Indexed OCR Text

Pages 161-180

٣١ - كتاب المكاتب
(٩) باب
(١٢٨٢) حديث
وَلْيَرْفَعْ سَيِّدُهُ ذَلِكَ إِلَى السُّلْطَانِ. وَلَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَنْكِحَ وَلَا يُسَافِرَ
وَلَا يَخْرُجَ مِنْ أَرْضِ سَيِّدِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ. اشْتَرَطَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَشْتَرِظُهُ.
وَذُلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ يُكَاتِبُ عَبْدَهُ بِمِائَةِ دِينَارٍ. وَلَهُ أَلْفُ دِينَارٍ أَوْ أَكْثَرُ
مِنْ ذُلِكَ. فَيَنْطَلِقُ فَيَنْكِحُ الْمَرْأَةَ. فَيُصْدِقُهَا الصَّدَاقَ الَّذِي يُجْحِفُ
بِمَالِهِ. وَيَكُونُ فِيهِ عَجْزُهُ. فَيَرْجِعُ إِلَى سَيِّدِهِ عَبْدَاً لَا مَالَ لَهُ. أَوْ
يُسَافِرُ فَتَحِلُّ نُجُومُهُ وَهُوَ غَائِبٌ. فَلَيْسَ ذُلِكَ لَهُ. وَلَا عَلَى ذُلِكَ
كَاتَبَهُ. وَذُلِكَ بِيَدِ سَيِّدِهِ. إِنْ شَاءَ أَذِنَ لَهُ فِي ذُلِكَ، وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُ.
وشرط الولاء لغيره، تثبت الكتابة، ويبطل الشرط؛ لما كان ضد مقتضى
الكتابة، اهـ.
(وليرفع سيده ذلك) الأمر أي مخالفة المكاتب (إلى السلطان) قال
الباجي: يريد أن العبد إذا خالفه فيما شرط عليه لم يكن له فسخ كتابته، وإنما
يرفع ذلك إلى السلطان، فينظر في ذلك، فإن كان مما له المنع منه منعه، وإن
كان مما ليس له منعه أباحه له، اهـ.
(وليس للمكاتب) أي لا يجوز له (أن ينكح ولا يسافر ولا يخرج من
أرض سيده إلا بإذنه) أي السيد سواء (اشترط) السيد (ذلك) في الكتابة (أو لم
يشترطه، و) وجه (ذلك أن الرجل يكاتب عبده بمائة دينار) مثلاً (وله) أي للعبد
حصل (ألف دينار) مثلاً (أو أكثر من ذلك) أيضاً (فينطلق فينكح المرأة فيصدقها)
أي يعطيها (الصداق الذي يجحف بماله) بالجيم، فالحاء، أي ينقصه نقصاً
فاحشاً (ويكون فيه عجزه) أي يصير عاجزاً عن أداء الكتابة لكثرة الصداق
(فيرجع إلى سيده عبداً لا مال له أو يسافر) سفراً قريباً أو بعيداً (فتحِلُّ نجومُه
وهو غائب، فليس له ذلك ولا على ذلك كاتبه) سيده (وذلك بيد سيده إن شاء
أذن له في ذلك) في النكاح أو السفر (وإن شاء منعه).
قال الباجي(١): يريد أن مقتضى عقد الكتابة وحكمها أنه ليس للمكاتب
(١) ((المنتقى)) (٣٢/٧).
١٦١
٠

٣١ - كتاب المكاتب
(٩) باب
(١٢٨٢) حديث
أن يتزوّج ولا يسافر، وإن لم يشترط ذلك عليه؛ لأن هذا يلزمه بنفس عقد
الكتابة، وبه قال ابن المسيب في السفر خلافاً لأحد قولي الشافعي: إن ذلك
جائز له، اهـ. قلت: ظاهر إطلاق ((الموطأ)) منع السفر مطلقاً.
وقال الدردير(١): له سفر قريب لا يحل فيه نجم بغير إذن، قال
الدسوقي: أي ليس للسيد منعه منه لا بعيد مطلقاً حل فيه نجم أو لا، أو قريب
حل فيه نجم ليس له السفر ولسيده منعه، اهـ.
وقال الموفق(٢): المكاتب لا يمنع من السفر قريباً كان أو بعيداً، وهذا
قول الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير والثوري والحسن بن صالح وأبي حنيفة،
ولم يفرق أصحابنا بين السفر الطويل وغيره، لكن قياس المذهب أن له المنع
عن سفر تحِلّ نجوم كتابته قبله؛ لأنه يتعذر منه استيفاء النجوم في وقتها،
والرجوع في وقته عند عجزه، واختلف قول الشافعي، فقال في موضع: له
السفر، وفي قول: ليس له السفر، فقال بعض أصحابه: فيها قولان، وقال
بعضهم: ليست على قولين، إنما هي على اختلاف حالين، فالموضع الذي
قال: له السفر إذا كان قصيراً؛ لأنه في حكم الحاضر، والموضع الذي منع منه
إذا كان بعيداً، يتعذَّرُ منه استيفاءُ نجومه، والرجوع في رقِّه عند عجزه ..
ولنا، أن المكاتب في يد نفسه، وإنما للسيد عليه دين، فأشبه الحر
المدين، فإن شرط عليه في الكتابة أن لا يسافر، فقال القاضي: الشرط باطل،
وهو قول الحسن وسعيد بن جبير والشعبي والنخعي وأبي حنيفة؛ لأنه ينافي
مقتضى العقد، فلم يصحَّ شرطه، كشرط ترك الاكتساب، وقال أبو الخطاب:
يصحّ الشرط، وله منعه من السفر، وهو قول مالك، وهذا أصحّ إن شاء الله،
وأولى.
(١) ((الشرح الكبير)) (٣٩٧/٤).
(٢) ((المغني)) (٤٧٥/١٤).
١٦٢

٣١ - كتاب المكاتب
(٩) باب
(١٢٨٢) حديث
فعلى هذا الوجه لسيده منعه من السفر، فإن سافر بغير إذنه، فله ردّه إن
أمكنه، وإن لم يمكنه ردّه احتمل أن له تعجيزه وردّه إلى الرقِّ، لأنه لم يفِ بما
شرط عليه أشبه ما لو لم يفِ بأداء الكتابة، واحتمل أنه لا يملك ذلك؛ لأنه
مكاتب كتابة صحيحة، لم يظهر عجزه، فلم يملك تعجيزه، كما لو لم يشترط
عليه، وليس له أن يتزوج إلا بإذن سيده، وهذا قول الحسن ومالك والليث
وابن أبي ليلى وأبي حنيفة والشافعي وأبي يوسف، وقال الحسن بن صالح: له
ذلك؛ لأنه عقد معاوضة أشبه البيع.
ولنا، قول النبي ◌ّيقول: ((أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر))(١)،
ولأن على السيد فيه ضرراً، لأنه ربما عجز، فيرجع إليه ناقص القيمة، ويحتاج
أن يؤدي المهر والنفقة من كسبه، فيعجز عن تأدية نجومه، فيمنع من ذلك
كالتبرع به. إذا ثبت هذا، فإن تزوج لم يصحّ تزويجه، وقال الثوري: نكاحه
موقوف إن أدَّى تَبَيًَّا أنه كان صحيحاً، وإن عجز فنكاحه باطل، إذا ثبت هذا،
فإنه يفرق بينهما، فإن كان قبل الدخول فلا مهر لها، وإن كان بعده، فعليه مهر
مثلها، يؤدى من كسبه، لأنه بمنزلة جناية وإن أتت بولد لحقه نسبه؛ لأنه من
وطء في نكاح فاسد.
فأما إن أذن له سيده في النكاح يصحُّ في قولهم جميعاً، فإن الخبر يدل
بمفهومه على صحة تزويجه إذا أذن له، ولأن المنع من نكاحه لحق سيده، فإذا
أذن له زال المانع، اهـ.
وفي ((الهداية)) (٢): يجوز للمكاتب البيع والشراء والسفر؛ لأن موجب
الكتابة أن يصير حراً يداً، وذلك بمالكية التصرف مستبدّاً به تصرفاً يُوصله إلى
(١) أخرجه أبو داود في باب: ما جاء في نكاح العبد بغير إذن سيده، ((سنن أبي داود))
(١٨٠/١).
