Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٣ - كتاب البيوع
(٧) باب
(١٣٠٣) حديث
قال الأبي: واحتج أبو حنيفة بالحديث أيضاً؛ لأنه قال: لم يذكر الإبار
لنفي الحكم عما سواه، وإنما قصد به التنبيه بالإبار على ما لم يؤبر، ورد عليه
بعض أصحابنا بأن التنبيه إنما يكون بالأدنى على الأعلى، وبالمشكل على
الواضح، وما ذكر خارج عن الوجهين.
ودليل الخطاب هو المسمى في أصول الفقه بمفهوم المخالفة، وهو ما
يثبت به نقيض حكم المنطوق به للمسكوت عنه، كقوله: في الغنم السائمة
الزكاة، فمفهومه أن لا زكوة في المعلوفة، ومعقولية الخطاب هو تنبيه على أن
المسكوت عنه مساوٍ للمنطوق به في الحكم، والرادُّ على أبي حنيفة زعم أنه
إنما يكون بالأدنى على الأعلى، وبالمشكل على الواضح، والمذكور في كتب
الأصول أنه يكون أيضاً بالأعلى على الأدنى، اهـ.
وفي ((الهداية))(١): من باع نخلاً أو شجراً فيه ثمرة فثمرته للبائع إلا أن
يشترط المبتاع لقوله وله: ((من اشترى أرضاً فيها نخل فالثمرة للبائع إلا أن
يشترط المبتاع)) ولأن الاتصال وإن كان خلقة، فهو للقطع لا للبقاء، فصار
کالزرع، اهـ.
قال الزيلعي (٢): الحديث غريب بهذا اللفظ، وقال الحافظ في ((الدارية)):
لم أجده، اهـ. وقال ابن عابدين(٣): إن الحديث المذكور استدل به محمد على
أنه لا فرق بين كون الثمرة مؤبرة أو لا، وما قيل فيه: إنه غريب، ففيه أن
المجتهد إذا استدل بحديث كان تصحيحاً له كما في ((التحرير)) وغيره، اهـ.
وأجاب الموفق عن الزرع بأنه ليس من نماء الأرض وإنما هو مودع
فيها، اهـ.
(١) (٢٦/٢).
(٢) ((نصب الراية)) (٥/٤).
(٣) ((رد المحتار)) (٨٣/٧).
٣٨١

٣٣ - كتاب البيوع
(٧) باب
(١٣٠٣) حديث
الثاني: متى اشترطها أحد المتبايعين، فهي له، مؤبرة كانت أو غير
مؤبرة، البائع فيه والمشتري سواء، وقال مالك: إن اشترطها المشتري بعد
التأبير جاز؛ لأنه بمنزلة شرائها مع أصلها، وإن اشترطها البائع قبل التأبير لم
يجز؛ لأن اشتراطه لها بمنزلة شرائه لها قبل بدو صلاحها بشرط تركهما، ولنا :
أنه استثنى بعض ما وقع عليه العقد، وهو معلوم فصح، كما لو باع حائطاً
واستثنى نخلة بعينها، كذا في ((المغني)).
قال الباجي(١): لا يجوز أن يكون الثمر للبائع بالشرط يعني قبل التأبير
خلافاً لأبي حنيفة والشافعي، والدليل على صحة ما نقول أن هذا كامِنٌ لظهوره
عامة فلم يكن للبائع بالشرط كالجنين، اهـ.
وقال الأبي(٢): وعلى مذهبنا في أن غير المأبورة تكون للمبتاع، اختلف
عندنا هل للبائع أن يشترطها؟ فالمشهور المنع، وقال بعض شيوخنا: على
القول بأن المستثنى مبقى يجوز، وبالجواز قال الشافعي، والمشهور بناء على
أن المستثنى مشترى فهو كاستثناء الجنين، اهـ.
الثالث: ما في ((المنتقى))(٣): أنه إذا اشترطها المبتاع، فيكون له حينئذ
بمقتضى الشرط، ولا نعلم في جواز ذلك خلافاً إذا ابتاعها بغير الطعام
والشراب، فإن ابتاعها بطعام أو شراب فالمشهور في المذهب أن ذلك لا
يجوز، أُبِّت الثمرة أو لم تُؤَبَّر إلا أن يجدها قبل أن يفترقا، وقال محمد بن
مسلمة في ((المبسوط)): إن ذلك جائز أُبِّرَت أو لم تؤبر ما لم يبتدئ صلاحها .
وجه القول الأول: أن هذا طعام بطعام غير متنجز القبض، ووجه القول
(١) ((المنتقى)) (٢١٧/٤).
(٢) ((إكمال إكمال المعلم)) (٢١٠/٤).
(٣) (٢١٦/٤).
٣٨٢

٣٣ - كتاب البيوع
(٧) باب
(١٣٠٣) حديث
الثاني: ما احتج به محمد بن مسلمة أن الطلع بمنزلة جمار النخلة ما لم تؤبر،
فإذا أبرت فداخل في عموم قوله: فثمرتها للبائع، ولم يفرق بين ابتياعها بطعام
أو غيره، اهـ.
الرابع: ما في ((المغني)) (١): لو اشترط أحدهما جزءاً من الثمرة معلوماً
كان ذلك كاشتراط جميعها في الجواز في قول جمهور الفقهاء، وقول أشهب
من أصحاب مالك، وقال ابن القاسم: لا يجوز اشتراط بعضها؛ لأن الخبر
إنما ورد باشتراط جميعها، ولنا: أن ما جاز اشتراط جميعه جاز اشتراط بعضه
كمدة الخيار، اهـ.
قال العيني(٢): استدل به أشهب من المالكية على جواز اشتراط بعض
الثمر، وقال: يجوز لمن ابتاع نخلاً قد أبرت أن يشترط من الثمرة نصفها أو
جزءاً منها، وكذلك في مال العبد؛ لأن ما جاز اشتراط جميعه جاز اشتراط
بعضه، وما لم يدخل الربا في جميعه فأحرى أن لا يدخل في بعضه، وقال ابن
القاسم: لا يجوز لمبتاع النخل المؤبر أن يشترط منها جزءاً، وإنما له أن
يشترط جميعها أو لا يشترط شيئاً منها، اهـ.
وعزا الباجي(٣) قول ابن القاسم إلى مالك - رضي الله عنه - فقال: قال
مالك: لا يجوز ذلك في الثمرة ولا في مال العبد، ووجه ذلك أنه إنما يجوز
استثناؤه على وجه التبع، وأما أن يكون مقصوداً فذلك غير جائز، وإذا استثنى
بعض ذلك عُلِم أن الثمرة مقصودة بالعقد، قد لحقتها المغابنة والمكايسة،
ووجه قول أشهب أن ما جاز أن يشترط جميعه في العقد جاز أن يشترط
(١) ((المغني)) (١٣٢/٦).
(٢) ((عمدة القاري)) (٥١٠/٨).
(٣) انظر: ((المنتقى)) (٢١٦/٤).
٣٨٣

