Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٣ - كتاب البيوع (٥) باب (١٢٩٩) حديث الصحيحة والفاسدة والاختلاف في صحة الشرط الواحد عند أحمد ومن وافقه، خلافاً للثلاثة، والاتفاق على فساد الشرطين، قال: وعن أحمد فيمن باع جارية، وشرط على المشتري أنه إن باعها فهو أحق بها بالثمن، أن البيع جائز، وروى المروذي عن أحمد أنه قال: هو في معنى حديث النبي ◌َّ: ((لا شرطان في بيع)) يعني أنه فاسد؛ لأنه شرط أن يبيعه إياه. وأن يبيعه بالثمن الأول، فهما شرطان في بيع نهي عنهما، ولأنه ينافي مقتضى العقد؛ لأنه شرط أن لا يبيعه من غيره إذا أعطاه ثمنه، فهو كما لو شرط أن لا يبيعه إلا من فلان. وروى عنه إسماعيل بن سعيد أن البيع جائز؛ لما روي عن ابن مسعود أنه قال: ابتعت من امرأتي زينب الثقفية جارية، وشرطت لها إن بعتها فهي لها بالثمن الذي ابتعتها به، فذكرت ذلك لعمر - رضي الله عنه -، فقال: لا تقربها، ولأَحدٍ فيها شرطٌ (١)، قال إسماعيل: فذكرت لأحمد الحديث. قال: البيع جائز ولا تقربها؛ لأنه كان فيها شرطٌ واحد للمرأة، ولم يقل عمر في ذلك البيع فاسد، فحمل الحديث على ظاهره، وأخذ به، وقد اتفق عمر وابن مسعود - رضي الله تعالى عنهما - على صحته، والقياس يقتضي فساده. قال شيخنا: ويحتمل أن يحمل كلام أحمد في رواية المروذي على فساد الشرط، وفي رواية إسماعيل بن سعيد على جواز البيع، فيكون البيع صحيحاً والشرط فاسداً، كما لو اشتراها بالشرط أن لا يبيعها، وقول أحمد: لا تقربها، قد روي مثله فيمن اشترط في الأمة أن لا يبيعها، ولا يهبها، أو شرط عليه ولاءها أو لا يقربها، والبيع جائز لحديث عمر المذكور، قال القاضي: وهذا (١) هكذا في الأصل، وفي ((الموطأ)) (وفيها شرط لأحد)، وكذا في ((موطأ الإمام محمد))، انظر: ((الاستذكار)) (٦٧/١٩)، و((التعليق الممجد)) (٢٥٠/٣)، وفيه ((شرط للأحد)) أي: من البائع والمشتري. ٣٦١ ٣٣ - كتاب البيوع (٥) باب (١٣٠٠) حديث ٦/١٣٠٠ - وَحَدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن عُمَرَ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَا يَطَأُ الرَّجُلُ وَلِيدَةً، إِلَّا وَلِيدَةً، إِنْ شَاءَ بَاعَهَا. وَإِنْ شَاءَ وَهَبَهَا. وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا. وَإِنْ شَاءَ صَنَعَ بِهَا مَا شَاءَ . يدل على الكراهة، لا على التحريم، قال ابن عقيل: عندي أنه إنما منع من الوطء لمكان الخلاف في العقد؛ لكونه يفسد بفساد الشرط في بعض المذاهب، اهـ. ٦/١٣٠٠ - (مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر) - رضي الله تعالى عنه - (أنه كان يقول: لا يطأ الرجل وليدة) ما (إلا وليدة) يملك التصرفات فيها (إن شاء باعها، وإن شاء وهبها، وإن شاء أمسكها، وإن شاء صنع بها ما شاء) من التصرفات كالعتق والتدبير وغير ذلك. قال محمد في ((موطئه)) بعد الأثر المذكور: وبهذا نأخذ، وهذا تفسير أن العبد لا ينبغي أن يتسرَّى؛ لأنه إن وهب لم يجز هبته كما يجوز هبة الحر، فهذا معنى قول عبد الله بن عمر، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، اهـ. وفي ((التعليق الممجد))(١) عن ((شرح معاني الآثار)) للطحاوي برواية عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: لا يحل فرجٌ إلَّا فرجٌ إن شاء صاحبُه باعه، وإن شاء وهبه، وإن شاء أمسكه لا شرط فيه، وبرواية يونس بن عبيد عن نافع عن ابن عمر أنه كان يكره أن يشتري الرجل الأمة على أن لا يبيع ولا یھب . وعن ((الدر المنثور))(٢) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونٌ ﴾﴾(٣) أخرج ابن أبي شيبة وعبد الرزاق عن ابن عمر - رضي الله (١) انظر: ((التعليق الممجد)) (٢٥٢/٣). (٢) (٨٣/٦). (٣) سورة المؤمنون: الآية ٥. ٣٦٢ ٣٣ - كتاب البيوع (٥) باب (١٣٠٠) حدیث قَالَ مَالِكٌ، فِيمَنِ اشْتَرَى جَارِيَةً عَلَى شَرْطِ أَنْ لَا يَبِيعَهَا وَلَا يَهَبَهَا أَوْ مَا أَشْبَهَ ذُلِكَ مِنَ الشُّرُوطِ: فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَطَأَهَا. وَذُلِكَ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا وَلَا أَنْ يَهَبَهَا. فَإِذَا كَانَ لَا يَمْلِكُ ذُلِكَ مِنْهَا، فَلَمْ يَمْلِكْهَا مِلْكاً تامًّا. لِأَنَّهُ قَدِ اسْتُنْنِي عَلَيْهِ فِيهَا مَا مَلَكَهُ بِيَدِ غَيْرِهِ. فَإِذَا دَخَلَ هُذَا الشَّرْطُ، لَمْ يَصْلُحْ. وَكَانَ بَيْعاً مَكْرُوهاً . عنه - أنه سئل عن امرأة أحلَّت جاريتها لزوجها؟ فقال: لا يحلّ لك أن تطأ فرجاً إلا إن شئت بعت، وإن شئت وهبت وإن شئت أعتقت، اهـ. (قال مالك فيمن اشترى جارية على شرط أنه) أي المشتري (لا يبيعها ولا يهبها أو ما أشبه ذلك من الشرط) أي من الشروط المنافية للبيع المفسدة له (فإنه لا ينبغي) أي لا يجوز (للمشتري أن يطأها وذلك) أي وجه عدم الجواز (أنه) أي المشتري (لا يجوز له أن يبيعها ولا أن يهبها) لاشتراطه ذلك، قال الباجي(١): يحتمل أن يكون هذا مبنياً على أن البيع الصحيح لا يفيت البيع الفاسد، ويحتمل أن يريد أن الشرط يمنع من ذلك، فهو ممنوع إلا أنه إن أوقعه فات به البيع كوطء الأمة، اهـ. (فإذا كان) المشتري (لا يملك ذلك منها) أي البيع والهبة وغيرهما (فلم يملكها) أي الجارية (ملكاً تاماً) بل ملكه ناقص (لأنه قد استثني) بالشرط (عليه فيها ما ملكه بيد غيره فإذا دخل هذا الشرط) في عقد البيع (لم يصلح) من الصلاح ضد الفساد أي لا يجوز (وكان بيعاً مكروهاً) لفساده بالشرط. وهل يفسخ البيع في ذلك أو يبطل الشرط فقط؟ قولان لمالك في ذلك كما سيأتي قريباً في كلام ابن رشد في بحث الشروط في البيع، قال الزرقاني(٢): زاد ابن وهب في روايته ((للموطأ))، قال مالك: وإن اشتراها (١) ((المنتقى)) (٢١٣/٤). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٥٨/٣). ٣٦٣ ٣٣ - كتاب البيوع (٥) باب (١٣٠٠) حديث بالشرط، فوطئها فحُملت، فللبائع قيمتها يوم باعها، وتحلّ لسيدها فيما يستقبل، اهـ. قال الباجي(١): فإن اشترط عليه المنع من التصرفات، مثل أن لا يبيعها، ولا يهبها، وغير ذلك، فهذا كله لا يجوز، فإن وقع فقد روى محمد عن مالك يبطل البيع إلا أن يترك المشتري ما شرط، وروى ابن نافع عن مالك ليس له إسقاط الشرط، ويفسخ العقد ما لم يفت؛ لأنه إذا لم يكن له التصرف، فملكه عليها غير صحيح، فلا يحلُّ له الوطء بملك اليمين، إلا أنه إذا لزمته القيمة بالفوات جاز له وطؤها حينئذ؛ لأنه قد تقرر ملكه عليها، فإن وطئها قبل أن تفوت عنده كان ذلك فوتاً للبيع الفاسد، اهـ. وقال ابن رشد (٢): اتفق العلماء على أن البيوع الفاسدة إذا وقعت ولم تفت بإحداث عقد فيها أو نماء أو نقصان أو حوالة سوق، أن حكمها الردُ أعني يرد البائعُ الثمن والمشتري المثمون، واختلفوا إذا قبضت وتصرف فيها بعتق أو هبة أو بيع أو رهن أو غير ذلك من سائر التصرفات هل هذا فوت يوجب القيمة؟ وكذلك إذا نمت أو نقصت، فقال الشافعي: ليس ذلك كله فوتاً، ولا شبهة ملك في البيع الفاسد، وإن الواجب الرد، وقال مالك: كل ذلك فوت يوجب القيمة إلا ما روى عنه ابن وهب في الربا أنه ليس بفوت، ومثل ذلك قال أبو حنيفة. والبيوع الفاسدة عند مالك تنقسم إلى محرمة، ومكروهة، أما المحرمة فإذا فاتت مضيت بالقيمة، والمكروهة إذا فاتت صحت عنده، وربما صحّ عنده بعض البيوع الفاسدة بالقبض لخفة الكراهة في ذلك، فالشافعية تشبه المبيع (١) انظر: ((المنتقى)) (٢١٢/٤). (٢) ((بداية المجتهد)) (٢/ ١٩٣). ٣٦٤ ٣٣ - كتاب البيوع (٥) باب (١٣٠٠) حديث الفاسد لمكان الربا والغرر بالفاسد لمكان تحريم عينه كبيع الخمر والخنزير، فليس عندها فوت. ومالك يرى أن النهي في هذه الأمور لمكان عدم العدل فيها أعني بيوع الربا والغرر، فإذا فاتت السلعة، فالعدل فيها هو الرجوع بالقيمة؛ لأنه قد تقبض السلعة، وهي تساوي ألفاً، وتُرَدُّ، وهي تساوي خمسمائة أو بالعكس، ولذلك يرى مالك حوالة الأسواق فوتاً في المبيع الفاسد، اهـ. وفي ((الشرح الكبير))(١): ومتى حكمنا بفساد العقد لم يثبت به ملك، سواء اتصل به القبض أو لا، ولا ينفذ تصرف المشتري فيه ببيع ولا هبة ولا عتق ولا غيره، وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: يثبت الملك فيه بالقبض، وللبائع الرجوع فيه، فيأخذه مع زيادته المتصلة إلا أن يتصرف فيه المشتري تصرفاً يمنع الرجوع فيه، فيأخذ قيمته محتجاً بحديث بريرة، فإن عائشة - رضي الله عنها - اشترتها بشرط الولاء، فأعتقتها، فأجاز النبي ◌َّلير العتق، والبيع فاسد، ولأن المشتري على صفة يملك المبيع ابتداء بعقد، وقد حصل عليه الضمان للبدل غير أنه عقد فيه تسليط، فوجب أن يملكه كالعقد الصحيح، ولنا أنه مقبوض بعقد فاسد، فلم يملكه كما لو كان الثمن ميتة. فأما حديث بريرة فإنما يدل على صحة العقد، لا على ما ذكروه، وليس