Indexed OCR Text

Pages 401-420

٣٣ - كتاب البيوع
(٨) باب
(١٣٠٧) حدیث
أَنَّهُ كَانَ لَا يَبِيعُ ثِمَارَهُ حَتَّى تَطْلُعَ الثُّرِيًّا .
(أنه كان لا يبيع ثماره حتى تطلع الثريا) وهو النجم المعروف؛ لأنها تنجو حينئذ
من العاهة، وعلّقه البخاري في ((صحيحه)) من رواية الليث عن أبي الزناد عن
خارجة، وزاد في آخره ((حتى تطلع الثريا، فيتبين الأصفر من الأحمر)).
قال الحافظ(١): وقد روى أبو داود من طريق عطاء عن أبي هريرة مرفوعاً
((إذا طلع النجم صباحاً رفعت العاهة عن كل بلد))، وفي رواية أبي حنيفة عن
عطاء ((رفعت العاهة عن الثمار))، اهـ. ولأحمد والبيهقي عن ابن عمر ((نهى
رسول الله ◌َ عن بيع الثمار حتى يؤمن عليها العاهة فقيل: متى ذلك يا أبا
عبد الرحمن؟ قال: إذا طلعت الثريا))(٢).
قلت: وأخرجه شيخ مشايخنا الشاه ولي الله في ((مسلسلاته)) بسنده إلى
أبي هريرة مرفوعاً: ((إذا ارتفع النجم رفعت العاهة عن كل بلدة)) وذكره
السخاوي(٣) بطرق؛ منها: ما قال أخرجه الطبراني في ((معجمه الصغير)) بلفظ
((إذا ارتفع النجم رفعت العاهة عن كل بلد)).
ورواه عسل بن سفيان عن عطاء بلفظ: ((ما طلع النجم صباحاً قط وبقوم
عاهة إلا رفعت أو خفت)) كما لمسدد، وفي لفظ عنه أخرجه أحمد: ((ما طلع
النجم قط وفي الأرض من العاهة شيء إلا رفع))، والنجم الثريا، قال:
وطلوعها صباحاً يقع في أول الصيف، وذلك عند اشتداد الحر في بلاد
الحجاز، وابتداء نضج الثمار.
وحكى العزيزي عن المناوي أي إذا ظهرت للناظرين ساطعة عند طلوع
الفجر، وذلك في العشر الأول من أيّار، فليس المراد بطلوعها مجرد ظهورها
في الأرض؛ لأنها تطلع كل يوم وليلة، اهـ.
(١) ((فتح الباري)) (٣٩٥/٤).
(٢) أخرجه البيهقي في ((سننه)) (٣٠٠/٥)، وأحمد في «مسنده» (٤٢/٢)، ح (٥٠١٢).
(٣) انظر: ((المقاصد الحسنة)) (ص٤٠).
٤٠١

٣٣ - كتاب البيوع
(٨) باب
(١٣٠٧) حديث
وأخرجه ابن عبد البر في (التمهيد)) (١) وقال: النجم الثريا.
ولا خلاف ههنا في ذلك، وطلوعها صباحاً لاثنتي عشرة ليلة تمضي من
شهر أيّار، وهو شهر مايو، وفي ((المجمع))(٢): أصل النجم كل كوكب، وهو
بالثريا أخص، فيراد عند الإطلاق، وأراد طلوعها عند الصبح، وذلك في العشر
الأوسط من أيّار، وسقوطها على الصحيح في العشر الأوسط من تشرين
الآخر، والعرب تزعم أن بين طلوعها وغروبها أمراضاً ووباء وعاهات في
الناس والإبل والثمار، ومدة مغيبها بحيث لا تبصر في الليل نيف وخمسون
ليلة؛ لأنها تخفى بقربها من الشمس قبلها وبعدها، فإذا بعدت ظهرت في
الشرق في الصبح؛ الحربي: أراد الحجاز؛ لأن في أيّار يقع الحصاد وتدرك
الثمار، اهـ.
وقال الرازي في ((التفسير الكبير)): إن الثريا إذا ظهرت من المشرق بالبكر
حان إدراك الثمار، وإذا ظهرت بالعشاء أواخر الخريف تقل الأمراض.
وقال الشيخ ابن القيم(٣) بعد ما ذكر كثرة الأمراض في الخريف: وأصح
الفصول فصل الربيع. قال بقراط: إن في الخريف أشد ما يكون من الأمراض،
وأقتل، وأما الربيع فأصح الأوقات كلها، وأقلها موتاً، وقد جرت عادة
الصيادلة ومجهزي الموتى أنهم يستدينون، ويتسلّفون في الربيع على فصل
الخريف، فهو ربيعهم، وهم أشوق شيء إليه وأفرح بقدومه.
وقد روي في حديث: ((إذا طلع النجم ارتفعت العاهة عن كل بلد))(٤)،
(١) (١٩٢/٢، ١٩٣).
(٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤/ ٦٦٤).
(٣) ((زاد المعاد)) (٣٨/٤).
(٤) أخرجه محمد في ((الآثار)) (ص١٥١).
٤٠٢

