Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٣ - كتاب البيوع (٣) باب (٣) باب ما جاء في العهدة (٣) العهدة في الرقيق ليس لفظ الرقيق في النسخ المصرية(١)، بل فيها ما جاء في العهدة، قال الدردير(٢): العهدة لغةً من العهد، وهو الإلزام والالتزام، واصطلاحاً، هو تعلق المبيع بضمان البائع مدة معينة، وهي قسمان: عهدة سنة، وهي طويلة الزمان قليلة الضمان، وعهدة ثلاث، وهي قليلة الزمان كثيرة الضمان اهـ. وقال الخطابي(٣): معنى عهدة الرقيق أن يشتري العبد أو الجارية، ولا يشترط البائع البراءة من العيب، فما أصاب المشتري به من عيب في الأيام الثلاثة، فهو من البائع، فيرد بلا بينةٍ، وإن وُجد به عيب بعد الثلاث لم يرد إلا ببينة، وهذا فسره قتادة. قال الشيخ: وإلى هذا ذهب مالك، وقال: هذا إذا لم يشترط البراءة من العيب، قال: وعهدة السَّنَةِ من الجنون والجذام والبرص، فإذا مضت السَّنَة فقد برئ البائع من العهدة كلها، قال: ولا عهدة إلا في الرقيق خاصة، قال: وهذا قول أهل المدينة وابن المسيب والزهري أعني عهدة السَّنَّةِ في كل داء عضال، وكان الشافعي لا يعتبر الثلاث والسنة في شيء منها، وينظر إلى العيب، فإن كان يحدث مثله في مثل تلك المدة التي اشتراه فيها إلى وقت الخصومة، فالقول قول البائع مع يمينه، وإن كان لا يمكن حدوثه في تلك المدة رُدَّ على البائع، وضَعَّفَ أحمد حديث العهدة، وقال: لا يثبت في العهدة حديث، كذا أفاده شيخنا في ((البذل))(٤) . وقال الموفق(٥): إذا تَعَيَّبَ المبيعُ في يد البائع بعد العقد، فإن كان المبيع (١) كذا في ((الاستذكار)) (٣٧/١٩). (٢) ((الشرح الكبير)) (١٤١/٣). (٣) («معالم السنن)) (١٢٥/٣). (٤) ((بذل المجهود)) (١٨٣/١٥). (٥) («المغني)) (٢٣٣/٦). ٣٢١ ٣٣ - كتاب البيوع (٣) باب من ضمانه فحكمه حكم العيب القديم، وإن كان من ضمان المشتري فحكمه حكم العيب الحادث بعد القبض. فأما الحادث بعد القبض فهو من ضمان المشتري، ولا يثبت به خيار، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي، وقال مالك: عهدةُ الرَّقيق ثلاثة أيام، إلا في الجنون والجذام والبرص، فإن ظهر إلى سَنَةٍ ثبت الخيار، لحديث الحسن عن عقبة أن النبي ◌َّر جعل عهدة الرقيق ثلاثة أيام(١)، وأنه إجماع أهل المدينة، ولنا، أنه ظهر عند المشتري، ويجوز أن يكون حادثاً، فلم يثبت به الخيار كسائر المبيع، وحديثهم لا يثبت، قال الإمام أحمد: ليس فيه حديث صحيح، وقال ابن المنذر: لا يثبت في العهدة حديث صحيح، اهـ. وقال ابن رشد(٢) في خيار العيب: أما شرط العيب الموجب للحكم به، فهو أن يكون حادثاً قبل أمد التبايع باتفاق، أو في العهدة عند من يقول به، وتفرد مالك بالقول بالعهدة دون سائر فقهاء الأمصار، وسلفه في ذلك أهل المدينة الفقهاء السبعة وغيرهم، ومعنى العهدة أن كل عيب حدث فيها عند المشتري فهو من البائع، وهي عند القائلين بها عهدتان، عهدة الثلاثة الأيام، وذلك من جميع العيوب الحادثة فيها عند المشتري، وعهدة السَّنة، وهي من العيوب الثلاثة: الجذام والبرص والجنون، فما حدث في السَّنَةِ من هذه الثلاث بالمبيع، فهو من البائع، وما حدث من غيرها من العيوب كان من ضمان المشتري على الأصل. وعهدة الثلاث عند المالكية بمنزلة أيام الخيار وأيام الاستبراء، والنفقة فيها والضمان من البائع، وأما عهدة السنة فالنفقة فيها، والضمان من المشتري، إلا من الأدواء الثلاثة، اهـ. (١) أخرجه أبو داود (٢٥٤/٢). (٢) ((بداية المجتهد)) (١٧٦/٢). ٣٢٢ ٣٣ - كتاب البيوع (٣) باب (١٢٩٧) حديث ٣/١٢٩٧ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن أَبي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْم؛ أَنَّ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ، وَهِشَامَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ، كَانَا يَذْكُرَانِ فِي خُطْبَتِهِمَا عُهْدَةَ الرَّقِيقِ. فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ مِنْ حِينٍ يُشْتَرَى الْعَبْدُ أَوِ الْوَلِيدَةُ. وفي ((المحلى)): قال صاحب ((المختصر)): ومستند العهدتين عمل أهل المدينة، وابتداؤهما أول النهار من المستقبل، وقال سحنون: من حين العقد، وفي تداخلهما قولان، واختلف في العهدة، فروى المدنيون يقضى بها في كل بلد، والمصريون لا يقضى بها إلا بالعادة، وكان الشافعي لا يعتبر الثلاث ولا السنة في شيء منها . وقال محمد في ((موطئه))(١): لسنا نعرف عهدة الثلاث ولا عهدة السنة إلا أن يشترط الرجل خيار ثلاثة أيام، أو خيار سنة، فيكون ذلك على ما اشترط، وأما عند أبي حنيفة، فلا يجوز الخيار إلا في ثلاثة أيام، اهـ. ٣/١٢٩٧ - (مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو) بفتح