(٢) (٢٥٤/٢).
١٦٣

٣١ - كتاب المكاتب
(١٠) باب
(١٢٨٣) حديث
(١٠) باب ولاء المكاتب إذا أعتق
١٢/١٢٨٣ - قَالَ مَالِكُ: إِنَّ الْمُكَاتَبَ إِذَا أَعْتَقَ عَبْدَهُ، إِنَّ
ذلِكَ غَيْرُ جَائِزِ لَهُ. إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ،
مقصوده، وهو نيل الحرية بأداء البدل والبيع والشراء من هذا القبيل، وكذا السفر؛
لأن التجارة ربما لا تتفق في الحضر، فيحتاج إلى المسافرة، فإن شرط عليه أن لا
يخرج، فله أن يخرج استحساناً؛ لأن هذا الشرط مخالف لمقتضى العقد، وهو
مالكية اليد على جهة الاستبداد، وثبوت الاختصاص، فبطل الشرط، وصح العقد؛
لأنه شرط لم يتمكن في صلب العقد، وبمثله لا تفسد الكتابة، وهذا؛ لأن الكتابة
تشبه البيع وتشبه النكاح، فألحقناها بالبيع في شرط تمكن في صلب العقد، كما إذا
شرط خدمة مجهولة؛ لأنه في البدل، وبالنكاح في شرط لم يتمكن في صلبه، هذا
هو الأصل، ولا يتزوج إلا بإذن المولى؛ لأن الكتابة فك الحجر مع قيام الملك
ضرورة التوسل إلى المقصود، والتزوج ليس وسيلة إليه، اهـ.
(١٠) ولاء المكاتب إذا أعتق
ببناء الفاعل من الإعتاق، يعني إذا أعتق المكاتب عبده، أو كاتب
المكاتب أحداً، فأدّى الكتابة المكاتب الثاني لمن يكون ولاؤه؟ وتقدم شيء من
الكلام على ذلك في آخر ((باب جر العبد الولاء إذا أعتق)).
١٢/١٢٨٣ - (قال مالك: إن المكاتب إذا أعتق عبده إن ذلك غير جائز له
إلا بإذن سيده) لأنه من التبرعات، وهو ممنوع عنه، وبذلك قال جمهور
العلماء، منهم الأئمة الأربعة خلافاً لأحد قولي الشافعي: إنه لا يجوز بإذنه
أيضاً، كما تقدم سابقاً، قال الدردير(١): لا يجوز للمكاتب عتق الرقيقه بغير
إذن، وإن قريباً له كولده، وللسيد رده، قال الدسوقي: لأن المكاتب لا يلزمه
عتق قريبة؛ لأن شرط العتق بالقرابة كون المالك حراً، اهـ.
(١) ((الشرح الكبير)) (٤/ ٣٩٧).
١٦٤

٣١ - كتاب المكاتب
(١٠) باب
(١٢٨٣) حديث
فَإِنْ أَجَازَ ذُلِكَ سَيِّدُهُ لَهُ. ثُمَّ عَتَقَ الْمُكَاتَبُ. كَانَ وَلَاؤُهُ لِلْمُكَاتَبِ.
وَإِنْ مَاتَ الْمُكَاتَبُ قَبْلَ أَنْ يُعْتَقَ. كَانَ وَلَاءُ الْمُعْتَقِ لِسَيِّدِ الْمُكَاتَبِ.
وَإِنْ مَاتَ الْمُعْتَقُ قَبْلَ أَنْ يُعْتَقَ الْمُكَاتَبُ وَرِثَّهُ سَيِّدُ الْمُكَاتَبِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَكَذْلِكَ أَيْضاً لَوْ كَاتَبَ الْمُكَاتَبُ عَبْدَاً. فَعَتَقَ
الْمُكَاتَبُ الآخَرُ قَبْلَ سَيِّدِهِ الَّذِي كَاتَبَهُ. فَإِنَّ وَلَاءَهُ لِسَيِّدِ
(فإن أجاز ذلك سيده له) يعني إن أعتق بدون إذنه، ثم أجاز السيد عتقه
(ثم عتق المكاتب كان ولاؤه للمكاتب) لأنه ثبت له في وقت أحرز فيه ماله بعتقه
بأداء الكتابة، (وإن مات المكاتب قبل أن يعتق كان ولاء المعتق) بفتح التاء أي
ولاء معتق المكاتب (السيد المكاتب) لموت المكاتب عبداً، والعبد لا يستحق
الولاء (وإن مات المعتق) بفتح التاء (قبل أن يعتق المكاتب) أي سيده الذي
أعتقه (ورثه سيد المكاتب) لا المكاتب لأنه عبد بعد، والعبد لا يستحق الولاء.