٣٣ - كتاب البيوع
(٨) باب
(١٣٠٧) حديث
وفسر بطلوع الثريا، وبطلوع النبات من الربيع، ومنه ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ
يَسْجُدَانِ ﴾﴾(١) فإن كمال طلوعه يكون في الربيع، وهو الفصل الذي ترتفع فيه
الآفات.
وأما الثريا فالأمراض تكثر وقت طلوعها مع الفجر وسقوطها، قال التيمي
في كتاب ((مادة البقاء)): أشد أوقات السنة فساداً وأعظمها بلية على الأجساد
وقتان، أحدهما: وقت سقوط الثريا للمغيب عند طلوع الفجر، والثاني: وقت
طلوعها من المشرق قبل طلوع الشمس على العالم لمنزلة من منازل القمر،
وهو وقت تَصُرُّم فصل الربيع وانقضائه، غير أن الفساد الكائن عند طلوعها أقل
ضرراً من الفساد الكائن عند سقوطها .
وقال أبو محمد بن قتيبة: يقال: ما طلعت الثريا، ولا نأت إلا بعاهة في
الناس والإبل، وغروبها أعوَهُ(٢) من طلوعها - وفي الحديث قول ثالث - ولعله
أولى الأقوال به - أن المراد بالنجم: الثريا، وبالعاهة: الآفة التي تلحق الزروع
والثمار في فصل الشتاء وصدر فصل الربيع، فحصل الأمن عليها عند طلوع
الثريا في الوقت المذكور، اهـ.
وقال الباجي(٣): إن طلوع الثريا مع الفجر إنما يكون في النصف الآخر
من شهر مايو، وهو شهر أيّار، وفي ذلك يبدو صلاح الثمار في الحجاز،
ويظهر الإزهاء فيها، وتنجو من العاهة في الأغلب، ففي ذلك الوقت يجوز
بيعها فيه دون ما قبله، غير أن تحديد ذلك بالإزهاء بأن تنجو من العاهة، يتعقبه
الجواز على كل حال، وأما طلوع الثريا فليس بحد، يتميز به وقت جواز البيع
(١) سورة الرحمن: الآية ٦.
(٢) أعوه: أشدّ عاهة وإصابة من: عاه الشيء: إذا أصابته عاهة.
(٣) ((المنتقى)) (٢٢٢/٤).
٤٠٣

٣٣ - كتاب البيوع
(٨) باب
(١٣٠٧) حدیث
قَالَ مَالِكٌ: وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي بَيْع الْبِطَيخِ وَالْقِشَّاءِ وَالْخِرْبِزِ
وَالْجَزَرِ ،
من وقت منعه، وقد روى القعنبي عن مالك في ((المبسوط)) أنه قال: ليس
العمل على هذا، ومعنى ذلك عندي أنه لا يباح البيع بنفس طلوع الثريا حتى
يبدو صلاحها، اهـ.
وبذلك جزم السخاوي والحافظ، إذ قالا: والمعتبر في الحقيقة النضج،
وطلوع النجم علامة له، وقد بيّنه في الحديث بقوله: ((ويتبين الأصفر من
الأحمر))، اهـ.
(قال مالك: والأمر عندنا) في المدينة المنورة (في بيع البطيخ) بكسر
الموحدة وتشديد الطاء المهملة، قال الزرقاني(١): تقديم الطاء عليها لغة،
قلت: والمراد الأخضر، يقال في الهندية: تربوز (والقثاء) بتشديد المثلثة وكسر
القاف أكثر من ضمها، وهو اسم لما يقول له الناس الخيار والعجور
والفقوس، وبعضهم يطلقه على نوع يُشبه الخيار.
وقال المناوي في ((شرح الشمائل)) (٢): نوع من الخيار أخف منه
و(الخربز) بكسر المعجمة وسكون الراء، فموحدة مكسورة، فزاي صنْفٌ من
البطيخ، معروف شبيه بالحنظل أملس مدور الرأس رقيق الجلد، قاله البوني.
وقال القاري في ((شرح الشمائل)): هو معرب الخربزة (والجزر) بفتح الجيم
وكسرها لغةً، الواحدة جزرة معروف، قال ابن عبد البر: ليس في أكثر
الموطات، لأنه باب آخر من بيع الغائب والمغيب في الأرض، اهـ.
وسيأتي ذلك في كلام الدردير أيضاً من أنه من مغيب الأصل، ولعل
المصنف جمعهما ههنا في قول واحد؛ لأن موضوع الكلام ههنا من باب
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٦٠/٣).
(٢) (٢٤٠/١).
٤٠٤

٣٣ - كتاب البيوع
(٨) باب
(١٣٠٧) حديث
أَنَّ بَيْعَهُ إِذَا بَدَا صَلَاحُهُ
الجائحة، وفيها اختلاف، أن حكمهما واحد أم مختلف، كما سيأتي في كلام
الدسوقي، وأن حكم بيعهما واحد عند مالك، وهو الجواز خلافاً للأئمة
الثلاثة، كما سيأتي في كلام الموفق.
قال الدردير(١): صح بيع ثمر من بلح، ورمان، ونحوه، كقمح، وشعير،
وجزر بدا صلاحه إن لم يستتر بأكمامه، فإن استتر بها، كجوز، ولوز في
قشره، وكقمح في سنبله لم يصح جزافاً؛ لأنه غير مرئي، ويصح كيلاً، وبدو
الصلاح في البلح باحمراره أو اصفراره وظهور حلاوة في غيره من الثمار
والتهيؤ للنضج كالموز؛ لأن من شأنه أن لا يطيب حتى يدفن، وفي ذي النور
كالورد والياسمين بانفتاحه، وفي البقول بإطعامها، وهل هو في البطيخ الأصفر
والخربز الإصفرار أو التهيؤ للنضج؟ قولان، وبدو الصلاح في البطيخ
الأخضر، لعله تلوّن لبُّه بالحمرة أو غيرها .
قال الدسوقي: وبدو الصلاح في القثاء والخيار أن ينعقد، ويوجد له
طعم، قال الدردير: وللمشتري بطون كياسمين، وورد، ومقتأة كخيار وقثاء
وبطيخ من كل ما يخلف، ولا يتميز بعضه من بعض، ولا يجوز توقيته بِكَشَهْرٍ،
ووجب ضرب الأجل إن استمر بأن كان كلما قطع منه شيء خلفه غيره، وليس
له آخر ينتهي إليه، كالموز في بعض الأقطار.
ثم قال: ويجوز بيع مغيب الأصل كالجزر والبصل والثوم بشرط رؤية
ظاهرة وقلع شيء منه، ويُرَى، فإنه يعرف بذلك، ولا يكون مجهولاً، قال
الدسوقي: خلافاً لما قال بعضهم: إن مغيب الأصل لا يجوز أن يباع منه إلا
ما كان مقلوعاً بالفعل؛ لأن ما لم يقلع مجهول، اهـ.
(أن بيعه) أي بيع كل واحد منها (إذا بدا صلاحه) وتقدم في كلام الدردير
(١) ((الشرح الكبير)) (١٧٦/٣).
٤٠٥

