Indexed OCR Text

Pages 241-260

٣٢ - كتاب المدبر
(٥) باب
خرج منه ما علقه على وجه الوصية، فإنه عقد غير لازم يجوز الرجوع فيه
بخلاف التدبير، ومثل الوصية بقوله: كإن مت من مرضي هذا فأنت أو فعبدي
حر، أو إن مت من سفري هذا فأنت حر، أو قال في صحته: أنت حر بعد
موتي ولم يقيد بتدبير ولا غيره فوصية، أما إن قال: أنت مدبر بعد موتي فتدبير
قطعاً، إلى آخر ما بسطه.
ثم قال: وللسيد رهن رقبة المدبر ليباع للغرماء، ولو في حياة السيد، إن
سبق الدين على التدبير، فإن تأخّر عنه، فإنما يجوز رهنه ليباع بعد موت السيد
حيث لا مال له، ولا يجوز للسيد إخراجه بغير عتق كبيع وهبة وصدقة، لأن فيه
إرقاقه بعد جريان شائبة الحرية فيه، وفسخ بيعه إن وقع، كهبته وصدقته إن لم
يعتق، فإن أعتقه المشتري أو الموهوب له قبل الفسخ مضى، والولاء لمن أعتقه
لا لمن دَبَّره، انتھی.
واستدل من أجاز بيعه برواية جابر. قال الموفق(١): ولنا، ما روى جابر
أن رجلاً أعتق مملوكاً له عن دبر، فاحتاج، فقال رسول الله القر: ((من يشتريه
مني))؟ فباعه من نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم، فدفعها إليه، وقال: أنت
أحوج منه، متفق عليه.
قال جابر: عبد قبطيّ مات عامَ أوّل في إمارة ابن الزبير، وقال أبو
إسحاق الجوزجانيُّ: صَحَّت أحاديثُ بيع المدبر باستقامة الطرق، والخبر إذا
ثَبَتَ استغني به عن غيره من رأي الناس.
وفي ((المحلى)): وقال الشافعي وأهل الحديث: التدبير عقد غير لازم،
ويجوز بيعه لحديث جابر ((أنه باع النبي والقر يعقوب المدبر الذي أعتقه سيده أبو
مذكور عن دبر، وكان عليه دين، ولم يكن له مال غيره من نعيم بن النحام
(١) ((المغني)) (٤٢٠/١٤).
٢٤١

٣٢ - كتاب المدبر
(٥) باب
بثمانمائة درهم)، وفي رواية لأبي داود: ((بسبعمائة أو تسعمائة)) على الشك،
فدفعها إليه، وقال له كما في ((مسلم)) (١): ابدأ بنفسك فتصدق عليها.
وللنسائي من طريق الأعمش عن ابن كهيل أعطاه، وقال: اقض دينك،
وقد اتفقت الروايات كلها على أن بيعه كان في حياة الذي دَبَّره، إلا ما رواه
شريك عند الترمذي أن رجلاً مات وترك مدبراً، الحديث، ونقل عن شيخه
النيسابوري أن شريكاً أخطأ فيه، والصحيح ما رواه غيره أنه دفع ثمنه إليه،
انتھی .
وقال ابن الهمام(٢): ولرواية جابر ألفاظ كثيرة، وروى أبو حنيفة بسنده
((أن رسول الله (َّر باع المدبر))، وفي ((موطأ مالك)) بسنده إلى عائشة ((أنها
باعت مدبرة سحرتها))، ورواه الحاكم، وقال: على شرط الشيخين.
والجواب أنه لا شك أن الحر كان يباع في ابتداء الإسلام على ما روي
أنه وس* باع رجلاً يقال له سرق في دينه، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِن
كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾(٣) ذكره في الناسخ والمنسوخ، فلم يكن فيه
دلالة على جواز بيعه الآن بعد النسخ.
ثم رأينا أنه صَحَّ عن ابن عمر: لا يُباعِ المدبر ولا يُوهب، وهو حرٍّ من
ثلث المال، وقد رفعه إلى رسول الله وَّر، لكن ضعف الدارقطني رفعه وصَحَّحَ
وقفه، فعلى تقدير الرفع لا إشكال، وعلى تقدير الوقف فقول الصحابي حينئذ
لا يعارضه النص ألبتة؛ لأنه واقعة حال لا عموم لها، وإنما يعارضه لو
قال ◌َله: يباع المدير.
(١) أخرجه مسلم في كتاب الأيمان: ((باب جواز بيع المدبر)) (١٢٨٩/٣).
(٢) ((فتح القدير)) (٣١٩/٤).
(٣) سورة البقرة: الآية ٢٨٠.
٢٤٢

٣٢ - کتاب المدبر
(٥) باب
فإن قلنا بوجوب تقليده فظاهر، وعلى عدم تقليده يجب أن يحمل على
السماع؛ لأن منع بيعه على خلاف القياس، فإن بيعه مستصحب برقّه، فمنعه مع
عدم زوال الرق، وعدم الاختلاط بجزء المولى، كما في أم الولد. خلاف
القياس، فيحمل على السماع، فبطل ما قيل: حديث ابن عمر - رضي الله
عنهما - لا يصلح لمعارضة حديث جابر.
وأيضاً ثبت عن أبي جعفر أنه ذكر عنده أن عطاء وطاووساً يقولان عن
جابر في الذي أعتقه مولاه في عهد رسول الله وَله: كان عتقه عن دبر، فأمره
أن يبيعه فيقضى دينه، الحديث. فقال أبو جعفر: شهدت الحديث عن جابر إنما
أذن في بيع خدمته، رواه الدارقطني، وقال أبو جعفر: هذا وإن كان من الثقات
الأثبات، لكن حديثه هذا مرسل، وقال ابن القطان: هو مرسل صحيح؛ لأنه
من رواية عبد الملك العزرمي، وهو ثقة عن أبي جعفر، انتهى.
وقال العيني(١): حديث ابن عمر - رضي الله عنه - احتجّ به الطحاوي
والكرخي والرازي وهم أساطين في الحديث، وقال أبو الوليد الباجي: إن عمر
- رضي الله عنه - ردّ بيع المدبرة في ملأ خير القرون، وهم حضور متوافرون،
وهو إجماع منهم أن بيع المدبر لا يجوز.
والجواب عن حديث جابر من وجوه: الأول: قال ابن بطال: لا حجة
فيه؛ لأن في الحديث أن سيده كان عليه دين، فثبت أن بيعه كان لذلك.
الثاني: أنها قضية عين يحتمل التأويل، وتأوّله بعضُ المالكية على أنه لم
یکن له مال غيره فردّ تصرفه.
الثالث: يحتمل أنه باع منفعته بأن آجره، والإجارة تسمى بيعاً بلغة أهل
اليمن، لأن فيها بيع المنفعة، ويؤيده ما ذكره ابن حزم، فقال: وروي عن أبي
(١) ((عمدة القاري)) (٤٣٣/٨).
٢٤٣

