Indexed OCR Text

Pages 281-300

٣٢ - كتاب المدبر
(٧) باب
(١٢٩٤) حديث
عن ((المحلى)) وكتب في آخرها أيضاً: ما وجد هذا الحديث في النسخ
الموجودة سوی (المحلی))، اهـ.
ولفظه: مالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان قضى
أحدُهما في امرأة غرّت أي خدعت رجلاً بنفسها، وذكرت أنها حرة، فولدت له
أولاداً، فقضى أن يفدي ولده مثلهم، قال مالك: والقيمة في هذا أعدلُ إن
شاء الله هكذا في ((المحلى))، وسيأتي هذا الحديث(١) في كتاب الأقضية في
(باب القضاء بإلحاق الولد بأبيه))، وسيأتي الكلام فيه هنالك.
وكمل ((كتاب العتق والمكاتب والمدبر)) بعون الله عز وجل وحسن
توفيقه. فله الحمد والمنة.
واختلفت نسخ ((الموطأ)) في ترتيب الكتب بعد ذلك، ففي نسخة الزرقاني
بعد ذلك ((كتاب الحدود)) وكذا في نسخة ((التنوير)) وأكثر النسخ المصرية. وفي
نسخة ((المنتقى)) بعد ذلك ((كتاب القسامة)). وفي جميع النسخ الهندية بعد ذلك
((كتاب البيوع))، وكان ((كتاب البيوع)) في النسخ المصرية قبل ((كتاب العتاق))،
كما تقدم قبل ذلك.
ولما اقتضينا ترتيب النسخ الهندية لشيوعها في ديارنا وقلة اختلاف ترتيبها
فيما بينها نذكر بعد ذلك كتاب البيوع في أول الجزء الخامس، وههنا تم الجزء
الرابع بتوفيقه تبارك وتعالى وقد وقع الفراغ من تسويده في الرابع من ذي الحجة
سنة ١٣٦٣ هـ فلله الحمد والمنة.
تم الجزء الرابع (٢) من أوجز المسالك بحمد الله وتوفيقه ويتلوه الجزء
الخامس أوله کتاب البيوع.
(١) ((موطأ مالك)) (٢/ ٧٤١).
(٢) أي من الطبعة الحجرية القديمة حيث كان الكتاب كله في ستة مجلدات.
٢٨١

٣٣ - كتاب البيوع
بسم الله الرحمن الرحيم
٣٣ - كتاب البيوع
(٣٣) كتاب البيوع
بسم الله الرحمن الرحيم
هكذا في أكثر النسخ المصرية بتقديم الكتاب على التسمية غير ((المنتقى)).
ففيها تقديم التسمية على الكتاب، وسقطت التسمية من النسخ الهندية، ولعله
من الناسخ، فإن دأب المصنف - رحمه الله - ذكر الكتب بالتسمية كما تقدم في
الكتب كلها .
والبيوع: جمع بيع، وجمع لاختلاف أنواعه، فهو المطلق إن كان بيع
العين بالثمن، والمقايضة إن كان عيناً بعين، والسلم إن كان بيع الدين بالعين،
والصرف إن كان بيع الثمن بالثمن، والمرابحة إن كان بالثمن مع زيادة، والتولية
إن لم يكن مع زيادة، والوضيعة إن كان بالنقصان، واللازم إن كان تاماً، وغير
لازم إن كان بالخيار، وأيضاً الصحيح والباطل والفاسد والمكروه، قاله
(١)
العيني(١).
وهو لغةً نقلُ الشيء إلى غيره بالثمن والشراء قبوله، ويطلق كل واحد
منهما على الآخر، وأجمع المسلمون على جوازه، والحكمة تقتضيه، لأن
حاجة الإنسان تتعلق بما في يد صاحبه غالباً، وصاحبه قد لا يبذله له، ففي
تشريع البيع وسيلة إلى بلوغ الغرض من غير حرج.
وقال الموفق(٢): اشتقاقه من الباع؛ لأن كل واحد من المتعاقدين يَمُدُّ
باعَه للأخذ والإعطاء، ويحتمل أن يكون كل واحد منهما كان يبايع صاحبه أي
يصافحه عند البيع، ولذلك سُمِّي البيع صفقةً، اهـ.
(١) انظر: ((عمدة القاري)) (٢٩١/٨).
(٢) ((المغني)) (٥/٦).
٢٨٢

٣٣ - كتاب البيوع
(١) باب
(١) باب ما جاء في بيع العربان
وتُعُقِّبَ الأول بأن البيع يائيٍّ والباع واويٌّ، تقول: بعت الشيء أبوعه
بوعاً إذا قسمته بالباع.
(١) ما جاء في بيع العربان
بضم العين وسكون الراء، ويقال: عربون وعربون بالفتح والضم،
وبالهمزة بدل العين في الثلاث والراء ساكن في الكل. قال بعض الشراح: فيه
ست لغات: عربان وأربان وعربون وأربون، بضم الأول وسكون الثاني فيهن،
وفتح الأول في الأخيرين، كذا في ((المرقاة))(١).
وهو أن يشتري ويدفع شيئاً على أنه إن أمضى البيع حُسِبَ من الثمن،
وإلا كان للبائع، ولم يرتجعه، أعرب في كذا وعرب وعربن، وهو عربان
وعربون، لأن فيه إعراباً بالبيع أي إصلاحاً لئلا يملكه غيره بالشراء، كذا في
((المجمع))(٢) وسيأتي في كلام الباجي عن ابن حبيب: العربان أول الشيء
وعنفوانه، والمنهي عنه من ذلك أن ينعقد عليه البيع، اهـ.
قال الخطابي: قد اختلف الناس في جواز هذا البيع، فأبطله مالك
والشافعي للخبر، ولما فيه من الشرط الفاسد والغرر، ويدخل ذلك في أكل
المال بالباطل، وأبطله أصحاب الرأي أيضاً، وقد روي عن ابن عمر - رضي الله
عنه - أنه أجاز هذا البيع، وروي ذلك عن عمر - رضي الله عنه -، ومال إليه
أحمد بن حنبل وضعف الحديث فيه؛ لأنه منقطع، وكان رواية مالك فيه عن
بلاغ، كذا في ((البذل))(٣).
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٨٠/٦).
(٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٥٤٩/٣).
(٣) ((بذل المجهود)) (١٥/ ١٧٧).
٢٨٣

