Indexed OCR Text

Pages 201-220

٣١ - كتاب المكاتب
(١٣) باب
(١٢٨٦) حديث
وَذُلِكَ أَنَّ الْمُكَاتَبَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ شَيْءٌ. فَإِنَّمَا يُورَثُ
بِالرِّقِّ.
في ثلاثة أرباعه، ثلثه للموصى له وثلثاه للورثة، فبحسب ذلك تكون قسمة
الميراث(١).
(وذلك) أي سبب القسمة المذكورة (أن المكاتب عبد ما بقي عليه من
كتابته شيء) فلا تأثير لعتق ربعه في الميراث، وذلك لما تقدم في أول ((القضاء
في المكاتب)): أن المكاتب إذا مات بدون الأداء، وترك فضلاً لا يرثه من لم
يكن معه في الكتابة ولداً كان أو غيره عند الإمام مالك، وتقدم هناك الخلاف
في ذلك (فإنما يورث بالرقّ) أي يأخذ من ملكه ما بقي من ماله على قدر
حصصهم في الملك، وهي الثلث والثلثان في الصورة المذكورة، وتسمية
الإرث مجاز.
قال الباجي(٢): وهذا على ما قال: إن من أوصى لرجل بربع مكاتبه، ثم
يعتق ربعه، فقد بقي ثلاثة أرباعه على حكم الكتابة للموصى نصفه، وللوصية
ربعه، فكان الباقي منه على الملك بينهما على الثلثين منهما للموصى، والثلث
بحكم الوصية، فإذا مات الموصي انتقل ذلك الثلث إلى الموصى له، والثلثان
إلى ورثة الموصي، فإن مات المكاتب عن مال أعطي ورثة السيد ما بقي له،
وللموصى له ما بقي، ثم يقتسمون البقية، للورثة ثلثاه، وللموصى له ثلثه،
ووجه ذلك أن المال إنما يُنْقَلُ عنه إليهم على حكم الملك، والذي يملك منه
ثلاثة أرباعه، للورثة ربعاه، وللموصى له ربع، وذلك أن المكاتب عبد ما بقي
عليه شيء فلا يورث، وإنما ينتقل ماله إلى مستحقيه بحق الملك والرق، اهـ.
قال الموفق(٣): إن وصَّى بالمكاتب لرجلٍ، فقال أبو بكر: قال أحمد:
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٥٦/٢٣).
(٢) ((المنتقى)) (٣٨/٧).
(٣) («المغني)) (٥٤٠/١٤).
٢٠١

٣١ - كتاب المكاتب
(١٣) باب
(١٢٨٦) حديث
قَالَ مَالِكٌ، فِي مُكَاتَب أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ عِنْدَ الْمَوْتِ. قَالَ: إِنْ لَمْ
يَحْمِلْهُ ثُلُثُ الْمَيِّتِ عَتَقَ مِنْهُ قَدْرُ مَا حَمَلَ الثُّلُثُ. وَيُوضَعُ عَنْهُ مِنْ
الْكِتَابَةِ قَدْرُ ذُلِكَ. إِنْ كَانَ عَلَى الْمُكَاتَبِ خَمْسَةُ آلَافِ دِرْهَم. وَكَانَتْ
قِيمَتُهُ أَلْفَي دِرْهَم نَقْداً وَيَكُونُ ثُلُثُ الْمَيِّتِ أَلْفَ دِرْهَمٍ.
الوصية به جائزةٌ؛ لأنه يرى بيعه، وكذلك هبتُه، ويقوم من انتقل إليه مقام
مكاتبه في الأداء إليه، وإن عجز عاد إليه رقيقاً له قِنَّا، وإن عتق فالولاء له كما
في المشتري سواء، فإن عجز في حياة الموصي لم تبطل الوصية؛ لأن رقَّه لا
يُنَافي الوصيةَ، وإن أَدَّى، وعتق في حياة الموصي بطلت الوصية، ومن منع بيعَ
المكاتب منع الوصية فيه وهبته، اهـ.
وتقدم الخلاف في جواز بيع المكاتب مبسوطاً في حديث قصة بريرة،
وفي ((البدائع))(١): لا يجوز بَيْعُ المكاتب بلا رضاه بلا خلاف؛ لأن فيه إبطالَ
حق المكاتب من غير رضاه، وهو حق الحرية، فلا يجوز بيعه، وإن رضي به
المكاتب جاز، ويكون ذلك فسخاً للكتابة؛ لأن امتناع الجواز كان لحق
المكاتب، فإذا رضي فقد زال المانع، وعلى هذا، الهبة والصدقة
والوصية، اهـ.
(قال مالك في المكاتب أعتقه سيده عند الموت) أي موت السيد، فإن
حمله الثلث يعتق مجاناً ولا خفاء فيه (قال) مالك: (وإن لم يحمله ثلث) مال
السيد (الميتِ عتق منه قدر ما حمل الثلث) منه (ويوضع عنه) أي يحطّ عن
المكاتب (من الكتابة قدر ذلك) أي قدر ما عتق منه.
وأوضحه المصنف بالمثال فقال: (إن كان على المكاتب خمسة آلاف
درهم) مثلاً، وهي بدل الكتابة (وكانت قيمته ألفي درهم نقداً) يعني قيمته إذ ذاك
إن بيع نقداً (ويكون ثلث) مال (الميت ألف درهم) فصار قيمته ضعف الثلث
(١) (٦٢٢/٣).
٢٠٢