٣٣ - كتاب البيوع
(٧) باب
(١٣٠٣) حديث
بعضه، اهـ. وفي ((المحلى)): استدل على ذلك بإطلاق الحديث كأنه قال: إلا
أن يشترط المبتاع شيئاً من ذلك وهي النكتة في حذف المفعول، اهـ.
الخامس: ما قال الموفق(١): إن الثمرة إذا بقيت للبائع فله تركها في
الشجر إلى أوان الجزاز، سواء استحقها بشرطه، أو بظهورها؛ وبه قال مالك
والشافعي؛ وقال أبو حنيفة: يلزمه قطعها وتفريغ النخل فيها؛ لأنه مبيع مشغول
بملك البائع، فلزم نقله وتفريغه، كما لو باع داراً فيها طعام أو قماش له.
ولنا أن النقل والتفريغ للمبيع على حسب العرف والعادة كما في الطعام
لم يجب نقله إلا على حسب العادة في ذلك، وهو أن ينقله نهاراً شيئاً بعد
شيء، ولا يلزمه نقله ليلاً ولا جمع دواب البلد لنقله، كذلك ههنا يفرغ النخل
من الثمرة في أوان تفريغها، وهو أوان جِزَازِها، وقياسه حجة لنا، وإذا تقرر
هذا فالمرجع في جَزِّه إلى ما جرت به العادة، فإذا كان المبيع نخلاً فحين
تتناهى حلاوة ثمره إلا أن يكون مما بُسْره خيرٌ من رطبه، أو ما جرت العادة
بأخذه بسراً، فإنه يجزه حين تستحكم حلاوة بسره؛ لأن هذا هو العادة، فإذا
استحكمت حلاوته فعليه نقله، وإن قيل: بقاؤه في شجره خير له وأبقى، فعليه
النقل؛ لأن العادة في النقل قد حصلت، وليس له إبقاؤه بعد ذلك، اهـ.
وفي ((العيني))(٢): قال مالك والشافعي والليث وأحمد وإسحاق: من باع
نخلاً قد أبِّرَت، ولم يشترط ثمرته المبتاع، فالثمرة للبائع. وهي في النخل
متروكة إلى الجذاذ، وعلى البائع السقي، وعلى المشتري تخليته وما يكفيه من
الماء، وقال أبو حنيفة: سواء أبرت أو لم تؤبر هي للبائع، وللمشتري أن يطالبه
بقلعها عن النخل في الحال، ولا يلزمه أن يصبر إلى الجذاذ، فإن اشترط البائع
تركها إلى الجذاذ فالبيع فاسد، اهـ.
(١) («المغني)) (١٣٢/٦).
(٢) ((عمدة القاري)) (٥٠٩/٨).
٣٨٤

٣٣ - كتاب البيوع
(٧) باب
(١٣٠٣) حديث
السادس: ما قال العيني: استدل بالحديث على أن المؤبر يخالف في
الحكم غير المؤبر، وقالت الشافعية: لو باع نخلة بعضها مؤبر وبعضها غير
مؤبر فالجميع للبائع، فإن باع نخلتين فكذلك بشرط اتحاد الصفقة، فإن أفرد
فلكل حكمه، ويشترط كونهما في بستان واحد، فإن تعدد، فلكل حكمه، ونص
أحمد على أن الذي يؤبر للبائع والذي لا يؤبر للمشتري، وجعلت المالكية
الحکم للأغلب، اهـ.
وقال الأبي: إن أبر البعض، دون البعض، فإن تساويا فلكل حكم نفسه،
وإن كان أحدهما أكثر فقيل: الحكم كذلك، وقيل: الأقل تابع للأكثر. اهـ.
وقال الباجي(١): إن أَبَّرَ بعضه دون بعض، فلا يخلو أن يكونا متساويين
أو يكون أحدهما أكثر، وعلى الأول فقد قال مالك: ما أُبْرَ للبائع وما لم يُؤَبَّرْ
للمبتاع، وقال محمد بن دينار: ما أبر تبع ما لم يؤبر فكله للمبتاع، وقال
سحنون عن ابن القاسم: يقال للبائع: إما أن تسلم جميع الثمرة وإلا فسخ
البيع، وإن رضي المبتاع بالنصف، وأما إن كان أحد الأمرين أكثر فعن مالك
في ذلك روايتان: إحداهما: أن القليل تبع للكثير، والثانية: أنه بمنزلة
التساوي، اهـ.
السابع: ما قال العيني (٢): استدل به الطحاوي على جواز بيع الثمرة على
رؤوس النخل قبل بدو صلاحها، وذلك لأنه وَ يّ جعل فيه ثمر النخل للبائع،
عند عدم اشتراط المشتري، فإذا اشترط المشتري ذلك يكون له، ويكون
المشتري مشترياً لها أيضاً، واعترض البيهقي عليه فقال: إنه يستدل بالشيء في
غير ما ورد فيه، حتى إذا جاء ما ورد فيه استدل بغيره عليه كذلك، فيستدل
(١) ((المنتقى)) (٢١٥/٤).
(٢) ((عمدة القاري)) (٥١٠/٨).
٣٨٥