٣٣ - كتاب البيوع
(١) باب
وفي ((الشرح الكبير)) (١): قال أحمد وابن سيرين: لا بأس به، وفعله عمر
- رضي الله عنه -، وعن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه أجازه، وقال ابن
المسيب وابن سيرين: لا بأس إذا كره السلعة أن يردّها يردّ معها شيئاً، قال
أحمد: هذا في معناه، وقال أبو الخطاب: لا يصحّ وهو قول مالك والشافعي
وأصحاب الرأي. ويروى عن ابن عباس والحسن؛ لأنه ◌َّ نهى عن بيع
العربون رواه ابن ماجه (٢)، ولأنه شرط للبائع شيئاً بغير عوض، فلم يصح كما
لو شرطه الأجنبي، ولأنه بمنزلة الخيار المجهول، فإنه اشترط أن له ردَّ المبيع
من غير ذكر مدة فلم يصح.
قال شيخنا: هذا هو القياس، وإنما صار فيه أحمد لما روي عن نافع بن
عبد الحارث أنه اشترى لعمر - رضي الله عنه - دار السجن من صفوان بن أمية
فإن رضي عمر - رضي الله عنه - وإلا فله كذا وكذا.
قال الأثرم: قلت لأحمد: تذهب إليه؟، قال: أي شيء أقول؟ هذا عمر
- رضي الله عنه -، وضعف الحديث المروي، روى هذه القصة الأثرم بإسناده،
فأما إن دفع إليه قبل البيع درهماً، وقال: لا تبع هذه السلعة لغيري، وإن لم
أشتراها منك، فهذا الدرهم لك، ثم اشتراها منه بعد ذلك بعقد مبتدأ، وحُسِبَ
الدرهم من الثمن صحّ؛ لأن البيع خلا عن الشرط المفسد، ويحتمل أن الشراء
الذي اشتري لعمر - رضي الله عنه - كان على هذا الوجه، فيُحمل عليه جمعاً
بين فعله وبين الخبر، وموافقة القياس، والأئمة القائلين بالفساد، وحديث دار
صفوان علّقه البخاري في ((صحیحه)).
وقال الحافظ(٣): وأما كون نافع شرط لصفوان أربعمائة إن لم يرض عمر
(١) (٢٨٩/٤)، و((المغني)) (٣٣١/٦).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٧٣٨/٢) وأخرجه أبو داود (٢٥٣/٢).
(٣) ((فتح الباري)) (٧٦/٥).
٢٨٤

٣٣ - كتاب البيوع
(١) باب
(١٢٩٥) حديث
١/١٢٩٥ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ الثَّقَةِ عِنْدَهُ،
- رضي الله عنه -، فيحتمل أن يكون ما في مقابلة انتفاعه بتلك الدار إلى أن
يعود الجواب من عمر - رضي الله عنه -، اهـ.
واستدل للإمام أحمد بما في ((مصنف عبد الرزاق)) أنا الأسلمي عن زيد بن
أسلم سئل رسول الله وَل ◌ّر عن العربان فأحلّه، قال الحافظ في ((تلخيص
الحبير)) (١): هذا ضعيف مع إرساله، والأسلمي هو إبراهيم بن محمد بن أبي
يحيى، قال الشوكاني(٢): وإبراهيم ضعيف.
وقال ابن رشد(٣): جمهور علماء الأمصار على أن بيع العربان غير
جائز، وحكي عن قوم من التابعين أنهم أجازوه، منهم مجاهد وابن سيرين
ونافع بن الحارث وزيد بن أسلم، وإنما صار الجمهور إلى منعه؛ لأنه من مال
الغرر والمخاطرة، وأكل المال بغير عوض، وكان زيد يقول: أجازه
رسول الله وَله، وقال أهل الحديث: ذلك غير معروف عنه وَيه .
١/١٢٩٥ - (مالك عن الثقة عنده) قال ابن عبد البر: تكلم الناس في
الثقة ههنا، والأشبه بأنه الزهري عن ابن لهيعة أو ابن وهب عن ابن لهيعة،
لأنه سمعه من عمرو، وسمعه منه ابن وهب وغيره، اهـ.
وقال في ((الاستذكار))(٤): الأشبه أنه ابن لهيعة، ثم أخرجه من طريق ابن
وهب عن مالك عن عبد الله بن لهيعة عن عمرو به، وقال: رواه حبيب كاتب
مالك عن مالك عن عبد الله بن عامر الأسلمي عن عمرو به، وحبيب متروك
كذبوه، اهـ. ورواية حبيب عند ابن ماجه، وأشبه من ذلك أنه عمرو بن الحارث
(١) ((تلخيص الحبير)) (٩٦٨/٣).
(٢) ((نيل الأوطار)) (٥٢٣/٣).
(٣) ((بداية المجتهد)) (١٦٢/٢).
(٤) (٩/١٩).
٢٨٥