٣١ - كتاب المكاتب
(١٣) باب
(١٢٨٦) حديث
عَتَقَ نِصْفُهُ. وَيُوضَعُ عَنْهُ شَطْرُ الْكِتَابَةِ.
قَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلٍ قَالَ فِي وَصِيَّتِهِ: غُلَامِي فُلَانٌ حُرٍّ.
وَكَاتِبُوا فُلَاناً: تُبَدَّأُ الْعَتَاقَةُ عَلَّى الْكِتَابَةِ.
فحينئذ (عتق نصفه) لأن نصفه يوازي ثلث مال الميت (ويوضع عنه شطر الكتابة)
أي نصف بدل الكتابة؛ لأن نصفه صار حراً.
قال الباجي(١): وهذا على ما قال: إن معنى الوصية بعتق المكاتب هو
إسقاط ما عليه، فإن حمل الثلث ما عليه من بدل الكتابة عتق، وإن لم يحمله
عتق منه قدر ما حمل الثلث، ومعنى ذلك يوضع عنه من الكتابة قدر ما حمل
الثلث من قيمته تعتبر عند احتمال الثلث له جميع الكتابة، وعند ضيق الثلث
عنها الأقل من قيمة العبد، أو الكتابة، وهو معنى قوله: ويوضع عنه قدر ذلك،
فإن حمل الثلث نصفه، وضع عنه نصف ما عليه من الكتابة، وذلك بأن يوضع
عنه من كل نجم نصفه، اهـ. وتقدم في أول هذا الباب شيء من الكلام على
هذه المسألة.
(قال مالك في رجل قال في وصيته: غلامِي فلان حُرِّ وكاتبوا فلاناً) أي
لعبد آخر (قال تبدأ العتاقة) عند ضيق الثلث عنهما معاً (على الكتابة) لأن العتاقة
تحرير ناجز بخلاف الكتابة، فإنها ليست بعتق متحقق، بل يجوز أن تبطل
بالعجز مع ما فيه من التأجيل والعتق المبتل، ففيه مع تحقق العتق التعجيل.
وبسط شارح ((الخليل))(٢) في ترتيب الوصايا، فقال: قُدِّمَ لضيق الثلث
عما يجب إخراجه فَكُّ أسيرٍ أَوْصَى به، ثم كذا وكذا إلى أن قال: ثم العتق
المبتل في مرضه، ومدبر المرض، فهما في مرتبة واحدة، ثم الموصى بعتقه،
ثم الموصَى بكتابته، إلى آخر ما بسطه.
(١) ((المنتقى)) (٣٩/٧).
(٢) انظر: ((الخرشي على مختصر الخليل)) (١٨٣/٤).
٢٠٣
طے

٣٢ - كتاب المدبر
بسم الله الرحمن الرحيم
٣٢ - کتاب المدبر
(٣٢) كتاب المدبر
بصيغة المفعول من التدبير، قال الحافظ (١): هو الذي علق مالكه عتقه
بموت مالكه سُمِّيَ بذلك؛ لأن الموت دُبُرُ الحياةِ، أو لأن فاعله دبر أمر دنياه
وآخرته، أما دنياه فباستمراره على الانتفاع بخدمته، وأما آخرته، فبتحصيل
ثواب العتق، وهو راجع إلى الأول؛ لأن تدبير الأمر مأخوذ من النظر في
العاقبة، فيرجع إلى دبر الأمر، وهو آخره.
قال ابن رشد(٢): أجمع المسلمون على جواز التدبير، وهو أن يقول السيد
لعبده: أنت حر عن دُبُرٍ مني، أو يطلق فيقول: أنت مُدَبَّرٌ، وهذان هما عندهم لفظا
التدبير باتفاق، والناس في التدبير والوصية على صنفين: منهم من لم يفرق بينهما،
ومنهم من فَرَّقَ بينهما بأن يجعل التدبير لازماً، والوصية غير لازمة، والذين فَرَّقُوْا
بينهما اختلفوا في مطلق لفظ الحرية بعد الموت، هل يتضمن معنى الوصية أو حكم
التدبير؟ أعني إذا قال: أنت حر بعد موتي، فقال مالك: إذا قال هذا وهو صحيح،
فالظاهر أنه وصية، والقول قوله في ذلك، ويجوز رجوعه فيها إلا أن يريد التدبير.
وقال أبو حنيفة: الظاهر من هذا القول التدبير، وليس له أن يرجع فيه،
وبقول مالك قال ابن القاسم، وبقول أبي حنيفة قال أشهب، قال: إلا أن يكون
هناك قرينة تدل على الوصية، مثل أن يكون على سفر، أو يكون مريضاً، وما
أشبه ذلك من الأحوال التي جرت العادة أن يكتب الناس فيها وصاياهم، وعلى
قول من لا يفرق بين التدبير والوصية، وهو الشافعي، ومن وافقه، فهذا اللفظ
من ألفاظ صريح التدبير.
(١) ((فتح الباري)) (٤٢١/٤).
(٢) ((بداية المجتهد)) (٣٨٨/٢).
٢٠٤

٣٢ - كتاب المدبر
وأما على مذهب من يُفَرِّق بينهما، فهو إما من كنايات التدبير، وإما ليس
من كناياته، ولا من صريحه، وذلك أن من يحمله على الوصية فليس هو عنده
لا من كناياته، ولا من صريحه، ومن يحمله على التدبير، وينويه في الوصية،
فهو عنده من کنایاته، انتھی.
وقال الموفق(١): إذا علقّ صريح العتق بالموت، فقال: أنت حرٌّ، أو
محرَّرٌ، أو عتيقٌ، أو معتَقٌ بعد موتي صار مدبراً بلا خلاف نعلمه. وأما إن
قال: أنت مدبر، وقد دبرتُك فإنه يصير مدبراً بنفس اللفظ من غير افتقار إلى
نية، وهذا منصوص الشافعي، وقال بعض أصحابه: فيه قول آخر: إنه ليس
بصريح في التدبير، ويفتقر إلى النية؛ لأنهما لفظان لم يكثر استعمالهما، فافتقرا
إلى النية كالكنايات، ويعتق المدبر بعد الموت من ثلث المال في قول أكثر أهل
العلم. يروى ذلك عن علي وابن عمر، وبه قال شريح وابن سيرين والحسن
وابن المسيب وعمر بن عبد العزيز ومكحول والزهري وقتادة وحماد ومالك
وأهل المدينة والثوري وأهل العراق والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب
الرأي، ورُوي عن ابن مسعود ومسروق ومجاهد والنخعي وسعيد بن جبير أنه
يعتق من رأس المال، ونقله حنبل عن أحمد، وليس عليها عمل، قال أبو بكر:
هذا قول قديم رجع عنه أحمد إلى ما نقله الجماعة، انتهى. وحكى ابن رشد
خروجه من رأس المال عن معظم أهل الظاهر، وحكاه الأبي عن زفر،
والباجي عن مسروق والشعبي.
بسم الله الرحمن الرحيم
هكذا في جميع النسخ الهندية والمصرية بتأخير التسمية عن كتاب المدبر
إلا في ((شرح المنتقى)) ففيه تقديمها على الكتاب.
(١) ((المغني)) (٤١٣/١٤).
٢٠٥