٣٣ - كتاب البيوع
(٨) باب
(٨) باب النهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها
لجواز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها بحديث التأبير، ولا يعمل بحديث
التأبير.
وذهل البيهقي عن الدلالات الأربعة للنص، وهي عبارة النص، وإشارته،
ودلالته، واقتضاؤه، والطحاوي ما ترك العمل بالحديث، غاية ما في الباب أنه
استدل على ما ذهب إليه بإشارة النص، والخصم استدل بعبارته، وهما سواء
في إيجاب الحكم، ولم يوافق الخصم في العمل بعبارته؛ لأن عبارته تعليق
الحكم بالإبارة للتنبيه على ما لم يؤبر أو لغير ذلك، اهـ.
(٨) النهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها
قال الباجي: معناه حتى تزهي، ومعنى الإزهاء في ثمرة النخل أن تبدو
فيها الحمرة أو الصفرة، وهو النضج وبدو الصلاح، وبذلك ينجو من العاهة،
وذلك كله بعد أن تطلع الثريا مع طلوع الفجر في النصف الآخر من شهر مايو
بالأعجمي.
قال ابن حبيب: لثمرة النخل سبع درجات: الطلع، ثم ينفتح الزهر عنه
ويبيض، فيكون إغريضاً، ثم يذهب عنه بياض الإغريض، ويعظم حبُّه وتعلوه
خضرة، ثم يكون بلحاً، ثم تعلو الخضرة حمرة، فيكون زهواً، ثم يصفر
صفرة، فيكون بسراً، ثم تعلو الصفرة كدرة وتنضج الثمرة، فتكون رطباً، ثم
تيبس، وتكون تمراً، وبدو صلاح التين أن يطيب، وتوجد فيه الحلاوة، ويظهر
السواد في الأسود والبياض في الأبيض.
وكذلك العنب الأسود بدو صلاحه أن ينحو إلى السواد وأبيضه إلى
البياض، وكذلك الزيتون بدو صلاحه أن ينحو إلى السواد، وبدو صلاح القثاء
أن تنعقد وتبلغ مبلغاً يوجد له طعم، وأما الموز فعن مالك أنه يباع إذا بلغ في
شجره قبل أن يطيب فإنه لا يطيب، حتى ينزع.
٣٨٦

٣٣ - كتاب البيوع
(٨) باب
قال الباجي(١): ومعنى ذلك عندي أن يتناهى عظمه أو عظم بعضه، ويبلغ
أوله مبلغاً إذا أزيل عن أصله تهيأ فيه تمام النضج، فإذا أزيل عن أصله قبل تناهيه
فسد، ولم يتم نضجه، وأما الجزر، واللفت، والفجل، والثوم، والبصل، فبدو
صلاحها إذا استقل وتم وانتفع به، ولم يكن في قطعه فساد، والبُرُّ إذا ييس، وكذلك
الفول والحمص والعدس والورد وسائر الأنوار أن تنفتح كمامه ويظهر نوره، اهـ.
وقال الخرقي: بدو صلاح النخل أن تظهر فيها الحمرة أو الصفرة،
والكرم أن تَتَموه، وما سواهما أن يبدو فيها النُّضْجُ، قال الموفق(٢): جملة
ذلك أن ما كان من الثمرة يَتَغَيَّرُ لونه عند صلاحه كثمرة النخل والعنب الأسود
والإجاص، فبدو صلاحه بذلك، وإن كان العنب أبيض فبدو صلاحه بتَمَوُّهه،
وهو أن يبدو فيه الماء الحلو، ويلين ويصفر لونه، وإن كان مما لا يتلون
كالتفاح ونحوه فبأن يحلو، وإن كان مما لا يتغير لونه، ويؤكل صغاره وكباره
كالقثاء والخيار، فصلاحه بلوغه أن يؤكل عادة.
وقال القاضي والشافعي: بلوغه أن يتناهى عظمه، وما قلناه أشبه بصلاحه
مما قالوه، فإن بدو صلاح الشيء ابتداؤه وتناهي عظمه آخر صلاحه، وما قلنا
في هذا الفصل، هو قول مالك والشافعي وكثير من أهل العلم أو مقاربٌ له.
وقال عطاء: لا يباع حتى يؤكل من الثمر قليلٌ أو كثيرٌ، وروي نحوه عن
ابن عمر وابن عباس، ولعلهم أرادوا صلاحه للأكل، فيرجع معناه إلى ما قلنا،
فإن ابن عباس قال: ((نهى رسول الله وَل عن بيع النخل حتى يأكل منه أو
يؤكل))، متفق عليه(٣).
(١) ((المنتقى)) (٢١٨/٤).
(٢) («المغني)) (١٥٨/٦ - ١٥٩).
(٣) أخرجه البخاري في ((باب السلم إلى من ليس عنده أصل)) ((صحيح البخاري)) (١١٢/٣،
١١٣)، وأخرجه مسلم (١١٦٧/٣) في باب النهي عن بيع الثمار إلخ.
٣٨٧