٣٣ - كتاب البيوع
(١) باب
(١٢٩٥) حديث
المصري، فقد رواه الخطيب من طريق الهيثم بن يمان أبي بشر الرازي عن
مالك عن عمرو بن الحارث، قاله الزرقاني(١).
وقال السيوطي في ((التنوير))(٢): هذا الحديث أخرجه الخطيب في الرواة
عن مالك من طريق الهيثم بن يمان أبي بشر الرازي عن مالك عن عمرو بن
الحارث عن عمرو بن شعيب. ثم ذكر قول ابن عبد البر تكلم الناس إلى قوله
ابن وهب وغيره، اهـ.
وقال ابن عبد البر في ((التجريد))(٣): هكذا قال يحيى عن مالك في هذا
الحديث: عن الثقة عنده، وتابعه قوم منهم ابن عبد الحكم، وقال القعنبي فيه
والتنيسي وجماعة: عن مالك أنه بلغه عن عمرو بن شعيب، وسواء قال عن
الثقة أو بلغه؛ لأنه كان لا يأخذ ولا يحدث إلا عن ثقة، وتكلم الناس في الثقة
كما أوردناه في ((التمهيد)) (٤)، اهـ.
وأخرج البيهقي هذا الحديث برواية ابن وهب عن مالك قال: بلغني عن
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ثم قال: هكذا روى مالك هذا الحديث في
((الموطأ)) لم يسم من رواه عنه، ورواه حبيب بن أبي حبيب عن مالك قال:
حدثني عبد الله بن عامر عن عمرو بن شعيب، فذكر الحديث، ثم ذكر إسناده
إلى حبيب، ثم قال: ويقال: لا بل أخذه مالك عن ابن لهيعة، ثم ذكر بسنده
إلى أبي مصعب ثنا مالك عن الثقة عن عمرو بن شعيب قال: ويقال: إن مالكاً
سمعه من ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب، والحديث عن ابن لهيعة مشهور.
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٥٠/٣).
(٢) ((تنوير الحوالك)) (ص٤٧٦).
(٣) (ص٢٤٢).
(٤) (١٧٨/٢٤).
٢٨٦

٣٣ - كتاب البيوع
(١) باب
(١٢٩٥) حديث
عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ جَدِّهِ؛
وقال الشيخ: وقد روى هذا الحديث ابن عبد الرحمن بن أبي ذباب عن
عمرو بن شعيب، ثم ذكر سنده بطريق عاصم بن عبد العزيز عن الحارث، ثم
قال: عاصم بن عبد العزيز الأشجعي فيه نظر، وحبيب بن أبي حبيب ضعيف،
وعبد الله بن عامر وابن لهيعة لا يحتجّ بهما، والأصل في هذا الحديث مرسل
مالك، اهـ.
(عن عمرو بن شعيب عن أبيه) شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن
العاص الحجازي السهمي، وقد ينسب إلى جده، ذكره الخليفة في الطبقة
الأولى من أهل الطائف، ذكره ابن حبان في ((الثقات)) من رواة الأربعة (عن
جده) يشكل المراد منه، فإن ظاهره أن الضمير لعمرو، والمراد منه محمد بن
عبد الله، ويأباه أن السند بهذا السياق شهير جداً، والروايات المروية بهذا
السند غير محصورة، ومحمد هذا قليل الرواية جداً حتى قال السيوطي في
((مرقاة الصعود)): لا مدخل لمحمد في هذا الإسناد إلا في حديث واحد لا
ثاني له، كذا في ((هامش أبي داود)).
وقال الحافظ(١) في ترجمة شعيب: لم يذكر أحد منهم أنه يرويه عن أبيه
محمد، ولم يذكر أحد لمحمد هذا ترجمة إلا القليل، وذكر في ترجمته، ورقم
له د ت س، جاء عنه من الرواية شيء يسير على خلاف فيه، ثم ذكر بعض
الروايات، والخلاف في أن الوارد فيه محمد أو أبوه، ومع قلة رواياته هو
تابعيٌّ قطعاً، والمروي في الروايات بهذا السند رؤيته وَّ، والسماع منه، فلا
يمكن أن يكون المراد بجده في هذه الروايات محمداً هذا.
والمشهور أن المراد به جدُّ شعيب عبد الله بن عمرو بن العاص الصحابي
ابن الصحابي، إما لأن الضمير إلى شعيب أو يكون الضمير لعمرو على
(١) انظر: ((تهذيب التهذيب)) (٣٥٦/٤).
٢٨٧

٣٣ - كتاب البيوع
(١) باب
(١٢٩٥) حديث
الجادة، والمراد جده الأعلى، وأياً ما كان، فالمراد عبد الله بن عمرو -
رضي الله عنهما - أحد المكثرين من الصحابة، ويشكل عليه ما قالوا: إن شعيباً
لم يدرك جده.
قال إسحاق عن يحيى بن معين: إذا حدث عمرو عن أبيه عن جده، فهو
كتاب، ومن ههنا جاء ضعفه.
قال الحافظ: وقد أنكر جماعة أن يكون شعيب سمع من عبد الله بن
عمرو، وقال ابن حبان في ((الضعفاء)): إذا روى عن أبيه عن جده، فإن شعيباً،
فيكون منقطعاً. وإن أراد بجده محمد، فهو لا صحبة له فیکون مرسلاً، اهـ.
ولذا قالوا: إن هذا السند دائر بين المرسل والمنقطع، ولذا لم يرو في
((الصحيحين)) بهذا السند شيء، لكن أكثر المحدثين على الاحتجاج به.
قال البخاري: رأيت أحمد بن حنبل وعلي بن المديني وإسحاق بن
راهويه وأبا عبيد وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن
جده، ما تركه أحد من المسلمين، قال البخاري: مَنِ النَّاسِ بعدهم؟
وقال الجوزجاني: قلت لأحمد: عمرو سمع من أبيه شيئاً؟ قال: يقول:
حدثني، قلت: فأبوه سمع من عبد الله بن عمرو؟ قال: أراه قد سمع منه،
وروي عن إسحاق بن راهويه إذا كان الراوي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن
جده ثقة، فهو كأيوب عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنه -.
وقال أبو بكر النيسابوري: صحّ سماع عمرو عن أبيه. وصح سماع
شعيب عن جده.
وقال الحافظ: أما رواية أبيه عن جده، فإنما يعني به الجد الأعلى
عبد الله. لا محمد بن عبد الله، وقد صرح شعيب بسماعه من عبد الله في
أماكن، ثم ذكر الروايات المصرحة بالسماع، ثم قال: وهذه قطعة من جملة
٢٨٨