٣٢ - كتاب المدبر
(١) باب
(١٢٨٧) حديث
(١) باب القضاء في المدبر
١/١٢٨٧ - حدّثني مَالِكٌ؛ أَنَّهُ قَالَ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَنْ دَبَّرَ
جَارِيَةً لَهُ فَوَلَدَتْ أَوْلَاداً بَعْدَ تَدْبِيرِهِ إِيَّاهَا. ثُمَّ مَاتَتِ الْجَارِيَةُ قَبْلَ
الَّذِي دَبَّرَهَا: إِنَّ وَلَدَهَا بِمَنْزِلَتِهَا. قَدْ ثَبَتَ لَهُمْ مِنَ الشَّرْطِ مِثْلُ الَّذِي
ثَبَتَ لَهَا. وَلَا يَضُرُّهُمْ هَلَاكُ أُمِّهِمْ. فَإِذَا مَاتَ الَّذِي كَانَ دَبَّرَهَا، فَقَدْ
عَتَقُوا. إِنْ وَسِعَهُمُ الثُّلُثُ.
(١) القضاء في ولد المدبرة(١)
هكذا في بعض النسخ المصرية، وفي الآخر منها القضاء في المدبر،
وفي الهندية: القضاء في ولد المدبر، والأول أوجه، والمعنى إذا ولدت
المدبرة فماذا حكم الأولاد؟
١/١٢٨٧ - (مالك أنه قال: الأمر عندنا) مبتدأ، وخبره ما سيأتي من
قوله: إن ولدها بمنزلتها (في من دَبَّرَ جاريةً له، فولدت) الجارية المذكورة
(أولاداً بعد تدبيره إياها، ثم ماتت الجارية قبل) السيد (الذي دَبّرها: إن ولدها
بمنزلتها) فإن الأولاد تابعة للأم في العتق والرقِّ (قد ثبت لهم) أي لأولادها
(من الشرط) وهو التدبير (مثل الذي ثبت لها) أي للأم (ولا يضرهم هلاك أمهم)
أي موتها قبل السيد (فإذا مات) السيد (الذي كان دَبَّرها) بعد ذلك (فقد عتقوا)
جميعاً (إن وسعهم الثلث).
قال الباجي(٢): وهذا على ما قال: إن المدبرة ما ولدت بعد التدبير، فإن
له حكم المدبر؛ لأن الولد تبع لأمه في أحكام الرق والحرية بعد التدبير، وأما
الموصى بعتقها، فما ولدته قبل موت سيدها فلا يدخل في وصيتها، فإن الوصية
(١) كذا في نسخة ((الاستذكار)) (٣٥٨/٢٣).
(٢) ((المنتقى)) (٣٩/٧).
٢٠٦

٣٢ - كتاب المدبر
(١) باب
(١٢٨٧) حديث
لا تثبت إلا بموت الموصي، وأما قبل موته، فلا تثبت؛ لأن للموصي الرجوع
عنها، فإذا ثبت حكم التدبير لولد المدبرة لم يخرجهم عن هذا الحكم موت
الأم، وكذلك المكاتبة والمعتقة إلى أجل، والمُخْدَمةُ، أو بعضها حرٌّ أو مرهونة
أو أم ولد، فإن ولد كل واحدة منهن بمنزلتها له حكمها يعتق بعتقها ويرق
برقها، انتهى.
وقال الموفق(١): إن الولد الحادث من المدبرة بعد تدبيرها لا يخلو من
حالين: أحدهما: أن يكون موجوداً حال التدبير، ويُعْلَمُ ذلك بأن تأتي به لأقل
من ستة أشهر من حين التدبير، فهذا يدخل معها في التدبير بلا خلاف نعلمه؛
لأنه بمنزلة عضو من أعضائها، فإن بطل التدبير في الأم لبيع أو موت أو رجوع
بالقول لم يبطل في الولد، لأنه ثبت فيه أصلاً.
الحال الثاني: أن تحمل بعد التدبير، فهذا يتبع أمه في التدبير، ويكون
حكمه كحكمها في العتق بموت سيدها في قول أكثر أهل العلم، روي ذلك عن
ابن مسعود وابن عمر - رضي الله عنهم -، وبه قال ابن المسيب والحسن
والقاسم ومجاهد والشعبي والنخعي وعمر بن عبد العزيز والزهري ومالك
والثوري وأصحاب الرأي.
ونقل حنبل عن أحمد أن ولد المدبرة عبد إذا لم يشترط المولى، فظاهر
هذا أنه لا يتبعها، ولا يعتق بموت سيدها، وهذا قول جابر بن زيد وعطاء،
وللشافعي قولان كالمذهبين. وقال ابن رشد (٢): قال الشافعي في قوله المختار
عند أصحابه: إنهم لا يعتقون بعتقها، انتهى.
قال الموفق(٣): ولنا ما روي عن عمر وابن عمر وجابر - رضي الله عنهم -
(١) ((المغني)) (٤٢٥/١٤).
(٢) ((بداية المجتهد)) (٣١٩/٢).
(٣) انظر: ((المغني)) (٤٢٦/١٤).
٢٠٧

٣٢ - كتاب المدبر
(١) باب
(١٢٨٧) حديث
وَقَالَ مَالِكٌ: كُلُّ ذَاتِ رَحِم فَوَلَدُهَا بِمَنْزِلَتِهَا. إِنْ كَانَتْ حُرَّةً،
فَوَلَدَتْ بَعْدَ عِتْقِهَا، فَوَلَدُهَا أَحْرَارٌ. وَإِنْ كَانَتْ مُدَبَّرَةَ، أَوْ مُكَاتَبَةً، أَوْ
مُعْتَقَةً إِلَى سِنِينَ، أَوْ مُخْدَمَةً، أَوْ بَعْضُهَا حُرًّا، أَوْ مَرْهُونَةً، أَوْ أُمَّ
وَلَدٍ، فَوَلَدُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ عَلَى مِثَالِ حَالِ أُمِّهِ. يَعْتِقُونَ بِعِثْقِهَا .
وَيَرِقُونَ بِرِقِّهَا .
أنهم قالوا: ولد المدبرة بمنزلتها، ولم نعرف لهم في الصحابة مخالفاً، فكان
إجماعاً. وأما الولد الذي وجد قبل التدبير، فلا نعلم خلافاً في أنه لا يتبعها؛
لأنه لا يتبع في العتق المنجز، ولا في حكم الاستيلاد ولا الكتابة، فلأن لا
يتبع في التدبير أولى.
قال الميموني: قلت لأحمد: ما كان من ولد المدبرة قبل أن تدبر؟ قال:
لا يتبعها، إنما يتبعها ما كان بعد ما دُبِّرَتْ، وقال حنبل: سمعت عمي يقول
في الرجل يدبر الجارية ولها ولد قال: ولدها معها، وجعل أبو الخطاب هذه
رواية في أن ولدها قبل التدبير يتبعها، وهذا بعيد، والظاهر أن أحمد لم يُرِد أن
ولدها قبل التدبير معها، وإنما أراد ولدها بعد التدبير على ما صرح به في غير
هذه الرواية، انتهى.
(قال مالك: كل ذات رحم) حكمها كذلك (فولدها بمنزلتها) في العتق
والرقِّ (إن كانت) هي (حرة فولدت بعد عتقها، فولدها أحرار، وإن كانت) الأم
(مُدَبَّرَةً أو مكاتبةً أو معتقة إلى سنين) وهي المعتقة إلى أجل تعتق بعد مضي
الأجل (أو مخدمة) لإنسان، ثم تعتق بعدها (أو بعضها حراً) وبعضها رقيقاً (أو
مرهونة) كانت (أو أم ولد فولد كل واحدة منهن على مثال) أي على حكم (حال
أمه يعتقون بعتقها) إذا عتقت (ويرِقُون برقُها) أي ما دامت رقيقة.
قال الباجي(١): لأن كل ذات رحم فولدها بمنزلتها، يريد ما لم ينشأ في
(١) ((المنتقى)) (٣٩/٧).
٢٠٨