٣٣ - كتاب البيوع
(٨) باب
(١٣٠٧) حديث
حَلَالٌ جَائِزٌ .
بدو صلاح كل واحد منها (حلال جائز) هما بمعنى، كرره تأكيداً.
قال الباجي(١): وهذا كما قال: إن بيع القِثَّاء إذا بدا صلاحه جائز بشرط
أن يشتمل البيع على جميع ما يخرج منه إلى آخره، فإن ذلك جائز؛ لأن صلاح
تلك الثمرة قد بدا، فباقیها تبع لها؛ لأن هذا حکم یتبع فيه كل ما بدا صلاحه،
كل ما يأتي بعده منه، وهذا حكم الخربز، وهو نوع من البطيخ، وحكم
الباذنجان وغيره مما يأتي بعضه دون بعض، ولا يتميز أوله من آخره، وقال أبو
حنيفة والشافعي: لا يجوز شيء من ذلك، والدليل على ما نقوله أن هذه ثمرة
لا يمكن حبس أولها على آخرها، فجاز أن يباع ما لم يبد صلاحه بما بدا
صلاحه کالتین والخوخ، اهـ.
وقال الخرقي: لا يجوز بيع القثاء والخيار والباذنجان وما أشبه ذلك إلا
لقطة لقطة، قال الموفق(٢): وجملة ذلك أنه إذا باع ثمرة شيء من هذه البقول
لم يجز إلا بيع الموجود منها دون المعدوم، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي،
وقال مالك: يجوز بيع الجميع؛ لأن ذلك يشق تمييزه، فجعل ما لم يظهر تبعاً
لما ظهر، كما أن ما لم يبد صلاحه تبع لما بدا صلاحه، ولنا؛ أنها ثمرة لم
تُخْلَقْ، فلم يجز بيعها كما لو باعها قبل ظهور شيء منها. والحاجة تندفع ببيع
أصوله، ولأن ما لم يخلق من ثمرة النخل لا يجوز بيعه تبعاً لما خُلِقَ، وإن
كان ما لم يبدُ صلاحه تبعاً لما بدا .
ويصح بيع أصول هذه البقول التي تتكَرَّرُ ثمرتُها من غير شرط القطع،
وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، ولا فرق بين كون الأصول صغاراً أو كباراً،
مثمرة أو غير مثمرة؛ لأنه أصل تكرر فيه الثمر، فأشبه الشجر.
ولا يجوز بيع ما المقصود منه مستورٌ في الأرض، كالجزر والبصل والثوم
(١) ((المنتقى)) (٢٢٢/٤).
(٢) («المغني)) (١٦٠/٦).
٤٠٦

٣٣ - كتاب البيوع
(٨) باب
(١٣٠٧) حديث
ثُمَّ يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي مَا يَنْبُتُ حَتَّى يَنْقِطِعَ ثَمَرُهُ، وَيَهْلِكَ. وَلَيْسَ فِي
ذُلِكَ وَقْتٌ يُؤَقَّتُ. وَذُلِكَ أَنَّ وَقْتَهُ مَعْرُوفٌ عِنْدَ النَّاسِ. وَرُبَّمَا دَخَلَتْهُ
الْعَاهَةُ. فَقَطَعَتْ ثَمَرَتَهُ، قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ ذُلِكَ الْوَقْتُ. فَإِذا دَخَلَتْهُ
الْعَاهَةُ، بِجَائِحَةٍ تَبْلُغُ الثُّلُثَ فَصَاعِداً. كَانَ ذُلِكَ مَوْضُوعاً عَنِ الَّذِي
ابْتَاعَهُ.
حتى يُقْلَعَ ويُشاهد، وهذا قول الشافعي، وابن المنذر، وأصحاب الرأي،
وأباحه مالك والأوزاعي وإسحاق؛ لأن الحاجة داعية إليه، فأشبه بيع ما لم يبدُ
صلاحُه تبعاً لما بدا، ولنا؛ أنه مبيع مجهولٌ لم يره، ولم يُؤْصَفْ له، فأشبه بيع
الحمل، ولأن النبي ◌َّ نهى عن بيع الغرر، رواه مسلم(١)، وهذا غرر، اهـ.
(ثم يكون للمشتري ما ينبت حتى ينقطع ثمره ويهلك) بكسر اللام أي
يختم (وليس في ذلك وقت موقت) به (وذلك) أي سبب عدم التوقيت وجوازه
إلى الانقطاع (أن وقته معروف عند الناس).
قال الباجي(٢): يريد في القثاء والبطيخ وما ليس له أصل ثابت مما
يحدث شيئاً بعد شيء، ولا يتميز، ووجه ذلك عندي أنه إنما يشتري ثمره على
المعروف من حال مثله في قوة نباته ونعومته إلى آخر ما بسطه من بيان
الضروب والأنواع في ذلك (وربما دخلته) أي كل واحد من الأنواع المذكورة
(العاهة) أي الآفة والمرض (فقطعت) تلك العاهة (ثمرتَه) بالنصب مفعوله أي
انقطعت ثمرته (قبل أن يأتي ذلك الوقت) المعروف بين الناس.
(فإذا دخلته العاهة بجائحة) تهلك بها الثمار قبل أوانها حتى (تبلغ)
الجائحة (الثلث) والثلث هي المناط عند مالك كما سيأتي في محله (فصاعداً)
أي أكثر من الثلث (كان ذلك موضوعاً عن الذي ابتاعه) بخلاف إذا كانت
الهالكة أقل من الثلث فلا يعبأ بها .
(١) ((صحيح مسلم)) (١١٥٣/٣).
(٢) ((المنتقى)) (٢٢٢/٤).
٤٠٧