في الحديث أن عائشة - رضي الله عنها - اشترتها بهذا الشرط، بل الظاهر أن أهلها حين بلغهم إنكار النبي ◌ّر هذا الشرط تركوه. ويحتمل أن الشرط كان سابقاً للعقد، فلم يؤثر فيه، وعليه ردُّ المبيع مع نمائه المنفصل، وأجرة مثله مدة بقائه في يديه، فإن كان المبيع أمة، فوطئها (١) (٥٦/٤). ٣٦٥ ٣٣ - كتاب البيوع (٥) باب (١٣٠٠) حديث المشتري فلا حدَّ عليه لاعتقاده أنها ملكه، ولأن في الملك اختلافاً، وعليه مهر مثلها؛ لأن الحد إذا سقط للشبهة وجب المهر، ولأن الوطء في ملك الغير يوجب المهر، وعليه أرش البكارة، إن كانت بكراً، وإن ولدت كان ولدها حراً؛ لأنه وطئها بشبهة، ويلحق به ذلك، ولا ولاء عليه؛ لأنه حر الأصل، وعلى الواطئ قيمته يوم وضعه، اهـ. وقال الموفق(١) في النكاح: الوطء بالشبهة، وهو الوطء في نكاح فاسد أو شراء فاسد أو وطء امرأة ظنها امرأته أو أمته، أو وطء الأمة المشتركة بينه وبين غيره وأشباه هذا، فهذا يتعلق به التحريم كتعلقه بالوطء المباح إجماعاً، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من علماء الأمصار على أن الرجل إذا وطئ امرأة بنكاح فاسد أو بشراء فاسد أنها تحرم على أبيه وابنه وأجداده وولد ولده. وهذا مذهب مالك والأوزاعي والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأصحاب الرأي؛ لأنه وطء يلحق به النسب، فأثبت التحريم كالوطء المباح، ولا يصير الرجل محرماً لمن حرمت عليه. ولا يباح له به النظر إليها؛ لأن الوطء ليس بمباح، ولأن الموطوءة لم يستبح النظر إليها، فلأن لا يستبيح النظر إلى غيرها أولى، وقال أيضاً: ويجب المهر للمنكوحة نكاحاً صحيحاً، والموطوءة بشبهة بغير خلاف نعلمه، اهـ. هذا ما يتعلق بمسألة الأمة إذا بيعت بشرط . وأما الشرط في البيع فالبحث فيه طويل، والفروع في مسالك الأئمة في ذلك كثيرة؛ لأنهم كلهم أباحوا بعض الشروط في البيع، ومنعوا أكثرها، وقد تقدم قريباً في كلام الإمام محمد أن الشروط التي فيها منفعة لأحد المتعاقدين، أو المبيع فاسدة، والتي لا منفعة فيها لأحد منهم جائزة. (١) ((المغني)) (٥٢٨/٩). ٣٦٦ ٣٣ - كتاب البيوع (٥) باب (١٣٠٠) حديث . وفي الشرط في البيع لطيفة ذكرها الطبراني في ((المعجم الأوسط)) بسنده إلى عبد الوارث بن سعيد قال: قدمت مكة فوجدت بها أبا حنيفة وابن أبي ليلى وابن شُبرمة. فسألت أبا حنيفة عن رجل باع بيعاً، وشرط شرطاً، فقال: البيع باطل، والشرط باطل، ثم أتيت ابن أبي ليلى، فسألته، فقال: البيع جائز، والشرط باطل، ثم أتيت ابن شُبرمة، فسألته، فقال: البيع جائز، والشرط جائز، فقلت: يا سبحان الله ثلاثة من فقهاء العراق اختلفوا في مسألة واحدة، فأتيت أبا حنيفة، فأخبرته. فقال: ما أدري ما قالا، حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ◌َّ﴾ نهى عن بيع وشرط، البيع باطل، والشرط باطل. ثم أتيت ابن أبي ليلى، فأخبرته، فقال: ما أدري ما قالا، حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: أمرني رسول الله وَ ◌ّ ر أن أشتري بريرة، فأعتقها، البيع جائز، والشرط باطل. ثم أتيت ابن شبرمة، فأخبرته، فقال: ما أدري ما قالا، حدثني مسعر بن كدام عن محارب بن دثار عن جابر قال: بعت النبي وَّر ناقة وشرط لي حملاً منها إلى المدينة، البيع جائز، والشرط جائز، ورواه الحاكم في كتاب ((علوم الحديث)) في باب الأحاديث المتعارضة، ومن جهة الحاكم ذكره عبد الحق في ((أحكامه)) وسكت عنه، كذا في ((نصب الراية))(١). وقال ابن رشد(٢): الأصل في اختلاف الناس في ذلك ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث جابر يعني في قصة البعير، وهو في الصحيح، والثاني: حديث بريرة أن رسول الله وَ ر قال: ((كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، ولو كان (١) (٤/ ١٥). (٢) ((بداية المجتهد)) (١٥٩/٢). ٣٦٧ ٣٣ - كتاب البيوع (٥) باب (١٣٠٠) حدیث مائة شرط))، حديث متفق على صحته، والثالث: حديث جابر ((نهى رسول الله (38 عن المحاقلة والمخابرة والثنيا))، وهو أيضاً في الصحيح خرجه مسلم، ومن هذا الباب ما روى أبو حنيفة أنه وَل نهى عن بيع وشرط. فاختلف العلماء لتعارض هذه الأحاديث، فقال قوم: البيع فاسد والشرط فاسد، ومن قال بهذا القول الشافعي وأبو حنيفة، وقال قوم: كلاهما جائزان، وبه قال ابن أبي شبرمة، وقال قوم: البيع جائز والشرط باطل، وممن قال به ابن أبي ليلى، وقال أحمد: البيع جائز بشرط واحد، وأما مع شرطين فلا . فمن أبطل الشرط والبيع أخذ بعموم نهيه عن بيع وشرط، ولعموم نهيه عن الثنيا، ومن لم يجز الشرطين، وأجاز الواحد احتجَّ بحديث عمرو بن العاص(١) خَرَّجه أبو داود مرفوعاً، ((لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع)»(٢). وأما مالك - رضي الله عنه - فالشروط عنده تنقسم ثلاثة أقسام: شروط: تبطل هي والبيع معاً، وشروط: تجوز هي والبيع معاً، وشروط: تبطل ويثبت البيع، وقد يظن أن عنده قسماً رابعاً، وهو أن من الشروط ما إن تمسك المشترط بشرطه بطل البيع، وإن تركه جاز البيع، وإعطاء فروق بينة في مذهبه بين هذه الأصناف الأربعة عسير. وقد رام ذلك كثير من الفقهاء، وإنما هي راجعة إلى كثرة ما يتضمن الشروط من صنفي الفساد الذي يخلُّ بصحة البيوع، وهما الربا والغرر، وإلى قلته وإلى التوسط بين ذلك، فما كان دخول هذه الأشياء كثيراً فيه من قبل الشرط أبطله، وأبطل الشرط، وما كان قليلاً أجازه، وأجاز الشرط فيها، وما كان متوسطاً أجاز البيع، وأبطل الشرط. (١) هكذا في الأصل، والصواب: بحديث عبد الله بن عمرو العاص، اهـ. ز. (٢) أخرجه أبو داود (٣٥٠٤). ٣٦٨ ٣٣ - كتاب البيوع (٥) باب (١٣٠٠) حدیث ويرى أصحابه أن مذهبه أولى المذاهب، إذ بمذهبه تجتمع الأحاديث كلها، والجمع عندهم أحسن من الترجيح، وللمتأخرين من أصحاب مالك في ذلك تفصيلات متقاربة، وأحد من له ذلك جدّي والمازري والباجي. وتفصيله في ذلك أن قال: إن الشرط في المبيع يقع على ضربين أولين: أحدهما: أن يشترط بعد انقضاء الملك مثل من يبيع العبد، ويشترط متى عتق كان له ولاؤه دون المشتري، فمثل هذا قالوا: يصح فيه العقد، ويبطل الشرط لحديث بريرة. والقسم الثاني: أن يشترط شرطاً يقع في مدة الملك، وهذا قالوا: ينقسم إلى ثلاثة أقسام: إما أن يشترط في المبيع منفعة لنفسه، أو يشترط على المشتري منعاً من تصرف خاص، أو عام، أو يشترط إيقاع معنى في المبيع. وهذا أيضاً ينقسم إلى قسمين: أحدهما: أن يكون معنى من معاني البر، والثاني: أن يكون معنى ليس فيه من البر شيء، فإذا اشترط لنفسه منفعة يسيرة لا تعود بمنع التصرف في أصل المبيع مثل أن يبيع الدار، ويشترط سكناها مدة يسيرة مثل الشهر، وقيل: السنة، فذلك جائز على حديث جابر. وإما أن يشترط منعاً من تصرف خاص أو عام، فذلك لا يجوز؛ لأنه من الثنيا، مثل أن يبيع الأمة على أن لا يطأها أو لا يبيعها، وإما أن يشترط معنى من معاني البر مثل العتق، فإن كان اشتراط تعجيله جاز عنده، وإن تأخر لم يجز لعظم الغرر فيه، وبقول مالك في إجازة البيع بشرط العتق المعجل قال الشافعي، على أن من قوله منع بيع وشرط، وحديث جابر عنده مضطرب اللفظ؛ لأن في بعض رواياته أنه اشترط ظهره إلى المدينة، وفي بعضها أنه أعار ظهره إلى المدينة، ومالكٌ رأى هذا من باب الغرر اليسير، فأجازه في المدة القليلة، ولم يجزه في المدة الكثيرة. وأما أبو حنيفة فعلى أصله في منع ذلك، وأما إن اشترط معنى ليس من ٣٦٩ ٣٣ - كتاب البيوع (٥) باب (١٣٠٠) حديث البر مثل أن لا يبيعها، فذلك لا يجوز عند مالك، وقيل: عنه البيع مفسوخ، وقيل: بل يبطل الشرط فقط، وأما من قال له البائع: متى جئتك بالثمن رددت عليّ المبيع، فإنه لا يجوز عند مالك؛ لأنه يكون متردداً بين البيع والسلف، إن جاء بالثمن كان سلفاً وإن لم يجئ كان بيعاً، ومن المسموع في هذا نهيه الآن عن بيع وسلف، واتفق الفقهاء على أنه من البيوع الفاسدة. واختلفوا إذا ترك الشرط قبل القبض، فمنعه أبو حنيفة والشافعي وسائر العلماء، وأجازه مالك وأصحابه إلا محمد بن عبد الحكم، وقد روي عن مالك مثل قول الجمهور، وحجة الجمهور أن النهي يتضمن فساد المنهي عنه مع أن الثمن يكون في المبيع مجهولاً لاقتران السلف به. ونكتة المسألة: هل إذا لحق الفساد بالبيع من قبل الشرط يرتفع الفساد إذا ارتفع الشرط أم لا يرتفع؟ وهذا ينبني على أصل آخر، هل هذا الفساد حكمي أم معقول؟ فإن قلنا: حكمي لم يرتفع بارتفاع الشرط، وإن قلنا: معقول ارتفع بارتفاع الشرط، فمالك رآه معقولاً، والجمهور رأوه غير معقول، والفساد الذي يوجد في بيوع الربا والغرر هو أكثر ذلك حكمي، ولذلك لا ينعقد عندهم أصلاً وإن ترك الربا بعد البيع أو ارتفع الغرر، اهـ مختصراً. واختلف في حكم هذا البيع إذا وقع، وتقدم كلام ابن رشد في ذلك قريباً، وقال الموفق(١) في بحث الشروط: ثبت عن أحمد أنه قال: الشرط الواحد لا بأس به، إنما نهي عن الشرطين في البيع، وذهب إلى ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعاً: ((لا يحلّ سلفٌ وبيع، ولا شرطان في بيع))، أخرجه(٢) أبو داود، والترمذي، وقال حسن صحيح، قال الأثرم: قيل (١) («المغني)) (٣٢١/٦). (٢) أخرجه أبو داود (٣٥٠٤)، والترمذي (١٢٣٤)، والنسائي (٤٦٢٥)، وابن ماجه (٢١٨٨). ٣٧٠ ٣٣ - كتاب البيوع (٥) باب (١٣٠٠) حديث لأبي عبد الله: هؤلاء يكرهون الشرط في البيع فنفض(١) يده، وقال: الشرط الواحد لا بأس به في البيع، إنما نهى رسول الله وَلّر عن شرطين في البيع، وحديث جابر يدل على إباحة الشرط حين باعه جمله، وشرط ظهره إلى المدينة . واختلف في تفسير الشرطين المنهي عنهما، فروي عن أحمد، أنهما شرطان صحيحان ليسا من مصلحة العقد، فحكى ابن المنذر عنه وعن إسحاق فيمن اشترى ثوباً، واشترط على البائع خياطته وقصارته، أو طعاماً، واشترط طحنه وحمله، إن اشترطهما فالبيع باطل، وإن اشترط أحدهما فالبيع جائز. وروى الأثرم عن أحمد تفسير الشرطين؛ أن يشتريها على أنه لا يبيعها من أحد، وأنه لا يطؤها ففسره بشرطين فاسدين، وروى عنه إسماعيل في الشرطين في البيع أن يقول: إذا بعتكها(٢) فأنا أحق بها بالثمن، وأن تخدمني سنة . وظاهر كلام أحمد أن المنهي عنه من الشرطين ما كان من هذا النحو، فأما إن شرط شرطين أو أكثر من مقتضى العقد أو مصلحته مثل أن يبيعه بشرط الخيار والتأجيل والرهن والضمين، فهذا لا يؤثر في العقد وإن كثر. وقال القاضي في ((المجرد)): ظاهر كلام أحمد أنه متى شرط في العقد شرطين بطل، سواء كانا صحيحين أو فاسدين لمصلحة العقد، أو لغير مصلحته أخذاً من ظاهر الحديث، وعملاً بعمومه، ولم يفرق الشافعيّ وأصحاب الرأي بين الشرط والشرطين، وروَوْا أن النبيِ نَّ﴿ل نهى عن بيع وشرط(٣)، ولأن (١) وفي الأصل ((فنفذ)) وهو تحريف. (٢) كذا في الأصل، والصواب: بعتها كما في ((الشرح الكبير)). اهـ. ز. (٣) انظر: ((تلخيص الحبير)) (٩٥٩/٣). ٣٧١ ٣٣ - كتاب البيوع (٥) باب (١٣٠٠) حدیث الصحيح لا يؤثر في البيع وإن كثُر، والفاسد يؤثر فيه وإن اتحد، والحديث الذي رويناه يدل على الفرق. ولأن الغرر اليسير إذا احتُمل في العقد لا يلزم منه احتمال الكثير، وحديثهم لم يصح، وليس له أصل، وقد أنكره أحمد، ولا نعرفه مروياً في مسند، ولا يعوّل عليه. وقول القاضي: إن النهي يبقى على عمومه في كل شرطين بعيد أيضاً، فإن شرط ما يقتضيه العقد لا يؤثر بغير خلاف، وشرط ما هو من مصلحة العقد كالأجل والخيار والرهن والضمين، وشرط في صفة المبيع كالكتابة والصناعة، فيه مصلحةُ العقد، فلا ينبغي أن يؤثر في بطلانه، قّت أو كثرت. ثم الشروط تنقسم إلى أربعة أقسام؛ أحدها: ما هو مقتضى العقد كاشتراط التسليم والتقابض في الحال، فهذا وجوده كعدمه، لا يفيد حكماً، ولا يؤثر في العقد. والثاني: تتعلق به مصلحةُ العاقدين، كالأجل، والخيار، والرهن، والضمين، والشهادة، أو اشتراط صفة مقصودة في المبيع، كالصناعة، والكتابة، ونحوها، فهذا شرط جائز يلزم الوفاء به، ولا نَعْلَمُ في صحة هذين القسمين خلافاً . الثالث: ما ليس من مقتضاه لا من مصلحته، ولا ينافي مقتضاه، وهو نوعان؛ أحدهما: اشتراط منفعة البائع في المبيع، فهذا قد مضى ذكره، الثاني: أن يشترط عقداً في عقد نحو أن يبيعه شيئاً بشرط أن يبيعه شيئاً آخر، أو يشتري منه، أو يُسَلِّفُهُ، أو يُؤْجره، أو يُزَوِّجه، أو غير ذلك، فهذا شرط فاسد يفسُدُ به البيع، سواء اشترطه البائع أو المشتري. الرابع: اشتراط ما ينافي مقتضى البيع وهو على ضربين؛ أحدهما: اشتراط ما بُنِيَ على التغليب والسِّراية، مثل أن يشترطَ البائع على المشتري عتق العبد فهل يصح؟ على روايتين: إحداهما: يصح، وهو مذهب مالك، وظاهر ٣٧٢ ٣٣ - كتاب البيوع (٥) باب (١٣٠٠) حدیث مذهب الشافعي، الثانية: الشرط فاسد، وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأنه شرط ينافي مقتضى العقد، أشبه إذا شرط أن يبيعه؛ لأنه شرط عليه إزالة ملكه عنه. الضرب الثاني: أن يشترط غير العتق، مثل أن يشترط أن لا يبيع، ولا يهب، ولا يعتق، ولا يطأ، أو يشترط عليه أن يبيعه أو إن أعتقه فالولاء له، فهذه وما أشبهها شروط فاسدة. وهل يفسد بها البيع؟ على روايتين، قال القاضي: المنصوص عن أحمد أن البيع صحيح، وهو قول الحسن، والشعبي، والنخعي، والحكم، وابن أبي ليلى، وأبي ثور، والثانية: البيع فاسد، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي؛ لأن النبي بَّ نهى عن بيع وشرط، ولأنه شرط فاسد، فأفسد البيع كما لو شرط فيه عقداً آخر، اهـ مختصراً. وفي ((التعليق الممجد))(١): الضابط فيه على ما في ((الهداية)) وشروحها : أن كل شرط لا يقتضيه العقد، وفيه منفعة لأحد المتعاقدين، أو المعقود عليه، وهو من أهل الاستحقاق يفسُدُ البيع إذا لم يكن متعارفاً، ولم يرد به الشرع، كشرط الأجل في الثمن والمثمن وشرط الخيار، ولم يكن متضمناً للتوثق كشرط الكفيل بالثمن فإنه جائز، وذلك كمن اشترى ثوباً على أن يخيطه البائع أو نحو ذلك، فإن كان مقتضى العقد لا يفسد كشرط تسليم الثمن، وكذا إذا لم يكن فيه نفع لأحد المتعاقدين، أو فيه نفع للمعقود عليه، وليس من أهل الاستحقاق، كمن باع ثوباً أو حيواناً سوى الرقيق على أن لا يبيعه، وكذا إذا كان متعارفاً كما إذا اشترى نعلين بشرط أن يحذوه البائع، والفروع مبسوطة في کتب الفروع، اهـ. وفي (الدر المختار))(٢): في الأصل الضابط في ذلك، هو ما لا يقتضيه (١) (٢٥٠/٣). (٢) ((الدر المختار)) (٢٠٤/٥، ٢٠٥). ٣٧٣ ٣٣ - كتاب البيوع (٦) باب (١٣٠١) حديث (٦) باب النهي عن أن يطأ الرجل وليدة ولها زوج ٧/١٣٠١ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ العقد ولا يلائمه، وفيه نفع لأحدهما، أو فيه نفع لمبيع هو من أهل الاستحقاق للنفع بأن يكون آدمياً، فلو لم يكن كذلك كشرط أن لا يركب الدابة المبيعة، لم يكن مفسداً ولم يجر العرف به، ولم يرد الشرع بجوازه، أما لو جرى العرف به كبيع نعل مع تشريكه، أو ورد الشرع به كخيار شرط فلا فساد، اهـ. (٦) النهي عن أن يطأ الرجل وليدة ولها زوج قال الموفق(١): يباح للسيد النظر إلى جميع بدن أمته حتى فرجها وسواء في ذلك سرّيته وغيرها؛ لأنه مباح له الاستمتاع من جميع بدنها، فأبيح له النظر إليه، فإن زَوَّج أمته حرم عليه الاستمتاع والنظر منها إلى ما بين السرّة والركبة؛ لأن عمرو بن شعيب روى عن أبيه قال: قال رسول الله وَّر: ((إذا زوج أحدكم خادمه عبده أو أجيره فلا ينظر إلى ما دون السرة، وفوق الركبة فإنه عورة)) رواه أبو داود(٢). مفهومه إباحة النظر إلى ما عداه، وأما تحريم الاستمتاع بها فلا شك فيه ولا اختلاف، فإنها قد صارت مباحة للزوج، ولا تحل امرأة لرجلين، فإن وطئها لزمه الإثم والتعزير وإن ولدت، فقال أحمد: لا يلحقه الولد؛ لأنها فراش لغيره فلا يلحقه ولدها كالأجنبية، اهـ. ٧/١٣٠١ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (أن عبد الله بن عامر) بن كريز بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي، وُلِد في عهدهِ وََّ، وأتي (١) («المغني)) (٩/ ٤٩٧). (٢) أخرجه أبو داود (٤١١٤). ٣٧٤ ٣٣ - كتاب البيوع (٦) باب (١٣٠١) حديث به إليه فتفل عليه وعَوَّذَه، قال ابن حبان: له صحبة، وكان جواداً شجاعاً، وَلَّاه ابن خاله عثمان البصرةَ سنة تسع وعشرين، فافتتح كرمان وخراسان وغيرهما، وله في الجود أخبار كثيرة، ولا رواية له في الكتب الستة. مات بالمدينة سنة سبع أو ثمان وخمسين، وأبوه صحابي من مسْلمة الفتح، وعاش حتى قدم البصرة على ابنه وهو أميرها، قاله الزرقاني(١) والصحيح أن عبد الله ابن خال عثمان؛ لأن أم عثمان هي أروى بنت کریز. وأما أم عبد الله بن عامر فهي دِجَاجة بنت أسماء بن الصلت كما في ((تهذيب الحافظ))(٢)، وقال: كُرِيْزٌ مصغر، وذكر غير واحد أن عبد الله أُتِيَ به النبيِ وَ﴿ لما ولد، فقال: ((هذا يُشْبِهُنَا))، وجعل يَتْفُل في فيه، ويُعَوِّذُ، فجعل يبتلع ريق النبي ◌َّة، فقال النبي وَلُّ: ((إنه لمُسْقى(٣) فكان لا يعالج أرضاً إلا ظهر له الماء)»، وهو صاحب نهر ابن عامر، وفي إمارته قُتِلَ يزدجرد آخر ملوك الفرس، وهو أول من اتخذ الحياض بعرفة، وأجرى إلى عرفة العينَ. ولا يذهب عليك أن القصة في جميع نسخ ((الموطأ)) من المتون والشروح الهندية، والمصرية، منها ((الزرقاني)) و((التنوير)) و((المحلى)) وغيرها لعبد الله بن عامر المذكور، وهكذا ذكره محمد في ((موطئه)). وخالف ذلك كله الباجي في ((المنتقى)) (٤) إذ ذكر في المتن عن ابن شهاب أن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أهدى لعثمان إلى أن قال في آخر الحديث: فأرضى ابن عمر زوجها، وعلى هذا بنى الشارح كلامه، والظاهر أنه تحريف من الناسخ، لا من