٣٢ - کتاب المدبر
(١) باب
(١٢٨٧) حديث
قَالَ مَالِكٌ، فِي مُدَبَّرَةٍ دُبِّرَتْ وَهِيَ حَامِلٌ: إِنَّ وَلَدَهَا بِمَنْزِلَتِهَا .
وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ رَجُلِ أَعْتَقَ جَارِيَةً لَهُ وَهِيَ حَامِلٌ. وَلَمْ يَعْلَمْ
بِحَمْلِهَا .
قَالَ مَالِكٌ: فَالسُّنَّةُ فِيهَا
ملك سيد حر أو انعقد له عقد حرية، أما إذا خلق في ملك سيد حر، وانعقد له
عقد حرية من كتابة أو تدبير أو عتق مؤجل، فإن الولد يتبع أباه، انتهى.
قال الموفق(١): أما ولد المدبر فحكمه حكم أمه، لا نعلم فيه خلافاً،
وذلك لأن الولد يتبع الأم في الرق والحرية، وإن تَسَرَّىُ بإذن سيده فؤُلِدَ له
أولادٌ، فروي عن أحمد أنهم يتبعونه في التدبير، وروي ذلك عن مالك، وهو
أحد الوجهين لأصحاب الشافعي، انتھی.
(قال مالك في مدبرة دُبْرَتْ) ببناء المجهول (وهي حامل) جملة حالية (إن
ولدها بمنزلتها) في التدبير، وتقدم قريباً في كلام الموفق أن لا خلاف في ذلك
لأحد، وفي ((البدائع))(٢): ولد المدبرة من غير سيدها بمنزلتها؛ لإجماع
الصحابة على ذلك، فإنه رُوي عن عثمان خُوْصِم إليه في أولاد مدبرة، فقضى
أن ما ولدته قبل التدبير عبدٌ، وما ولدته بعد التدبير مدبر، وكان ذلك بمحضر
من الصحابة، ولم ينكر عليه أحد منهم، فيكون إجماعاً، وهو قول شريح
ومسروق وعطاء وطاووس ومجاهد وابن جبير والحسن وقتادة، ولا يعرف في
السلف خلاف ذلك، وإنما قال به بعض أصحاب الشافعي، فلا يعتدُّ به بخلاف
الإجماع، انتھی.
(وإنما ذلك بمنزلة رجل أعتق جارية له وهي حامل، ولم يعلم بحملها)
بمنزلة الترني(٣) أي وإن لم يعلم بحملها (قال مالك: فالسنة فيها) أي الطريقة
(١) («المغني)) (٤٢٧/١٤).
(٢) ((بدائع الصنائع)) (٥٧٩/٣).
(٣) كذا في الأصل.
٢٠٩

٣٢ - کتاب المدبر
(١) باب
(١٢٨٧) حديث
أَنَّ وَلَدَهَا يَتْبَعُهَا وَيَعْتِقُ بِعِثْقِهَا .
قَالَ مَالِكٌ: وَكَذْلِكَ لَوْ أَنَّ رَجُلاً ابْتَاعَ جَارِيَةً وَهيَ حَامِلٌ،
فَالْوَلِيدَةُ وَمَا فِي بَطْنِهَا لِمَنِ ابْتَاعَهَا. اشْتَرَطَ ذَلِكَ الْمُبْتَاعُ، أَوْ لَمْ
يَشْتَرِظُهُ.
المسلوكة المستمرة (أن ولدها يتبعها، ويعتق بعتقها) قال صاحب ((المحلى)):
وذلك مجمع. قلت: هو مجمع عليه في الإطلاق، وكذلك فيما سيأتي من
البيع، سواء اشترط المبتاع أم لا، أما في صورة الاشتراط في العتق فمختلف
فيه .
قال الموفق(١): إذا أعتق الأمة، أو كاتبها، وشرط ما في بطنها، أو
أعتق ما في بطنها دونها، فله شرطه، ورُوي نحو هذا عن ابن عمر وأبي هريرة
والنخعي وإسحاق وابن المنذر وابن سيرين وعطاء، وقال مالك والشافعي: لا
يصح استثناء الجنين؛ لأنه وَ﴿ل نهى عن الثُّنيا، إلا أن تُعْلَمَ، ولأنه لا يصحُ
استثناؤه في البيع، فلا يصح في العتق كبعض أعضائها .
ولنا، قول ابن عمر وأبي هريرة، ولا نعلم لهما مخالفاً. قال أحمد:
أذهب إلى حديث ابن عمر في العتق، ولا أذهب إلى حديثه في البيع، ويفارق
العتقُ البيعَ، فإنه عقد معاوضة يعتبر فيه العلم بصفات العوض، ليعلم هل هو
قائم مقام العوض أم لا؟ والعتق تبرٌُّ لا تتوقف صحته على معرفة صفات
المعتق إلى آخر ما بسطه.
(قال مالك: وكذلك) يتبع الولد الأم (لو أن رجلاً ابتاع جارية وهي حامل
فالوليدة) أي الجارية (وما في بطنها لمن ابتاعها) وهو المشتري (اشترط ذلك
المبتاع، أو لم يشترطه) قال الباجي(٢): فإن الولد بمنزلة عضو من أعضائها
يتبعها في البيع، والهبة بمجرد العقد.
(١) ((المغني)) (٥٥٥/١٤).
(٢) ((المنتقى)) (٤٠/٧).
٢١٠