٣٢ - كتاب المدبر
(٥) باب
جعفر محمد بن علي عن النبي 18 مرسلاً أنه باع خدمة المدبر، وقال ابن
سيرين: لا بأس ببيع خدمة المدبر، وكذا قاله ابن المسيب، وذكر أبو الوليد
عن جابر أنه عليه الصلاة والسلام باع خدمة المدبر.
الرابع: أن سيد المدبر الذي باعه النبي وَلّ كان سفيهاً، فلذا تولى
النبي ◌َ ◌ّ بيعه بنفسه، وبيع المدبر عند من يُجَوِّزُه لا يفتقر فيه إلى بيع الإمام.
الخامس: يحتمل أنه باعه في وقت كان يباع الحر المديون كما روي أنه
عليه الصلاة والسلام باع حراً بدينه، ثم نسخ بقوله عز اسمه ﴿وَإِن كَانَ ذُو
عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾، انتهى.
وقال الباجي(١): ليس فيما ادّعوه من حديث جابر حجةٌ؛ لأنه يحتمل أن
يكون عليه دين قبل التدبير، فباعه لأداء ذلك الدين، وهذا عندنا جائز، وبَيَّنَ
وجهَ هذا التأويل أنه قال في الحديث: ((ليس له مال غيره))، وعلى أصلهم لا
تأثير لقوله: ((ليس له مال غيره)) في الحكم؛ لأنه لا فرق عندهم بين أن يكون
له مال غيره أو لا يكون، ويبين هذا أنه وَ ل# هو باشر البيع، وأمر به على وجه
الحكم عليه، ولو لم يكن ثَمَّ دين يباع من أجله لم يكن ذلك للنبي بَّ، وإنما
بيعه عندهم باختياره، وقد قال نحو هذا ابن سحنون، وقد روى هذا الحديث
بهذه الزيادة الشيخ أبو إسحاق عن أبي عبد الرحمن النسوي أعتق رجل من
الأنصار غلاماً له عن دبر، وكان محتاجاً، وكان عليه دين، فباعه رسول الله وَليت،
وهذا يقوي ما قدمنا من التأويل، انتهى.
وفي ((البدائع)) (٢): أما حديث عطاء، فيحتمل أنه كان تدبيراً مقيداً،
وقوله: ((باع)) حكاية فعل لا عموم له، ويحتمل أن يكون معنى قوله: ((باع)) أي
(١) ((المنتقى)) (٤٥/٧).
(٢) ((بدائع الصنائع)) (٥٧٨/٣).
٢٤٤

٣٢ - كتاب المدبر
(٥) باب
(١٢٩٢) حديث
٦/١٢٩٢ - قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي الْمُدَبَّرِ.
أَنَّ صَاحِبَهُ لَا يَبِيعُهُ. وَلَا يُحَوِّلُهُ عَنْ مَوْضِعِهِ الَّذِي وَضَعَهُ فِيهِ .
آجر، إذ الإجارة تسمى بيعاً بلغة أهل المدينة، وهكذا روى محمد بإسناده أن
النبي وَ ﴿ باع خدمة مدبر، ولم يبع رقبته، ويحتمل أنه كان في ابتداء الإسلام
حين كان بيع الحر مشروعاً، ثم صار منسوخاً بنسخ بيع الحر، لثبوت حق
الحرية في المدبر إلحاقاً للحق بالحقيقة في باب الحرمات، انتهى.
وفي ((المحلى)): أجابوا عن حديث جابر بأنه واقعة عين لا عموم له،
فيحمل على بعض الصور، وهو اختصاص الجواز بما إذا كان عليه دين، وهو
مشهور مذهب أحمد، وتأوَّله بعض المالكية على أنه لم يكن له مال غيره، فردّ
تصرفه، قال: وكذلك يرد تصرف من تَصَدَّق بكل ماله.
وقال الحنفية: هو محمول على مدبر مقيد، أو محمول على بيع الخدمة
دون الرقبة، بدليل ما روى الدارقطني(١) عن عبد الغفار عن أبي جعفر قال:
ذكر عنده أن عطاء وطاوساً يقولان، الحديث. قال الدارقطني: وأبو جعفر هذا
وإن كان من الثقات إلا أن حديثه هذا مرسل.
فإن قيل: عبد الغفار رُمِيَ بالكذب، وكان من غلاة الشيعة؟ أجيب بأن
ابن القطان قال في كتابه: إنه مرسل صحيح؛ لأنه من رواية عبد الملك بن
سليمان العزرمي، وهو ثقة عن أبي جعفر، قال ابن الهمام(٢): وقد صرح أبو
جعفر، وهو محمد الباقر بأنه شهد حديث جابر، وأنه إنما أذن في بيع منافعه،
ولا يمكن شهادة ذلك الإمام إلا بعلمه ذلك من جابر راوي الحدیث، انتھی.
٦/١٢٩٢ - (قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا في المدبر أن صاحبه) أي
سيده (لا يبيعه ولا يُحَوِّلُه) من التحويل أي لا يُخْرِجُه (عن موضعه الذي وضعه فيه)
وهو التدبير، فلا يخرجه عنه بسبب من البيع والهبة والصدقة وغيرها .
(١) ((سنن الدارقطني)) (١٣٨/٤).
(٢) ((فتح القدير)) (٣١٩/٤).
٢٤٥