قال الباجي(١): وهذا على ما قال: إن المكاتب إذا أعتق عبده لم يخل
أن يكون ذلك بإذن سيده أو بغير إذنه، فإن كان ذلك بإذنه فمات المكاتب قبل
أن يعتق، فإن ولاء العبد المعتَق لسيد المكاتب، وإن أعتق المكاتب يوماً، فإن
ولاء ذلك العبد له دون سيده، ووجه ذلك أنه عقد مستقر ثابت، فوجب أن
يثبت ولاؤه لمعتقه، إلا أن يمنع من ذلك مانع رق أو غيره، فإن منع منه فولاؤه
لأحق الناس به، وهو سيده، فإن زال المانع بالعتق رجع الولاء إليه، اهـ.
قلت: ولا يرجع إلى المكاتب بعد عتقه إن ثبت الولاء لسيده عندنا
الحنفية، كما تقدم في ((جر العبد الولاء)).
(قال مالك: وكذلك أيضاً) أي مثل ما ذكر في إعتاق المكاتب عبده حكم
كتابة المكاتب عبده (لو كاتب المكاتب عبداً) له (فعتق المكاتب الآخر) أي
مكاتب المكاتب (قبل سيده الذي كاتبه) أي المكاتب الأول (فإن ولاءه لسيد
(١) ((المنتقى)) (٣٣/٧).
١٦٥

٣١ - كتاب المكاتب
(١٠) باب
(١٢٨٣) حديث
الْمُكَاتَبِ. مَا لَمْ يَعْتِقِ الْمُكَاتَبُ الْأَوَّلُ الَّذِي كَاتَبَهُ. فَإِنْ عَتَقَ الَّذِي
كَاتَبَهُ، رَجَعَ إِلَيْهِ وَلَاءُ مُكَاتَبِهِ الَّذِي كَانَ عَتَقَ قَبْلَهُ. وَإِنْ مَاتَ
الْمُكَاتَبُ الْأَوَّلُ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ. أَوْ عَجَزَ عَنْ كِتَابَتِهِ، وَلَهُ وَلَدٌ أَحْرَارٌ،
لَمْ يَرِثُوا وَلَاءَ مُكَاتَبٍ أَبِيهِمْ. لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لِأَبِيهِمْ الْوَلَاءُ. وَلَا يَكُونُ
لَهُ الْوَلَاءُ حَتَّى يَعْتِقَ.
المكاتب) لأن سيده وهو المكاتب الأول رقيق بعد فلا يستحق الولد (ما لم
يعتق) ما بمعنى ما دام (المكاتب الأول الذي كاتبه فإن أعتق) المكاتب (الذي
كاتبه رجع إليه ولاء مكاتبه الذي كان عتق قبله) لأنه هو الذي استحق الولاء
لكونه ولي نعمة العتق، وإنما كان ممنوعاً عنه لرقه، فلما زال المانع رجع إليه
الولاء، كما في المسألة السابقة، كذا جزم الباجي وغيره.
لا يشكل عليه ما قال الدردير(١): وللمكاتب بلا إذن من سيده بيع وشراء
ومكاتبة لرقيقه لابتغاء الفضل، وإلا لم يجز، فإن عجز الأعلى أَدَّى الأسفل إلى
السيد الأعلى وعتق، وولاؤه له، ولا يرجع إلى السيد الأسفل إن عتق بعد
ذلك، اهـ.
لأن هذا عتق له سبب آخر غير الكتابة المذكورة، فإنها انفسخت بعجز،
فلو عتق سيده المكاتب بعد ذلك لوجه آخر لا يرجع، هذا ما ظهر لي،
والله أعلم.