المصنف. (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٥٩/٣). (٢) ((تهذيب التهذيب)) (٢٧٢/٥)، و(«أسد الغابة» (٦/٣). (٣) أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) في كتاب معرفة الصحابة (٦٣٩/٣). (٤) (٢١٤/٤). ٣٧٥ ٣٣ - كتاب البيوع (٦) باب (١٣٠١) حديث أَهْدَى لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ جَارِيَةً. وَلَهَا زَوْجٌ. ابْتَاعَهَا بِالْبَصْرَةِ. فَقَالَ عُثْمَانُ: لَا أَقْرَبُهَا حَتَّى يُفَارِقَها زَوْجُهَا. فَأَرضَى ابْنُ عَامِرٍ زَوْجَهَا، فَفَارَقَهَا . (أهدى لعثمان بن عفان) أمير المؤمنين (جارية ولها زوج) جملة حالية (ابتاعها) أي اشترى عبد الله الجارية (بالبصرة)، ولفظ محمد في ((موطئه))(١): أهدى لعثمان بن عفان جارية من البصرة ولها زوج (فقال عثمان: لا أَقْرَبُهَا) لحرمته علي (حتى يفارقها زوجُها) أي يطلقها (فأرضى ابنُ عامر زوجَها ففارقها) أي فطلقها زوجها، فحلت لعثمان - رضي الله عنه - بعد العدة. وفيه دليل على مسألة خلافية تقدمت أن بيع الأمة لا يكون طلاقها وإلا كان شراء ابن عامر لها طلاقها، قال الباجي (٢) في قول عثمان - رضي الله عنه -: لا أقربها: يريد أن استباحة الوطء بالنكاح مقَدَّمٌ على استباحته بملك اليمين؛ لأن الوطء مقصود النكاح، ومقتضاه، ولذلك لا يجوز أن ينعقد على من لا يستباح وطؤها، وليس كذلك ملك اليمين، فيجوز أن يملك من لا يحلُّ له وطؤها؛ ولذلك من كانت له أمة ولها زوج لم يحلّ له وطؤها؛ لأن الزوج أملك باستباحة بضعتها، فحرمت على السيد. وقوله: فأرضى ابنُ عمر (٣) زوجَها؛ فقضى أن السيد لا يملك فسخ نكاحها؛ لأن الزوج قد ملك بُضْعها، سواء كان السيد هو العاقد أو غيره، وإنما أراد ابن عمر بمفارقة الزوج لها أن يستبيحها عثمان، وذلك لا يكون إلا بعد مفارقة الزوج لها وانقضاء عدتها منه، فأرضاه بمال أعطاه إياه أو غيره على أن فارقها؛ لأن عصمة الزوج لا تزول عنها إلا بوفاة أو طلاق أو فسخ، اهـ. (١) ((موطأ مالك مع التعليق الممجد)) (٢٥٥/٣). (٢) ((المنتقى)) (٢١٤/٤). (٣) هذا مبنيٌّ على نسخته كما تقدم. ٣٧٦ ٣٣ - كتاب البيوع (٦) باب (١٣٠٢) حدیث ٨/١٣٠٢ - وَحَدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَوْفٍ؛ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمُنِ بْنَ عَوْفٍ؛ ابْتَاعَ وَلِيدَةً. فَوَجَدَهَا ذَاتَ زَوْجِ. فَرَدَّهَا. ٨/١٣٠٢ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أن) أباه (عبد الرحمن بن عوف ابتاع) أي اشترى (وليدة) أي جارية من عاصم بن عدي كما في البيهقي برواية بكير عن مالك، وهكذا برواية سفيان عن الزهري، (فوجدها) عبد الرحمن (ذات زوج فردّها) لأجل هذا العيب، قال محمد في ((موطئه))(١) بعد هذا الأثر: وبهذا نأخذ لا يكون بيعها طلاقها، فإذا كانت ذات زوج، فهذا عيب تردّ به، وهو قول أبي حنيفة، اهـ. وقد أخرج البيهقي في ((سننه))(٢) بعد هذا الأثر بسنده إلى سليمان بن موسى سُئل عن الأمة تباع ولها زوج: أن عثمان - رضي الله عنه - قضى أنه عيب ترد منه، قال الباجي(٣): الدين على الأمة والعبد عيب، وكذلك الزوج للأمة، وقال الشافعي: لا يرد به، ولنا أن هذا معنى يمنع الاستمتاع بالأمة، فيثبت به خيار الرد بالعيب كداء الفرج، والزوجة في العبد عيب؛ لأن هذا يبطل على سيده منه حكماً مقصوداً، وهو أن يزوجه من أمته، وكذلك الولد الصغير أو الكبير، وكذلك الأب والأم؛ لأن كل واحد من هؤلاء يميل إليهم العبد والأمة، ويصرف إليهم فضل كسبه وبعض قوته، فيضر ذلك بغلته وقوته، وأما الأخ والأخت وسائر الأقارب فلا يثبت بهم الردّ لعيب؛ لأن الضرر بهم أقل، اهـ. وهكذا حكى خلاف الشافعي في ذلك ابن رشد(٤) إذ قال: والزوج عند (١) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٢٥٥/٣). (٢) ((السنن الكبرى)) (٣٢٣/٥). (٣) ((المنتقى)) (١٩٠/٤). .