٣٣ - كتاب البيوع
(٩) باب
(٩) باب ما جاء في بيع العَرِيَّةِ
قال الباجي: يريد أنه لما بيع من هذه المقائي عند الناس أوقاتاً معتادة
إذا سلمت ينتهي إليها، وتدوم ثمرتها طول مدتها على حسب ما عرفوه واعتادوه
من ذلك، فإن بلغتها الثمرة واتصلت إليها فقد سلم المبيع للمبتاع، ووجب
للبائع جميع الثمن، وإن قصرت عن ذلك الثمرة، وانقطعت قبل المعروف من
وقتها، فإنما يكون ذلك بعاهة، فلم تسلم جميع الثمرة إلى من ابتاعها، فيوضع
ذلك عن المبتاع إذا بلغ الثلث، فأكثر، وسنذكر ذلك في ((باب الجوائح)) قريباً.
(٩) بيع العربية
وفي النسخ المصرية(١) (ما جاء في بيع العرية) وهي على وزن فعيلة
جمعها عرايا اختلف في معناها لغة وشرعاً، أما اللغة ففيها أقوال: أحدها:
أنها فعيلة بمعنى فاعلة؛ لأنها عريت بإعراء مالكها أي إفراد ما له من باقي
النخل باعتبار التحريم، أو حكم البيع، أو باعتبار العطية، يقال: عريت النخل
بفتح العين وكسر الراء تعرى على أنه لازم.
قال صاحب ((العين)): العربة من النخل التي تعرى عن المساومة عند بيع
النخل، وقال غيره: مأخوذ من عرى يعرى إذا خلع ثوبه، كأنها عُرِيت من
جملة التحريم، وقيل: مأخوذ من تخلي الإنسان عن ملكه من الثمرة من قوله
.(
تعالى: ﴿﴿ فَبَدْنَهُ بِالْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (®)﴾(
قال الزرقاني(٣): قال الجمهور: إنها بمعنى فاعلة، قلت: ثم صارت بعد
ذلك فيها أقوال: أحدها: انفردت؛ لأن مالكها وهب ثمرها. ثانيها: أنها
انفردت بالبيع عن باقي النخل، ثالثها: أنها انفردت عن المساومة عند بيع باقي
(١) انظر: ((الاستذكار)) (١١٦/١٩).
(٢) سورة الصافات: الآية ١٤٥.
(٣) (شرح الزرقاني)) (٢٦٢/٣).
٤٠٨

٣٣ - كتاب البيوع
(٩) باب
النخل، رابعها: أنها انفردت من تحريم المزابنة، خامسها: أنها عريت عن ملك
مالكها، سادسها: أنها عريت عن الخرص في الزكاة، سابعها: أنها عريت عن
الثمن لكونها هبة، قاله ابن رشد.
القول الثاني: إنها فعيلة بمعنى مفعولة من عراه يعروه إذا أتاه؛ لأن
مالكها يعروها أي يأتيها، فهي معرّة، وفي ((الصحاح)): فيعروه الذي أعطيته
أي يأتيها .
القول الثالث: ما قال الأبي(١): إن عرا التي على وزن غزا هي بمعنى
الطلب، ومنه يقال: عرى فلان فلاناً فأعراه، إذا أتاه يطلب معروفه، ومعنى
فأعراه فأعطاه، كما يقال: طلبني فأطلبته، أي أعطيته، فقيل: العرية مشتقة من
عراه يعروه إذا أتاه يطلب معروفه؛ لأن معراها يأتيها، ويطلبها، ويختلف إليها،
وهذا الاشتقاق موافق لما فسرها به مالك من أنها هبة الثمر، وتفسيرها بذلك
هو الذي صوبه أبو عبيد، وليس موافقاً لما فسرها به الشافعي؛ لأن الذي
فسرها به ليس فيه هبة ولا عطية، اهـ. قلت: وسيأتي تفسير هذين الإمامين
قريباً .
القول الرابع: أنها اسم لعطية خاصة. وقد سَمَّتِ العرب عطايا خاصة
بأسماء خاصة، كالمنيحة لعطية الشاة. والأفقار لما ركب فقاره.
قال حسان بن ثابت فيما ذكر ابن التين، وقال غيره: هي لسويد بن
الصلت -:
ليسَتْ بسنهاءَ ولا رُجَّبِيَّةٍ ولكن عرايا في السنين الجوائِح(٢)
(١) ((إكمال الإكمال)) (٢٠٦/٤).
(٢) انظر: غريب الحديث في اللسان (رج ب، س ن هـ ، ع ر ی) قال ابن منظور في
(رجب): إنه يروى: رُجَّبية، بضم الراء وتخفيف الجيم المفتوحة وتشديدها .
٤٠٩

٣٣ - كتاب البيوع
(٩) باب
والسنهاء التي تُحْمَلُ سنةً دون سنة، والرجبية التي تُدْعَمُ حين تميل من
الضعف، قاله الحافظ(١) وفسرها الباجي بغير ذلك، فقال: ليست بسنهاء أي لا
يعامل عليها سنين، وهي المسانهة، ولا رجبية يريد ليست يبنى عليها،
والترجيب البناء بالجمارة حول أصلها، وقوله: لكن العرايا ... إلخ يريد إذا
نزلت الجوائح بالناس واشتدّ الزمان، وقلّت الثمار وهبها حينئذ، وجعل ثمرتها
طعمة، اهـ.
قال العيني في ((شرح الطحاوي)): فالعرية معناها العطية ألا ترى إلى
الذي مدح الأنصار بقوله: ليست بسنهاء ... إلخ ذكر العرايا، وأراد بها العطايا
يعني أنهم يعرونها أي يعطونها في السنين الجوائح، اهـ. وبه جزم صاحب
((الهداية)) إذ قال: العرية العطية لغةً، وبه جزم الطحاوي، وحكى الموفق(٢) عن
المالكية أنهم قالوا: إن العرية في اللغة ثمرة النخيل عاماً، وقال: قال أبو
عبيد: الإعراء أن يجعل الرجل للرجل ثمرة نخله عامها ذلك، اهـ.
وقال ابن رشد(٣): إن العرية عند مالك الهبة، وخالفه الشافعي في ذلك،
وأما أحمد بن حنبل فيوافق مالكاً في أن العرية عنده هي الهبة، والدليل عليه
اللغة، فإن أهل اللغة قالوا: العرية هي الهبة، اهـ. قال الباجي: وعلى ذلك
فسرها جماعة أهل اللغة.
وأما شرعاً، فقد اختلفوا في تفسيرها على أقوالٍ ذكرها العيني في ((شرح
البخاري)) والطحاوي مع النسبة إلى قائليها، قال الطحاوي بعدما ذكر روايات
العرايا: فقد جاءت هذه الآثار عن رسول الله وَلر، وتواترت في الرخصة في
(١) ((فتح الباري)) (٣٩٠/٤) و((التمهيد)) (٣٢٤/٢).
(٢) انظر: ((المغني)) (١١٩/٦).
(٣) انظر: ((بداية المجتهد)) (٢١٦/٢).
٤١٠