٣٢ - کتاب المدبر
(٥) باب
(١٢٩٢) حديث
وَأَنَّهُ إِنْ رَهِقَ سَيِّدَهُ دَيْرٌ. فَإِنَّ غُرَمَاءَهُ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى بَيْعِهِ. مَا عَاشَ
سَيِّدُهُ. فَإِنْ مَاتَ سَيِّدُهُ وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ فَهُوَ فِي ثُلُثِهِ.
قال الباجي(١): وهذا على ما قال: فإن فعل ذلك وباعه، قال في
((الموازية)): مالك(٢) جاهلاً أو عامداً أو ناسياً رُدَّ بيعُه ورجع مدبراً، كما كان،
وهذا ما لم يعتقه المشتري، فإن أعتقه قبل الفسخ، فقد قال الشيخ أبو القاسم:
فيه روايتان؛ إحداهما: أن العتق نافذ غير مردود، والثانية: أن عقده باطل
مردود، وفي ((الموازية)): قال ابن القاسم: كان مالك يقول في المدبر: يبيعه
سيده فيعتق، يردّ عتقه ويعود مدبراً، ثم قال: يمضي وإن كتمه ذلك ولا يرد إذا
فات بالعتق أو الموت، انتھی.
(وأنه إن رهق) بكسر الهاء، قال الراغب: رهقه الأمر غَشِيَه بقهر (سيده
دين) بعد التدبير (فإن غرماءه لا يقدرون على بيعه ما عاش سيده) أي مدة
حياته، قال الباجي: يريد إن استحدث ديناً بعد التدبير، فإن ذلك لا ينقص
التدبير في حياة السيد لتعلق الدين بذمة باقية، وأما إن كان الدين قبل التدبير،
فإن للغرماء ما نقص التدبير؛ لأن العبد من أموالهم، انتهى.
وقال الدردير(٣): يبطل تدبيره باستغراق الدين لقيمة المدبر والتركة، سواء
كان الدين سابقاً أو لاحقاً إن مات السيد، فأما في حياته فيبطله السابق،
انتھی .
قلت: وهذا متفرع على مسألة أخرى، تقدم بيانها في قول مالك: الأمر
عندنا لا تجوز عتاقة رجل، عليه دين يحيط بماله، وتقدم هناك اختلاف الأئمة
في ذلك (فإن مات سيده ولا دين عليه) أي على السيد (فهو في ثلثه) يعني يعتق
(١) ((المنتقى)) (٤٥/٧).
(٢) كذا في الأصل، ش.
(٣) ((الشرح الكبير)) (٤/ ٣٨٧).
٢٤٦

٣٢ - كتاب المدبر
(٥) باب
(١٢٩٢) حديث
لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى عَلَيْهِ عَمَلَهُ مَا عَاشَ. فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْدُمَهُ حَيَاتَهُ. ثُمَّ
يُعْتِقَهُ عَلَى وَرَثَتِهِ. إِذَا مَاتَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ وَإِنْ مَاتَ سَيِّدُ الْمُدَبَّرِ،
وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ. عَتَقَ ثُلُثُهُ. وَكَانَ ثُلُتاهُ لِوَرِثَتِهِ. فَإِنْ مَاتَ سَيِّدُ
الْمُدَّرِ. وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مُحِيطٌ بِالْمُدَبَّرِ. بِيعَ فِي دَيْنِهِ. لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَعْتِقُ فِي
القُلُثِ.
قَالَ: فَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ لَا يُحِيطُ إِلَّ بِنِصْفِ الْعَبْدِ. بِيعَ نِصْفُهُ
لِلِدَّيْنِ. ثُمَّ عَتَقَ ثُلُثُ مَا بَقِيَ بَعْدَ الدَّيْنِ.
ما يدخل منه في ثلث مال السيد، فإن حمله كله عتق جميعه، وإن لم يحمل إلا
بعضه لم يعتق منه إلا بذلك القدر (لأنه استثنى عليه عمله ما عاش) يعني أن
السيد استثنى، وأخرج عن حريته خدمته مدة حياته، فلا تأثير للتدبير في خدمة
السيد، فيخدمه مدة حياته كالرقيق (فليس له) أي للسيد (أن يخدمه) العبد
(حياته) ظرف زمان أي مدةً حياته (ثم يعتقه على ورثته إذا مات من رأس ماله)
يعني يستوفي منه حقه في الخدمة، وإذا جاء وقت الورثة يجعله حراً من رأس
المال، فيكون فيه ظلم على الورثة.
(وإن مات سيد المدبر ولا مال له غيره عتق ثلثه) فإن الثلث هو حق
الميت في ماله (وكان ثلثاه لورثته) فإن ذلك حقهم (فإن مات سيد المدبر، وعليه
دين يحيط بالمدبر) أي يحيط بقيمته (بيع في دينه) أي في دين السيد (لأنه إنما
يعتق في الثلث) والذي أحاط به الدين، فلا مال له، فكيف الثلث، فإن ماله
حق الغرماء.
(قال: فإن كان الدين لا يحيط إلا بنصف العبد) أي بنصف قيمته (بِيْعَ
نصفُه للدين) لأنه حق الغرماء (ثم عتق ثلث ما بقي) منه (بعد الدين) وهو سدس
الكل، ويبقى ثلث العبد للورثة، وهذا لما تقدم عن الدردير والباجي وغيرهما :
أن الدين يَرُدُّ التدبيرَ عند الإمام مالك، وهكذا عند الإمام أحمد.
٢٤٧

٣٢ - كتاب المدبر
(٥) باب
(١٢٩٢) حدیث
قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمُدَبَّرِ. وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِ أَنْ يَشْتَرِيَهُ.
إِلَّا أَنْ يَشْتَرِيَ الْمُدَبَّرُ نَفْسَهُ مِنْ سَيِّدِهِ. فَيَكُونُ ذُلِكَ جَائِزَاً لَهُ.
قال الموفق(١): العتق في مرض الموت والتدبير والوصية بالعتق يعتبر
خروجه من الثلث، وإن كان على الميت دين يحيط بالتركة لم يعتق منهم شيء،
وإن كان يحيط ببعضها قُدّم الدين؛ لأن العتق وصية، وقد قضى رسول الله وَله
أن الدين قبل الوصية، وإن كان الدين بقدر نصف العبيد جعلوا جزئين، وكتبت
رقعتان، رقعة للدين، ورقعة للتركة، فمن خرجت عليه رقعة الدين بيع فيه،
وكان الباقي من جميع التركة يعتق ثلثهم بالقرعة، وهكذا إن كان الدين بقدر
ثلثهم أو ربعهم کتبت ثلاث رقاع أو أربع رقاع.
وقال ابن رشد(٢): اختلفوا في إبطال الدين للتدبير، فقال مالك
والشافعي: الدين يبطله، وقال أبو حنيفة: ليس يبطله، ويسعى في الدين سواء
کان الدین مستغرقاً للقيمة أو لبعضها، انتهى.
وفي ((الدر المختار))(٣): وسعى في كل قيمته مدبراً، وهو حينئذ كمكاتب
وقالا: حر مديون لو المولى مديونا بمحيط، قال ابن عابدين: أي بدين محيط
بجميع ماله الذي من جملته المدبر، أما لو كان الدين أقل من قيمته، فإنه
يسعى في قدر الدين، والزيادة على الدين ثلثها وصية، ويسعى في ثلثي الزيادة،
انتھی .
(قال مالك: لا يجوز) أي يحرم (بيع المدبر) وقد تقدم البحث فيه مفصلاً
(ولا يجوز لأحد أن يشتريه) لأن فيه شائبة الحرية وشراء الحر حرام كبيعه (إلا
أن يشتري المدبّر نفسه) الضمير للمدبر (من سيده فيكون ذلك جائزاً له) لأن فيه
(١) ((المغني)) (٣٧٨/١٤ - ٣٨٧).
(٢) ((بداية المجتهد)) (٣٩٢/٢).
(٣) انظر: ((رد المحتار)) (٣٤/٣).
٢٤٨