(وإن مات المكاتب الأول قبل أن يؤدي) بدل كتابته فمات رقيقاً (أو عجز)
المكاتب الأول (عن كتابته) أي عن أداء بدلها فرجع أيضاً رقيقاً (وله ولد
أحرار) صفة ولد (لم يرثوا ولاء مكاتب أبيهم، لأنه لم يثبت لأبيهم الولاء) لِرِقّه
فكيف ينجر إلى أولاده؟ (ولا يكون له) أي لأبيهم (الولاء حتى يعتق) فإن مات
بعد عتقه، وثبوت الولاء له كان يجر إلى أولاده.
(١) ((الشرح الكبير)) (٣٩٦/٤).
١٦٦

٣١ - كتاب المكاتب
(١٠) باب
(١٢٨٣) حديث
قال الموفق(١): ليس للمكاتب أن يُكاتِبَ إلا بإذن سيّده، وهذا قول
الحسن والشافعي؛ لأن الكتابة نوع إعتاق، فلم تجز من المكاتب کالمنجز،
ولأنه لا يملك الإعتاق، فلم يملك الكتابة كالمأذون له في التجارة، واختار
القاضي جواز الكتابة، وهو الذي ذكره أبو الخطاب في ((رؤوس المسائل))، وهو
قول مالك وأبي حنيفة والثوري والأوزاعي؛ لأنه نوع معاوضة، فأشبه البيع،
وقال أبو بكر: هو موقوف كقوله في المنجز، فإن أذن فيها السيد صحت.
وقال الشافعي: فيها قولان؛ فإذا كاتب عبده، فعجزا جميعاً صارا رقيقين
للسيد، وإن أدى المكاتب الأول، ثم أدى الثاني فولاء كل واحد منهما
المكاتبه، وإن أَدَّى الأول وعجز الثاني صار رقيقاً للأول، وإن عجز الأول
وأدى الثاني فولاؤه للسيد الأول، وإن أدَّى الثاني قبل عتق الأول عتق، قال
أبو بكر: وولاؤه للسيد الأول، وهو قول أبي حنيفة؛ لأن العتق لا ينفكُ عن
الولاء، والولاء لا يوقف؛ لأنه سبب يورث به، فهو كالنسب، وقال القاضي:
هو موقوف إن أدى عتق والولاء له، وإلا فهو للسيد، وهذا أحد قولي
الشافعي، اهـ.
وفي ((الهداية))(٢): يجوز إن كاتب عبده، والقياس أن لا يجوز، وهو قول
زفر والشافعي؛ لأن مآله العتق، والمكاتب ليس من أهله، كالإعتاق على مالٍ،
ووجه الاستحسان أنه عقد اكتساب للمال، فيملكه كالبيع، وقد يكون هو أنفع
من البيع؛ لأنه لا يزيل الملك إلا بعد وصول البدل إليه، والبيع يزيله قبله، ثم
هو يوجب للمملوك مثل ما هو ثابت له، بخلاف الإعتاق على مالٍ؛ لأنه
يوجب فوق ما هو ثابت له، فإن أَدَّى الثاني قبل أن يعتق الأول فولاؤه
للمولى؛ لأن له نوع ملك، فإذا تعذر إضافته إلى مباشر العقد لعدم الأهلية
(١) ((المغني)) (١٤/ ٤٨٣).
(٢) (٢٥٤/٢).
١٦٧

٣١ - كتاب المكاتب
(١٠) باب
(١٢٨٣) حديث
قَالَ مَالِكٌ، فِي الْمُكَاتَبِ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ. فَيَتْرُكُ أَحَدُهُمَا
لِلْمُكَاتَبِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ. وَيَشِخُ الآخَرُ. ثُمَّ يَمُوتُ الْمُكَاتَبُ. وَيَتْرُكُ
مَالاً .
قَالَ مَالِكٌ: يُقْضِى لِلَّذِي لَمْ يَتْرُكْ لَهُ شَيْئاً مَا بَقِيَ لَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ
يَقْتَسِمَانِ الْمَالَ. كَھَيْئَتِهِ لَوْ مَاتَ عَبْداً. لِأَنَّ الَّذِي صَنَعَ لَيْسَ بِعَتَاقَةٍ.