٣٣ - كتاب البيوع
(٩) باب
بيع العرايا، فقبلها أهل العلم جميعاً، ولم يختلفوا في صحة مجيئها، وتنازعوا
في تأويلها، فذكر قولي مالك وأبي حنيفة في تأويلها، وذكر الحافظ في
(الفتح)) (١) هذه الأقاويل بعنوان: ((صور العرية)).
فقال: ثم إن صور العربية كثيرة، منها: أن يقول الرجل لصاحب حائط :
بعني ثمر نخلات بعينها بخرصها من التمر، فيخرصها ويبيعه ويقبض منه التمر،
ويسلم إليه النخلات بالتخلية، فينتفع برطبها، ومنها: أن يهب صاحب الحائط
لرجل نخلات أو ثمر نخلات معلومة من حائطه، ثم يتضرر بدخوله عليه،
فیخرصها ويشتري منه رطباً بقدر خرصه بتمر یعجله له.
ومنها: أن يهبه إياها فيتضرَّرُ الموهوب له بانتظار صيرورة الرطب تمراً،
ولا يحب أكلها رطباً لاحتياجه إلى التمر، فيبيع ذلك الرطب بخرصه من
الواهب أو من غيره بتمر يأخذه معجلاً.
ومنها: أن يبيع الرجل ثمر حائطه بعد بدو صلاحه، ويستثني منه نخلات
معلومة يبقيها لنفسه أو لعياله، وهي التي عفي له عن خرصها في الصدقة،
وسميت عرايا؛ لأنها أعريت من أن تخرص في الصدقة، فرخص لأهل الحاجة
الذين لا نقد لهم، وعندهم فضول من تمر قوتهم أن يبتاعوا بذلك التمر من
رطب تلك النخلات بخرصها. ومما يطلق عليه اسم العرية أن يعري رجلاً تمر
نخلات يبيح له أكلها والتصرف فيها. وهذه هبة مخصوصة.
ومنها: أن يعري عامل الصدقة لصاحب الحائط من حائطه نخلات
معلومة لا يخرصها في الصدقة، وهاتان الصورتان من العرايا لا بيع فيها،
وجميع هذه الصور صحيحة عند الشافعي والجمهور، وقصر مالك العرية في
البيع على الصورة الثانية، وقصرها أبو عبيد على الصورة الأخيرة من صور
(١) (فتح الباري)) (٣٩١/٤).
٤١١

٣٣ - كتاب البيوع
(٩) باب
البيع، وزاد أنه رخّص لهم أن يأكلوا الرطب، ولا يشتروه لتجارة ولا ادّخار،
ومنع أبو حنيفة صور البيع كلها، وقصر العربية على الهبة، وهو أن يعري الرجل
ثمر نخلة من نخله، ولا يُسَلِّمُ ذلك له، ثم يبدو له في ارتجاع تلك الهبة،
فرخص له أن يحتبس ذلك، ويعطيه بقدر ما وهب له من الرطب بخرصه تمراً،
وحمله على ذلك أخذه بعموم النهي عن بيع التمر بالتمر، اهـ.
قلت: وقد روي عن الأئمة الأربعة في تفسير العرية قول مستقل، أما
الإمام مالك فقد علق عنه البخاري في ((صحيحه)) فقال: قال مالك: العربية أن
يعري الرجل الرجل النخلة، ثم يتأذى بدخوله عليه، فرخص له أن يشتريها منه
بتمر .
قال الحافظ (١): هذا التعليق وصله ابن عبد البر(٢) من طريق ابن وهب
عن مالك، وروى الطحاوي من طريق ابن نافع عن مالك أن العرية النخلة
للرجل في حائط غيره، وكانت العادة أنهم يخرجون بأهليهم في وقت الثمار
إلى البساتين، فيكره صاحب النخل الكثير دخول الآخر عليه، فيقول له: أنا
أعطيك بخرص نخلتك تمراً، فرخص له في ذلك، ومن شرط العرية عند مالك
أنها لا تكون بهذه المعاملة إلا مع المُعري خاصة؛ لما يدخل على المالك من
الضرر بدخول حائطه، أو ليدفع الضرر عن الآخر بقيام صاحب النخل بالسقي
والكلف، اهـ.
قلت: وما حكى عنه البخاري ذكره في ((المدونة)) من رواية ابن القاسم
عنه حكاه أيضاً ابن عبد البر في ((التمهيد))، وقال: هذه رواية مشهورة عنه
بالمدينة والعراق، وهذه الرواية عن مالك على خلاف أصله في العرية أنها هبة
(١) ((فتح الباري)) (٣٩٠/٤).
(٢) انظر: ((الاستذكار)) (١٢٦/١٩).
٤١٢