٣٢ - كتاب المدبر
(١) باب
(١٢٨٧) حدیث
قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَحِلُّ لِلْبَائِعِ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مَا فِي بَطْنِهَا. لِأَنَّ ذُلِكَ
غَرَرٌ. يَضَعُ مِنْ ثَمَنِهَا. وَلَا يَدْرِيَ أَيَصِلُ ذُلِكَ إِلَيْهِ أَمْ لَا. وَإِنَّمَا ذُلِكَ
بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ بَاعَ جَنِيناً فِي بَطْنِ أُمِّهِ. وَذُلِكَ لَا يَحِلُّ لَهُ. لِأَنَّهُ غَرَرٌ.
(قال مالك) هكذا في أكثر النسخ المصرية والهندية، جعله قولاً مستأنفاً،
وليس في بعضها لفظ: ((قال مالك))، بل جعل الكلام الآتي ملحقاً بما سبق،
وهو الأوجه (ولا يحلّ للبائع أن يستثني ما في بطنها؛ لأن ذلك غرر) ووجه
الغرر أن البائع (يضع من ثمنها) أي ينقص البائع بعض ثمنها لأجل الاستثناء
(ولا يدري) البائع (أيصل ذلك) الحمل (إليه أم لا) فإنه لا يقطع بأنه حمل أو
داء غيره، ولو سلم فلا يتحقق أنه يولد تاماً، أو يسقط، ولو سلم فلا يدرى
يولد حياً أو ميتاً.
وفي ((الشرح الكبير)) لابن قدامة: وإن استثنى الحمل لم يصحّ الاستثناء؛
لأنه وَ ﴿ نهى عن الثنيا إلا أن تعلم، وهو قول أبي حنيفة ومالك والثوري
والشافعي، ونقل عن أحمد صحته، وبه قال الحسن والنخعي وإسحاق وأبو
ثور؛ لما روى نافع أن ابن عمر - رضي الله عنهما - باع جارية، واستثنى ما في
بطنها، ولأنه يصح استثناؤه في العتق، فصح في البيع قياساً عليه.
ولنا، ما تقدم في الصحيح من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه
أعتق جارية، واستثنى ما في بطنها، لأن الثقات الحفّاظ حدثوا بالحديث،
فقالوا: أعتق جارية، والإسناد واحد، قاله أبو بكر، ولا يلزم من الصحة في
العتق الصحة في البيع؛ لأن العتق لا تمنعه الجهالة، ولا العجز عن التسليم،
ولا تعتبر فيه شروط البيع، انتهى.
(وإنما ذلك) أي استثناء الحمل (بمنزلة ما لو باع جنينا) أي حملاً (في
بطن أمه) منفرداً بدون الأم (وذلك) أي بيع الجنين (لا يحلّ له) إجماعاً (لأنه
غرر) قال الموفق(١): لا يحل بيع الحمل دون الأم، ولا خلاف في فساده،
(١) ((المغني)) (٢٩٩/٦).
٢١١

٣٢ - كتاب المدبر
(١) باب
(١٢٨٧) حديث
قَالَ مَالِكٌ، فِي مُكَاتَبٍ أَوْ مُدَبَّرِ ابْتَاعَ أَحَدُهُمَا جَارِيَةً.
فَوَطِئَهَا . فَحَمَلَتْ مِنْهُ وَوَلَدَتْ.
قَالَ: وَلَدُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ جَارِيَتِهِ بِمَنْزِلَتِهِ. يَعْتِقُونَ بِعِثْقِهِ.
وَيَرِقُونَ بِقِّهِ.
قَالَ مَالِكٌ: فَإِذَا أُعْتِقَ هُوَ. فَإِنَّمَا أُمُّ وَلَدِهِ مَالٌ مِنْ مَالِهِ. يُسَلَّمُ
إِلَيْهِ إِذَا أُعْتِقَ.
قال ابن المنذر: قد أجمعوا على أن بيع الملاقيح والمضامين غير جائز.
وإنما لم يجز بيع الحمل في البطن لوجهين: أحدهما: جهالته، فإنه لا
تعلم صفته، ولا حياته، والثاني: أنه غير مقدور التسليم، وقد رُوي أن
(النبي ◌َ ◌ّ نهى عن بيع المضامين، والملاقيح)) (١)، وقال أبو عبيد: الملاقيح:
ما في البطون وهي الأجِنَّة، والمضامين: ما في أصلاب الفحول، انتهى.
(قال مالك في مكاتب أو مدبر ابتاع أحدهما جارية فوطئها فحملت منه)
أي من سيدها، سواء كان مكاتباً أو مدبراً، وهذا حكم الوطء والحمل الحادث
بعد الكتابة والتدبير، لا الحمل الواقع قبلهما (وولدت، قال) مالك في الصورة
المذكورة: (فإن ولد كل واحد منهما من جاريته) المشتراة (بمنزلته) إن كان أبوه
مكاتباً فمكاتب أو مدبراً فمدبر (يعتقون) أي الأولاد (بعتقه) أي بعتق الأب
(ويرقُون برقه) أي يبقون رقيقاً ما دام الأب رقيقاً (قال: فإذا أعتق هو) أي الأب
بأداء الكتابة أو بموت السيد (فإنما أم ولده مال من ماله تسلم) أم الولد (إليه إذا
أعتق) وتقدم قريباً كلام الموفق في المدبر.
وقال(٢) أيضاً: ليس له التسري بغير إذن سيده؛ لأن ملكه غير تام، وإن
أذن له السيد في التسري جاز. وقال الشافعي: لا يجوز، وإن أذن السيد في
(١) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٣٤١/٥).
(٢) ((المغني)) (٤٧٨/١٤).
٢١٢

٣٢ - كتاب المدبر
(١) باب
(١٢٨٧) حديث
أحد القولين؛ لأنه ناقص الملك، ولنا: أنه لو أذن لعبده القِنِّ في التسري جاز
فالمكاتب أولى، إذا ثبت هذا، فإذا تَسَرَّى بإذنه أو غير إذنه، فلا حَدَّ عليه لشبهة
الملك، وإن حبلت فالنسب ثابت لاحق به؛ لأن الحد إذا سقط بالشبهة لحقه النسب
ويكون الولد مملوكاً له؛ لأنه ابن أمته ولا يعتق عليه؛ لأن ملكه غير تام، وليس له
بيعه، لأنه ولده، ويكون موقوفاً على كتابته، فإن أدّى عتق، وعتق الولد؛ لأنه ملك
لأبيه الحر، وإن عجز وعاد إلى الرق فولده رقيق أيضاً ويكونان مملوكين للسيد.
فأما الأمة فإن ولدت قبل عتقه وعجزه، فإنها تصير أم ولد للمكاتب،
وليس له بيعها، نصّ عليه أحمد؛ لأن ولدها له حرمة الحرية، ولا يجوز بيعه،
ويعتق بعتق أبيه، فكذلك أمه، فلا يجوز بيعها، وتكون موقوفة على المكاتب،
إن عتق فهي أم ولده، وإن رقّ رقّت، انتهى.
وقال ابن رشد(١): وأما ما يتبعه في التدبير مما لا يتبعه. فمن مسائلهم
المشهورة في هذا الباب اختلافهم في ولد المدبرة الذين تلدهم بعد تدبير سيدها
من نكاح أو زنا، فقال الجمهور: ولدها بعد تدبيرها بمنزلتها يعتقون بعتقها
ويرقون برقها. وقال الشافعي في قوله المختار عنه: إنهم لا يعتقون بعتقها،
وأجمعوا على أنه إذا أعتقها سيدها في حياته أنهم يعتقون بعتقها .
وعمدة الشافعية أنهم إذا لم يعتقوا في العتق المنجز، فأحرى أن لا
يعتقوا في العتق المؤجل بالشرط، واحتج أيضاً بإجماعهم على أن الموصى لها
بالعتق لا يدخل فيه بنوها.
وتحصيل مذهب مالك في هذا أن كل امرأة، فولدها تبع لها، إن كانت
حرة فحر، وإن كانت مكاتبة فمكاتب، وإن كانت مدبرة فمدبر، أو معتقة إلى
أجل فمعتق إلى أجل، وكذلك أم الولد ولدها بمنزلتها، وخالف في ذلك أهل
الظاهر، وكذلك المعتق بعضه عند مالك.
(١) ((بداية المجتهد)) (٣٩١/١).
٢١٣