٣٢ - كتاب المدبر
(٥) باب
(١٢٩٢) حديث
أَوْ يُعْطِي أَحَدٌ سَيِّدَ الْمُدَبَّرِ مَالاً. وَيُعْتِقُهُ سَيِّدُهُ الَّذِي دَبَّرَهُ. فَذَلِكَ
يَجُوزُ لَهُ أَيْضاً.
قَالَ مَالِكٌ: وَوَلَاؤُهُ لِسَيِّدِهِ الَّذِي دَبَّرَهُ.
تكميلاً للحرية التي هي مودى التدبير، فإن العبد إذا ملك نفسه عتق ناجزاً،
وهو خير من التدبير المودي إلى العتق بعد الموت (أو يعطي أحد) فاعل
ومفعوله (سيد المدبر مالاً ويعتقه سيده الذي دبره فذلك يجوز له أيضاً) لأنه وإن
كان فيه شائبة البيع إلا أن فيه تعجيلاً للعتق الذي هو منتهى التدبير.
(قال مالك: وولاؤه) في هاتين الصورتين (لسيده الذي دَبَّره) لا لمن أعطى
المال؛ لأنه ليس ببيع حقيقة، قال الموفق(١): إن اشترى العبد نفسه من سيده
بعوضٍ حالٌّ عتق، والولاء لسيده؛ لأنه يبيع ماله بماله مثل المكاتب سواءً.
والسيد هو المعتق لهما، فالولاء له عليهما، ثم قال: ومن أعتق عبده عن رجلٍ
حي بلا أمره أو عن ميت فالولاء للمعتق، وهذا قول الثوري، والأوزاعي،
والشافعي، وأبي حنيفة، وأبي يوسف، وداود، وروي عن ابن عباس أن الولاء
للمعتق عنه. وبه قال الحسن ومالك وأبو عبيد.
وإن أعتق عنه بأمره فالولاء للمعتق عنه، وبهذا قال جميع من حكينا قوله
في المسألة الأولى إلا أبا حنيفة، ووافقه أبو يوسف ومحمد بن الحسن وداود،
فقالوا: الولاء للمعتق، إلا أن يعتقه عنه على عوض، فيكون له الولاء، ويلزم
العوض، ويصير كأنه اشتراه ثم وَكَّلَه في إعتاقه، أما إذا كان عن غير عوض
فلا يصحُّ تقدير البيع، فيكون الولاء للمعتق، وعن أحمد رواية مثل ذلك.
ولنا أنه كما يجوز تقدير البيع فيما إذا أخذ عوضاً يجوز تقدير الهبة إذا لم
يأخذ عوضاً، ومن قال: أعتق عبدك عني، وعليّ ثمنه، فالثمن عليه، والولاء
للمعتق عنه، ولا نعلم في هذه المسألة خلافاً، والولاء للمعتق عنه لكونه أعتقه
(١) («المغني)) (٢٢٦/٩).
٢٤٩

٣٢ - كتاب المدبر
(٥) باب
(١٢٩٢) حديث
عنه بعوض، ويلزمه الثمن؛ لأنه أعتقه عنه بشرط العوض، فيقدر ابتياعه منه،
ثم توكيله في عتقه، ولو قال: أعتقه والثمن علي كان الثمن عليه، والولاء
للمعتق، وإنما كان الثمن عليه؛ لأنه جعل له جُعْلاً على إعتاق عبده، فلزمه
ذلك بالعمل، والولاء للمعتق؛ لأنه لم يأمره بإعتاقه عنه، ولا قصد بذلك
المعتق، فلم يوجد ما يقتضي صرفه إليه فيبقى للمعتق، انتهى.
وأجاب صاحب ((البدائع)) عن تقدير الهبة: بأن الملك في الهبة لا يثبت
بدون القبض، انتهى.
وقال ابن الهمام(١): من أعتق عبده على مال، فقبل العبد عتق، مثل أن
يقول: أنت حرٌّ على ألف درهم، أو بعتك نفسك بألف، أو وهبتكها على أن
تُعَوِّضَني ألفاً، فإنه يعتق بمجرد قبوله، والولاء للمولى؛ لأنه عتق على ملكه،
انتھی .
وفي ((البدائع)) (٢): لو قال لعبدين له: إن أدّيتما إلي ألفاً فأنتما حران،
فإن أدى أحدُهما حصته لم يعتق أحدهما؛ لأنه علّق العتق بأداء الألف ولم
يوجد، وكذا إذا أَدَّى أحدهما الألف كلها من عند نفسه، لأنه جعل شرط
عتقهما أداءهما جميعاً الألف، ولم يوجد فلا يعتقان، ولو أدى عنهما رجل
آخر لم يعتقا لعدم الشرط وهو أداؤهما .
وأما إذا أدّى الأجنبيُّ الألف، وقال: أؤديها إليك على أنهما حران،
فقبلها المولى على ذلك عتقا؛ لأن هذا بمنزلة التعليق بشرط آخر مع الأجنبي،
كأنه قال له: إن أديت إلي ألفاً فعبدي حر، ويردّ المال؛ لأن المولى لا يستحق
المال بعتق عبده قبل الغير، ولأن منفعة هذا العتق تحصل له، فلا يجوز أن
(١) ((فتح القدير)) (٣٠٥/٤).
(٢) ((بدائع الصنائع)) (٤٨٧/٣).
٢٥٠