٣٣ - كتاب البيوع
(١) باب
(١٢٩٥) حديث
أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَّ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْعُرْبَانِ.
أخرجه أبو داود في: ٢٢ - كتاب البيوع، ٦٧ - باب في العربان.
وابن ماجه في: ١٢ - كتاب التجارات، ٢٢ - باب بيع العربان.
قَالَ مَالِكٌ: وَذُلِكَ، فِيمَا نُرَى،
.
أحاديث تصرح بأن الجد هو عبد الله بن عمرو، لكن هل سمع منه جميع ما
روى عنه أم سمع بعضها، والباقي صحيفة؟ الثاني أظهر عندي، وهو الجامع
لاختلاف الأقوال فيه. وقال الأثرم عن أحمد: أنا أكتب حديثه، وربما
احتججنا به، وربما وجس في القلب منه شيء.
وقال أبو داود عن أحمد بن حنبل: أصحاب الحديث إذا شاءوا احتجُوا
بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وإذا شاءوا تركوه.
وقال أبو زرعة: روى عنه الثقات، وإنما أنكروا عليه كثرة روايته عن أبيه
عن جده، وإنما سمع أحاديث يسيرة، وأخذ صحيفة كانت عنده فرواها .
(أن رسول الله وَّ نهى عن بيع العربان) قال الطيبي: أي عن البيع الذي
يكون فيه العُربان، وتقدم تفسيره، والحديث مستدل الجمهور في منعه، وحكى
الشيخ في ((البذل)) (١)، ومال أحمد بن حنبل إلى القول بإجازته، وضعف
الحديث بأنه منقطع، وكان رواية مالك فيه عن بلاغ.
وقال الزرقاني(٢): من قال: حديث منقطع أو ضعيف لا يلتفت إليه، ولا
يصح كونه منقطعاً بحال، إذ هو ما سقط عنه الراوي قبل الصحابي أو ما لم
يتصل، وهذا متصل، غير أن فيه راوياً مبهماً، اهـ.
(قال مالك: وذلك) أي تفسير العربان المذكور (فيما نُرى) بضم النون أي
(١) («بذل المجهود)) (١٧٧/١٥).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٥٠/٣).
٢٨٩

٣٣ - كتاب البيوع
(١) باب
(١٢٩٥) حديث
وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ الْعَبْدَ أَوِ الْوَلِيدَةَ. أَوْ يَتَكَارَى الدَّابَّةَ.
ثُمَّ يَقُولُ لِلَّذِي اشْتَرَى مِنْهُ، أَوْ تَكَارَى مِنْهُ: أُعْطِيكَ دِينَاراً أَوْ دِرْهَماً
أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذُلِكَ أَوْ أَقَلَّ. عَلَى أَنِّي إِنْ أَخَذْتُ السِّلْعَةَ. أَوْ رَكِبْتُ مَا
تَكَارَيْتُ مِنْكَ، فَالَّذِي أَعْطَيْتُكَ هُوَ مِنْ ثَمَنِ السِّلْعَةِ. أَوْ مِنْ كِرَاءِ
الدَّابَّةِ: وَإِنْ تَرَكْتُ ابْتِيَاعَ السِّلْعَةِ، أَوْ كِرَاءَ الدَّابَّةِ، فَمَا أَعْطَيْئُكَ، لَكَ
بَاطِلٌ بِغَيْرِ شَيْءٍ .
نظن (والله أعلم) بمراد رسوله (أن يشتري الرجل) وكذا المرأة (العبد أو الوليدة)
أو شيئاً آخر غيرهما (أو يتكارى الدابة) مثلاً (ثم يقول) المشتري (للذي اشترى
منه) وهو البائع (أو تكَارَى منه: أعطيك ديناراً أو درهماً أو أكثر من ذلك أو
أقل) يعني يعطيه شيئاً من الثمن (على) شرط (أنى إن أخذت السلعة) المبتاعة
(أو ركبت على ما تكاريت منك فالذي أعطيتك) من الدينار أو الدرهم (هو)
محسوب (من ثمن السلعة) في مثال البيع (أو من كراء الدابة) في صورة التكاري
(وإن تركت) بضم التاء (ابتياع السلعة أو كراء الدابة فما أعطيتك) من الدينار أو
الدرهم (لك) أي أنت مالكه.
زاد في النسخ المصرية(١) بعد ذلك ((باطل بغير شيء)) أي بغير عوض،
واختصر أبو داود كلام مالك هذا في ((السنن))، ولذا قال الشيخ في ((البذل))(٢):
إن ما في ((الموطأ)) من تفسير العربان أوضح، مما في ((أبي داود))، ولفظه قال
مالك: وذلك فيما نرى - والله أعلم - أن يشتري الرجل العبد أو يتكارى الدابة
ثم يقول: أعطيك ديناراً على أني إن تركت السلعة أو الكراء فما أعطيتك لك.
قال الحافظ في ((التلخيص))(٣): وكذلك فسره عبد الرزاق عن الأسلمي
(١) كذا في ((الاستذكار)) (٨/١٩).
(٢) ((بذل المجهود)) (١٧٧/١٥).
(٣) ((تلخيص الحبير)) (٩٦٨/٣).
٢٩٠