العين (ابن حزم) بالحاء والزاي (أن أبان) بفتح الهمزة وخفة الموحدة (ابن عثمان بن عفان. قال صاحب ((المحلى)): كان أميراً على المدينة زمن عبد الملك (وهشام بن إسماعيل) بن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي كان والياً بالمدينة زمن عبد الملك، كذا في ((المحلى)). (كانا يذكران في خطبتهما) أي كل واحد منهما إذا خطب (عهدة الرقيق) بالإضافة مفعول يذكران، والمعنى أنهما يقولان: إن عهدة الرقيق تكون (في الأيام الثلاثة) من كل عيب يحدث (من حين يشترى) ببناء المجهول (العبد أو الأمة) وتقدم الخلاف عند المالكية في ابتداء وقت العهدة. قال الباجي(٢): أول هذه الأيام الثلاثة من يوم عقد البيع، إن كان البيع، (١) ((موطأ مالك مع التعليق الممجد)) (٢٥٧/٣). (٢) ((المنتقى)) (١٧٣/٤). ٣٢٣ ٣٣ - كتاب البيوع (٣) باب (١٢٩٧) حديث وَعُهْدَةَ السَّنَّةِ . لازماً بالخيار، فمن يوم يحكم بلزوم العقد، وإنما يحسب فيها باليوم الكامل، فإن كان البيع قبل الفجر احتسب بما بعده من الأيام، وإن كان البيع في بعض النهار، فقد روى ابن القاسم عن مالك في كتاب محمد إن كان البيع نصف النهار، لم يحتسب بذلك اليوم، وهذا القول مشهور لابن القاسم في العقيقة، ومدة مقام المسافر في المصر. وأما سحنون فيقول: إنما يراعى المقصود من المدة، وتلفق أبعاض الأيام، فيحتسب في المقام في المصر بعشرين صلاة، ويجيء على هذا أن تلفق أبعاض الأيام في العهدة، انتهى. ويذكران أيضاً في خطبتهما . (عهدة السنة) قال الباجي(١): يريد أنها من الأمور المشهورة المعمول بها التي كان الأمراء يهتمون بها، ويجعلونها من أوكد اللزوم، حتى كادوا يدخلون ذلك في الخطب لئلا يخفى على أحدٍ، ممن قرب من المدينة ولا بعد عنها؛ لأن المدينة لا تنفكُ عن قادم عليها من جميع الآفاق، وكانوا يحضرون الجُمَعَ، وأوقات الخطب، فيستمعون تكرر ذلك في الخطب من الأمراء، ثم لا ينكر ذلك عليهم منكر، ولا ينهاهم عنه ناهٍ، لكونه معمولاً به عند الأئمة من أهل المدينة الذين يؤخذ عنهم، انتهى. قال الزرقاني(٢): قال الزهري: القضاة منذ أدركنا يقضون بها، وروى ابن أبي شيبة عن الحسن البصري عن سمرة مرفوعاً، ((عهدة الرقيق ثلاثة أيام))، وروى أبو داود، عن الحسن عن عقبة بن عامر مرفوعاً نحوه، ولم يسمع الحسن عن عقبة، وفي سماعه من سمرة خلاف، ولذا ضَعَّفَ بعضُهم حديث عقبة، لكن اعتضد بحديث سمرة، وبعمل أهل المدينة، انتهى. (١) ((المنتقى)) (١٧٣/٤). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٥٤/٣). ٣٢٤ ٣٣ - كتاب البيوع (٣) باب (١٢٩٧) حدیث قَالَ مَالِكٌ: مَا أَصَابَ الْعَبْدُ أَوِ الْوَلِيدَةُ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ، مِنْ حِينٍ يُشْتَرَيَانِ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ. فَهُوَ مِنَ الْبَائِعَ. وَإِنَّ عُهْدَةَ السَّنَةِ مِنَ الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ. فَإِذَا مَضَتِ السَّنَّةُ. فَقَدْ بَرِئَ الْبَائِعُ مِنَ الْعُهْدَةِ كُلِّهَا . قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ بَاعَ عَبْدَاً أَوْ وَلِيدَةً (قال مالك: ما أصاب العبد أو الوليدة) من كل عيب يحدث (في الأيام الثلاثة من حين يشتريان) ببناء المجهول (حتى تنقضي الأيام الثلاثة) التي هي أيام العهدة (فهو من البائع) أي من ضمان البائع، فيجوز للمشتري ردُّه في هذه الأيام بلا بينة. (وإن عهدة السنة) أي ضمان السنة (من الجنون والجذام والبرص) فهذه الأمراض الثلاثة إن حدث منها شيء إلى انتهاء السنة، فهو أيضاً من ضمان البائع (فإذا مضت السنة فقد برئ البائع من العهدة كلها) فلم يبق عليه ضمان شيء. قال الباجي(١): فيه ستة أبواب: الأول: في تفسير معنى العهدة، وتبيين أحكامها وعددها، الباب الثاني: في محل الحكم بها من البلاد، الثالث: في محل ثبوتها من المبيع، الرابع: في محل ثبوتها من العقود، الخامس: في مقتضى ذكرها، السادس: في حكم العوض منها في تعجيل أو تأخير، ثم بسط الكلام على هذه الأبواب الستة. (قال مالك: ومن باع) هكذا في جميع النسخ المصرية والهندية غير ((المحلى))، وفيها قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا فيمن باع (عبداً أو وليدة) زاد في نسخة ((المحلى)): أو حيواناً آخر غيرهما، قال صاحب ((المحلى)): يعني أن البراءة تفيد في الحيوان مطلقاً، وفي ((المدونة)»: أنها تفيد في الرقيق خاصة، وروي ((يفيد من السلطان))، وروي ((من الورثة)) لقضاء الدين (١) ((المنتقى)) (١٧٣/٤). ٣٢٥ ٣٣ - كتاب البيوع (٣) باب (١٢٩٧) حديث مِنْ أَهْلِ الْمِيرَاثِ، أَوْ غَيْرِهِمْ بِالْبَرَاءَةِ، فَقَدْ بَرِئَ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ. وَلَا عُهْدَةَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَلِمَ عَيْباً فَكَتَمَه. فَإِنْ كَانَ عَلِمَ عَيْباً فَكَتَمَهُ، لَمْ تَنْفَعْهُ الْبَرَاءَةُ. وَكَانَ ذُلِكَ الْبَيْعُ مَرْدُوداً. وَلَا عُهْدَة عِنْدَنَا إِلَّا فِي الرَّقِيقِ. أو شبهه بالبراءة، انتهى. (من أهل الميراث أو غيرهم) لفظ من بيان لمن أي، سواء كان البائع من أهل الميراث أو من غيرهم، وسيأتي فائدة هذا التعميم من أنه للاختلاف فيمن يجوز له البراءة من البائعين (بالبراءة) متعلق بباع أي باع بالبراءة من العيوب كلها (فقد برئ البائع) إذ ذاك (من العهدة كلها) يعني (من کل عيب) فيه. (ولا عهدة عليه) أي على البائع (إلا أن يكون) البائع (علم عيباً) في العبد أو الأمة (فكتمه) أي العيب عن المشتري (فإن كان علم) البائع (عيباً) في المبيع (فكتمه) عن المشتري، ولم يبينه له (لم تنفعه البراءة) أي لا ينفعه البيع بالبراءة، ولا يبرأ بذلك (وكان ذلك البيع مردوداً) أي يجوز للمشتري ردُّه (ولا عهدة عندنا إلا في الرقيق خاصة) كما تقدم في القول السابق. قال ابن رشد(١): اختلف العلماء في جواز بيع البراءة، فقال أبو حنيفة: يجوز البيع بالبراءة من كل عيب، سواء علمه البائع أو لم يعلمه، سماه أو لم يسمه، أبصره أو لم يبصره، وبه قال أبو ثور، وقال الشافعي في أشهر قوليه، وهو المنصور عند أصحابه: لا يبرأ البائع إلا من عيب يُرِيه للمشتري، وبه قال الثوري، وأما مالك فالأشهر عنه أن البراءة جائزة مما لم يعلم البائع من العيوب، وذلك في الرقيق خاصة إلا البراءة من الحمل في الجواري الرائعات، فإنه لا يجوز عنده لعظم الغرر فيه، ويجوز في الوخش، وعنه في رواية ثانية أنه يجوز في الرقيق والحيوان، ورواية ثالثة مثل قول الشافعي. (١) ((بداية المجتهد)) (١٨٤/٢). ٣٢٦ ٣٣ - كتاب البيوع (٣) باب (١٢٩٧) حديث وقد روي عنه أن بيع البراءة إنما يصحُّ من السلطان فقط، وقيل في بيع السلطان وبيع المواريث، وذلك من غير أن يشترطوا البراءة، وحجة من رأى القول بالبراءة على الإطلاق أن القيام بالعيب حق من حقوق المشتري قبل البائع، فإذا أسقطه سقط أصله سائر الحقوق الواجبة، وحجة من لم يجزه على الإطلاق أن ذلك من باب الغرر فيما لم يعلمه البائع، ومن باب الغش فيما علمه، ولذلك اشترط جهل البائع مالكٌ، وبالجملة فعمدة مالك ما رواه في ((الموطأ)) ((أن عبد الله بن عمر باع غلاماً))، الحديث سيأتي في الباب الآتي، وإنما خَصَّ مالكٌ بذلك الرقيق لكون عيوبهم في الأكثر خافيةً. وبالجملة خيار الرد بالعيب حق ثابت للمشتري، ولما كان ذلك يختلف اختلافاً كثيراً كاختلاف المبيعات في صفاتها، وجب إذا اتفقا على الجهل به أن لا يجوز أصله إذا اتفقا على جهل صفة المبيع المؤثرة في الثمن، ولذلك حكى ابن القاسم في ((المدونة)) عن مالك أن آخر قوله كان إنكار بيع البراءة إلا ما خفف فيه السلطان، وفي قضاء الديون خاصة، وذهب المغيرة من أصحاب مالك إلى أن البراءة إنما تجوز فيما كان من العيوب لا يتجاوز فيها ثلث المبيع، والبراءة بالجملة إنما تلزم عند القائلين بها بالشرط، أعني إذا اشترطها إلا بيع السلطان والمواريث، أو بيع السلطان فقط، فالكلام بالجملة في بيع البراءة هو في جوازه فيما يجوز من العقود والمبيعات والعيوب، ولمن يجوز بالشرط أو مطلقاً، وهذه كلها تقدمت بالقوة في قولنا فاعلمه، انتهى. قلت: وبسط الكلام على هذه الأمور الباجي(١) إذ قال: في بيع البراءة خمسة أبواب: أحدها: في تبيين محلها من العقود، والثاني: في تبيين محلها من المعقود عليه، والثالث: فيمن يجوز له ذلك من العاقدين، الرابع: في تبيين ما يصح ذلك فيه من العيوب، والخامس: في شروط صحة عقد البيع بالبراءة، (١) ((المنتقى)) (١٨٠/٤). ٣٢٧ ٣٣ - كتاب البيوع (٣) باب (١٢٩٧) حديث ثم بسط الكلام على هذه الأبواب الخمسة، وقال في جملتها: الباب الثالث فيمن يجوز له البراءة من البائعين، وفي ذلك فصلان: أحدهما: في تبيين من بيعه بيع البراءة، والثاني: في تبيين من يثبت في بيعه اشتراط البراءة. أما الأول: فعن مالك في ذلك روايتان: إحداهما: أن بيع السلطان وبيع المواريث بيع براءة، والثانية: أن بيع السلطان خاصة على البراءة، قال ابن القاسم: لم يختلف قوله في بيع السلطان، فوجه القول الأول: أن بيع المواريث بيع على الميت لا يستطيع رده لقضاء دينه ووصيته، فأشبه بيع السلطان، ووجه القول الثاني: أن بيع السلطان حكم، ولذلك إذا باع في حياة من يباع عليه نفذ بيعه، وكان على البراءة، وبيع السلطان هو ما تولى بيعه على مفلس، أو من مغنم، أو باعه من تركة ميت لقضاء دين، أو تنفيذ وصية، أما لو