٣٢ - كتاب المدبر
(٥) باب
(١٢٩٢) حديث
قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ خِدْمَةِ الْمُدَبَّرِ. لِأَنَّهُ غَرَرٌ. إِذْ لَا
يُدْرَى كَمْ يَعِيشُ سَيِّدُهُ. فَذَلِكَ غَرَرٌ لَا يَصْلُحُ.
يستحق بذلك على الغير مالاً، فإن المولى حصلت له منفعة الولاء، فلا يجوز
أن يستحق بدلاً على الغير، انتهى مختصراً.
(قال مالك: ولا يجوز بيع خدمة المدبر؛ لأنه غرر إذ لا يُدرى كم يعيش
سيده) الذي دَبَّره (فذلك) أي بيع الخدمة (غرر لا يصلح) من الصلاح ضد
الفساد، فهو فاسد للغرر، وجعل في النسخ الهندية قول مالك هذا قولاً
مستأنفاً، وذكر في النسخ المصرية(١) ملحقاً بالقول السابق، وليس في نسخة
الزرقاني لفظ ((قال مالك)) أيضاً، بل بدأ الكلام من قوله: ولا يجوز خدمة
المدبر، وكذا ألحقه بالسابق الباجي، إذ قال في ((شرحه))(٢) في القول السابق:
قوله: أو يعطي أحدٌ سيد المدبر مالاً، يريد أن أجنبياً أعطاه مالاً على تعجيل
عتقه، ولو أعطاه مالاً على أن يستخدمه الأجنبي بقية مدة الخدمة لم يجز؛ لأن
ذلك عمل مجهول، وهو الذي قال مالك: لا يجوز بيع خدمة المدبر؛ لأنه
غرر لا يدرى كم يعيش سيده.
وأما لو كان الاستئجار لمدة معلومة مأمونة لجاز ذلك، مثل أن يستأجره
ليخدمه شهراً أو سنة فذلك جائز، انتهى. وقال صاحب ((المحلى)) بعد قول
مالك المذكور: ويجوز ذلك عند أبي حنيفة لما أخرج الدارقطني عن جابر:
((لا بأس ببيع خدمة المدبر إذا احتاج إليه)) ضعفه البيهقي، وصححه ابن
القطان، انتهى.
وقال الزرقاني(٣): قوله: لا يصلح من الصلاح ضد الفساد، فهو باطل
(١) كذلك في ((الاستذكار)) (٣٩٠/٢٣) أيضاً.
(٢) ((المنتقى)) (٤٧/٧).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (١٣١/٤).
٢٥١

٣٢ - كتاب المدبر
(٥) باب
(١٢٩٢) حديث
لفساده بالغرر، ولذا من أجاب عن حديث بيع النبي وَلقر المدبر، بأنه لم يبع
رقبته، وإنما باع خدمته؛ لأن المانعين من بيع خدمته لا يُجَوّزُوْن بيع خدمته
أيضاً، وما رُوي عن أبي جعفر ((أنه وَلّر باع خدمة المدبر)) مرسل ضعيف لا
حجة فيه، انتهى.
ففي كلا الكلامين تخليط، فظاهر ((المحلى)) الاختلاف بين مالك وأبي
حنيفة في ذلك، والظاهر عندي أنه ليس بصحيح، فإن الذي منعه الإمام مالك
هو إجارة خدمته بدون تعيين المدة، إذ قال: لا يدرى كم يعيش سيده، وهذا
لا يجوز عند الحنفية أيضاً، والذي أجازته الحنفية هو الاستئجار لمدة معينة،
فهو جائز عند مالك أيضاً، كما تقدم في كلام الباجي، وكذا قول الزرقاني: إن
المانعين عن بيع المدبر يمنعون بيع خدمته أيضاً، لا يصحُّ، فإن أبا حنيفة
ومالكاً يمنعان البيع دون الإجارة.
قال صاحب ((البدائع))(١) في الكلام على حديث جابر - رضي الله عنه -:
ويحتمل أن يكون معنى قوله أي آجر إذ الإجارة تسمى بيعاً بلغة أهل المدينة،
وهكذا روى محمد بإسناده أن النبي وَّر ((باع خدمة مدبر ولم يبع رقبته))(٢)،
انتھی .
وقال الموفق(٣): يجوز أن يستأجر لخدمته من يخدمه كل شهر بشيء
معلوم، سواء كان الأجير رجلاً أو امرأة، حراً أو عبداً، وبهذا قال أبو حنيفة
والشافعي وأبو ثور، ثم قال: وإن آجر عبده مدة، ثم أعتقه في أثنائها صحّ
العتق، ولم يبطل عقد الإجارة في قياس المذهب، ولا يرجع العبد على مولاه
(١) ((بدائع الصنائع)) (٥٧٨/٣).
(٢) أخرجه الدارقطني في ((السنن)) (١٣٨/٤).
(٣) ((المغني)) (٤٣/٨، ٤٧، ٧٤).
٢٥٢

٣٢ - كتاب المدبر
(٥) باب
(١٢٩٢) حديث
وَقَالَ مَالِكٌ، فِي الْعَبْدِ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ. فُيُدَبِّرُ أَحَدُهُمَا
حِصَّتَهُ: إِنَّهُمَا يَتَقَاوَمَانِهِ.
بشيء، وهذا جديد قولي الشافعي. وقال في القديم: يرجع على مولاه بأجر
المثل، وقال أبو حنيفة: للعبد الخيار في الفسخ أو الإمضاء.
ثم قال: ويجوز للرجل أن يؤجر أمته، ومدبرته، وأم ولده، ومن علّق
عتقها بصفة، والمأذون لها في التجارة للإرضاع؛ لأنه عقد على منفعتها أشبه
إجارتها للخدمة، وليس لواحدة منهن إجارة نفسها؛ لأن نفعها لسيدها، وإن
كان لها ولد لم تجز إجارتها للإرضاع، إلا أن يكون فيها فضل عن ربه؛ لأن
الحق لولدها، وليس لسيدها إلا ما فضل عنه، وإن كانت مزوجة لم تجز
إجارتها لذلك إلا بإذنه؛ لأنه يفوت حق الزوج لاشتغالها عنه بإرضاع الصبي.
فإن آجرها للرضاع، ثم زوجها صحّ النكاح، ولا ينفسخ عقد الإجارة،
ويكون للزوج أن يستمتع بها في حال فراغها من الرضاع، وقال مالك: ليس
لزوجها وطؤها إلا برضا المستأجر؛ لأنه ينقص اللبن، وقد يقطعه، وليس
للسيد إجارة مكاتبته، لأن منافعها إليها، ولذا لا يملك السيد تزويجها ولا
إجارتها في غير الرضاع، ولها أن تؤجر نفسها؛ لأنه من جهات الاكتساب،
انتھی.
وسيأتي في جراح المدبر عن الإمام مالك: أن المجروح يستخدمه حتى
يستوفى أرش جرحه، وهو في معنى الإجارة، فعلم من هذه الفروع أن لا
خلاف بين الأئمة الأربعة في جواز إجارة المدبر.
(قال مالك في العبد يكون) مشتركاً (بين الرجلين فيدبر أحدهما حصته)
دون شريكه (إنهما يتقاومانه) هكذا في جميع النسخ المصرية والهندية من المتون
والشروح غير نسخة ((المنتقى))، ففيها ((يتقاويانه)) بالمثناة التحتية بدل الميم،
وهو الأوجه عندي.
٢٥٣

٣٢ - کتاب المدبر
(٥) باب
(١٢٩٢) حديث
فَإِنِ اشْتَرَاهُ الَّذِي دَبَّرَهُ، كَانَ مُدَبَّراً كُلَّه.
قال الدردير (١): قال مطرف: معنى التقاوي أن يقوم قيمة عدل، ثم يقال
لمن لم يدبر: أتسلمه لمن دبّر بهذه القيمة أم تزيد؟ فإن زاد قيل لمن دبّر:
أتسلمه لصاحبك بهذه القيمة أم تزيد؟ وهكذا حتى يقف على حدٍ، قال
الدسوقي: تقاوياه أي تزايد فيه حتى يقف على حدٍ يلتزمه أحدهما به، والتقاوي
مأخوذ من القوة؛ لأن كل واحد من الشريكين يظهر قوته، انتهى.
وقال المجد: التقاوي التزايد في القيمة، وأما النسخة المشهورة فيمكن
تأويله أيضاً إلى هذا المعنى، ففي ((لسان العرب)): القيمة واحدة القيم، أصله
الواو؛ لأنه يقوم مقام الشيء، والقيمة ثمن الشيء بالتقويم، تقول: تقاوموه
فیما بینهم، انتهى.
وفي ((المجمع)) (٢): التقاوي بين الشركاء أن يشتروا سلعة رخيصة، ثم
يتزايدوا بينهم حتى يبلغوا غاية ثمنها، وإذا كانت السلعة بينهما فقوَّماها، فهما
في المقاومة سواء، فإذا اشتراها أحدهما فهو المقتوى، انتهى.
قلت: وعلى هذا يكون من قولهم: قاومه في المصارعة وغيرها،
وتقاوموا في الحرب أي قام بعضهم لبعض، يعني تقابلوا في القيمة.
(فإن اشتراه) أي العبد المذكور المدبر بعضه (الذي دَبَّره كان) العبد (مدبراً
كله) لما تقدم في أول ((كتاب العتق)) أن من أعتق شِقصاً من عبد يملكه كله،
فيعتق العبد كله عليه عند الأئمة الثلاثة خلافاً لأبي حنيفة، فهذا لما اشترى
حصة الشريك صار العبد کله ملكاً له، وقد دَبَّرَ نصفه، فیلزمه تدبيره كله.
قال الباجي(٣): من دبّر بعض عبده يحمل عليه تدبير جميعه، قاله القاضي
(١) ((الشرح الكبير)) (٣٧٤/٤).
(٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٣٤٧/٤).
(٣) ((المنتقى)) (٤٨/٧).
٢٥٤

٣٢ - كتاب المدبر
(٥) باب
(١٢٩٢) حديث
وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِهِ، انْتَقَضَ تَدْبِيرُهُ. إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الَّذِي بَقِيَ لَهُ فِيهِ الرِّقُّ.
أَنْ يُعْطِيَهُ شَرِيكَهُ الَّذِي دَبَّرَهُ بِقِيمَتِهِ. فَإِنْ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ بِقِيمَتِهِ، لَزِمَهُ
ذُلِكَ. وَكَانَ مُدَبَّراً كُلَّهُ.
أبو محمد وغيره من أصحابنا، لأنه بعض عتق ما يملكه كالعتق البتل، انتهى.
وقال الدردير(١): أما المختص بشخص، فأعتق بعضه لأجل أو دَبَّرَ
بعضه، فيسري العتقُ أو التدبير للجميع كالتنجيز.
(وإن لم يشتره) المدبر بل اشتراه شريكه الذي لم يدبر (انتقض تدبيره)
مراعاة لحق الشريك، وهذا أمر جَرّ إليه حكم التقويم، وتُسْتثنى هذه الصورة
عند المالكية على رواية ((الموطأ)) هذه من ضابطة أن المدبر لا يباح، والمالكية
في هذه المسألة أقوال ستأتي (إلا أن يشاء الذي بقي له فيه الرق) وهو السيد
الذي لم يُدَبِّرْ حصتَه (أن يُعطيه شريكه الذي دَبَّره بقيمته، فإن أعطاه إياه بقيمته
لزمه ذلك) أي لزم الذي دَبَّرَه ذلك، وصار كله ملكاً له (وكان مدبراً كله) لسراية
التدبير في الكل عندهم بتدبير البعض، إذا كان كله ملكاً له كما عرفت قريباً.
قال الباجي(٢): وهذا على ما قال: إن العبد إذا كان بين شريكين فَدَبَّر
أحدهما حصته، ولا يقال بإذن شريكه ولا بغير إذنه، ففي ((الموازية)) عن
مالك: يتقاومانه، فيكون رقيقاً كله أو مدبراً كله، وهذه رواية ((الموطأ))، قال
ابن المواز: وقال أيضاً مالك: إن شاء الآخر قُوِّمَ عليه، وإن شاء قاوماه،
وقال أيضاً: إن شاء ترك نصفه مدبراً يريد ويتماسك هو بحصته على الرق،
وكذلك لو دبر بإذن شريكه بقي نصفه مدبراً، ولا حجة للعبد في التقويم،
فاقتضى هذا أن التدبير المذكور في أصل المسألة كان بإذن الشريك.
ثم بين وجوه هذه الأقوال الثلاثة، ثم قال: وقد روى أبو محمد رواية
(١) ((الشرح الكبير)) (٤/ ٣٧٥).
(٢) ((المنتقى)) (٤٧/٧).
٢٥٥