وَإِنَّمَا تَرَكَ مَا كَانَ لَّهُ عَلَيْهِ.
أضيف إليه، فلو أدَّى المكاتب الأول بعد ذلك، وعتق، لا تنتقل الولاء إليه؛
لأن المولى جعل معتقاً، والولاء لا ينتقل من المعتق، وإن أَدَّى الثاني بعد عتق
الأول، فولاؤه له؛ لأن العاقد من أهل ثبوت الولاء، وهو الأصل فثبت
له، اهـ.
(قال مالك، في المكاتب، يكون بين الرجلين فيترك أحدهما) أي يعفو
(للمكاتب الذي له عليه) من بدل الكتابة (ويشخُ) أي يبخُلُ (الآخر) فلا يترك له
(ثم يموت المكاتب ويترك مالاً) .
(قال مالك) في الصورة المذكورة: (يُقضى) ببناء المجهول (للذي) شَحَّ
و(لم يترك له شيئاً) من بدل الكتابة (ما بقي له عليه) نائب فاعل يقضى أي
يعطى الشحيح أولاً حقه، (ثم يقتسمان) أي السيدان التارك له والآخر (المال)
الباقي على قدر حصصهما في العبد (كهيئته لو مات عبداً) بين الرجلين وترك
مالاً (لأن الذي صنع) أي ترك ماله على العبد (ليس) فعله هذا (له) أي للعبد
(بعتاقة) حقيقة بل إبراء لمال فقط كما سيأتي، (وإنما ترك ما كان له عليه) من
المال، وهذا ليس بعتق منه.
قال الباجي(١): وهذا على ما قال: إن المكاتب إذا ترك له أحد سيديه ما
عليه، فإن ذلك بمعنى الهبة وإسقاط الدين، لا بمعنى العتق، ولذلك إذا مات
(١) («المنتقى)) (٣٣/٧).
١٦٨

٣١ - كتاب المكاتب
(١٠) باب
(١٢٨٣) حديث
المكاتب، فإنه يقضى للذي لم يترك حقه ما بقي له عليه من الكتابة، فإن حقه
باقٍ له، ثم يقتسمان ما فضل من مال المكاتب، هذا قول مالك - رحمه الله -.
وقال الشافعي: يكون نصف نصيبه للمتمسك بحقه، وهو ما يقابل
النصيب الحر بالأداء، أو الترك، فعلى قوله القديم يأخذ سيده المتمسك بحق
الرق، وعلى قوله في الجديد يكون لورثته إن كان له ورثة، فإن لم يكن له
ورثة، فالمعتق يأخذه إرثاً .
وقال أبو سعيد الإصطخري: ينقل إلى بيت المال، وقوله: على حسب
ما كانا يقتسمانه، لو مات عبداً، يريد لو مات، ولم يقض شيئاً، ولا ترك له
أحدهما شيئاً من حقه، فعَبَّر عن هذا بقوله: بمنزلة ما لو مات عبداً، وهو يعتقد
أنه مات عبداً، لكنه قال ذلك لأحد معنيين: إما أنه أراد بمنزلة أن يموت قبل
أن ينفذ له عقد الكتابة، فحينئذ ينطلق عليه اسم عبد على الحقيقة، والمعنى
الثاني أن يريد ما قدمناه، اهـ.
وقال الموفق(١): إذا أبرأه السيد من مال الكتابة، برئ وعتق؛ لأن ذمته
خَلَتْ من مال الكتابة، فأشبه ما لو أداه، وإن أبرأه من بعضه برئ منه، وكان
على الكتابة فيما بقي؛ لأن الإبراء كالأداء، اهـ. وبذلك جزم صاحب
(البدائع))(٢)، إذ قال في بحث ركن الكتابة: لو أبرأه عن بدل الكتابة يعتق،
اهـ. فعُلِم منها أن الإبراء عن بدل الكتابة عتق عند الأئمة الثلاثة خلافاً للإمام
مالك، فعنده فيه تفصيل.