٣٣ - كتاب البيوع
(٩) باب
الثمر، وأن الواهب هو الذي رخص له في شرائها، وهذا لم يوهب له ثمر
نخل، بل هو ملك رقاب، اهـ.
قلت: أصل العرية عند مالك، هو ما تقدم لكن هذا أيضاً داخل في
حكم العرية.
قال الدردير (١) بعد ذكر العربية: ولما كان لنا ما يشبه العربية في الترخيص
في شراء التمرة بخرصها، وليس هو من العرية في شيء، ذكره الخليل بقوله:
وجاء شراء أصل لغيرك في حائطك بخرصه مع بقية الشروط، اهـ.
وأما عند الإمام أبي حنيفة، فقد أسند الطحاوي عنه أنه قال: معنى ذلك
عندنا أن يعري الرجل الرجل ثمر نخلة من نخله، فلا يُسَلُّمُ ذلك إليه حتى يبدو
له، فرخّص له أن يحبس ذلك ويعطيه مكانه خرصه تمراً، اهـ.
وجعل محمد في ((موطئه))(٢) قولهم موافقاً لقول مالك في ذلك، فقال:
وذكر مالك بن أنس أن العرية إنما تكون أن الرجل يكون له نخل، فيطعم
الرجل منها ثمرة نخلة أو نخلتين، ثم يثقل عليه دخوله حائطه، فيسأله أن
يتجاوز له عنها على أن يعطيه بمكيلتها تمراً عند صرام النخل، فهذا كله لا
بأس به عندنا؛ لأن التمر كله كان للأول، وهو يعطي منه ما شاء، فإن شاء
سلم له ثمرات النخل، وإن شاء أعطاها بمكيلتها من التمر؛ لأن هذا لا يجعل
بيعاً، ولو جعل بيعاً ما حل تمر بتمر إلى أجل، اهـ.
وهذا لا شك فيه أن مذهب الحنفية في ذلك قريب من مذهب الإمام
مالك؛ لأن كونها موهوبة شرط عند مالك أيضاً، وكذا يشترط جواز بيعها
بالواهب كما سيأتي في كلام الموفق والدردير.
(١) ((الشرح الكبير» (١٨١/٣).
(٢) انظر: ((موطأ الإمام محمد مع التعليق الممجد)) (١٨١/٣).
٤١٣

٣٣ - كتاب البيوع
(٩) باب
وأما الشافعي، فقد قال الحافظ: الذي في ((الأم))، وذكر عنه البيهقي في
((المعرفة)) أنه قال: العرايا يشتري الرجل ثمراً لنخلة، فأكثر بخرصه من التمر
بأن يخرص الرطب، ثم يُقَدِّرُكم ينقص، إذا ييس، ثم يشتري بخرصه تمراً. فإن
تفرقا قبل أن يتقابضا فسد البيع، اهـ.
وقد جاء عن الشافعي بلفظ آخر: ولا تبتاع العربية بالتمر إلا أن تخرص
العربية كما يخرص المُعَشِّرُ، فيقال فيها الآن كذا وكذا من الرطب، فإذا يبس
كان كذا وكذا، فيدفع من التمر بكيله خرصاً، ويقبض النخلة بثمرها قبل أن
يتفرقا، فإن تفرقا قبله فسد، اهـ.
وأما أحمد فسيأتي في كلام الموفق ما حكى عنه الأثرم، فإن الموفق ذكر
شرائط صحة هذا البيع عند القائلين بجوازه، وكذا في ((الشرح الكبير))(١).
وملخص ما قالا في ذلك: أنه لا يجوز بيع المزابنة؛ لأنه وَل# نهى عن
المزابنة؛ وهو بيع الرطب بالتمر، متفق عليه، فأما العرايا فيجوز في الجملة،
وهو قول أكثر أهل العلم، منهم مالك والأوزاعي والشافعي وإسحاق وابن
المنذر، وقال أبو حنيفة: لا يحل بيعها للحديث المذكور، ولأنه بيع الرطب
بالتمر من غير كيل في أحدهما فلم يجز، كما لو كان على وجه الأرض أو
فيما زاد أو على خمسة أوسق.
ولنا ما روى أبو هريرة أن النبي ◌ّ﴾ رخص في العرايا في خمسة أوسق
أو فيما دون خمسة، متفق عليه(٢)، ورواه زيد بن ثابت وسهل بن أبي حثمة
وغيرهما، وحديثهم في سياقه إلا العرايا في المتفق عليه، وهذه زيادة يجب
الأخذ بها، وقال ابن المنذر: الذي نهى عن المزابنة هو الذي أرخص في
العرايا .
(١) انظر: (الشرح الكبير)) على («المغني)) (١٥٣/٤).
(٢) ((صحيح البخاري)) (٢١٧٣)، و((صحيح مسلم)) (١٥٣٩).
٤١٤

٣٣ - كتاب البيوع
(٩) باب
وإنما يجوز هذا البيع بشروط خمسة: أحدها: أن يكون فيما دون خمسة
أوسق في ظاهر المذهب، ولا خلاف في أنها لا يجوز في زيادة على خمسة
أوسق، وأنها تجوز فيما دون خمسة عند القائلين بجوازها، والخمسة الأوسق
فظاهر المذهب أنه لا يجوز فيها، وبه قال ابن المنذر والشافعي في أحد قوليه،
وقال مالك والشافعي في قول آخر: يجوز، ورواه إسماعيل بن سعيد عن
أحمد، ولا يجوز أن يشتري أكثر من خمسة أوسق، سواء اشتراها من واحد أو
من جماعة، وقال الشافعي: يجوز للإنسان بيع جميع حائطه عرايا من رجل
واحد أو من رجال في عقود متكررة؛ لأن كل عقد جاز مرة جاز أن يتكرر
كسائر البيوع.
ولنا: عموم النهي عن المزابنة، واستثنى منه العرية فيما دون خمسة، فما
زاد يبقى على العموم، وإن باع رجل عريتين من رجلين فيهما أكثر من خمسة
أوسق، جاز، وقال أبو بكر والقاضي: لا يجوز لما ذكرنا في المشتري.
ثانيها: أن يكون المشتري محتاجاً إلى أكلها رطباً، ولا يجوز بيعها
لغني، وهو أحد قولي الشافعي، وله قول آخر: أنها تباح مطلقاً؛ لأن كل بيع
جاز للمحتاج جاز للغني.
ولنا ما روى محمود بن لبيد قلت لزيد بن ثابت: ما عراياكم هذه؟ فسَمَّى
رجالاً محتاجين من الأنصار، شَكَوْا إلى رسول الله وَ طِّ أن الرُّطَب يأتي. ولا
نَقْدَ بأيديهم، يبتاعون به رُطباً يأكلونه. وعندهم فضول من التمر، فرخص لهم
أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر الذي في أيديهم يأكلونه رُظْباً(١).
ومتى خولف الأصل بشرط لم يحل مخالفته بدون ذلك الشرط، ولأن ما
(١) أورده الزيلعي في ((نصب الراية)) (١٣/٤، ١٤) وقال: لم أجد له سنداً بعد الفحص
البالغ، وذكره الشافعي في: باب بيع العرايا من كتاب البيوع، ((الأم)) (٤٧/٣).
٤١٥