٣٢ - كتاب المدبر
(٥) باب
(١٢٩٢) حديث
رابعة أنه لا يجوز إلا تقويم حصة الشريك على الذي دَبَّر، إذا كان موسراً
اعتباراً بالعتق إلا أن يشاء الشريك أن يدبر، فيكمل التدبير على حسب ما يكون
في العتق.
وروى أشهب عن مالك في ((الموازية)): إن دبر بإذن شريكه أو بغير إذنه،
ليس للمتمسك الرضا بذلك، ولا بد من المقاومة، ورواه ابن حبيب عن مطرف
وابن الماجشون قالا: لأنه حق عبد، ولو دَبَّر أحدهما وأعتق الآخر نصيبه،
قوّم على المعتق، وسقط ولاء التدبير لضعفه، رواه ابن سحنون وغيره وكبراء
أصحابنا، انتهى.
وقال الدردير (١): إن دَبَّر مُوسرٌ حصتَه دون الثاني تقاوياه، ولا يقوّم على
المدبر، قال مطرف: معناه أن يقوّم قيمة عدل، ثم يقال لمن لم يُدَبِّر: أتسلمه
لمن دبّر بهذه القيمة أم تزيد؟ فإن زاد قيل لمن دبره: أتسلمه لصاحبك بهذه
القيمة أم تزيد؟ وهكذا حتى يقف على حدٍ، أي فيلتزمه أحدهما به ليرقّ كله أو
يدبر كله، وهذا ضعيف، والراجح أن المدبر الموسر يُقَوَّم عليه نصيبُ شريكه
ليكون كله مدبراً كالتنجيز.
قال الدسوقي: قوله: إن دبر حصته أي بإذن شريكه أو بغير إذنه تقاوياه،
وليس للشريك الرضا بذلك التدبير والتمسك بحصته، بل لا بد من المقاواة،
وهذا القول هو المشهور كما في ((التوضيح))، ورواه ابن حبيب عن الأخوين،
ورواه أيضاً أشهب عن مالك.
قال في ((التوضيح)): وروي عن مالك أيضاً أنه يقوّم على المدبر ليكون
مدبراً كله تنزيلاً للتدبير بمنزلة العتق، وكلٌّ من القولين في ((المدونة)) في كتاب
التدبير، وفيها أيضاً في العتق الأول: إن دبّر بإذن شريكه جاز، وبغير إذنه قوّم
(١) (الشرح الكبير)) (٤/ ٣٧٤).
٢٥٦

٣٢ - كتاب المدبر
(٥) باب
(١٢٩٢) حديث
عليه نصيب شريكه، ولزمه تدبير جميعه، ولا يتقاوياه، انظر (بن))، وقوله: هذا
ضعيف، أي لقول ((المدونة)) في كتاب العتق الأول: إن دبّر بإذن شریکه جاز،
وبغير إذنه قوّم عليه نصيب شريكه، ولزمه تدبير جميعه، ولا يتقاوياه، وكانت
المقاواة عند مالك ضعيفة، ولكنها شيء ذكر في كتبه، انتهى. وإنما كانت
ضعيفة؛ لأن فيها نقض التدبير إذا وقف على الذي لم يدبر، انتهى ما في
الدسوقي.
وقال ابن رشد (١): اختلفوا في حكم من ملك بعضاً فدَبَّرَه، فقال مالك
للذي لم يدبر: حظه خياران، أحدهما: أن يتقاوماه، فإن اشتراه الذي دَبّره كان
مدبراً كله، وإلا انتقض التدبير، والخيار الثاني: أن يقوّمه عليه الشريك، وقال
أبو حنيفة: للشريك الذي لم يدبر ثلاث خيارات، إن شاء استمسك بحصته،
وإن شاء استسعى العبد في حصته، وإن شاء قوّمها على شريكه، إن كان
موسراً، وإن كان معسراً استسعى العبد.
وقال الشافعي: يجوز التدبير، ولا يلزم شيء من هذا كله، ويبقى العبد
المدبر نصفه أو ثلثه على حاله، فإذا مات مدبره عتق منه ذلك الجزء، ولم يقوم
الجزء الباقي منه على السيد على ما يفعل في سنة العتق؛ لأن المال قد صار
لغيره وهم الورثة، انتهى.
وفي ((الدر المختار))(٢): لو دبر أحد الشريكين فللآخر خيارات العتق،
قال ابن عابدين: وهي سبعة إذا كان الشريك موسراً، وستة إذا كان معسراً
بإسقاط التضمين، انتهى. قلت: وتقدم مفصلاً في أبواب عتق العبد المشترك.
وقال الموفق(٣): إذا دَبَّر أحد الشريكين نصيبه، لم يسر التدبير إلى نصيب
(١) ((بداية المجتهد)) (٣٨٩/٢).
(٢) (٧٥٤/٣).
(٣) («المغني)) (٤١٦/١٤).
٢٥٧

٣٢ - كتاب المدبر
(٥) باب
(١٢٩٢) حديث
شريكه، موسراً كان أو معسراً، وذكر أبو الخطّاب وجهاً أنه يسري التدبيرُ إذا
كان موسراً، وَيُقَوّمُ عليه نصيبُ شريكه، وهو قول أبي حنيفة؛ لأنه استحق
العتق بموت سيده، فسرى ذلك فيه كالاستيلاد، وللشافعي قولان كالمذهبين،
ولنا، أنه تعليقٌ للعتق بصفة، فلم يسر كتعليقه بدخول الدار، ويفارق الاستیلاد،
فإنه آكد، ولهذا يعتق من جميع المال، فعلى هذا إن مات المدبر عتق نصيبه إن
خرج من الثلث.
وهل يسري إلى نصيب شريكه إن كان موسراً؟ فيه روايتان، وإن أعتق
الشريك نصيبه قبل موت المدبر، وهو موسر عتق وسرى إلى نصيب المدبر،
وذكر القاضي وأبو الخطاب فيه وجهين، وللشافعي فيه قولان: أحدهما:
كقولنا، والثاني: لا يسري عتقه، وهو قول أبي حنيفة؛ لأن المدبر قد استحق
الولاء على العبد بموته، فلم يكن للآخر إبطاله، ولنا، أنه إذا سرى إلى إبطال
الملك الذي هو آكد من الولاء، فالولاء أولى به، انتهى.
وقال ابن نجيم (١) تبعاً لصاحب ((الهداية)): لو كان عبد بين ثلاثة دَبَّره
أحدهم، ثم أعتقه آخر، فللساكت، وهو الذي لم يُدَبِّر ولم يُحَرِّر أن يضمن
المدبر، وليس له أن يضمن المعتق، وللمدبر أن يضمن المعتق ثلث العبد
مدبراً، وليس له أن يضمنه الثلث الذي ضمنه للساكت، وإنما يضمن الساكت
المدبر ثلث قيمته قِنّاً، لأن التدبير يتجزأ عند الإمام؛ لأنه شعبةٌ من شعبه،
فيكون معتبراً به، فاقتصر على نصيبه، وقد أفسد بالتدبير نصيب الآخِرَين، فكان
لكل واحد منهما أن يدبر نصيبه أو يعتق، أو يكاتب، أو يضمن المدبر، أو
يستسعى العبد، أو يترك على حاله، فلما حَرَّره الآخر تعين حقه فيه، وسقط
اختياره غيره، فتوجه للشريك الساكت سبباً ضمان تدبير المدبر، وإعتاقٍ
المعتق؛ فله تضمين المدبر ليكون الضمان ضمان معاوضة، إذ هو الأصل،
(١) ((البحر الرائق)) (٤٠٥/٤).
٢٥٨