٣٣ - كتاب البيوع
(٨) باب
(١٣٠٤) حديث
١٠/١٣٠٤ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ
عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهَ نَهَى عَنْ بَيْع الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا .
وإن أرادوا حقيقة الأكل كان ما ذكرنا أولى؛ لأن ما رووه يحتمل صلاحه
للأكل، فيحمل على ذلك موافقة لأكثر الأخبار، وهو ما روي عنه وَله: ((أنه
نهى عن بيع الثمرة حتى تطيب)) متفق عليه(١)، و((نهى عن أن تباع الثمرة حتى
تزهُوَ، قيل: ما تزهُوَ؟ قال: تَحْمَارُّ أو تَصْفَارُ))، رواه البخاري، و((نهى عن بيع
العنب حتى يسوَدَّ» رواه الترمذي وابن ماجه(٢)، والأحاديث في هذا كثيرة تدل
على هذا المعنى، اهـ.
وحكى ابن عابدين عن ابن الهمام: أن بدو الصلاح عندنا أن تؤمن
العاهة والفساد، وعند الشافعي هو ظهور النضج، اهـ.
١٠/١٣٠٤ - (مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله وَ لـ) رواه
البخاري عن عبد الله بن يوسف ومسلم عن يحيى كلاهما عن مالك، وتابعه
جماعة من الرواة في الصحاح (نهى عن بيع الثمار) قال ابن عابدين: الثمر -
بمثلثة - الحمل الذي تخرجه الشجرة، وإن لم يؤكل، فيقال: ثمر الأراك،
والعوسج، والعنب، ((مصباح)). وفي ((الفتح)): يدخل في الثمرة الورد والياسمين
ونحوهما من المشمومات ((نهر)) اهـ. (حتى يبدو) بلا همز، ويقع في بعض كتب
المحدثين بالألف، وهو خطأ؛ لأنه تحذف في مثل هذا للناصب، وإنما اختلف
في مثل زيد يبدو، والاختيار حذفها أيضاً قاله عياض(٣) (صلاحها) وتقدم
الكلام على بدو الصلاح.
قال الباجي (٤): اختلف أصحابنا في تعليل ذلك، فقال محمد بن مسلمة:
(١) أخرجه البخاري (٢١٨٩)، ومسلم (١١٦٧/٣).
(٢) أخرجه الترمذي (١٢٢٨)، وابن ماجه (٢٢١٧).
(٣) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٢٦٠/٣).
(٤) ((المنتقى)) (٢١٨/٤).
٣٨٨

٣٣ - کتاب البيوع
(٨) باب
(١٣٠٤) حديث
نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ.
أخرجه البخاريّ في: ٣٤ - كتاب البيوع، ٨٥ - باب بيع الثمار قبل أن يبدو
صلاحها. ومسلم في: ٢١ - كتاب البيوع، ١٣ - باب النهي عن بيع الثمار قبل بدو
صلاحها، حدیث ٤٩.
إن الغرر موجود قبل بدو الصلاح وبعده، لكنه لا غرض في اشترائها قبل بدو
الصلاح، إلا مجرد الاسترخاص، لا غير ذلك؛ لأنها قد تسلم، فترخص عليه
أو يتلف بعضها إذا كان أقل من الثلث فيكون غالياً، وبعد بدو الصلاح له
غرض في ذلك من الانتفاع بها، وأكلها رطبة، فجاز لذلك، وعفي عن الغرر
لأجله، وقال غيره من أصحابنا: إن الغرر قبل بدو الصلاح أكثر، وبعد بدو
الصلاح يقلّ ويندر، وكثير الغرر يبطل العقود، ويسيره معفو عنه، اهـ.
وسيأتي قريباً عن مالك أنه قال: بيع الثمار قبل بدو الصلاح من الغرر
(نهى البائع) لئلا يأكل مال أخيه بالباطل (و) نهى (المشتري) كذا في النسخ
الهندية وأكثر المصرية، وفي بعضها ((المبتاع»، ونهاه لئلا يضيع ماله، وفي
الحديث عدة أبحاث.
قال الموفق(١): لا يخلو بيع الثمرة قبل بدو الصلاح من ثلاثة أقسام؛
أحدُها: أن يشتريها بشرط التبقية، فلا يصح البيع إجماعاً للحديث المذكور،
والنهي يقتضي فساد المنهي عنه، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على القول
بجملة هذا الحديث، اهـ. وهكذا حكى عليه الإجماع الباجي وغيره من نقلة
المذاهب.
قال الباجي(٢): إن بيع الثمرة قبل بدو الصلاح يقع على ثلاثة أوجه:
وذكر منها؛ أن يشترط التبقية، قال: وهذا لا خلاف في منعه إلا ما روي عن
(١) «المغني)) (١٤٨/٦).
"(٢) ((المنتقى)) (٢١٨/٤).
٣٨٩

٣٣ - كتاب البيوع
(٨) باب
(١٣٠٤) حديث
يزيد بن أبي حبيب في العرية، ووجه منعه أن المنفعة تقل في ذلك والغرر
يكثر؛ لأنه لا يكون مقصودها إلا ما يؤول إليه من الزيادة، وذلك مجهول،
ولأن الجوائح تكثر فيها فلا يعلم الباقي منها ولا على أي صفة تكون عند بدو
صلاحها، أما إذا بدا صلاحها فقد تناهى عظمها، وكثرت الانتفاع بها، وقلت
الجائحة، اهـ.
وهكذا حكى عليه الإجماع ابن الهمام، كما حكى عنه ابن عابدين فيما
سيأتي من كلامه.
قال الموفق: القسم الثاني: أن يبيعها بشرط القطع في الحال، فيصح
بالإجماع؛ لأن المنع إنما كان خوفاً من تلف الثمرة وحدوث العاهة عليها قبل
أخذها؛ بدليل ما روى أنس أن النبي وَلِّ ((نهى عن بيع الثمار حتى تزهي، قال
أرأيت إذا منع الله الثمرة، بم يأخذ أحدكم مال أخيه؟))، رواه البخاري(١)،
وهذا مأمون فیما یقطع، فصح بيعه کما لو بدا صلاحه، اهـ.
وهكذا حكى عليه الإجماع الباجي، إذ قال: منها أن يشترط القطع، فهذا
لا خلاف في جوازه؛ لأنه باع ما لا غرر في بيعه، ولا يدخله زيادة ولا نقص
لجذه إياه عقيب العقد، اهـ. وبه جزم ابن الهمام كما سيأتي.
قال الموفق (٢): الثالث: أن يبيعها مطلقاً ولم يشترط قطعاً ولا تبقية،
فالبيع باطل، وبه قال مالك والشافعي، وأجازه أبو حنيفة؛ لأن إطلاق العقد
يقتضي القطع فهو كما لو اشترطه، قال: ومعنى النهي أن يبيعها مدركة قبل
إدراكها بدلالة قوله: ((أرأيت إن منع الله الثمرة))، الحديث، فلفظة المنع تدل
على أن العقد يتناول معنى وهو مفقود في الحال حتى يتصور المنع، ولنا: أن
(١) ((صحيح البخاري)) (٢١٩٨).
(٢) ((المغني)) (١٤٩/٦).
٣٩٠