٣٣ - كتاب البيوع
(١) باب
(١٢٩٥) حدیث
عن زيد بن أسلم، وتبع الحافظ غيره في ذلك، لكن حكى صاحب ((المحلى))
عن الأسلمي: قلت لزيد: ما العربان؟ قال: الرجل يشتري السلعة فيقول: إن
أخذتها أو رددتها رددت معها درهماً، اهـ.
قال الباجي(١): فسره مالك بذلك، وقال ابن حبيب: العربان أول الشيء
وعنفوانه، والمنهي عنه من ذلك أن ينعقد عليه البيع، ولذلك أضافه إليه على
وجه أن كره المشتري البيع كان ما دفعه للبائع دون عوض، فهذا الذي نهي
عنه، لأنه من أبين المخاطرة، وأما العربان الذي لم ينه عنه فهو أن يبتاع منه
ثوباً أو غيره بالخيار، فيدفع إليه بعض الثمن مختوماً عليه إن كان مما لا يعرف
بعينه، على أنه إن رضي البيعَ كان من الثمن، وإن كره رجع إليه ذلك، لأنه
ليس فيه خطر يمنع صحته، فإذا وقع البيع والكراء على ما منع منه من بيع
العربان، فقد قال علي بن دينار: يفسخ، وإن فات كانت فيه القيمة، ووجه
ذلك ما دخله من الغرر والخطر، اهـ.
وقال صاحب ((المحلى)) تبعاً للقاري في ((المرقاة)): هو بيع باطل عند
الفقهاء لما فيه من الشرط والغرر، وأجازه أحمد، اهـ. وكذا في ((هامش
المشكاة)) عن السيد، واقتفى قوله صاحبُ ((إنجاح الحاجة)). وقال الشوكاني:
حديث الباب يدل على تحريم البيع مع العربان، وبه قال الجمهور؛ وخالف في
ذلك أحمد، والأولى ما ذهب إليه الجمهور؛ لأن حديث عمرو بن شعيب قد
ورد من طرق يقوي بعضها بعضاً، اهـ.
قال الموفق(٢): وإن لم يشتر السلعة في هذه الصورة لم يستحق البائع
الدرهم، لأنه يأخذه بغير عوض، ولصاحبه الرجوع فيه، ولا يصح جعله عوضاً
(١) ((المنتقى)) (٤/ ١٥٧).
(٢) ((المغني)) (٣٣٢/٦).
٢٩١

٣٣ - كتاب البيوع
(١) باب
(١٢٩٥) حدیث
قَالَ مَالِكٌ: وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا، أَنَّهُ لَا بَأُسَ بِأَنْ يَبْتَاعَ الْعَبْدَ التَّاجِرَ
الْفَصِيحَ، بِالْأَعْبُدِ مِنَ الْحَبَشَةِ. أَوْ مِنْ جِنْسٍ مِنْ الْأَجْنَاسِ لَيْسُوا مِثْلَهُ
فِي الْفَصَاحَةِ وَلَا فِي التِّجَارَةِ، وَالنَّفَاذِ وَالْمَعْرِفَةِ. لَا بَأْسَ بِهِذَا أَنْ
تَشْتَرِيَ مِنْهُ الْعَبْدَ بِالْعَبْدَيْنِ. أَوْ بِالْأَعْبُدِ. إِلَى أَجَلِ مَعْلُومٍ. إِذَا اخْتَلَفَ
فَبَانَ اخْتِلَافُهُ. فَإِنْ أَشْبَهَ بَعْضُ ذُلِكَ بَعْضاً حَتَّى يَتَقَارَبَ. فَلَا يَأْخُذْ
مِنْهُ اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ إِلَى أَجَلٍ. وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَجْنَاسُهُمْ.
عن انتظاره وتأخير بيعه من أجله؛ لأنه لو كان عوضاً عن ذلك لما جاز جعله
من الثمن في حال الشراء، ولأن الانتظار بالبيع لا تجوز المعاوضة عنه، ولو
جازت لوجب أن يكون معلوم المقدار كما في الإجارة، اهـ.
(قال مالك: والأمر عندنا أنه لا بأس بأن يبتاع) أي يشتري ببناء الفاعل،
فالضمير إلى المفهوم من يبتاع أو ببناء المفعول، فقوله: (العبد التاجر الفصيح)
بالرفع نائب الفاعل، وعلى الأول منصوب على المفعولية (بالأعبد) جمع عبد
أي بعوضهم إذا كانوا (من الحبشة) مثلاً (أو) كانوا (من جنس) آخر غير الحبشة
(من الأجناس) الدنيئة (ليسوا) أي الأعبد المذكورة (مثله في الفصاحة ولا في
التجارة والنفاذ) بذال معجمة أو في المضي في أمره (والمعرفة) بالأحوال (لا
بأس بهذا) النوع (أن يشترى منه) أي من هذا النوع العالي الغالي (العبد
بالعبدين) أي بعوض العبدين (أو بالأعبد) الزائدة عن الاثنين (إلى أجل معلوم)
أي يجوز فيه التفاضل نسيئة أيضاً بشرط تعيين الأجل.
(إذا اختلف) وصفهم هذا شرط الجواز (فبان اختلافه) أي يكون أوصاف
العبد بيناً ظاهراً لا اشتباه فيها (فإن أشبه بعض ذلك بعضاً) يعني تشابه أوصافهم
(حتى يتقارب) النوع (فلا يأخذ منه) أي النوع المتقارب؛ لأنه كالنوع الواحد
(اثنين) منهم (بواحد) أي بالتفاضل (إلى أجل) أي نسيئة (وإن اختلفت أجناسهم)
بالبياض والسواد وغيرهما بأن يكون الواحد حبشياً، والآخر رومياً وغير ذلك.
٢٩٢

٣٣ - كتاب البيوع
(١) باب
(١٢٩٥) حديث
قال الباجي(١): يريد أن يكون الرقيق سوداء أو بيضاء روماً أو نوبة، فإن
ذلك ليس باختلاف فيه يبيح التفاضل مع النساء، اهـ.
قال صاحب ((المحلى)): يجوز عند أبي حنيفة بيع عبد بعبدين حاضراً،
ولا يجوز إلى أجل لجواز التفاضل، وحرمة النساء في غير الأموال الربوية إذا
اتّحد الجنس.
وقال الشافعي: يجوز إلى أجل، والأصل أن اتحاد الجنس لا يحرم
النساء عند الشافعي، ويحرم عند أبي حنيفة وكذا عند مالك، إلا أنه أنزل
اختلاف الصفة في العبد وسائر الحيوانات بمنزلة اختلاف الجنس، اهـ.
قال الباجي(٢): إن بيع الجنس الواحد من السلع والحيوان بعضه ببعض
على ضربين نقداً ونساً، أما النقد فهو جائز في الجنسين، والجنس الواحد ما
لم يكن مقتاتاً متفاضلاً، وأما النسأ فهو على ضربين: أحدهما: أن يكون
العوض من غير جنس المعوض منه، والآخر: أن يكون من جنسه، فإن كان من
غير جنسه جاز التفاضل، وإن كان من جنسه لم يجز متفاضلاً، ومذهب مالك
جواز التفاضل في غير العين، والمقتات نقداً، والنسأ علة في فساد بيع الجنس
بعضه ببعض مع اتفاق المنافع المقصودة.
والأصل في ذلك أن معنى الجنس عندنا في هذا الباب ما انفرد بالمنفعة
المقصودة منه، فإذا اختلف الشيئان في المنفعة المقصودة منهما كانا جنسين
مختلفين، وإن سُمِّيا باسم واحد، وإن اتفقا في المنفعة المقصودة وافترقا في
الاسم، فالذي يقتضيه قول ابن القاسم في البغال والحمير أنهما جنس واحد،
إن الاعتبار باختلاف الأسماء، والذي يقتضيه قول ابن حبيب أنهما جنس(٣) إن
(١) ((المنتقى)) (٤/ ١٦٢).
(٢) ((المنتقى)) (١٥٨/٤).
(٣) كذافي الأصل، وفيه تحريف، ومذهب ابن حبيب كما سيأتي قريباً أنهما جنسان، اهـ. ((ش)).
٢٩٣

