جاز له أن يقول: عهد نبينا، اهـ. ٣٣/١٣٢٧ - (مالك أنه بلغه عن جده) أي جد مالك وهو (مالك بن أبي عامر) قال الزرقاني تبعاً للسيوطي في ((التنوير))(٢): وصله مسلم(٣) من طريق ابن وهب عن مخرمة بن بكير عن أبيه عن سليمان بن يسار عن مالك بن أبي عامر به قال: فيحتمل أن يكون الذي بلغه ابن وهب أو مخرمة بن بكير، اهـ. قلت: أخرجه الطحاوي بسنده إلى مالك رضي الله عنه عن مولى لهم عن مالك بن أبي عامر عن عثمان - رضي الله عنه -. (أن عثمان بن عفان) رضي الله عنه (قال) وفي ((التجريد))(٤): هذا المعنى (١) انظر: ((السنن الكبرى)) (٢٧٩/٥). (٢) (ص٤٩٠). (٣) في ٢٢ - كتاب المساقاة، ١٤ - باب الربا، حديث ٧٨. (٤) (ص٢٤٤). ٥٣٤ ٣٣ - كتاب البيوع (١٦) باب (١٣٢٨) حديث قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ وَلَه: ((لَا تَبِيعُوا الدِّينَارَ بِالدِّينَارَيْنِ. وَلَا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ)) . ٣٤/١٣٢٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ؛ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ يتصل مسنداً عن النبي وَ﴿ من حديث أبي سعيد وغيره جماعة من الصحابة، اهـ. (قال: قال لي رسول الله وَله: لا تبيعوا الدينار بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمين) قال الباجي(١): يحتمل المنع من التفاضل في العدد لما جرت به العادة من التعامل بها عدداً ومنع قطعها، فكان ذلك منعاً من التفاضل فيها على ذلك الوجه؛ لأن زيادة دينار آخر قلّما يوجد من التفاضل بين الذهبين على هذا الوجه، فنص على أقل الزيادة ليُنَبِّهَه بذلك على المنع من أكثرها، ويحتمل أن يريد به المنع لمن رآه باع ديناراً بدينارين، فخص فعله ذلك بالمنع كما روي عن أبي سعيد: كنا نبيع تمر الجمع صاعين بصاع. فقال النبي ◌َّر: ((لا صاعي تمر بصاع)) الحديث. ٣٤/١٣٢٨ - (مالك عن زيد بن أسلم) العدوي (عن عطاء بن يسار أن) هكذا في ((موطأ يحيى)) بدون الشك، وقد أخرجه محمد في ((موطئه))(٢) عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أو عن سليمان بن يسار أنه أخبره أن معاوية، الحديث (معاوية بن أبي سفيان) حين كان والياً على الشام في زمن عمر - رضي الله عنه -، فإن أبا بكر - رضي الله عنه - لما بعث الجيوش إلى الشام سار معاوية مع أخيه يزيد، فلما مات يزيد استخلفه على دمشق، فأَقَرَّه عليه عمر، ثم أَقَرَّه عليه عثمانُ، وجمع له الشام كله، فأقام أميراً عشرين سنة، (١) ((المنتقى)) (٢٦١/٤). (٢) انظر: ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٢٩١/٣). ٥٣٥ ٣٣ - كتاب البيوع (١٦) باب (١٣٢٨) حديث بَاعَ سِقَايَةً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ بِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهَا. فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَ يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هُذَا إِلَّ مِثْلاً بِمِثْلِ. وخليفة عشرين سنة، كذا في ((تاريخ الخلفاء))(١)، قلت: وإمارته لما كانت فى زمن الصديق الأكبر زادت على العشرين بسنين. (باع سقاية) بكسر السين قيل: هي البرادة يبرد فيها الماء، وقال الراغب: السقاية: ما يجعل فيه ما يُسْقى، وقال ابن حبيب: زعم أصحاب مالك أن السقاية قلادة من ذهب فيها جوهر، وليس كما قالوا، فالقلادة لا تُسَمَّى سقايةً، بل هي كأس كبيرة يُشْرب بها، ويُكَال بها، وأما القلادة ابتاعها معاوية بستمائة دينار فيها تبر، وجوهر من لؤلؤ، وياقوت، وزبرجد، فنهاه عبادة بن الصامت، وأخبره أنه سمع رسول الله وَّر ينهى عن ذلك، قاله الزرقاني (٢). وظاهره أن النكير عن عبادة على بيع القلادة لا الآنية، لكن سيأتي عن عبادة النكير على بيع الآنية أيضاً، ولعل هذا هو الباعث لمن فسر السقاية بالقلادة جمعاً بين الروايات، وكانت السقاية (من ذهب