٣٣ - كتاب البيوع
(٨) باب
(١٣٠٤) حديث
النبي وَّيّ أطلق النهي عن بيعها قبل بدو الصلاح، فيدخل فيه محل النزاع، اهـ.
وفيه أن إطلاق النهي يتناول القسم الثاني أيضاً، وأجمعوا على جوازه.
وحكى الباجي(١) أيضاً ما في هذا القسم الثالث من الخلاف إذ قال:
القسم الثالث إطلاق العقد فيها، فالمشهور عن مالك منعه، وبه قال الشافعي،
وروى ابن القاسم في البيوع الفاسدة من ((المدونة)) جوازه، ويكون مقتضاه
الجذ، وبه قال أبو حنيفة، وبسط الكلام في استدلالهم، وهذا النوع مختلف
فيه عند الحنفية أيضاً.
قال ابن عابدين (٢): قال في ((الفتح)): لا خلاف في عدم جواز بيع الثمرة
قبل أن تظهر، ولا في عدم جوازه بعد الظهور قبل بدوّ الصلاح بشرط الترك،
ولا في جوازه قبل بدوّ الصلاح بشرط القطع فيما ينتفع به، ولا في الجواز بعد
بدو الصلاح.
لكن بدو الصلاح عندنا أن تؤمن العاهة والفساد، وعند الشافعي: هو
ظهور النضج، وبدوّ الحلاوة، والخلاف إنما في بيعها قبل بدوّ الصلاح على
الخلاف في معناه لا بشرط القطع، فعند الشافعي، ومالك، وأحمد: لا يجوز،
وعندنا: إن كان بحال لا ينتفع به في الأكل، ولا في علف الدواب، فيه
خلاف بين المشايخ، قيل: لا يجوز، ونسبه قاضیخان إلى عامة مشايخنا،
والصحيح أنه يجوز؛ لأنه مال منتفع به في ثاني الحال، إن لم يكن منتفعاً به
في الحال.
والحيلة في جوازه باتفاق المشايخ أن يبيع الكمثرى أول ما تخرج مع
أوراق الشجر، فيجوز فيها تبعاً للأوراق، كأنه ورق كله، وإن كان بحيث ينتفع
(١) ((المنتقى)) (٢١٨/٤).
(٢) (رد المحتار)) (٨٥/٧).
٣٩١

٣٣ - كتاب البيوع
(٨) باب
(١٣٠٤) حديث
به، ولو علفاً للدواب، فالبيع جائز باتفاق أهل المذهب إذا باع بشرط القطع أو
مطلقاً ، اهـ.
وفي ((الدر المختار)) (١): من باع ثمرة بارزة أما قبل الظهور فلا يصح
اتفاقاً، ظهر صلاحها أو لا في الأصح، ويقطعها المشتري في الحال جبراً
عليه، وإن شرط تركها على الأشجار فسد البيع، وقيل: لا يفسد، وقائله
محمد، إذا تناهت الثمرة للتعارف، فكان شرطاً يقتضيه العقد، وبه يفتى ((بحر))
عن ((الأسرار))، لكن في ((القهستاني)) عن ((المضمرات)): أنه على قولهما
الفتوى، اهـ.
ثم قال الموفق(٢): وبيع الثمرة قبل بدو صلاحها من غير شرط القطع
على ثلاثة أضرب: أحدها: أن يبيعها مفردة لغير مالك الأصل، فهذا الضرب
الذي ذكرنا حكمه، وبينا بطلانه، الثاني: أن يبيعها مع الأصل، فيجوز
بالإجماع لقوله ◌ّله: ((من باع نخلاً بعد أن تؤبر، فثمرتها للبائع إلا أن يشترط
المبتاع، الثالث: أن يبيعها مفردة لمالك الأصل، نحو أن تكون للبائع، ولا
يشترطها المبتاع، فيبيعها له بعد ذلك، ففيه وجهان؛ أحدهما: يصح البيع، وهو
المشهور من قول مالك، وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي؛ لأنه يجتمع
الأصل والثمرة للمشتري فيصح، كما لو اشتراهما معاً.
والثاني: لا يصح، وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي؛ لأن العقد
يتناول الثمرة خاصة، والغرر فيما يتناوله العقد يمنع الصحة؛ لأنها تدخل في
عموم النهي، بخلاف ما إذا باعهما معاً، فإنه مستثنى بالخبر المروي فيه، ولأنه
إذا باعهما معاً تدخل الثمرة تبعاً، ويجوز في التابع من الغرر ما لا يجوز في
المتبوع، اهـ.
(١) (٦٢/٥ و٦٣ و٦٤).
(٢) («المغني)) (١٥٠/٦).
٣٩٢