(٤) ((بداية المجتهد)) (١٧٥/٢). ٣٧٧ ٣٣ - كتاب البيوع (٧) باب (١٣٠٣) حديث (٧) باب ما جاء في ثمر المال يباع أصله ٩/١٣٠٣ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لّ قَالَ: «مَنْ بَاعَ نَخَّلاً قَدْ ◌ُبِّرَتْ. مالك عيب، وهو من العيوب العائقة عن الاستعمال، وكذلك الدين، وقال الشافعي: ليس الدين ولا الزوج بعيب فيما أحسب، اهـ. وحكى الموفق(١) اتفاقهم في ذلك إذ قال في بيان العيوب التي يرد بها المبيع: والتزوج في الأمة، والبخر(٢) فيها، وهذا كله قول أبي حنيفة والشافعي، ولا أعلم فيه خلافاً، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم في الجارية تشترى ولها زوج أنه عيب، وكذلك الدين في رقبة العبد إذا كان السيد معسراً، اهـ. وهكذا في ((الشرح الكبير))، وفي ((التعليق الممجد))(٣) عن ((المحيط)) وغيره: النكاح والدين عيب في العبد والجارية، اهـ. (٧) ما جاء في ثمر المال يباع أصله هكذا في جميع النسخ المصرية والهندية إلا في نسخة ((المحلى)) وهوامش النسخ الهندية بلفظ تمر النخل محل ثمر المال. ٩/١٣٠٣ - (مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله وَله قال: من باع نخلاً) خص النخل بالذكر مع أن غيره في حكمها لكثرتها بالمدينة المنورة (قد أَبْرَتْ) بضم الهمزة وشد الموحدة وتخفيفها على المشهور، يقال: (١) ((المغني)) (٢٣٦/٦). (٢) البخر: الرائحة المتغيرة من الفم ((لسان العرب)) (ب خ ر). (٣) (٢٥٥/٣). ٣٧٨ ٣٣ - كتاب البيوع (٧) باب (١٣٠٣) حديث فَثَمَرُهَا لِلْبَائِعِ. إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ)» . أخرجه البخاريّ في: ٣٤ - كتاب البيوع، ٩٠ - باب من باع نخلاً قد أبرت. ومسلم في: ٢١ - كتاب البيوع، ١٥ - باب من باع نخلاً عليه ثمر، حديث ٧٧. أبرت النخل آبره أبراً بوزن أكلت الشيء آكله أكلاً، والتأبير: التشقيق والتلقيح، وهو أن يُشَقَّ طَلْع الإناث ليذر فيه شيء من طلع النخلة الذكر، والحكم مستمر بمجرد التشقيق، ولو لم يضع فيه شيئاً، كذا في ((الفتح))(١). وقال الموفق(٢): أصلُ الإبار عند أهل العلم: التلقيح. قال ابن عبد البر: إلا أنه لا يكون حتى يتَشقَّق الطَّلْعُ، وتظهر الثمرة، فَعُبِّرَ به عن ظهور الثمرة، للزومه منه، والحكم متعلق بالظهور، دون نفس التلقيح بغير اختلاف بين العلماء، قال القاضي: قد يَتَشَقَّقُ الطَّلْعُ بنفسه فيظهر، وقد يشُقُّه الصَّعَّادُ، فيظهرُ، وأيُّهما كان فهو التأبيرُ المرادُ هنا، اهـ. وفي ((العيني))(٣): الإبار شقُّ طلع النخلة، سواء خط فيه شيء أم لا، ولو تأبرت بنفسها أي تشققت فحكمها في البيع حكم المؤبرة بفعل الآدمي، اهـ. وفي ((المحلى)): العادة تأبير البعض، والباقي ينشق بنفسه، وهبت ريح الذكور إليه، وقد لا يؤبر شيء وينشق الكل، اهـ. (فثمرها للبائع) كذا في جميع النسخ، قال الزرقاني: وفي رواية ((فثمرتها)) بالمثلثة وتاء التأنيث (إلا أن يشترط إياها المبتاع) أي المشتري لنفسه، فتكون له إذا رضي البائع. وفي الحديث عدة أبحاث: الأول: ما قال الموفق(٤): إن البيع متى وقع (١) ((فتح الباري)) (٤٠٣/٤). (٢) («المغني)) (١٣٠/٦). (٣) ((عمدة القاري)) (٥٠٧/٨). (٤) انظر: ((المغني)) (١٣٠/٦). ٣٧٩ ٣٣ - كتاب البيوع (٧) باب (١٣٠٣) حديث على نخل مثمرة مؤبَّرةٍ، ولم يشترط الثمرة فهي للبائع وإن كانت غير مؤبَّرة فهي للمشتري، وبهذا قال مالك والليث والشافعي، وقال ابن أبي ليلى: هي للمشتري في الحالين؛ لأنها متصلة بالأصل اتصال خِلْقة، فكانت تابعةً له کالأغصان. وقال أبو حنيفة والأوزاعي: هي للبائع في الحالين؛ لأن هذا نماء له حدٍّ، فلم يتبع أصله في البيع، كالزرع في الأرض، ولنا: الحديث المذكور، فإنه صريح في ردّ قول ابن أبي ليلى، وحُجَّةٌ على أبي حنيفة والأوزاعي بمفهومه؛ لأنه جعل التأبير حداً لملك البائع وإلا لم يكن ذكره مفيداً . وقال العيني(١): وتلخيص مأخذ اختلافهم في الحديث أن أبا حنيفة استعمل الحديث لفظاً ومعقولاً، ومالك والشافعي لفظاً ودليلاً، لكن الشافعي يستعمل دلالته من غير تخصيص، ويستعملها مالك مخصصة، وبيان ذلك أن أبا حنيفة جعل الثمرةَ للبائع في الحالين، وكأنه رأى أن ذكر الإبار تنبيه على ما قبل الإبار، وهذا المعنى يسمى في الأصول معقول الخطاب، واستعمله مالك والشافعي على أن المسكوت عنه حكمه حكم المنطوق، وهذا يسميه أهل الأصول دليل الخطاب، وقول الثوري وأهل الظاهر وفقهاء أصحاب الحديث كقول الشافعي في ذلك، اهـ. قال الأبي (٢): استدل مالك بدليل الخطاب من الحديث؛ لأنه إنما جعلها للبائع بالإبار فهي إذا لم تؤبر للمبتاع، وأيضاً لذلك نظير من الشرع: جنين الأمة قبل الوضع للمبتاع وبعده للبائع، والثمر بمنزلة الجنين، قلت: وفيه أن الجنين بعد الوضع ينفصل عن الأصل، والثمرة لا تنفصل عنها، فلا يكون نظيراً . (١) ((عمدة القاري)) (٥٠٩/٨). (٢) ((إكمال الإكمال)) (٢١٠/٤). ٣٨٠