قال الدردير(٣): عتق أحد الشريكين نصيبه من المكاتب وَضعٌ لماله من
(١) ((المغني)) (٢٤٩/١١).
(٢) ((بدائع الصنائع)) (٥٩٨/٣).
(٣) (الشرح الكبير)) (٣٩٥/٤)
١٦٩

٣١ - كتاب المكاتب
(١٠) باب
(١٢٨٣) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذُلِكَ، أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا مَاتَ وَتَرَكَ
مُكاتَباً. وَتَرَكَ بَنِينَ رِجَالاً وَنِسَاءَ. ثُمَّ أَعْتَقَ أَحَدُ الْبَنِينَ نَصِيبَهُ مِنَ
الْمُكَاتَبِ: إِنَّ ذُلِكَ لَا يُثْبِتُ لَهُ مِنَ الْوَلَاءِ شَيْئاً. وَلَوْ كَانَتْ عَتَاقَةً،
لَثَبَتَ الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ مِنْهُمْ، مِنْ رِجَالِهِمْ وَنِسَائِهِمْ.
النجوم، وليس بعتقٍ حقيقة، فإذا كان المكاتب بينهما نصفين، سقط عنه نصف
كل نجم، وتظهر فائدة ذلك فيما لو عجز عن أداء نصيب الآخر، فإنه يرقُّ
كلُّه؛ لأنه إنما كان خفّف عنه لتتم الحرية، فلما لم تتم رجع رقيقاً، وقد حلّ له
ما أخذه منه، إلا إن قصد العتق بأن يصرح بأن قصده العتق حقيقة لا الوضع،
أو يفهم منه ذلك بقرينة، فيعتق الآن، ويُقَوَّمُ عليه حصة شريكه بشرطه، فقوله:
وعتق أحدهما وضع، أي إذا قصد ذلك، أو لا قصد له.
وقوله: إن قصد العتق أي فك الرقبة بلفظ صريح أو قرينة، قال
الدسوقي: أما إذا قصد العتق وفكّ الرقبة، فإنه يعتق عليه نصفه، ويُقَوَّمُ عليه
حصة شريكه إن عجز، وكان موسراً وحلَّ للشريك الذي لم يعتق حصته ما
أخذه من المكاتب، فلا رجوع لمن أعتق عليه بشيء، اهـ.
(قال مالك) ذكر الإمام مالك من ههنا عدة أدلة ونظائر للقول المذكور،
وهو أن الإبراء ليس بعتق فقال: (ومما يبين ذلك) المذكور، وهو أن الإبراء
ليس بعتق (أن الرجل إذا مات وترك مكاتباً وترك) أيضاً (بنين) أي أولاداً (رجالاً
ونساء ثم أعتق أحد البنين نصيبه من المكاتب إن ذلك) أي عتقه نصيبه (لا يثبت
له من الولاء شيئاً) فهذا دليل على أن الإبراء ليس بعتق حقيقة (ولو كانت) عتاقة
أحدهم نصيبه (عتاقة) حقيقة (لثبت الولاء لمن أعتق من رجالهم ونسائهم) لفظ
من بيان لمن، أي سواء كان المعتق رجلاً أو امرأة؛ لأن الولاء لمن أعتق.
قال الباجي(١): وقد استدل مالك على نفي المعتق أن الرجل يتوفى،
(١) ((المنتقى)) (٣٤/٧).
١٧٠

٣١ - كتاب المكاتب
(١٠) باب
(١٢٨٣) حديث
ويترك بنين ذكوراً ونساء ومكاتباً، فأعتق أحد البنين نصيبه من المكاتب، فإنه لا
يثبت له من الولاء شيء، وإنما الولاء لمن انجر إليه عن السيد من ذكور الولد
دون النساء، ولو كان ترك الكتابة بمعنى العتق، وترك إحدى البنات حصتها من
الكتابة، أو عتقت حصتها لثبت الولاء لها، اهـ.
وقال الموفق(١): الكتابة لا تنفسخ بموت السيد، لا نعلم فيه بين أهل
العلم خلافاً، والمكاتب يؤدي نجومه، أو ما بقي منها إلى ورثته؛ لأنه دَين
لمورثهم، ويكون مقسوماً بينهم على قدر مواريثهم كسائر ديونه، ولا يعتق حتى
يؤدي إلى كل ذي حق حقه، فإن أدَّى إلى بعض دون بعض، لم يعتق، كما
كان بين شركاء، فأدى إلى بعضهم.