٣٣ - كتاب البيوع
(٨) باب
(١٣٠٤) حديث
فهذه خمسة أبحاث: الأول: بيع التمرة بشرط التبقية، الثاني: بشرط
القطع، الثالث: بيعها مطلقاً لغير مالك الأصل، الرابع: بيعها مع الأصل،
الخامس: بيعها بيد مالك الأصل، السادس: أن يبيعها بشرط القطع، ثم يتركها
حتی یبدو صلاحها .
قال الموفق(١): اختلفت الرواية عن أحمد في ذلك، فنقل عنه حنبلٌ وأبو
طالب: أن البيع باطل، قال القاضي: هي أصح، فعلى هذا يردُّ المشتري الثمرةَ
إلى البائع، ويأخذ الثمن، ونقل عنه أحمد بنُ سعيد: أن البيع لا يبطل، وهو
قول أكثر الفقهاء؛ لأن أكثر ما فيه أن المبيع اختلط بغيره، فأشبه ما لو اشترى
ثمرة، فحدثت ثمرة أخرى، ولم تتميز، ونقل عنه أبو داود، فيمن اشترى
قَصيلاً، فمرض أو توانى(٢) حتى صار شعيراً، فإن أراد به حيلة فسد البيع
وانتقض.
وفي ((الشرح الكبير)): جعل بعض أصحابنا هذه رواية ثالثة، وقال
الموفق: والظاهر أن هذا يرجع إلى ما نقل ابن سعيد، فإنه يتعين حمل ما نقله
في صحة البيع على من لم يرد حيلة، فإن أراد الحيلة، وقصد بشرطه القطع
الحيلة على إبقائه لم يصح بحال، إذ قد ثبت من مذهب أحمد أن الحيل كلها
باطلة، ومتى حكمنا بفساد البيع، فالثمرة كلها للبائع، وعنه أنهما يتصدقان
بالزيادة، قال القاضي: هذا مستحب لوقوع الخلاف في مستحق الثمرة، وإلا
فالحق أنها للبائع تبعاً للأصل كسائر نماء المبيع المتصل إذا رد على البائع
بفسخ أو بطلان.
وروي عنه أنهما يشتركان في الزيادة لحصولها في ملكهما، فإن ملك
(١) انظر: ((المغني)) (١٥٣/٦).
(٢) هكذا في ((الشرح الكبير)) (١٧٤/٣) ((ش)).
٣٩٣

٣٣ - كتاب البيوع
(٨) باب
(١٣٠٤) حديث
المشتري الثمرة وملك البائع الأصل، وهو سبب الزيادة، ومتى حكمنا بصحة
البيع، فقد روي عنه أنهما يشتركان في الزيادة، وقال القاضي: الزيادة
للمشتري، وعن أحمد، أنهما يتصدقان بالزيادة، وهو قول الثوري ومحمد بن
الحسن؛ لأن عين المبيع زاد بجهة محظورة، والزيادة هي ما بين قيمتها حين
الشراء وقيمتها يوم أخذها .
وقال القاضي: يحتمل أنها ما بين قيمتها قبل بدو صلاحها وقيمتها بعده،
وقال الثوري: يأخذ المشتري رأس ماله، ويتصدق بالباقي، وهذا كله إذا لم
يرد حيلة، أما إن قصد ذلك فالبيع باطل من أصله؛ لأنه حيلة محرمة، وعند
أبي حنيفة والشافعي لا حكم لقصده، والبيع صحيح، قصد أو لم يقصد،
وأصل هذا الخلاف في تحريم الحيل، اهـ.
وفي ((الهداية)) (١): وإن اشتراها مطلقاً، وتركها بإذن البائع طاب له
الفضل، وإن ترك بغير إذنه تصدق بما زاد لحصوله بجهة محظورة، وإن تركها
بعد ما تناهى عظمها لم يتصدق بشيء؛ لأن هذا تغير حالة لا تحقق زيادة، اهـ.
السابع: ما قال الباجي(٢): يجوز بيع الثمرة التي بدا صلاحها على
الإطلاق، ولا خلاف في جواز ذلك، ويجوز بيعها بشرط التبقية، وبه قال
الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يجوز بشرط التبقية.
قال الموفق(٣): إذا بدا الصلاح فيها جاز بيعها مطلقاً وبشرط التبقية إلى
حال الجزاز، وبشرط القطع، وبذلك قال مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة
وأصحابه: لا يجوز بشرط التبقية إلا أن محمداً قال: إذا تناهى عظمها جاز،
(١) (٢٧/٢).
(٢) ((المنتقى)) (٢٢٠/٤).
(٣) ((المغني)) (١٥٥/٦).
٣٩٤

٣٣ - كتاب البيوع
(٨) باب
(١٣٠٤) حديث
واحتجوا بأن هذا شرط الانتفاع بملك البائع على وجه لا يقتضيه العقد، فلم
يجز.
ولنا أنه وَّ نهى عن البيع حتى يبدو صلاحها، فمفهومه إباحة بيعها بعد
بدو الصلاح، والمنهي عنه قبل البدو، وعندهم البيع بشرط التبقية، فيجب أن
يكون ذلك جائزاً بعد البدو، وإلا لم يكن بدو الصلاح غاية، ولا فائدة في
ذكره، ولأنه رَّ نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، وتأمن العاهة، وتعليله
بأمن العاهة يدل على التبقية؛ لأن ما يقطع في الحال لا يخاف للعاهة
علیه، اهـ.
وفي ((الهداية))(١): إن شرط تركها على النخيل فسد البيع؛ لأنه شرط لا
يقتضيه العقد، وهو شغل ملك الغير أو هو صفقة في صفقة، وهو إعارة أو
إجارة في بيع، وكذلك إذا تناهى عظمها عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لما قلنا،
واستحسنه محمد للعادة بخلاف إذا لم يتناهى عظمها؛ لأنه شرط فيه الجزء
المعدوم، وهو الذي يزيد بمعنى من الشجر، اهـ.
الثامن: ما قال الموفق (٢): لا يختلف المذهب أن بدو الصلاح في بعض
ثمرة النخلة أو الشجرة صلاح لجميعها أعني يباح بيع جميعها بذلك، ولا أعلم
فيه اختلافاً، وهل يجوز بيع سائر ما في البستان من ذلك النوع؟ أظهرهما
جوازه، وهو قول الشافعي ومحمد بن الحسن، وعنه: لا يجوز إلا بيع ما بدا
صلاحه؛ لأن ما لم يبد صلاحه داخلٌ في عموم النهي، ووجه الأولى أنه بدا
الصلاح في نوعه من البستان الذي هو فيه، فجاز بيعه كالشجرة الواحدة، ولأن
اعتبار بدو الصلاح في الجميع يَشُقُّ، ويُؤدي إلى الاشتراك واختلاف الأيدي،
(١) (٢٧/٢).
(٢) («المغني)) (١٥٦/٦).
٣٩٥