باعه الورثة لدعاء بعضهم أو جميعهم إلى البيع فليس من هذا في شيء، وهؤلاء كجماعة اشتركوا في رقيق. وأما الفصل الثاني: وهو في ثبوت البراءة لمن اشترطها، فعن مالك في ذلك روايتان: إحداهما: أنها تثبت بالشروط، والثانية: أنها لا تثبت بالشرط، وإنما تثبت لمن كانت مقتضى بيعه دون شرطه، والرواية الأولى؛ هي رواية ((الموطأ)) في قوله: ((من باع عبداً أو وليدة من أهل الميراث أو غيرهم بالبراءة فقد برئ)، ووجه ذلك ما روي من قضاء عثمان في بيع البراءة باليمين، وسيأتي قريباً . وقال الموفق(١): اختلفت الرواية عن أحمد في البراءة من العيوب، فروي عنه أنه لا يبرأ إلا أن يعلم المشتري بالعيب، وهو قولُ الشافعي، وقال إبراهيم، والحكم، وحماد: لا يبرأ إلا ما سَمَّى، وقال شريح: لا يبرأ إلا مما (١) ((المغني)) (٢٦٤/٦). ٣٢٨ ٣٣ - كتاب البيوع (٤) باب (٤) باب العيب في الرقيق أراه، أو وضع يده عليه، وروي نحو ذلك عن عطاء والحسن وإسحاق، والرواية الثانية أنه يبرأ من كل عيب لم يعلمه، ولا يبرأ من عيب علمه، ويروى ذلك عن عثمان، ونحوه عن زيد بن ثابت، وهو قول مالك وقول الشافعي في الحيوان خاصة. لما روي أن عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - باع زيد بن ثابت عبداً بشرط البراءة من العيب بثمانمائة درهم، فأصاب به زيد عيباً، فأراد ردّه على ابن عمر فلم يقبله، فترافعا إلى عثمان، فقال عثمان لابن عمر - رضي الله عنه -: تحلف أنك لم تعلم بهذا العيب، فقال: لا، فردّه عليه، فباعه ابن عمر - رضي الله عنه - بألف درهم، وهذه قضية اشتهرت، فلم تنكر، فكانت إجماعاً . ورُوي عن أحمد أنه أجاز البراءة من المجهول، فيخرج من هذا صحة البراءة من كل عيب، وروي نحو هذا عن ابن عمر، وهو قول أصحاب الرأي، وقول الشافعي؛ لما روت أم سلمة أن رجلين اختصما في مواريثَ دَرَسَتْ إلى رسول الله وََّ، فقال رسول الله وَّهِ: ((استهما وتَوَخَّيَا وليَحْلِلْ كلُّ واحدٍ منكما صاحبه))(١)، فدل هذا على أن البراءة من المجهول جائزة، ولأنه إسقاط حق لا تسليم فيه، فصح من المجهول كالعتاق والطلاق، ولا فرق بين الحيوان وغيره، فما ثبت في أحدهما ثبت في الآخر، وقول عثمان قد خالفه ابن عمر - رضي الله عنه -. (٤) العيب في الرقيق إذا وجد بعد البيع فما يفعل المشتري هل يردُّه أو يضع من القيمة أو ماذا يفعل؟ (١) أخرجه أبو داود، ح (٣٥٨٤). ٣٢٩ ٣٣ - كتاب البيوع (٤) باب (١٢٩٨) حديث ٤/١٢٩٨ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بَاعَ غُلَاماً لَهُ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَم. وَبَاعَهُ بِالْبَرَاءَةِ. فَقَالَ الَّذِي ابْتَاعَهُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: بِالْغُلَامِ دَاءٌ لَّمْ تُسَمِّهِ لِي. فَاخْتَصَمَا إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ. فَقَالَ الرَّجُلُ: بَاعَنِي عَبْداً وَبِهِ دَاءٌ لَمْ يُسَمِّهِ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: بِعْتُهُ بِالْبَرَاءَةِ. فَقَضَى عُثْمَانُ بْنُ عَقَّانَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنْ ٤/١٢٩٨ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري قاضي المدينة (عن سالم بن عبد الله) بن عمر (أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - والحديث أخرجه محمد في ((موطئه)) (١) بهذا السند، والبيهقي في ((سننه)) (٢) بسنده إلى ابن بكير عن مالك مفصلاً، والزيلعي برواية ابن أبي شيبة في ((مصنفه))(٣) عن عباد بن العوام عن يحيى بن سعيد مختصراً. (باع غلاماً له بثمانمائة درهم، وباعه بالبراءة) أي بشرط البراءة من العيوب كلها (فقال الذي ابتاعه) أي المشتري، وهو زيد بن ثابت كما تقدم في رواية ذكرها الموفق في آخر الباب السابق (لعبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - البائع (بالغلام) خبر مقدم (داء) بالمد أي: مرض مبتدأ مؤخر (لم تسمه لي) صفة لداء أي لم تسم، ولم تعلم لي هذا المرض الذي بالغلام، وتقدم في رواية الموفق، فأراد ردّه على ابن عمر فلم يقبله. (فاختصما إلى) أمير المؤمنين (عثمان بن عفان) - رضي الله عنه - (فقال الرجل) المدعي، وهو المشتري (باعني) ابن عمر - رضي الله عنه - (عبداً و) الحال أنه (به داءٌ لم يُسَمِّه لي وقال عبد الله) بن عمر - رضي الله عنه - في جواب الدعوى (بعته بالبراءة) من كل عيب (فقضى) أي حكم (عثمان) - رضي الله عنه - (على عبد الله بن عمر أن (١) ((موطأ الإمام محمد)) (ص ٢٧٣). (٢) ((السنن الكبرى)) (٣٢٦/٥). (٣) (٢١٢/٦). ٣٣٠ ٣٣ - كتاب البيوع (٤) باب (١٢٩٨) حديث يَحْلِفَ لَهُ، لَقَدْ بَاعَهُ الْعَبْدَ وَمَا بِه دَاءٌ يَعْلَمُهُ. فَأَبَى عَبْدُ اللَّهِ أَنْ يَحْلِفَ. وَارْتَجَعَ الْعَبْدَ. فَصَحَّ عِنْدَهُ. فَبَاعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بَعْدَ ذُلِكَ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمِ. يحلف له) أي للمشتري (لقد باعه العبدَ وما به داءٌ يعلمه) الواو حالية أي يحلف على أنه باعه، والحال أنه لم يَعْلَمْ فيه داءً. (فأبى عبد الله أن يحلف وارتجع العبد) أي استوفى عبد الله عبده ورد الثمن، قال الباجي(١): لم يكن إباؤه عن اليمين؛ لأنه - رضي الله عنه - كان دَلَّس بعيبه، وعلمه، وفهمه يقتضي معرفته بأن لا إثم في يمين بارّة، لكنه لا يخلو من أحد أمرين: إما أنه اعتقد أن البيع بالبراءة يبرئه مما علم، ومما لم يعلم، والثاني: التصاون عن اقتطاع الحقوق بالأيمان، وهكذا يجب أن يكون حكم ذوي الأنساب والأقدار، انتهى. (فصح) العبد واشتفى عن المرض (عنده) أي عند ابن عمر (فباعه عبد الله) بن عمر - رضي الله عنه - (بعد ذلك) أي بعد الصحة (بألف وخمسمائة درهم) هكذا في رواية محمد في ((موطئه» والبيهقي في ((سننه))، وتقدم عن ((المغني)) أنه باعه بألف درهم، وكذا يأتي عن ((التلخيص))(٢) للحافظ، فلو سُلِّمَ من غلط الناسخ، فلعل الراوي اكتفى على ذكر الألف، وترك المئات اختصاراً، كترك الكسور في الأعداد. زاد البيهقي(٣) بعد ذلك: قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا فيمن باع عبداً أو وليدة أو حيواناً بالبراءة، فقد برئ من كل عيب، إلا أن يكون علم في ذلك عيباً فكتمه، فإن كان علم عيباً فكتمه لم تنفعه تبرئته، وكان ما باع مردوداً عليه، وروينا عن الشافعي أنه قال في الرجل يبيع العبد أو ما شاء من (١) ((المنتقى)) (١٨٦/٤). (٢) ((تلخيص الحبير)) (٢٤/٣). (٣) ((السنن الكبرى)) (٣٢٨/٥). ٣٣١ ٣٣ - كتاب البيوع (٤) باب (١٢٩٨) حديث الحيوان بالبراءة من العيوب، فالذي نذهب إليه . - والله أعلم - قضاء عثمان بن عفان أنه برئ من كل عيب لم يعلمه، ولم يبرأ من عيب علمه ولم يسمه البائع، انتھی. وما حكي من قول مالك تقدم بمعناه من قوله في الباب السابق، وكان الأوجه أن يذكر في هذا الباب، وأخرج محمد(١) أثر ابن عمر - رضي الله عنه - هذا، ثم قال: وبلغنا عن زيد بن ثابت أنه قال: من باع غلاماً بالبراءة فهو برئ من كل عيب، وكذلك باع عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - بالبراءة، ورآها جائزة، فبقول زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر - رضي الله عنه - نأخذ من باع غلاماً أو شيئاً، وتبرأ من كل عيب، ورضي بذلك المشتري، وقبضه على ذلك، فهو برئ من كل عيب علمه أو لم يعلمه؛ لأن المشتري قد بَرَّأه من ذلك. فأما أهل المدينة قالوا: يبرأ البائع من كل عيب لم يعلمه، فأما ما علمه وكتمه فإنه لا يبرأ منه، وقالوا: إذا باعه بيع المبرّات(٢) برئ من كل عيب علمه أو لم يعلمه، إذا قال: أبيعك بيع المبرات، فالذي يقول: أَتَبرَّأ من كل عيب، (١) انظر: ((موطأ مالك مع التعليق الممجد)) (٢١٥/٣). (٢) هكذا في نسخة ((الموطأ)) التي بأيدينا، والظاهر عندي أنه تحريف، والصواب بيع الميراث بالتحتانية بعد الميم آخره مثلثة، لأن بيع الميراث بيع براءة عندهم، كما عرفت فيما سبق قريباً من كلام الباجي وغيره، قال الدردير (١١٨/٣): منع من الرد بالعيب بيعُ حاكم رقيق مدين أو غائب وبيع وارث لقضاء دين أو تنفيذ وصية إن بَيَّنَ الوارثُ أنه إرثٌ، وإن لم يبين الوارث أنه إرث لم يكن بيع براءة، إلا أن يعلم المشتري أن البائع وارث، انتھی. وقال الباجي (١٧٧/٤): أما البيع فلا يخلو أن يكون بيع براءة أو بيعاً مطلقاً، فإن كان بيع براءة فقد قال ابن كنانة: من اشترى رقيقاً من أهل الميراث، فإنه بيع براءة ولا عهدة لمشتريه، لا عهدة ثلاث، ولا عهدة سنة، وضمانها من أهل الميراث في عدة الاستبراء إن كانت من على الرقيق، ورواه ابن القاسم عن مالك، وإن كان بيعاً مطلقاً فقد تثبت فيه العهدة، انتهى. ((ش)). ٣٣٢ ٣٣ - كتاب البيوع (٤) باب (١٢٩٨) حديث وبَيَّنَ ذلك أحرى أن يبرأ لما اشترط من هذا، وهو قول أبي حنيفة، انتهى. وفي ((التعليق الممجد))(١): قوله: بلغنا عن زيد إلخ، قد ذكر الشُّمُنِّي وغيره من أصحابنا أن الذي اشترى العبد من ابن عمر - رضي الله عنه - وجرى معه ما جرى كان زيد بن ثابت، وهذا البلاغ الذي ذكره يخالفه، فإنه لو كان مذهب زيد في ذلك البراءة المطلقة لما خاصم مع ابن عمر - رضي الله عنه - عند عثمان بعد ما ذكر البراءة من كل عيب، إلا أن تكون عنه روايتان في ذلك مقدمة ومؤخرة، لكن الكلام في ثبوت كون المشتري المذكور، هو زيد بن ثابت، وقد ذكره من علماء الشافعية الرافعي وغيره أيضاً. قال الحافظ في ((التلخيص)): حديث أن ابن عمر - رضي الله عنه - باع عبداً من زيد بن ثابت بثمانمائة درهم بشرط البراءة، فأصاب زيد به عيباً، فأراد ردّه على ابن عمر فلم يقبله، وترافعا إلى عثمان، فقال لابن عمر - رضي الله عنه -: أتحلف أنك لم تعلم بهذا العيب؟ فقال: لا، فردَّه عليه، فباعه ابن عمر - رضي الله عنه - بألف درهم، أخرجه مالك في ((الموطأ)) عن يحيى بن سعيد، ولم يسم زيداً، وفيه أنه باعه بألف وخمسمائة درهم، وصححه البيهقي. وأخرجه أبو عبيد عن يزيد بن هارون عن يحيى وابن أبي شيبة عن عباد بن العوام عنه، وعبد الرزاق من وجه آخر عن سالم ، ولم يسم أحد منهم المشتري وتعيين هذا المبهم، ذكره في ((الحاوي)) للماوردي، وفي ((الشامل)) لابن الصباغ بغير إسناد، وزاد أن ابن عمر - رضي الله عنه - كان يقول: تركت اليمين فَعَوَّضَني الله عنه، انتهى بزيادة من ((التلخيص))(٢). وقال ابن رشد(٣): روي أيضاً أن زيد بن ثابت كان يجيز بيع البراءة، (١) (٢١٥/٣). (٢) انظر: ((تلخيص الحبير)) (٢٤/٣). (٣) ((بداية المجتهد)) (١٨٤/٢). ٣٣٣ ٣٣ - كتاب البيوع (٤) باب (١٢٩٨) حديث قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا. أَنَّ كُلَّ مَنِ ابْتَاعَ وَلِيدَةً فَحَمَلَتْ، أَوْ عَبْدَاً فَأَعْتَقَهُ، وَكُلَّ أَمْرِ دَخَلَهُ الْفَوْتُ حَتَّى لَا يُسْتَطَاعَ رَدُّهُ. قلت: وأخرجه البيهقي (١) عنه بسنده من طريق شريك، ثم ضعفه، وقال ابن التركماني: روى الطحاوي في ((اختلاف العلماء)) بسنده عن زيد بن ثابت أنه كان يرى البراءة من كل عيب جائزة، وروي عن ابن عمر أيضاً كذلك، انتهى. (قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا) في الرقيق إذا ظهر فيه عيب في العهدة، لكن وقع عارض آخر يمنع الرد (أن كل من ابتاع) أي اشترى (وليدة) وظهر فيها عيب يبيح الرد للعهدة، لكن المشتري جامَعَها (فحملت منه) أي الجارية من المشتري (أو) اشترى أحد (عبداً فأعتقه) المشتري ثم ظهر عليه العيب (و)كذلك (كل أمر دخله الفوات) مصدر فات (حتى لا يستطاع رده) أي رد المبيع، يعني كما أن الجارية والعبد المذكورين لا يستطاع ردهما للاستيلاد والعتق، كذلك الموانع الأخر من الهبة وغيرها صارت مانعة عن رد المبيع. قال الدردير(٢): ومنع من الرد فوته قبل الإطلاع على العيب حساً كتلفه أو ضياعه، أو حكماً ككتابة وتدبير وحبس وهبة وصدقة، فيرجع المشتري بالأرش في الجميع، انتهى. وقال ابن رشد(٣): أما إن تغير المبيع عند المشتري ولم يعلم بالعيب، إلا بعد تغير المبيع عنده، فالحكم في ذلك يختلف عند فقهاء الأمصار بحسب التغير، فأما إن تغير بموت أو فساد أو عتق، ففقهاء الأمصار على أنه فوت، ويرجع المشتري على البائع بقيمة العيب، وقال عطاء بن أبي رباح: لا يرجع (١) ((السنن الكبرى)) (٢٢٨/٥). (٢) ((الشرح الكبير)) (١٢٤/٣) قوله: فوته: أي فوت المبيع عند البائع. (٣) ((بداية المجتهد)) (١٧٩/٢). ٣٣٤ ٣٣ - كتاب البيوع (٤) باب (١٢٩٨) حديث فَقَامَتِ الْبَيِّنَةُ، إِنَّهُ قَدْ كَانَ بِهِ عَيْبٌ عِنْدَ الَّذِي بَاعَهُ. أَوْ عُلِمَ ذُلِكَ بِاغْتِرَافٍ مِنَ الْبَائِعِ أَوْ غَيْرِهِ. فَإِنَّ الْعَبْدَ أَوِ الْوَلِيدَةَ يُقَوَّمُ وَبِهِ الْعَيْبُ الَّذِي كَانَ بِهِ يَوْمَ اشْتَرَاهُ. فَيُرَدُّ مِنَ الثَّمَنِ قَدْرُ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ صَحِيحاً وَقِيمَتِهِ وَبِهِ ذُلِكَ الْعَيْبُ. في الموت والعتق بشيء، وكذلك عندهم حكم من اشترى جارية فأولدها، انتهى. (فقامت البينة) على (أنه قد كان به) أي بالمبيع (عيب عند الذي باعه) يعني ثبت بالشهادة أن هذا العيب الذي اطّلع عليه المشتري كان موجوداً في المبيع عند البائع (أو علم ذلك) أي وجود العيب عند البائع (باعتراف من البائع أو غيره). قال الزرقاني(١): كشهادة ذي المعرفة بقدمه، وقال الباجي: قوله: أو غيره يحتمل أن يريد به شهادة أهل البصر والعلم بذلك أنه عيب لا يحدث في مثل هذه المدة، انتهى. (فإن العبد أو الأمة يُقَوَّمُ) كل واحد منهما ببناء المجهول من التقويم (وبه العيب الذي كان به) جملة حالية (يوم اشتراه) ظرف ليقوّم يعني ينظر إلى قيمته التي كانت يوم الشراء حال كونه معيباً (فيرةُ) ببناء المجهول أي يؤخذ من البائع للمشتري (من الثمن قدر ما بين قيمته صحيحاً و)بين (قيمته وبه ذلك العيب) وفي ((المحلى)): هو قول أبي حنيفة، ففي ((الهداية)): إن ظهر عيب قديم بعد ما مات أو أعتقه مجاناً أو دَبَّر أو استولد رجع بالقيمة، انتهى. قال الباجي(٢): وهذا كما قال: إن هذا مما أجمع عليه علماء المدينة وجميع علماء الأمصار أن من ابتاع شيئاً، فاطّلع على عيب يمكن التدليس به، فإن له الرجوع بقيمة العيب