٣٣ - كتاب البيوع
(٩) باب
أبيح للحاجة لم يبح مع عدمها كالزكاة للمساكين، فعلى هذا متى كان صاحبها
غير محتاج إلى أكل الرطب، أو كان محتاجاً، ومعه من الثمن ما يشتري به
العرية لم يجز له شراؤها بالتمر، وسواء باعها لواهبها تحرزاً من دخول صاحب
العرية حائطه كمذهب مالك أو لغيره، فإنه لا يجوز، وقال ابن عقيل: يباح،
ويحتمله كلام أحمد؛ لأن الحاجة وجدت من الجانبين، فجاز كما لو كان
المشتري محتاجاً إلى أكلها .
ولنا حديث زيد المذكور، والرخصة لمعنى خاص لا تثبت مع عدمه،
ثالثها: أن لا يكون للمشتري نَقْدٌ يشتري به لخبر زيد المذكور، رابعها: أن
يشتريها بخرصها من التمر، ويجب أن يكون التمر الذي يشتري به معلوماً
بالكيل ولا يجوز جزافاً، ولا نعلم في هذا عند من أباح بيع العرايا خلافاً؛
لأن الأصل اعتبار الكيل من الطرفين سقط في أحدهما للتعذر، فيجب في
الآخر بقضية الأصل، ومعنى خرصها تمراً أن يُطِيْف الخارص بالعرية فينظركم
يجيء منها تمراً، فيشتريها بمثلها تمراً، وبهذا قال الشافعي.
ونقل حنبل عن أحمد أنه قال: بخرصها رطباً، ويعطي تمراً، وهذا
يحتمل الأول، ويحتمل أنه يشتريها بتمر مثل الرطب، قال القاضي: والأول
أصحُّ؛ لأن هذا يُبْنى على خرص الثمار في العُشْر والصَّحِيح ثم خرصه تمراً،
فإن اشتراها بخرصها رطباً لم يجز، وهذا أحد الوجوه لأصحاب الشافعي،
والثاني؛ يجوز، والثالث؛ لا يجوز مع اتفاق النوع، ويجوز مع اختلافه.
ووجه الجواز ما روى ابن عمر عن زيد بن ثابت أنه وُّل و أرخص بعد
ذلك في بيع العرية بالرطب أو التمر، ولنا ما روي عن زيد بن ثابت بلفظ
رخّص في العرايا أن تؤخذ بمثل خرصها تمراً، رواه مسلم(١)، ولأن من له
(١) أخرجه مسلم (١١٦٩/٣).
٤١٦

٣٣ - كتاب البيوع
(٩) باب
رطب فهو مستغنٍ عن شراء الرطب بأكل ما عنده، وحديث ابن عمر شَك في
الرطب والتمر، فلا يجوز العمل به مع الشك، خامسها: التقابض في
المجلس، وهو قول الشافعي، ولا نعلم فيه مخالفاً؛ لأنه بيع تمرٍ بتمر، فاعتبر
فيه شروطه إلا ما استثناه الشرع.
قلت: وما قال: لا نعلم فيه مخالفاً مشكل، فإن فيه خلافاً شديداً لمالك
حتى لم يجوز التقابض، بل جعله مفسداً كما سيأتي في شروط المالكية، ثم
قالا: ولا يشترط في بيع العرية أن تكون موهوبة لبائعها، هذا ظاهر كلام
أصحابنا، وبه قال الشافعي، وظاهر كلام الخرقي أنه شرط إذ قال: والعرايا
التي أرخص فيها رسول الله وَلقول هو أن يوهب للإنسان من النخل ما ليس فيه
خمسة أوسق، فيبيعها بخرصها من التمر لمن يأكلها رطباً، وقد روى الأثرم
قال: سئل أحمد عن تفسير العرية، فقال: العرايا أن يعري الرجل الجارَ أو
القرابة للحاجة أو المسكنة، فللمُعَرِّي أن يبيعها ممن شاء، واشترط أصحابنا
لبقاء العقد أن يأكلها أهلها رطباً، فإن تركها حتى صار تمراً بطل العقد، وبه
جزم الخرقي خلافاً للشافعي في قوله: لا يبطل العقد، وعن أحمد مثله؛ لأن
كل ثمرة جاز بيعها رطباً لا يبطل العقد إذا صارت تمراً.
ولنا قوله والر: ((يأكلها أهلها رطباً)) ولأن شراءها إنما جاز للحاجة إلى
أكل الرطب، فإذا أَثْمَرَتْ تَبَيَّنَّا عدم الحاجة، فيبطل العقد، ولا فرق بين تركه
لغناه عنها، أو مع حاجته إليها أو تركها لعذر أو لغير عذر للخبر المذكور.
ولا يجوز بيع العرية في غير النخيل، وهو اختيار ابن حامد، وقولُ
الليث بن سعد إلا أن يكون ثمرته لا يجري فيها الربا، فيجوز بيع رطبها
بیابسها لعدم جريان الربا فيها .
ويحتمل أن يجوز في الرطب والعنب دون غيرهما، وهو قول الشافعي؛
لأن العنب كالرطب في وجوب الزكاة فيهما، وجواز خرصهما وتوسيقهما وكثرة
٤١٧