أو ورق) بكسر الراء أي فضة، فباعها معاوية (بأكثر من وزنها) أي من وزن السقاية. (فقال له أبو الدرداء) الصحابي الجليل اسمه عويمر أو عامر مات في خلافة عثمان - رضي الله عنه -، وقيل: عاش بعد ذلك (سمعت رسول الله وَ لهم ينهى عن مثل هذا) أي بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة (إلا مِثلاً بمثل) أي سواء في القدر، وفيه إنكار عن أبي الدرداء على معاوية في هذا البيع، وذكر العيني في ((شرح الطحاوي)) حديث أبي الدرداء هذا، وعزاه إلى النسائي، وقد أخرجه النسائي(٣) مختصراً برواية قتيبة عن مالك بهذا السند والمتن إلى قوله: (١) (ص٢٢٢). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٧٨/٣). (٣) ((سنن النسائي)) (٢٧٤/٧ و٢٧٥). ٥٣٦ ٣٣ - كتاب البيوع (١٦) باب (١٣٢٨) حديث مثلاً بمثل، وليس في روايته الزيادة الآتية من قول معاوية، وقدوم أبي الدرداء على عمر - رضي الله عنه - وغير ذلك. وقد روي عن عبادة أيضاً أنه أنكر على معاوية هذا البيع، وقد أخرج الجماعة حديث عبادة بطرق كثيرة مختصرة ومفصلة، منها ما أخرجه مسلم في ((صحيحه))(١) بسنده إلى أبي قلابة قال: كنت بالشام في حلقة فيها مسلم بن يسار، فجاء أبو الأشعث، قال: قالوا: أبو الأشعث، أبو الأشعث، فجلس، فقلت: حَدِّثْ أخانا حديث عبادة بن الصامت، قال: نعم، غزونا غزاةً، وعلى الناس معاويةُ، فغنمنا غنائم كثيرة، فكان فيما غنمنا آنيةٌ من فضة، فأمر معاوية رجلاً أن يبيعها في أعطيات الناس، فتسارع الناس في ذلك، فبلغ عبادة بن الصامت، فقام، فقال: إني سمعت رسول الله و18َ ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح إلا سواء بسواء عيناً بعين، فمن زاد أو ازداد فقد أربى، فردَّ الناس ما أخذوا، فبلغ ذلك معاوية، فقام خطيباً، فقال: ألا، ما بالُ رجالٍ يتحدثون عن رسول الله وَ ليم أحاديث قد كنا نشهده، ونصحبه، فلم نسمعها منه، فقام عبادة بن الصامت، فأعاد القصة، ثم قال: لنُحَدِّثَنَّ بما سمعنا من رسول الله وَّل وإن كره معاوية، أو قال: وإن رغم، ما أبالي أن لا أصحبه في جنده ليلةً سوداءَ، وأخرجه النسائي بعدة طرق، والطحاوي بستة طرق، خرجها العيني في ((شرحه)) . قال أبو عمر(٢): لا أعلم أن هذه القصة عرضت لمعاوية مع أبي الدرداء إلا من هذا الوجه، وإنما هي محفوظة لمعاوية مع عبادة بن الصامت، والطرق متواترة بذلك عنهما، اهـ. (١) كتاب البيوع ((باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقداً)) رقم الحديث (١٥٨٧). (٢) ((الاستذكار)) (٢١٣/١٩). ٥٣٧ ٣٣ - كتاب البيوع (١٦) باب (١٣٢٨) حديث فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: مَا أَرَى بِمِثْل هُذَا بَأْساً. وحكى ابن التركماني عن ((الاستذكار)): لا أعلم أنها جرت له مع أبي الدرداء إلا في حديث ابن أسلم عن عطاء، وليست معروفة له إلا مع عبادة، والطرق بذلك متواترة، اهـ. قال الزرقاني(١): والإسناد صحيح وإن لم يرد من وجه آخر فهو من الأفراد الصحيحة، والجمع ممكن بأنه عرض له ذلك مع عبادة وأبي الدرداء، اهـ. (فقال له معاوية: ما أرى بمثل هذا) البيع (بأساً) إما لأنه حمل النهي على المسبوك الذي به التعامل، وقيم المتلفات، أو كان لا يرى ربا الفضل كابن عباس. قال الباجي(٢): ما ذهب إليه معاوية من بيع السقاية(٣)، بأكثر من وزنها يحتمل أن يرى في ذلك ما رآه ابن عباس من تجويز التفاضل نقداً، ويحتمل أن يكون لا يرى ذلك، ولكنه جوَّز التفاضل بين المصوغ منه وغيره لمعنى الصياغة، وقول أبي الدرداء: سمعت رسول الله ولم ينهى عن مثل هذا، أنكر عليه فعله من تجويزه التفاضل في الذهب. واحتاج إلى الاحتجاج بنهي النبي وَالات عن مثل ذلك؛ لأن معاوية من أهل الاجتهاد والفقه، فليس لأبي الدرداء صرفه عن رايه إلا بدليل وحجة، وقد روى ابن أبي مليكة قيل لابن عباس: هل لك في أمير المؤمنين معاوية ما أوتر إلا بواحدة؟ قال: أصاب، إنه فقيه. وقول معاوية: ما أرى بمثل هذا بأساً، يحتمل أن يرى القياس مقدماً على أخبار الآحاد على ما رُوي عن مالك، وذلك لما يجوز على الراوي من (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٧٩/٣). (٢) ((المنتقى)) (٢٦٢/٤). (٣) أي سقاية الذهب. ٥٣٨ ٣٣ - كتاب البيوع (١٦) باب (١٣٢٨) حديث فَقَالَ أَبُو الدَّرْداءِ: مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ مُعَاوِيَةَ؟ أَنَا أُخْبِرُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَهِ. وَيُخْبِرُنِي عَنْ رَأْيِهِ. لَا أَسَاكِنُكَ بِأَرْضٍ أَنْتَ بِهَا ... السهو والغلط، والصواب تقديم خبر الواحد العدل؛ لأن السهو والغلط يجوز فيه على الناظر المجتهد أكثر مما يجوز على الناقل الحافظ الفقيه، وقد بينت ذلك في أحكام الفصول. ويحتمل أن يرى تقديم أخبار الآحاد إلا أنه حمل النهي على المضروب بالمضروب دون المصوغ بالمضروب، ورأى أن الصياغة معنى زائد يجوز أن يكون عوضاً للفضل على حسب ما يقول أبو حنيفة فيمن باع مائة دينار في قرطاس بمائتي دينار: إن ذلك جائز، ويجعل القرطاس عوضاً للمائة الأخرى، اهـ. (فقال أبو الدرداء: من يعذرني) بكسر الذال المعجمة (من معاوية) أي من يلومه على فعله، ولا يلومني عليه، أو من يقوم بعذري إذا جازيته بصنعه، ولا يلومني على ما أفعله به أو من ينصرني، يقال: عذرته إذا نصرته (أنا أخبره عن رسول الله ◌َّ﴾ ويخبرني عن رأيه). قال الباجي(١): إنكار منه على معاوية التعلق برأي يخالف النص، ولم يحمل ذلك من معاوية على التأويل، وإنما حمله منه على رد الحديث بالرأي، إما لأنه لم يرد بقوله عن مثل هذا إلا المصوغ بالمضروب، وفيه نقل النهي، فيمتنع التأويل والتخصيص، وإما لأنه حمل قول معاوية ما أرى بمثل هذا بأساً على تجويز التفاضل بين الذهبين في الجملة دون تفصيل. وأما التأويل فلا خلاف في جوازه، وفيما قاله أبو الدرداء تصريح بأن أخبار الآحاد مقدمة على القياس والرأي. (لا أساكنك) أي لا أسكن معك (بأرض أنت بها) مبالغة في الإنكار على (١) ((المنتقى)) (٢٦٢/٤). ٥٣٩ ٣٣ - كتاب البيوع (١٦) باب (١٣٢٩) حديث ثُمَّ قَدِمَ أبُو الدَّرْداءِ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. فَذَكَرَ ذُلِكَ لَّهُ. فَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى مُعَاوِيَةَ: أَنْ لَا تَبِيعَ ذَلِك، إِلَّ مِثْلاً بِمِثْلِ. وَزْناً بِوَزٍْ. ٣٥/١٣٢٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن عُمَرَ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ معاوية وإظهار لهجره والبعد عنه حين لم يأخذ بما نقل إليه من نهي النبي وَّر. ويظهر الرجوع عما خالفه، وجائز للمرء أن يهجر من لم يسمع منه ولم يطعه، وليس هذا من الهجرة المكروهة. ألا ترى أنه وَ﴿ أمر الناس أن لا يكلموا كعب بن مالك حين تخلّف عن غزوة تبوك، وهذا أصل عند العلماء في مجانبة من ابتدع وهجرته وقطع الكلام عنه، وقد رأى ابن مسعود رجلاً يضحك في جنازة، فقال: والله لا أُكَلِّمُكَ أبداً، قاله أبو عمر(١) . (ثم قدم أبو الدرداء) من الشام (على عمر بن الخطاب) بالمدينة المنورة (فذكر ذلك له) أي لعمر على معنى رفع المنكر إلى الإمام إذا لم يستطع تغييره بنفسه (فكتب عمر بن الخطاب إلى معاوية) بالشام (ألا يبيع مثل ذلك) وفي النسخ المصرية(٢): أن لا تبيع ذلك أي الذهب والفضة (إلا مثلاً بمثل) يعني (وزناً بوزن) بيان للمثل. قال الباجي(٣): كتب عمر - رضي الله عنه - على حسب ما يجب على الإمام من أحكامه بالحق والتبصير لهم بصواب الأحكام، ولم ينكر عمر على معاوية ما راجع به أبو الدرداء لما احتمل من التأويل، اهـ. ٣٥/١٣٢٩ - (مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٧٩/٣). (٢) انظر: ((الاستذكار)) (٢١٣/١٩). (٣) ((المنتقى)) (٢٦٢/٤). ٥٤٠