٣٣ - كتاب البيوع
(١) باب
(١٢٩٥) حديث
الاعتبار أيضاً بالأسماء، والدليل على صحة ذلك أننا منعنا التفاضل في الجنس
الواحد للزيادة في السلف، وأجزناه في الجنسين لتعريته من ذلك، فوجب أن
تراع المنفعة المقصودة من العين، ولذلك جَوَّزَنا التفاضل بين التمر العربي
والتمر الهندي، وبين الجوز الهندي والذي ليس بهندي.
وإذا ثبت ذلك فإن اختلاف المنافع في الجنس يكون على ضربين؛
أحدهما: أن تختلف للصغر والكبر، والثاني: أن تختلف للتناهي في المنفعة
المقصودة، أما الصغر والكبر، فإنه يختلف باختلاف جنس الحيوان، فإن كان
الحيوان مما تصح فيه الحرية كبني آدم، ففي ((الواضحة)) أن الرقيق صنف
واحد، ذكوره وإناثه، صغاره وكباره، عجميه وعربيه.
والقياس عندي أن يكون صغيره جنساً مخالفاً لكبيره؛ لأن المنافع التي
يَتَمَيَّزُ بها الجنسُ من التجارة والصنائع لا تصحّ من الصغير، فإن كان مما لا
تصحّ فيه الحرية، فلا يخلو أن يكون مما المقصود منه الأكل، فإن كان مما لا
يقصد منهما الأكل كالخيل والبغال والحمير، فإن جنس صغارها مخالف
لكبارها، لأن المقصود من كبارها غير المقصود من صغارها، وإن كان مما
يقصد منه الأكل، فإنه على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون فيه مع ذلك عمل مقصود كالإبل والبقر، فهذا لا
خلاف في أن صغاره مخالف لكباره.
والثاني: لا يكون فيه عمل مقصود، فلا خلاف في أن صغاره من جنس
كباره، كالحجل واليمام.
والثالث: أن لا يكون فيه عمل مقصود، وتكون فيه منفعة مقصودة من
لبس ونحوه، فهل يختلف فيه الجنس بالصغر والكبر؟.
روى ابن المواز عن مالك في ذلك روايتين: إحداهما: لا تختلف، فإن
المقصود منه الأكل ليستوي فيه صغاره وكباره، والثانية: تختلف؛ لأن المقصود
٢٩٤

٣٣ - كتاب البيوع
(١) باب
(١٢٩٥) حديث
من كبار الغنم الدر والنسل، وهو منفعة مقصودة كالعمل في الإبل والبقر
وكذلك الدجاج، اهـ.
قال ابن القاسم: كلها صنفٌ واحدٌ، ذكورها وإناثها، والسن الذي هو
حَدٌّ بين الصغر والكبر أن يبلغ حد الانتفاع بها المنفعة المقصودة.
قال ابن الموّاز: هو أن يسافر عليه، فالجذع وما قصر عنه من جملة
الصغار، وأما البقر فحَدُّ الكبر في الذكور أن يبلغ حَدَّ الحرث، وفي الإناث
على قول ابن القاسم كذلك، وعلى قول ابن حبيب أن يبلغ سِنَّ الوضع
واللبن.
أما الرقيق: فحَدُّ الكبر فيهم أن فرقنا بين صغارهم وكبارهم أن يبلغ سِنَّ
من يُطيق التكسبَ بعمله أو تجارته، وذلك الخمسة عشر سنة أو نحوها، أو
الاحتلام. إذا ثبت ذلك، فإن المنفعة المقصودة من العبد أن يكون قادراً على
التكسب بمعنى يستفاد في التعليم لا يكون شائعاً في الجنس كالتجارة
والصناعة، وأما الجزارة والخياطة والبناء، فهي مع الفصاحة والحساب أُسُّ.
والكتابة، والقراءة، إذا تقدمها نفاذ ليمكنه التكسب بها، وهكذا ما جرى
هذا المجرى، وليس كذلك الأعمال المعتادة التي يعملها أكثر الناس بجنس
يباين به من لا يعمل ذلك العمل كالحرث والحصاد في الرجال، والغزل في
النساء؛ لأنه لما كان هذا العمل معتاداً، يمكن أكثر هذا الجنس كان بمنزلة
المشي وسائر أنواع التصرف، وليست الذكورة بجنس في الرقيق، ولا في شيء
من الأنعام، إلا أن يكون معها من المنافع المقصودة ما يقتضي ذلك.
أما الصناعة في النساء، فكالطبخ والرقم والنسج، وكل نوع من ذلك
مخالف للآخر، وأما الكتابة، فروى محمد عن ابن القاسم ليست بجنس في
الإماء، وروى عنه عيسى أنها إن كانت فائقة فيها أنه جنس تَبَيَّنَ به من غيرها،
وأما الجمال فهل يكون جنساً في الإماء؟ روى عيسى عن ابن القاسم أن ذلك
٢٩٥