على ما سيأتي تفسيره بعد ذلك، ثم قال بعد البحث (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٥٥/٣). (٢) ((المنتقى)) (١٨٧/٤). ٣٣٥ ٣٣ - كتاب البيوع (٤) باب (١٢٩٨) حديث الطويل في فروع الباب: وهذا إذا دخل المعيبَ وجه من وجوه الفوت كالموت والعتق، أو دخله معنى يثبت به الخيار للمبتاع من نقص يوجب أن يردّ المعيب مع النقص الحادث، أو يمسكه ويرجع بقيمة العيب. فأما إن لم يدخله شيء من ذلك، فليس للمبتاع إلا ردُّه ويرجع بجميع ثمنه أو الإمساك ولا يرجع بشيء، فإن أراد البائع أن يدفع إليه الأرش، ولا يرد عليه المبيع بالعيب لم يكن له ذلك ما لم يتفقا عليه، فإن اتفقا عليه جاز خلافاً لابن شريح في منعه ذلك، انتهى كذا قال. وعزا ابن رشد (١) هذا القول إلى ابن سريج إذ قال: وإذ قد قلنا: إن المشتري يُخَيَّر بين أن يردّ المبيع ويأخذ ثمنه، أو يمسك ولا شيء له، فإن اتفقا على أن يمسك المشتري سلعته، ويعطيه البائع قيمة العيب، فعامة فقهاء الأمصار يجيزون ذلك، إلا ابن سريج من أصحاب الشافعي، فإنه قال: ليس لهما ذلك؛ لأنه خيار في مال، فلم يكن له إسقاطه بعوضٍ كخيار الشفعة، وقال القاضي عبد الوهاب: هذا غلط؛ لأن ذلك حق للمشتري، فله أن يستوفيه أي یردّ، ويرجع بالثمن، وله أن یعارض على تركه، انتهى. وقال الموفق(٢): متى علم بالمبيع عيباً، لم يكن عالماً به، فله الخيار بين الإمساك والفسخ، سواء كان البائع علم العيب وكتمه أو لم يعلم، لا نعلم بين أهل العلم في هذا خلافاً، وإن اختار المشتري إمساك المعيب وأخذ الأرش فله ذلك، وهذا قول إسحاق، وقال أبو حنيفة والشافعي: ليس له إلا الإمساك أو الرد، وليس له أرش إلا أن يتعذر ردّ المبيع؛ لأنه قدّ جعل لمشتري المصرّاة الخيار بين الإمساك من غير أرش، أو الرد. (١) ((بداية المجتهد)) (١٧٨/٢). (٢) ((المغني)) (٢٢٥/٦). ٣٣٦ ٣٣ - كتاب البيوع (٤) باب (١٢٩٨) حديث قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْعَبْدَ، ثُمَّ يَظْهَرُ مِنْهُ عَلَى عَيْبِ يَردُّهُ مِنْهُ، وَقَدْ حَدَثَ بِهِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي عَيْبٌ آخَرُ: إِنَّهُ إِذَا كَانَ الْعَيْبُ الَّذِي حَدَثَ بِهِ مُفْسِداً، مِثْلُ الْقَطْعِ أَوِ الْعَوَرِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذُلِكَ مِنَ الْعُيُوبِ الْمُفْسِدَةِ. ولنا أنه ظهر على عيب لم يعلم به، فكان له الأرش؛ لأنه فات عليه جزء من المبيع، فكانت له المطالبة بعوضه، وإذا ثبت هذا فمعنى أرش العيب أن يُقَوَّمَ المبيع صحيحاً، ثم يُقَوَّمَ معيباً، فيؤخذ قسط ما بينهما من الثمن، فنسبته إلى الثمن نسبة النقصان بالعيب من القيمة، مثاله أن يُقَوَّمَ المبيع صحيحاً بعشرة ومعيباً بتسعة، والثمن خمسة عشر، فقد نقصه العيب عُشْرَ قيمته، فيُرْجَعُ على البائع بعشر الثمن، وهو درهم ونصف، انتهى. وسيأتي في كلام المصنف، أيضاً مثال لما بين القيمتين، ويأتي قريباً كلام الموفق فيما إذا زال ملك المشتري عن المبيع بعتق أو موت أو غير ذلك. (قال مالك: والأمر المجتمع عليه عندنا في الرجل يشتري العبد ثم يظهر) أي يطلع (منه) أي من العبد (على عيب يردُّه منه) أي يردُّ العبد لأجل هذا العيب، والجملة صفة لعيب (وقد حدث) جملة حالية (به) أي بالعبد (عند المشتري عيب آخر) فقال مالك في الصورة المذكورة: (إنه إذا كان العيب الذي حدث به) أي العيب الذي لحق بالعبد عند المشتري (مفسداً) أي موجباً لفساد البدن (مثل القطع) لعضو من أعضائه (أو العور) بفتحتين فقدان بصر إحدى العينين (أو ما أشبه ذلك) أي أشبه القطع وغيره (من العيوب المفسدة) التي تسمى عند المالكية عيوباً متوسطة. قال الباجي(١): المعاني التي تثبت الخيار على ضربين: نقصان وزيادة، أما النقص، فعلى قسمين: نقص من جهة القيمة، ونقص من جهة البدن، (١) ((المنتقى)) (١٩٧/٤). ٣٣٧ ٣٣ - كتاب البيوع (٤) باب (١٢٩٨) حديث والنقص من جهة القيمة يكون لمعنيين: أحدهما: لاختلاف الأسواق، والثاني: لتغير حال المبيع، أما النقص لاختلاف الأسواق، فإنه لا يمنع الرد بالعيب، ولا يوجب ردّ شيء معه، ولا يثبت الخيار للمبتاع. وأما نقص القيمة لتغير المبيع في غير بدنه، مثل أن يحدث فيه إباق أو سرقة أو زنا أو غير ذلك مما لا يؤثر في بدنه، لكنه ينقص الكثير من قيمته، فهذا قال ابن حبيب: لا يثبت الخيار، وله أن يردّ المبيع دون غرم شيء لما حدث عنده . وفي ((المدنية)) من رواية محمد بن صدقة عن مالك فيمن اشترى جارية، فزوّجها، ثم وجد بها عيباً، فإنه بالخيار بين أن يوضع عنه قدر العيب القديم، وبين أن يردّها، ويردّ معها ما نقص التزويج. وأما القسم الثاني: وهو النقص من جهة البدن، فما كان