٣٢ - كتاب المدبر
(٢) باب
(١٢٨٨) حديث
(٢) باب جامع ما في التدبير
٢/١٢٨٨ - قَالَ مَالِكٌ، فِي مُدَبَّرٍ قَالَ لِسَيِّدِهِ: عَجِّلْ لِي الْعِثْقَ.
وَأُعِطيَكَ خَمْسِينَ مِنْهَا مُنَجَّمَةً عَلَيَّ. فَقَالَ سَيِّدُهُ: نَعَمْ. أَنْتَ حُرٍّ .
وَعَلَيْكَ خَمْسُونَ دِينَاراً. تُؤَدِّي إِلَيَّ كُلَّ عَامِ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ. فَرَضِيَ
بِذُلِكَ، الْعَبْدُ ثُمَّ هَلَكَ السَّيِّدُ بَعْدَ ذُلِكَ بِيَّوْمٍ أَوَّ يَوْمِيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ.
وأجمع العلماء على أن كل ولد من تزويج، فهو تابع لأمه في الرق
والحرية، وما بينهما من العقود المفضية إلى الحرية، إلا ما اختلفوا فيه من
التدبير، ومن أمة زوجها عربي، وأجمعوا على أن كل ولد من ملك يمين أنه
تابع لأبيه إن حراً فحر، وإن عبداً فعبد، وإن مكاتباً فمكاتب، واختلفوا في
المدبر إذا تسرَّى، فولد له ولد، فقال مالك: حكمه حكم الأب يعني هو مدبر،
وقال الشافعي وأبو حنيفة: ليس يتبعه ولد في التدبير، وعمدة مالك الإجماع
على أن الولد من ملك اليمين تابع للأب ما عدا المدبر، وهو من باب قياس
موضع الخلاف على موضع الإجماع، وعمدة الشافعية أن ولد المدبر مالٌ من
ماله، ومالُ المدبرِ للسيد انتزاعُه منه. انتهى.
(٢) جامع ما جاء في التدبير
أي الأحكام المتفرقة فيه لا تنضبط بباب
٢/١٢٨٨ - (قال مالك في مدبر قال) المدبر السيده: عجّل لِي العتق) ولا
تُؤَخِّرْه إلى موتك، (وأعطيك خمسين ديناراً) مثلاً (منجَّمةً عليّ) بشد الياء (فقال
سيده: نعم، أنت حرِّ) في الحال (وعليك خمسون ديناراً) دَيناً (تؤدي إليّ) بشد
الياء في (كل عام عشرة دنانير) مثلاً (فرضي بذلك) التأجيل (العبد) وعتق (ثم
هلك السيد) أي مات (بعد ذلك) قريباً (بيومين) وسياق النسخ المصرية(١) ((بيوم
أو يومين)) (أو ثلاثة) وغير ذلك.
(١) هكذا في ((الاستذكار)) (٣٦٩/٢٣) أيضاً فارجع إليه.
٢١٤

٣٢ - كتاب المدبر
(٢) باب
(١٢٨٨) حديث
قَالَ مَالِكٌ: يَثْبُتُ لَهُ الْعِثْقُ. وَصَارَتِ الْخَمْسُونَ دِينَاراً دَيْناً
عَلَيْهِ. وَجَازَتْ شَهَادَتُهُ. وَثَبَتَتْ حُرْمَتُهُ. وَمِيرَاثُهُ وَحُدُودُهُ. وَلَا يَضَعُ
عَنْهُ، مَوْتُ سَيِّدِهِ، شَيْئاً مِنْ ذُلِكَ الدَّيْنِ.
قَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلِ دَبَّرَ عَبْدَاً لَهُ، فَمَاتَ السَّيِّدُ. وَلَهُ مَالٌ
حَاضِرٌ وَمَالٌ غَائِبٌ. فَلَمْ يَكُنْ فِي مَالِهِ الْحَاضِرِ مَا يَخْرُجُ فِيهِ الْمُدَبَّرُ.
(قال مالك) في الصورة المذكورة: (ثبت له العتق) لأن السيد نَجَّزَ عتقه
(وصارت الخمسون ديناراً ديناً عليه) أي على العبد على نجومها (وجازت شهادته
وثبتت حرمته) أي حرمة الحرية (و) ثبت (ميراثه) بأصول ميراث الأحرار
(وحدوده) الواقعة عليه؛ لأنه قد صار حراً بتنجيز السيد العتق (ولا يضع) أي لا
يسقط (عنه موت سيده شيئاً من ذلك الدين) الذي استقرّ عليه، لأنه لم يبق إذ
ذاك مدبراً، بل بطل التدبير بتنجيز العتق.
قال الباجي(١): وهذا على ما قال: وذلك أن للسيد أن يقاطع مدبره على
مال يأخذه منه، ويُعَجِّل له العتق، فإن مات السيد قبل أخذ المال لم يسقط عنه
الدين؛ لأنه دين متعلق بذمته، ويعتق العبد بالعتق المنجز، ولا يعتبر في ذلك
ثلث المال؛ لأن الحرية قد سبقت له قبل موت السيد، ونجزت بالعوض،
انتهى. وفي ((الدر المختار))(٢): لا يخرج المدبر من الملك إلا بالإعتاق
والكتابة تعجيلاً للحرية، قال ابن عابدين: قوله: بالإعتاق أي بلا بدل أو به،
انتھی .
(قال مالك في رجل دَبَّر عبداً له فمات السيد) بعد التدبير (وله) أي للسيد
(مالٌ حاضرٌ) عنده (ومال غائب) أي بعيد عنه يتكلف ويستن لتحصيله (فلم يكن
في ماله الحاضر مَا) أي المقدار الذي (يخرج فيه المدبر) أي لا يكون ثلث ماله
(١) ((المنتقى)) (٤٠/٧).
(٢) (٧٥٣/٣).
٢١٥