٣٣ - كتاب البيوع
(١) باب
(١٢٩٥) حديث
ليس بجنس، وروى محمد عن أصبغ أنه جنس مقصود، والمقصود في الخيل
السبق والجودة؛ لأنها بها تباين سائر الحيوان المتحد.
فإذا كان سابقاً فائقاً فليس بجنس ما ليس بسابق من الخيل، والمقصود
من الإبل القوة على الحمل، وليس السبق بمقصود فيها؛ لأنها لا تراد للسبق،
وأما البغال والحمير، فقال ابن القاسم: هي جنس واحد، وقال ابن حبيب:
هما جنسان.
قال ابن القاسم: إن الأسماء لا اعتبار لها، فلما اتفقت في المعنى
المقصود منها كانت جنساً واحداً، وإن لم يشملها الاسم، وهذا أشبه بمذهب
مالك.
ووجه ما قال ابن حبيب أن اختلاف الأسماء الخاصة يوجب اختلاف
الجنس، وإنما يراعى اختلاف المنافع؛ واتفاقها في الجنس الواحد، اهـ.
وقال الأبي في ((الإكمال))(١): ربا النسيئة يمتنع في العين والطعام، اتفق
الجنس أو اختلف، ويجوز في غيرهما إذا اختلف الجنس، كعبد في ثوبين إلى
أجل، فإذا كان اختلاف الجنس يصحح السلم، فقال في أول السلم الأول:
والإبل والبقر والغنم والخيل أجناس، وكذا الحمر مع غير البغال، وأما مع
البغال فقال: ولا تسلم البغال في الحمر إلا في الحمر الأعرابية التي يُسْلَمُ فيها
الحمار الفاره النجيب.
واختلفوا في جوازه في الجنس الواحد، فمنعه أبو حنيفة اتفقت الصفات
أو اختلفت، وجَوَّزه الشافعي اتفقت الصفات أو اختلفت، ووسط مالك،
فقال: إن اختلفت منافع الحيوان جاز سلم بعضِه في بعض، وإن اتفقت لم
يجز .
(١) ((إكمال إكمال المعلم)) (٤/ ٢٩٧).
٢٩٦

٣٣ - كتاب البيوع
(١) باب
(١٢٩٥) حدیث
ووجه تفرقته هذه أن اختلاف المنافع يصير الجنس الواحد جنسين،
وأيضاً فإن مع اختلاف الجنس ليس المقصود إلا المنافع؛ لأنها هي التي
تملك، وأما الذوات فلا يملكها إلا خالقها، وإذا كانت المنافع هي المقصودة
وجب أن يكون اختلافها بمنزلة اختلاف الجنس، فإذا كان المقصود من دابة
الحمل، ومن دابة أخرى من جنسها الجري، صار ذلك بمنزلة دابة، وثوب.
وجوابنا عما احتجّ به الشافعي وهو حديث شراء بعير ببعيرين، أن ذلك
محمول على ما اختلفت صفاته، وحديث الكوفيين، وهو حديث ((النهي عن بيع
الحيوان بالحيوان)) متكلم فيه ورَدَّه بعضُهم، ونحن نحمله على ما اتفقت فيه
الصفات، وإذا كان المذهب أن اختلاف منافع الجنس الواحد يصحح سلم
بعضه في بعض، فالإبل تختلف بالنجابة والحمولة، والخيل بالسبق والفراهة،
والعبد بالتجارة والفصاحة والصناعة، والجواري بالطبخ والفراهة على الصحيح
من القولين إلى آخر ما بسطه.
وفي ((المنتقى)) عن جابر - رضي الله عنه - ((أن النبي وَّ﴿و اشترى عبداً
(١)
بعبدين)) رواه الخمسة، وصححه الترمذي
ولمسلم معناه.
وعن أنس - رضي الله عنه ــ ((أن النبي وَل اشترى صفية بسبعة أرؤس من
دحية الكلبي))، رواه أحمد ومسلم وابن ماجه(٢).
قال الشوكاني(٣): في الحديثين دليل على جواز بيع الحيوان بالحيوان
متفاضلاً إذا كان يداً بيد، وهذا مما لا خلاف فيه، وإنما الخلاف في بيع
الحيوان بالحيوان نسيئة، فذهب الجمهور إلى جواز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة
متفاضلاً مطلقاً. وشرط مالك أن يختلف الجنس، ومنع من ذلك مطلقاً مع
(١) أخرجه الترمذي في ٢٣ كتاب البيوع (١٢٤٠)، وأخرجه أبو داود (٣٣٤٩).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٢/ ٢٢٧٢)، وأحمد (١٢٣/٣).
(٣) ((نيل الأوطار)): رقم الحديث (١٢٦٠).
٢٩٧

٣٣ - كتاب البيوع
(١) باب
(١٢٩٥) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَلَا بَأُسَ بِأَنْ تَبِيعَ مَا اشْتَرَيْتَ مِنْ ذُلِكَ قَبْلَ أَنْ
تَسْتَوْفِيَهُ. إِذا انْتَقَدْتَ ثَمَنَهُ مِنْ غَيْرِ صَاحِبِهِ الَّذِي اشْتَرَيْتَهُ مِنْهُ.
النسيئة أحمد بن حنبل وأبو حنيفة وغيره من الكوفيين، وتمسكوا بحديث
سمرة: ((نهى النبي (وَ ل عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة)). رواه الخمسة،
وصححه الترمذي، وأوّله الشافعي بأن المراد به النسيئة من الطرفين، فهو بمعنى
النهي عن بيع الكالئ بالكالئ، اهـ.
وقال الأبي في ((الإكمال))(١): أما شراء العبد بالعبدين، فلا خلاف في
جواز التفاضل في بياعات النقد اتحد الجنس أو اختلف إلا في العين والطعام
الربوي. وأما في بيع النسيئة يعني ففيه خلاف تقدم قريباً في كلامه.
وقال الترمذي: حديث سمرة حديث حسن صحيح، وفي الباب عن ابن
عباس وجابر وابن عمر اهـ. وبسط العيني(٢) في تخريج هذه الأحاديث،
والكلام عليها، وسيأتي شيء من ذلك فيما يجوز من بيع الحيوان بعضه ببعض.
(قال مالك) وليس كلمة ((قال مالك)) في بعض النسخ المصرية، بل الكلام
الآتي ملحق بما سبق (ولا بأس) أي يجوز (أن تبيع) زاد في النسخ الهندية بعده
لفظ ((من ذلك)) (ما اشتريت من ذلك) أي من العبد المذكور في الكلام السابق
ومن بيان لما (قبل أن تستوفيه) أي تقبضه لما سيأتي أن النهي عن البيع قبل
القبض مختص عند المالكية بالطعام (إذا انتقدت ثمنه) أي أخذت ثمنه من
المشتري، أما إذا لم ينتقد ثمنه فلا يجوز (من غير صاحبه) متعلق بتبيع (الذي
اشتريت منه) وهو البائع، يعني لا بأس ببيعه قبل القبض بيد غير البائع، قال
الزرقاني(٣): لأن النهي إنما هو عن بيع الطعام قبل القبض.
(١) ((إكمال إكمال المعلم)) (٢٩٥/٤).
(٢) انظر: ((عمدة القاري)) (٥٥٤/٨).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٢٥١/٣).
٢٩٨