٣٣ - كتاب البيوع
(٨) باب
(١٣٠٥) حديث
١١/١٣٠٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ حُمَيْدِ الطَّوِيلِ، عَنْ
أَنَسِ بْنِ مَالِكِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَلَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ.
فوجب أن يَتْبَعَ ما لم يَبْدُ صلاحُه من نوعه لما بدا على ما ذكرنا فيما أُبِّرَ بعضه
منه، اهـ.
وقال الباجي(١): إذا بدا صلاح الثمرة، فإنه يجوز بيعها، فإن بدا في
نخلة منها، وكانت في جهة واحدة، فيجوز بيع ذلك الصنف كله؛ لأنه لو
رُوعي في ذلك بيع ما بدا صلاحه دون غيره لم يصح ذلك لتفاوته، ولَلَحِقَتْه
المشقةُ المفرطةُ، ولامتنع بيعه إلا عند انقضائه، وهو وقت فوت بیعه.
١١/١٣٠٥ - (مالك عن حميد الطويل) البصري (عن أنس بن مالك أن
رسول الله ◌َّة) قال ابن عبد البر في ((التمهيد))(٢): هكذا روى هذا الحديث
جماعة الرواة ((للموطأ))، لم يختلفوا فيه فيما علمت، اهـ. رواه البخاري(٣) عن
عبد الله بن يوسف ومسلم عن ابن وهب كلاهما عن مالك (نهى) نهي تحريم
عند الجمهور، ونهي كراهة عند الحنفية كما حكاه العيني عن القرطبي (عن بيع
الثمار حتى تزهي) بضم الفوقية من أزهى بالياء، قال الخليل: أزهى النخل: بدا
صلاحه، وفي رواية تزهو بالواو، وصَوَّبه بعضهم، وأنكر الياء، وصوب
الخطابي الياء، فقال: هذه الرواية هي الصواب، فلا يقال في النخل: تزهو،
إنما يقال: تزهي لا غير، وقال ابن الأثير: الصواب الروايتان على اللغتين،
يقال: زها يزهو إذا ظهرت ثمرته، وأزهى يزهي إذا احمَرَّ أو اصفَرَّ، اهـ.
وقال ابن عبد البر في ((التمهيد))(٤): أزهت واحمرت، وبدا صلاحها
(١) ((المنتقى)) (٢١٩/٤).
(٢) (١٩٠/٢).
(٣) رقم الحديث (٢١٩٨)، ((فتح الباري)) (٣٩٨/٤)، وأخرجه مسلم (١١٧٥/٣).
(٤) (٢ /١٩٠).
٣٩٦

٣٣ - كتاب البيوع
(٨) باب
(١٣٠٥) حديث
فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا تُزْهِيَ؟ فَقَالَ: ((حِينَ تَحْمَرُّ))
ألفاظ مختلفة، وردت في الأحاديث الثابتة معانيها كلها متفقة، اهـ.
قال الباجي(١): يقال: أزهى الثمر إذا بدا صلاحه، والزهو: النور
والمنظر الحسن، ويحتمل أن يكون مأخوذاً منه؛ لأنها حينئذ يحسن منظرها،
ويكمل حسنها. (قالوا: يا رسول الله) هكذا في جميع النسخ الهندية، وفي
المصرية ((فقيل: يا رسول الله))، ولم يسمه السائل في الروايات (وما تزهي؟)
قال الباجي: فإن قيل هذه لفظة عربية، فكيف تخفى على من معه من العرب
حتى سألوه؟ فالجواب عنه يحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون لغة لبعض
العرب دون بعض، فسأل عنها من ليست من لغته، والثاني: أن تكون لفظة
مستعارة لها من حسنها، فكأنه قال: حتى تحسن الثمرة، فاحتاج أن يسأل عن
جنس الحسن الذي يبيح بيعها، فأخبره أن زهاءها حسنها بحمرتها .
٠
(قال) وَله: (حتى تحمر) وفي النسخ المصرية، فقال: حين تحمر، وزاد
في النسخ الهندية بعد ذلك (أو تصفر) وليست هذه اللفظة في النسخ المصرية.
قال الباجي: يعني تظهر على خضرة البلح حمرة، وهو أول ما يتغير لون
البلح إلى الحمرة، فذلك هو الإزهاء، ثم يكون منه ما يصفر، ومنه ما يستكهم
حمرته، ويكمل في جميعه، فيكون بسراً، اهـ.
والحديث بمعنى الحديث المتقدم في النهي عن بيع الثمر حتى يبدو
صلاحه، وتقدم الكلام علیه.
ورواية ((الموطأ)) صريحة في أن السؤال عن تزهي، والجواب مرفوع،
وفي عدة روايات عند البخاري قلنا لأنس: وما تزهي، فالجواب موقوف على
أنس.
(١) ((المنتقى)) (٢٢١/٤).
٣٩٧