يسيراً كذهاب الظفر والأنملة في وخش (١) الرقيق، فإن ذلك ليس مما يثبت الخيار للمبتاع، وإنما له الردّ، ولا شيء عليه من النقص أو الإمساك، ولا شيء له من قيمة العيب؛ لأن البائع متّهم بالتدليس، ولذلك وجب الردّ عليه بما كان من الأمور اليسيرة التي لا يسلم من مثلها، وما كان معتاداً متكرراً فلا عوض له فيما حدث منها، وذلك بمنزلة بقاء المبيع على هيئته، وكذلك الكي والرمد والصداع والحُمَّى؛ لأنها أمور معتادة، يسرع البرء منها، هذا مذهب ابن القاسم، وخالفه أشهب في الوعك والحُمَّى، فقال: يثبت الخيار للمبتاع. وإن كان النقص في البدن كثيراً كالعور والعمى والشلل وقطع الأصبع من الوخش والأنملة من الرائعة وقطع اليد، فإن ذلك يثبت الخيار للمبتاع بين أن يمسك المبيع ويرجع بقيمة القديم، أو يردّ المبيع وما نقص العيب الحادث، (١) قوله: الوخش، الرديء من كل شيء. ٣٣٨ ٣٣ - كتاب البيوع (٤) باب (١٢٩٨) حديث فَإِنَّ الَّذِي اشْتَرَى الْعَبْدَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ. إِنْ أَحَبَّ أَنْ يُوضَعَ عَنْهُ مِنْ ثَمَنِ الْعَبْدِ، بِقَدْرِ الْعَيْبِ الَّذِي كَانَ بِالْعَبْدِ يَوْمَ اشْتَرَاهُ، وُضِعَ عَنْهُ. وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَغْرَمَ قَدْرَ مَا أَصَابَ الْعَبْدَ مِنَ الْعَيْبِ عِنْدَهُ، ثُمَّ يَرُدُّ الْعَبْدَ، فَذْلِكَ لَهُ. ويرجع بجميع الثمن، وهذا حكم الافتضاض والولادة، لأن هذا كله نقص من غير المبيع، مؤثر في ثمنه تأثيراً كثيراً، إلى آخر ما بسط في أنواع النقص والزيادة في المبيع. (فإن الذي اشترى العبدَ) أي المشتري (بخير النَّظَرين) عنده أي يختار أحبَّهما إليه (إن أحبَّ) واختار (أن يُوضع عنه) أي عن المشتري (من ثمن العبد) الذي اشترى به (بقدر العيب) القديم (الذي كان) لاحقاً (بالعبد يوم اشتراه) ظرف مكان (وضع عنه) أي عن المشتري جزاء إن أحبَّ أي يسقط من الثمن بقدر العيب. (وإن أحبَّ) المشتري (أن يغرم) بفتح الراء أي يدفع المشتري (قدر ما أصاب العبد من العيب) الحادث (عنده) أي عند المشتري (ثم يرد العبد) ويأخذ الثمن (فله ذلك) وخُيِّرَ المشتري دون البائع؛ لأن عيب البائع سابق، فثبت الحق للمشتري سابقاً . قال الباجي(١): ومعنى الخيار المذكور أن يكون للمبتاع أن يمسك المبيع المعيب، ويرجع بقيمة العيب القديم، أو يردّه على البائع أو يردّ معه قيمة العيب الحادث عنده، وفي ((المحلى)): وعند أبي حنيفة إن ظهر عيب قديم بعد ما حدث عنده عیب آخر، فله نقصانه لا ردہ إلّا برضا بائعه، انتهى. وقال الموفق(٢): كل مبيع كان معيباً، ثم حدث به عند المشتري عيب آخر قبل علمه بالأول. فعن أحمد فيه روايتان: إحداهما: ليس له الردُّ، وله (١) ((المنتقى)) (١٩٩/٤). (٢) («المغني)) (٢٣٠/٦). ٣٣٩ ٣٣ - كتاب البيوع (٤) باب (١٢٩٨) حديث وَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ عِنْدَ الَّذِي اشْتَرَاهُ، أُقِيمَ الْعَبْدُ وَبِهِ الْعَيْبُ الَّذِي كَانَ بِهِ يَوْمَ اشْتَرَاهُ . أرش العيب القديم، وبه قال الثوري وابن شبرمة والشافعي وأصحاب الرأي، وروي ذلك عن ابن سيرين والزهري والشعبي؛ لأن الرد ثبت لإزالة الضرر، وفي الرد على البائع إضرار به، ولا يزال الضرر بالضرر، والثانية: له الردُّ، ويردّ أرش العيب الحادث عنده، ويأخذ الثمن، وإن شاء أمسكه وله الأرش، وبهذا قال مالك وإسحاق. وقال النخعي وحماد بن أبي سليمان: يردُّه، ونقصان العيب، وقال الحكم: يرده ولم يذكر معه شيئاً، انتهى. وقال ابن رشد (١): إن طرأ على المبيع نقص فلا يخلو أن يكون النقص في قيمة أو في البدن أو في النفس، فأما نقصان القيمة لاختلاف الأسواق فغير مؤثر في الرد بالعيب بالإجماع، وأما النقصان في البدن، فإن كان يسيراً غير مؤثر في القيمة، فلا تأثير له في الرد بالعيب، وحكمه حكم الذي لم يحدث. وهذا نص مذهب مالك وغيره. أما النقص في البدن المؤثر في القيمة، فاختلف الفقهاء فيه على ثلاثة أقوال: أحدها: ليس له أن يرجع إلا بقيمة العيب فقط، وليس له غير ذلك إذا أبى البائع الرد، وبه قال الشافعي في الجديد وأبو حنيفة، وقال الثوري: ليس له إلا أن يردّ، ويرد مقدار العيب الذي حدث عنده، وهو قول الشافعي القديم، والقول الثالث: قول مالك: إن المشتري بالخيار بين أن يمسك، ويضع عنه البائع من الثمن قدر العيب، أو يردّه على البائع، ويعطيه ثمن العيب الذي حدث عنده، وشَذَّ ابنُ حزم، فقال: له أن يرد ولا شيء عليه، انتهى. (وإن مات العبد عند الذي اشتراه) أي المشتري بعد ما اطلع على عيب قديم فيه (أقيم) أي قُوِّمَ (العبد وبه العيب الذي كان به يوم اشتراه) جملة حالية (١) ((بداية المجتهد)) (٢/ ١٨١). ٣٤٠