٣٣ - كتاب البيوع
(١) باب
(١٢٩٥) حديث
قال الباجي(١): يريد أن ما أسلمت فيه من الرقيق يجوز أن تبيعه قبل أن
تستوفيه، وكذلك كل ما ليس بمطعوم عند مالك، فإنه يجوز بيعه قبل أن
يستوفي إذا كان في الذمة، وقوله: إذا انتقدت ثمنه وكان مؤجلاً لم يجز؛ لأنه
من اشتراط انتقاد الثمن في المبيع الذي ألزمه؛ لأنه إذا لم ينتقد ثمنه، وكان
مؤجلاً لم يجز؛ لأنه من بيع الكالئ بالكالئ، اهـ.
وقال الخرقي: إذا وقع البيع على مكيل أو موزون أو معدود، فتلف قبل
قبضه فهو من مال البائع، وما عداه فلا يحتاج فيه إلى قبض، وإن تلف فهو من
مال المشتري .
وحكى الموفق(٢) فيه اختلاف الروايات عن الإمام فيما يحتاج إلى قبض،
وقال ابن عبد البر: الأصح عن أحمد بن حنبل أن الذي يمنع من بيعه قبل
قبضه هو الطعام، وقال: قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من اشترى
طعاماً فليس له أن يبيعه حتى يستوفيه، وقال: قال مالك: ما بيع من الطعام
مكايلة أو موازنة، لم يجز بيعه قبل قبضه، وما بيع مجازفةً أو بيع من غير
الطعام مكايلة أو موازنة جاز بيعه قبل قبضه، ثم قال الموفق: قد ذكرنا الذي
لا يحتاج إلى قبض والخلاف فيه، وكل ما يحتاج إلى قبض إذا اشتراه لم يجز
بيعه حتى يقبضه، ولم أعلم بين أهل العلم فيه خلافاً، إلا ما حكي عن البتي
أنه قال: لا بأس ببيع كل شيء قبل قبضه.
قال ابن عبد البر: هذا قولٌ مردودٌ بالسنة والحجة المجمعة على الطعام،
وأما غير ذلك فيجوز بيعه قبل قبضه في أظهر الروايتين، ويروى مثل هذا عن
عثمان بن عفان وابن المسيب والحكم وحماد والأوزاعي وإسحاق، وعن أحمد
(١) ((المنتقى)) (١٦٢/٤).
(٢) («المغني)) (١٨١/٦).
٢٩٩

٣٣ - كتاب البيوع
(١) باب
(١٢٩٥) حديث
قَالَ مَالِكٌ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى
رواية أخرى، لا يجوز بيع شيء قبل قبضه، اختارها ابن عقيل، وروي ذلك
عن ابن عباس، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي إلا أن أبا حنيفة أجاز بيع
العقار قبل قبضه، اهـ.
وقال ابن رشد(١): أما بيع ما سوى الطعام قبل القبض، فلا خلاف في
مذهب مالك في إجازته، وأما الطعام الربوي فلا خلاف في مذهبه أن القبض
شرط في بيعه، وأما غير الربوي من الطعام، فعنه في ذلك روايتان: إحداهما:
المنع، وهي الأشهر؛ وبها قال أحمد وأبو ثور إلا أنهما اشترطا مع الطعم
الكيل والوزن، والرواية الأخرى؛ الجواز، وأما أبو حنيفة، فالقبض عنده شرط
في كل مبيع ما عدا المبيعات التي لا تنقل، ولا تُحَوَّلُ كالدور والعقار.
وأما الشافعي فإن القبض عنده شرط في كل مبيع، وبه قال الثوري، وهو
مروي عن جابر بن عبد الله وابن عباس، وقال أبو عبيد وإسحاق: كل شيء لا
يكال ولا يوزن فلا بأس ببيعه قبل قبضه، فاشترط هؤلاء القبض في المكيل
والموزون، وبه قال ابن حبيب، وعبد العزيز بن أبي سلمة، وربيعة، وزاد
هؤلاء مع الكيل والوزن المعدود، فتحصل في اشتراط القبض سبعة أقوال:
الأول: الطعام الربوي فقط، الثاني: في الطعام بإطلاق، الثالث: في الطعام
المكيل والموزون، الرابع: في كل شيء ينقل، الخامس: في كل شيء،
السادس: في المكيل والموزون، السابع: في المكيل والموزون والمعدود، اهـ.
ويأتي شيء من المذاهب في ذلك في ((باب بيع الطعام قبل القبض))،
اهـ. وعُلِمَ من تفصيل المذاهب المذكورة أن بيع العبد المذكور في المتن يجوز
عند مالك وأحمد خلافاً للشافعي والحنفية.
(قال مالك: ولا ينبغي) أي لا يجوز (أن) تباع المرأة و (يستثنى) ببناء
(١) ((بداية المجتهد)) (١٤٤/٢).
٣٠٠