٣٣ - كتاب البيوع
(٨) باب
(١٣٠٥) حديث
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّةٍ:
(وقال رسول الله وَة) هكذا صرح مالك برفع هذه الجملة الآتية (١)،
وتابعه محمد بن عباد عن الدراوردي عن حميد مقتصراً على هذه الجملة
الأخيرة، وجزم الدارقطني وغير واحد من الحفاظ بأنه أخطأ فيه، وبذلك
جزم ابن أبي حاتم عن أبيه وأبي زرعة، والخطأ في رواية الدراوردي من
محمد بن عباد، فقد رواه إبراهيم بن حمزة عن الدراوردي كرواية
إسماعيل بن جعفر الآتي ذكرها، ورواه معتمر بن سليمان وبشر بن المفضل
عن حميد، فقال فيه: أفرأيت .. إلخ، قال: فلا أدري أنس قال: ((بم
يستحل)) أو حدث به عن النبي وَلّ، أخرجه الخطيب في ((المدرج))، ورواه
إسماعيل بن جعفر عن حميد، فعطفه على كلام أنس في تفسير قوله:
((تزهي))، وظاهره الوقف.
وأخرجه الجوزقي من طريق يزيد بن هارون، والخطيب من طريق أبي
خالد الأحمر، كلاهما عن حميد، بلفظ قال أنس: أرأيت إن منع الله الثمرة،
الحديث، ورواه ابن المبارك وهشيم عن حميد عند البخاري، فلم يذكرا هذا
القدر المختلف فيه، وتابعهما جماعة من أصحاب حميد على ذلك.
وقال الدارقطني(٢): خالف مالكاً جماعة منهم ابن المبارك، وهشيم،
ومروان بن معاوية، ويزيد بن هارون، فقالوا فيه: قال أنس: أرأيت، الحديث.
قال الحافظ: وليس في جميع ما تقدم ما يمنع أن يكون هذا مرفوعاً؛
لأن الذي رفعه معه زيادة على ما عند الذي وقفه، وليس في رواية الذي وقفه
ما ينفي قول من رفعه، وقد روى مسلم من طريق أبي الزبير عن جابر ما يقوي
رواية الرفع في حديث أنس، ولفظه ((قال رسول الله وَ ل لو بعت من أخيك تمراً
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٣٩٨/٤).
(٢) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٢٦١/٣).
٣٩٨

٣٣ - كتاب البيوع
(٨) باب
(١٣٠٥) حديث
((أَرَأَيْتَ إِذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟)).
أخرجه البخاريّ في: ٢٤ - كتاب الزكاة، ٥٨ - باب من باع ثماره أو نخله أو
أرضه أو زرعه. وفي: ٣٤ - كتاب البيوع، ٨٧ - باب إذا باع الثمار قبل أن يبدو
صلاحها. ومسلم في: ٢٢ - كتاب المساقاة، ٣ - باب وضع الجوائح، حديث ١٥.
فأصابته عاهة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً، بم تأخذ مال أخيك بغير
حق؟))(١).
(أرأيت) أي أخبرني (إذا منع الله الثمرة) بأن تلفت (فبم يأخذ) بحذف ألف
((ما)) الاستفهامية عند دخول حرف الجر، مثل قولهم فيم، وعلام وحتام
(أحدكم مال أخيه) لأنه إذا تلف الثمرة لا يبقى للمشتري في مقابلة ما دفعه
شيء، فيكون أخذ البائع بالباطل.
فإن قلت: احتمال التلف بعد الزهو أيضاً ممكن، قلت: التلف إلى غير
البادئ أسرع وأكثر، كذا في ((المحلى)). واستدل بهذا الحديث على وضع
الجوائح في التمر، وسيأتي الكلام عليه مفصلاً في باب الجائحة في الثمار.
وقال الشافعي - رحمه الله -: لم يثبت عندي أن رسول الله بَليل أمر بوضع
الجوائح، ولو ثبت لم أَعْدُه، ولو كنت قائلاً بوضعها لوضعتها في القليل
والكثير، قال: والأصل المجتمع عليه أن كل من ابتاع ما يجوز بيعه وقبضه
كانت المصيبة فيه منه، ولم يثبت عندنا وضع الجوائح، فنخرجه من تلك
الجملة، كذا في ((التمهيد))(٢).
وترجم البيهقي على حديث أنس هذا ((باب من قال: لا توضع
الجائحة))(٣)، وقال بعد ذكر الحديث: قال الشافعي خلال كلامه في مسألة
الجائحة: لو كان مالك الثمرة لا يملك ثمن ما احتيج من ثمرته ما كان لمنعه
(١) أخرجه مسلم في ((صحیحه)) (١٥٥٥).
(٢) (١٩٣/٢).
(٣) ((السنن الكبرى)) (٣٠٤/٥).
٣٩٩

٣٣ - كتاب البيوع
(٨) باب
(١٣٠٦ - ١٣٠٧) حديث
١٢/١٣٠٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الرِّجَالِ، مُحَمَّدِ بْن
عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ حَارِثَةَ، عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ؛ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ وَ سَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَارِ حَتَّى تَنْجُوَ مِنَ الْعَاهَةِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَبَيْعُ الثَّمَارِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا مِنْ بَيْعِ الْغَرَرِ.
١٣/١٣٠٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزِّنادِ، عَنْ
خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ؛
أن يبيعها معنىً، إذا كان يحل بيعها طلحاً أو بَلَحاً يلقط ويقطع، إلا أنه أمر
ببيعها في الحين الذي الأغلب فيها أن تنجو من العاهة، ولو لم يلزمه ثمن ما
أصابته الجائحة ما ضر ذلك البائع والمشتري، اهـ.
١٢/١٣٠٦ - (مالك عن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن بن حارثة)
بمهملة ومثلثة (عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن) بن سعد بن زرارة (أن
رسول الله ◌َّة) مرسل في ((الموطأ)) وقد وصله ابن عبد البر(١) من طريق
خارجة بن عبد الله بن سليمان عن أبي الرجال عن عمرة عن عائشة (نهى عن
بيع الثمار حتى تنجو من العاهة) ببدو الصلاح، وذلك يكون عند طلوع الثريا
كما سيأتي، فإنه تقِلُّ العاهة بعد ذلك غالباً .
(قال مالك: وبيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها من بيع الغرر) المنهي عنه،
فينبغي أن لا يكون جائزاً، وذلك أن الآفة قبل بدو الصلاح تكثر، فتزيد الغرر فيه،
وتقدم قريباً عن الباجي أنهم اختلفوا في تعليل المنع عن البيع قبل بدو الصلاح على
قولين، وكلام مالك هذا يدل على أن الغرر عنده فيما قبل بدو الصلاح لا بعده.
١٣/١٣٠٧ - (مالك عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن خارجة بن
زيد بن ثابت) الأنصاري أحد الفقهاء السبعة (عن) أبيه (زيد بن ثابت) الأنصاري
(١) انظر: ((تنوير الحوالك)) (٤٨١).
٤٠٠