٣٢ - كتاب المدبر
(٢) باب
(١٢٨٨) حديث
قَالَ: يُوقَفُ الْمُدَبَّرُ بِمَالِهِ. وَيُجْمَعُ خَرَاجُهُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ مِنَ الْمَالِ
الْغَائِبِ. فَإِنْ كَانَ فِيمَا تَرَكَ سَيِّدُهُ، مِمَّا يَحْمِلُهُ الثَّلُثُ عَتَقَ بِمَالِهِ.
وَبِمَا جُمِعَ مِنْ خَرَاجِهِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيمَا تَرَكَ سَيِّدُهُ مَا يَحْمِلُهُ، عَتَقَ
مِنْهُ قَدْرُ الثُّلُثِ، وَتُرِكَ مَالُهُ فِي يَدَيْهِ.
الحاضر بمقدار يوازي قيمة المدبر (فقال) مالك في الصورة المذكورة: (يُؤْقَفُ)
أي يحْبَس بمعنى الامتناع عن العتق (المدبر بماله) أي مال المدبر (ويجمع
خراجه) أي خراج المدبر في زمان توقيفه.
قال الباجي: يريد أن ذلك كله تابع له، يتبعه في عتقه، فلذلك قُوِّمَ معه؛
لأنه يزيد في قيمته، انتهى. (حتى يتبين من المال الغائب) أي يتحصّل (فإن كان
فيما ترك سيده) من المال الحاضر، والمتحصل من المال الغائب (من الثلث ما
يحمله) هكذا سياق النسخ الهندية، وهو الأوضح من السياق المصرية بلفظ
((مما يحمله الثلث)). والمعنى أن يكون ثلث ماله بمقدار يخرج منه العبد (عتق)
المدبر (بماله وبما جمع من خراجه) أي يكونان له.
(فإن لم يكن فيما ترك سيده ما يحمله) أي يخرج منه المدبر (عتق منه قدر
الثلث) أي قدر ما يتحمله الثلث (وترك ماله) أي مال المدبر (في يديه) يتصرف
فيه كيف يشاء. قال الباجي(١): وهذا على ما قال: إن المدبر إذا لم يخرج من
المال الحاضر وقف وانتظر المال الغائب، ووجه ذلك أنه لا يعجل استرقاق
بعضه مع ما يرجى من استكمال حريته بالمال الغائب؛ لأن حرية المدبر متعلقة
بالمالين، فلا تسقط من أحدهما لتغيبه.
ولو كان له دين مؤجل إلى عشر سنين ونحوها، ففي ((العتبية)) عن ابن
القاسم: يباع الدين بما يجوز بيعه به حتى يتعجل عتق المدبر من ثلثه أو ما
حمل الثلث منه، ووجه ذلك أن بهذا يتوصل إلى تعجيل العتق، بخلاف المال
(١) ((المنتقى)) (٤١/٧).
٢١٦

٣٢ - كتاب المدبر
(٢) باب
(١٢٨٨) حديث
الغائب، فإنه لا يستطاع فيه ذلك، وأيضاً استدامة استرقاقه المدة الطويلة ربما
أدّت إلى تفويت عتقه بموته قبل ذلك، ولو يئس من الدين لعدم الغريم أو بعد
غيبته يعتق منه ما حمله المال الحاضر، لأنه لا فائدة في انتظاره مع خوف
موته، وفوت عتقه.
فإن عتق بعضه، ثم قدم المال الغائب، ففي رواية عيسى عن ابن القاسم
إن كان المدبر في أيدي الورثة عتق في ثلث ما أخذ، وإن خرج عن أيديهم
ببيع أو غيره، فلا شيء فيما قبض للمدبر، وذلك للورثة، وقال عيسى: يعتق
في الثلث حيث كان، وإن بقي منه شيء للمشتري ردّه، والذي قاله عيسى قول
مالك، وأصحابه، انتهى.
وقال الموفق(١): وإن السيد إذا دَبّرَ عبده ومات، وله مال سواه إلا أنه
غائب أو دينٌ في ذمة إنسان لم يعتق جميع العبد؛ لجواز أن يتلف الغائب أو
يتعذّرَ استيفاءُ الدين، فيكون العبد جميعَ التركة، وهو شريك الورثة فيها له ثلثها
ولهم ثلثاها، فلا يجوز أن يحصل على جميعها، ولكنه ينجُزُ عتق ثُلثه ويبقى
ثلثاه موقوفين؛ لأن ثلثه حُرُّ على كل حال؛ لأن أسوأ الحال أن لا يحصل من
سائر المال شيء، فيكون العبد جميع التركة، فيعتق ثلثه، وكلما اقتضي من
الدين أو حضر من الغائب شيء عتق من المدبر قدر ثلثه، وهذا أحد الوجهين
لأصحاب الشافعي.
ولهم وجه آخر، لا يعتق منه شيء حتى يُسْتَوْفى من الدين شيء، فيعتق
من العبد قدر نصفه؛ لأن الورثة لم يحصل لهم شيء والعبد شريكهم، فلا
يجوز أن يحصل على شيء ما لم يحصل لهم ثلثاه، فإن تلف الغائب ويئس من
استيفاء الدين عتق ثلثه حينئذ وملكوا ثلثيه؛ لأن العبد صار جميع التركة، وهذا
(١) ((المغني)) (١٤/ ٤٣١).
٢١٧