٣٣ - كتاب البيوع
(٩) باب
تيبيسهما واقتياتهما في بعض البلدان، والحاجة إلى أكل رطبهما والتنصيص
على الشيء يوجب ثبوت الحكم في مثله، ولا يجوز في غيرهما لاختلافهما في
أكثر هذه المعاني، وقال القاضي: يجوز في سائر الثمار، وهو قول مالك
والأوزاعي قياساً على ثمرة النخيل، ولنا ما روى زيد بن ثابت أنه وَل ـ رخّص
بعد ذلك في بيع العرية بالرطب أو بالتمر، ولم يرخص في غير ذلك.
قال الموفق(١): فيُشْترط إذاً في بيع العَرِيَّةِ شروط خمسة: ١ - أن يكون
فيما دون خمسة أوسق، ٢ - وبيعُها بخرصها من التمر، ٣ - وقبضُ ثمنها قبل
التفريق، ٤ - وحاجة المشتري إلى أكل الرطب، ٥ - وأن لا يكون معه ما
يشتري به سوى التمر، واشترط القاضي، وأبو بكر شرطاً سادساً، هو حاجة
البائع إلى البيع، واشترط الخرقي كونها موهوبة، واشترط أصحابنا لبقاء العقد
أن يأكلها رطباً، اهـ.
قلت: وشرط تاسع كونها في النخيل خاصة، ويحتمل العنب، اهـ.
وأما عند المالكية، على ما قال الأبي وابن رشد والدردير والدسوقي
لصحة بيع العَرِيَّة عشرة شروط: الستة منها متفق عليها في مذهب المالكية،
والأربعة مختلفة فيها عندهم، كذا حكى الأبي (٢) عن القاضي عياض.
لكني وجدت الاختلاف بينهم في بعضها أيضاً. كما سيأتي. الأول: أن
يكون المشتري المعري خاصة، أو من قام مقامه مثل الوارث الذي ورث منه
هذه العرية، فلا يجوز بيعها بأجنبي، الثاني: أن تكون بعد الزهو يعني بدا
صلاحها وقت الشراء، وإنما نَصُّوا على هذا الشرط، وإن لم يختص بالعرية
لئلا يتوهم عدم اشتراطه لأجل الرخصة، قال الدسوقي: ولا سيما قد ذكر
(١) ((المغني)) (١٢٧/٦).
(٢) ((إكمال إكمال المعلم)) (٤/ ٢٠٧).
٤١٨

٣٣ - كتاب البيوع
(٩) باب
الباجي عدم اشتراطه، قلت: قال الباجي: وأما اشتراط الإزهاء فهو قول
جمهور الفقهاء، وقال يزيد بن أبي حبيب: يجوز بيعها قبل الإزهاء، اهـ.
وهكذا حکی عنه ابن يونس وغيره.
الثالث: أن يكون بالخرص يعني يكون الشراء بخرصها أي بقدرها من
الثمر لا بأقل ولا بأكثر.
الرابع: أن يكون العوض من صنف العربية، فلا يجوز أن تباع بغير
نوعها، فإن كانت العرية برنيا لم يجز أن تباع بصيحاني، ولا عجوة، ولا أدنى
من ذلك ولا أفضل، وحكى الأبي عن ((المدونة)): لا يجوز أن يكون من غير
صنفها، ولا برطب ويابس، وقال اللخمي: لا يجوز بأدنى، وأما بأرفع فإن
كان لدفع الضرر لم يجز، وللمعروف يجوز.
الخامس: أن يكون بدل العرية تمراً، فلا يجوز بالرطب، قال عياض:
هو الذي جاء في جل الأحاديث، فهو محل الرخصة، فلا يتعدى إلى غيره،
وفي ((التمهيد)): لا يجوز بيع العرية، وإن أزهت بخرصها رطباً، ولا بخرصها
تمراً نقداً، اهـ.
وقال في موضع آخر: في بيعها بالرطب هو مما اختلف فيه، فقال قوم
منهم أصحاب أبي حنيفة: جاز بيعها بالرطب خرصاً كما يجوز بالتمر خرصاً،
واحتج بأن الرطب بالرطب أجوز في البيع من الرطب بالتمر، وقال آخرون
منهم الجمهور: لا يجوز بيعها بالرطب؛ لأن العلة حينئذ ترتفع، ولا ضرورة
تدعو إلى ذلك، وكيف يجوز ذلك، وهو المزابنة المنهي عنها .
ولا أعلم أحداً قال بجوازه إلا بعض أصحاب داود وأصحاب أبي
حنيفة، اهـ.
السادس: أن يكون التمر الذي هو عوض العرية مؤخراً إلى الجذاذ، وهو
٤١٩

٣٣ - كتاب البيوع
(٩) باب
مذهب مالك، وجُلّ أصحابه، وأجازه بعضهم أن يعطيه نقداً، قاله الأبي.
وقال الباجي(١): أن يعطيه خرصها عند الجذاذ شرط عندنا في صحة هذا
البيع، ولا يجوز له تعجيل العوض تمراً، وقال الشافعي: يجب عليه أن يعجل
له الخرص تمراً، ولا يجوز له أن يتفرقا حتى يتقابضا.
قلت: وبقول الشافعي قال أحمد كما تقدم في كلام ((المغني)) وغيره،
وذكر هذا الشرط غير واحد من المالكية، قال ابن رشد: الثالث من الشروط
أن يعطيه الثمر الذي يشتريها به عند الجذاذ، فإن أعطاه نقداً لم يجز، اهـ.
وذكر الدردير والدسوقي في الشروط عدم اشتراط التعجيل، قال
الدردير(٢): في الخرص عند الجذاذ لا على شرط التعجيل، فإنه مفسد، وإن
لم يعجل بالفعل، وأما التعجيل من غير شرطه فلا يضر، سواء اشترط التأجيل
أو سكت عنه، اهـ.
وأما الأربعة المختلفة فيها فالأول: أن تكون المنحة بلفظ العرية لا
بغيرها، قال عياض: هو الذي يقوله جُلُّ أصحابنا وابن حبيب لا يراعي
الاسم، ويجري الحكم في كل ما منح، سواء كان بلفظ العربية أو غيرها.
قال الدردير: في الشروط إن لفظ المعري حين الإعطاء بالعرية كأعريتك،
لا بلفظ العطية ولا الهبة والمنحة على المشهور، قال الدسوقي: بلفظ العرية
أي بمادتها اهـ. الثاني: أن تكون العرية خمسة أوسق فأقل، قال الأبي(٣):
اختلف قول مالك، فقصر في المشهور عنه الحكم على خمسة أوسق. وقال
أيضاً: لا يجوز في الخمسة، وإنما يجوز فيما دونه.
(١) ((المنتقى)) (٢٢٨/٤).
(٢) ((الشرح الكبير)) (١٨٠/٣).
(٣) ((إكمال إكمال المعلم)) (٢٠٩/٤).
3
٤٢٠
٦