٣٢ - كتاب المدبر
(٥) باب
(١٢٩٢) حديث
وَقَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلِ نَصْرَانِيِّ دَبَّرَ عَبْدَاً لَهُ نَصْرَانِيًّا، فَأَسْلَمَ
الْعَبْدُ.
قَالَ مَالِكٌ: يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَبْدِ. وَيُخَارَجُ عَلَى سَيِّدِهِ
النَّصْرَانِيِّ. وَلَا يُبَاعُ عَلَيْهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَمْرُهُ. فَإِنْ هَلَكَ النَّصْرَانِيُّ وَعَلَيْهِ
دَيْنٌ، قُضِيَ دَيْنُهُ مِنْ ثَمَنِ الْمُدَبَّرِ. إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مَالِهِ مَا يَحْمِلُ
الدَّيْنَ. فَيَعْتِقُ الْمُدَبَّرُ.
وليس له تضمين المعتق، لأن العبد عند ذلك مكاتب، أو حُرٌّ على اختلاف
الأصلين .
ثم إن الشريك الذي أعتق نصيبه أفسد على المدبر نصيبه مدبراً، والضمان
يتقدّر بقدر المتلف، ولا يضمنه قيمة ما ملكه بالضمان من جهة الساكت، وهذا
عند الإمام، وقالا: العبد للذي دَبّره أول مرة، ويضمن ثلثي قيمته لشريكه،
موسراً كان أو معسراً، بناءً على أن التدبير لا يتجزَّأ عندهما، انتهى.
(قال مالك في رجل نصراني) أي غير مسلم (دَبَّرَ عبداً له نصرانياً فأسلم
العبد، قال مالك) في الصورة المذكورة: (يحال بينه) أي بين السيد الكافر
(وبين العبد) يعني يخرج عن قبضة السيد (ويخارج على سيده النصراني) أي
يجعل له عليه خراج محل الاستخدام الذي فات للسيد عنه، وأصل الخراج ما
يحصل من غلة العين المبتاعة سواء كان ذلك عبداً أو أمة أو ملكاً آخر، يقال:
خارج غلامه إذا اتفقا على ضريبة عليه كل شهر (ولا يباع عليه) أي لا يجوز
بيعه؛ لأنه جرى فيه عقد حرية (حتى يتبين أمره) أي أمر سيده النصراني.
(فإن هلك النصراني و)الحال أنه (عليه دينٌ) يباع المدبر في الدين، كما
تقدم أن الدين المحيط بالتركة والرقبة يبطل التدبير عند الإمام مالك و(قضي
دينه) أي السيد المتوفى (من ثمن المدبر إلا أن يكون في ماله) أي في مال
السيد (ما يحمل الدين) أي يَسَعُه (فيعتق المدبر) من ثلثه، كما هو المعروف في
مدبر المسلم.
٢٥٩

٣٢ - کتاب المدبر
(٥) باب
(١٢٩٢) حديث
قال الباجي(١): وهذا على ما قال: إن النصراني إذا دَبَّرَ عبده النصراني،
ثم أسلم العبد، فإنه انتهى إلى حكم بين مسلم ونصراني، يُنْظَرُ فيه على حكم
الإسلام، ولا يجوز بيع المدبر، لكن تزال يد السيد عنه، ويخارج له؛ لأن
الذي بقي له فيه منافعه، فيمنع من مباشرة استيفائها، ويباع من غيره من
المسلمين، فيستوفيها، ويدفع إليه ثمنها، فإن مات النصراني عن دين يستغرق
ماله بيع المدبر، وقضي منه دينه، وإن لم يكن عليه دين أعتق في ثلثه، أو ما
حمل منه ثلثه على حسب ما يفعل، لو كان السيد مسلماً، لا فرق بينهما، إلا
في إزالة اليد عنه، ومنعه من استخدامه.
ولو أسلم عبدٌ لنصراني فَدَبَّرَه النصراني، ففي ((المزنية)) من رواية
عبد الرحمن بن دينار عن أبي حازم: يباع عليه، ولا ينفعه تدبيره؛ لأنه لا
يجوز له ملكه عليه حين أسلم، وروى عيسى عن ابن القاسم: لا يباع عليه
ويحال بينه وبينه، ويخارج عليه، وإخراجه من يده يقوم مقام بيعه عليه، وإيقاؤه
على حكم العتق أفضل من بيعه؛ لأن ذلك رَدِّ له إلى الرقِّ، انتهى.
قال ابن رشد (٢): اختلفوا في النصراني يُدَبِّر عبداً له نصرانياً فيُسلم العبد
قبل موت سيده، فقال الشافعي: يباع عليه ساعة يُسلم ويبطل تدبيره، وقال
مالك: يحال بينه وبين سيده، ويخارج على سيده النصراني، ولا يباع عليه حتى
يتبين أمر سيده، فإن مات عتق المدبر ما لم يكن دين يحيط بماله، وقال
الكوفيون: إذا أسلم مدبر النصراني قُوِّمَ وسعى العبد في قيمته، انتهى.
وقال الموفق(٣): ويصحُّ تدبير الكافر ذميًّا كان أو حربياً في دار الإسلام
(١) ((المنتقى)) (٤٨/٧).
(٢) ((بداية المجتهد)) (٣٩٢/٢).
(٣) ((المغني)) (٤٣٦/١٤).
٢٦٠