٣٢ - كتاب المدبر
(٣) باب
(١٢٨٩) حديث
(٣) باب الوصية في التدبير
٣/١٢٨٩ - قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا. أَنَّ كُلَّ
عَتَاقَةٍ أَعْتَقَّهَا رَجُلٌ. فِي وَصِيَّةٍ أَوْصَى بِهَا، فِي صِحَّةٍ أَوْ مَرَضٍ: أَنَّهُ
يَرُدُّهَا مَتَى شَاءَ. ويُغَيِّرُهَا مَتَى شَاءَ. مَا لَمْ يَكُنْ تَدْبِيراً. فَإِذَا دَبَّرَ،
فَلَا سَبِيلَ لَهُ إِلَى رَدِّ مَا دَبَّرَ.
لا يصح؛ لأن ثلث العبد خارج من الثلث يقيناً، وإنما الشك في الزيادة عليه،
وما خرج من الثلث يقيناً يجب أن يكون حراً يقيناً؛ لأن التدبير صحيح، ولا
خلاف في أنه ينفذ في الثلث، ووقفه عن العتق مع يقين حصوله ووجود
المقتضي لا معنى له.
وكون الورثة لم يحصل لهم شيء لمعنى اختصّ بهم، لا يوجب أن لا
يحصل له شيء، ألا ترى لو أبرأ غريمه من دينه، وهو جميع التركة، فإنه يبرأ
من ثلثه، ولم يحصل للورثة شيء، وإذا ثبت هذا، فإن العبد إذا عتق كله بقدوم
الغائب أو استيفاء الدين كان حراً حين الموت، فيكون كسبه له، لأنه إنما عتق
بالتدبير، وإنما وقفناه للشك في خروجه من الثلث، فإذا زال الشك تَبَيَّنًا أنه
كان حاصلاً قبل زوال الشك، وإن تَلِفَ المالُ تَبَيَّنَّا أنه كان ثلثاه رقيقاً، ولم
یعتق منه سوی ثلثه، انتهى.
(٣) الوصية في التدبير
يعني إذا أوصى في المدبر أو أوصى بالعتق بعد الموت فماذا حكمه؟
٣/١٢٨٩ - (قال يحيى: قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا أن كل
عتاقة) تتحقق بأن (أعتقها رجل في وصية) يعني (أوصى بها) أي بالعتاقة (في
صحة أو مرض أنه) يجوز للسيد أن (يردّها) ويفسخها (متى ما شاء ويغيرها متى
ما شاء) فإن للرجل أن يرجع في وصيته، ويغير فيها ما شاء قبل الموت (ما لم
يكن تدبيراً) فإن التدبير لازم لا رجوع فيه بخلاف الوصية (فإذا دبر فلا سبيل له
إلى ردّ ما دبر) وليس لفظ الرد في النسخ الهندية.
٢١٨

٣٢ - كتاب المدبر
(٣) باب
(١٢٨٩) حديث
قال الباجي(١): وهذا على ما قال: إن الوصية بالعتق يردّها الموصي متى
شاء في صحة أو مرض؛ لأن عقد الوصية عقد غير لازم، وإنما يلزم بموت
الموصي، وما كان من العتق بمعنى التدبير فلا سبيل للمعتق إلى ردّه؛ لأنه عقد
لازم، وهذا يقتضي أن حكم الوصية غير حكم التدبير، خلافاً للشافعي في أحد
قوليه: إن حكم التدبير حكم الوصية.
والدليل على ما نقوله أن اختلاف الألفاظ ظاهره اختلاف المعاني، وإذا
كان التدبير مخالفاً للوصية، فلكل واحد منهما لفظ يختص به، فأما لفظ
الوصية، فهو أن يقول: إذا مت فأعتقوا عبدي فلاناً، فهذا محمول على
الوصية، وللموصي الرجوع عنها متى شاء؛ لأنه عقد غير لازم، وأما إذا قال
في صحته لعبده: أنت حرٌ بعد موتي، ففي ((الموازية)) عن ابن القاسم: إن لم
يرد به الوصية فهو تدبير، وقال ابن وهب عن مالك: كل ما أعتق الرجل بعد
موته في صحة أو مرض وصية ما لم يدبر.
فوجه القول الأول - وهو نحو قول أبي حنيفة - أن اللفظ يقتضي إيقاع
العتق بعد الموت على الإطلاق، وذلك يفيد اللزوم، وهذا معنى التدبير، ووجه
القول الثاني أن اللفظ يحتمل اللزوم على معنى التدبير، ويحتمل الجواز على
معنى الوصية، وهو في الجواز أظهر، فوجب أن يحمل عليه اهـ.
قلت: وتقدم في أول كتاب المدبر عن ابن رشد، أن الناس في التدبير
والوصية على صنفين: منهم من لم يفرق بينهما، ومنهم من فرّق بينهما، بأن
يجعل التدبير لازماً، والوصية غير لازمة، أهـ(٢).
قال الموفق(٣): أجمع أهل العلم على أن للموصي أن يرجع في جميع ما
(١) ((المنتقى)) (٤١/٧).
(٢) ((بداية المجتهد)) (٣٨٨/٢).
(٣) ((المغني)) (٤٦٨/٨).
٢١٩

٣٢ - كتاب المدبر
(٣) باب
(١٢٨٩) حديث
أوصى به، وفي بعضه إلا الوصية بالإعتاق، والأكثرون على جواز الرجوع في
الوصية به أيضاً، روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: يُغَيِّرُ الرجل ما شاء
من وصيته، وبه قال عطاء وجابر بن زيد والزهري وقتادة ومالك والشافعي
وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وقال الشعبي وابن سيرين وابن شبرمة والنخعي:
يغير منها ما شاء إلا العتق؛ لأنه إعتاق بعد الموت، فلم يملك تغييره كالتدبير.
ولنا، أنها وصية، فيملك الرجوع عنها كغير العتق، ولأنها عطية تنجز
بالموت، فجاز له الرجوع عنها قبل تنجيزها، وفارق التدبير، فإنه تعليق على
شرط، فلم يملك تغييره، كتعليقه على صفة في الحياة.
وقال أيضاً في موضع آخر: قال الخرقي: لو دَبَّرَه ثم قال: قد رجعت في
تدبيري، أو قد أبطلته لم يبطل؛ لأنه علق العتق بصفة في إحدى الروايتين،
والأخرى يبطل التدبير.
قال الموفق(١): اختلفت الرواية عن أحمد في بطلان التدبير بالرجوع فيه
قولاً، والصحيح أنه لا يبطل؛ لأنه عَلَّق العتق بصفة فلا يبطل، كما لو قال
لعبده: إن دخلت الدار فأنت حرٌّ، والثانية يبطل، لأنه جعل له نفسه بعد موته،
فكان ذلك وصية، فجاز الرجوع فيه بالقول، كما لو وصى له بعبد آخر، هذا
قول الشافعي القديم، وقوله الجديد كالرواية الأولى، وهو الصحيح؛ لأنه تعليق
للعتق بصفة، ولا يصح القول بأنه وصيةٌ به لنفسه، لأنه لا يملك نفسه، وإنما
تحصل فيه الحريّة ويسقط عنه الرق، اهـ.
وفي ((الدر المختار))(٢): للموصي الرجوع عن الوصية بقول صريح أو
فعل يقطع حق المالك عن الغصب.
(١) («المغني)) (٤٢٢/١٤).
(٢) (٣٦٩/١٠).
٢٢٠