وإذا عجز، ورُدَّ في الرق، فإنه يكون عبداً لجميع الورثة، كما لو لم يكن
مكاتباً، وإذا أَدَّى وعتق، فقال الخرقي: يكون ولاؤه لمكاتبه يختصّ به
عصباتُه، دون أصحاب الفروض، وهذا قول أكثر الفقهاء، وهو اختيار أبي
بكر، ونقله إسحاق بن منصور عن أحمد، وإسحاق.
وروى حنبل وصالح بن أحمد عن أبيه قال: اختلف الناس في المكاتب
يموت سيده، وعليه بقية من كتابته، فقال بعض الناس: الولاء للرجال والنساء،
وقال بعض الناس: لا ولاء للنساء؛ لأن هذا إنما هو دين على المكاتب، ولا
يرث النساء من الولاء، إلا ما أعتقن، أو كاتبن، ولِكُلِّ وجهٌ، والذي أراه
ويغلب، على أنهن يرثن. وذلك لأن المكاتب لو عجز بعد وفاة السيد رُدَّ
رقيقاً، وهذا قول طاووس والزهري؛ لأن المكاتب انتقل إلى الورثة بموت
السيد، فكان ولاؤه لهم، فإن أعتقه الورثة صحَّ عتقهم؛ لأنه ملك لهم، ويكون
ولاؤه لهم، وإن أعتق بعضهم نصيبه، فتعتق عليه كله، قُوِّمَ عليه نصيب
(١) ((المغني)) (٤٦٩/١٤).
١٧١

٣١ - كتاب المكاتب
(١٠) باب
(١٢٨٣) حديث
شركائه، وكان ولاؤه له، وإن لم يسرِ عتقُه لكونه معسراً، أو لغير ذلك، فله
ولاء ما أعتقه.
وقال القاضي: إن أعتقوه كلهم قبل عجزه كان الولاء للسيد، وإن أعتق
بعضهم لم يسرِ عتقه، ثم يُنْظَر، فإن أدّى إلى الباقين عتق كله، وكان الولاء
للسيد، فإن عجز فردوه إلى الرق، كان ولاء نصيب المعتق له؛ لأنه لولا إعتاقه
لعاد سهمه رقيقاً، كسهام سائر الورثة، فلما أعتقه، كان هو المنعم عليه، فكان
الولاء له دونهم، اهـ.
وفي ((الهداية))(١): إذا مات مولى المكاتب لم تنفسخ الكتابة كي لا يؤدي
إلى إبطال حق المكاتب، إذ الكتابة سبب الحرية، وقيل له: أَدِّ المال إلى ورثة
المولى على نجومه، لأنه استحق الحرية على هذا الوجه، والسبب انعقد
كذلك، فيبقى بهذه الصفة، ولا يتغير، إلا أن الورثة يخلفونه في الاستيفاء، فإن
أعتقه أحد الورثة لم ينفذ عتقه؛ لأنه لم يملكه، وهذا؛ لأن المكاتب لا يملك
بسائر أسباب الملك، فكذلك بالوراثة، فإن أعتقوه جميعاً، عتق أي استحساناً،
وسقط عنه بدل الكتابة؛ لأنه يصير إبراءً عن بدل الكتابة؛ فإنه حقهم، وقد
جری فیه الإرث.
فإذا برئ المكاتب عن بدل الكتابة يعتق، كما إذا أبرأه المولى، إلا أنه
إذا أعتقه أحد الورثة، لا يصير إبراءً عن نصيبه؛ لأنا نجعله إبراءً اقتضاء
تصحيحاً لعتقه، والإعتاق لا يثبت بإبراء البعض، أو أدائه في المكاتب، لا في
بعضه، ولا في كله، ولا وجه إلى إبراء الكل لحق بقية الورثة، اهـ.
وقال أيضاً: وإذا أدّى المكاتب عتق، والولاء للمولى، وإن عتق بعد
موت المولى؛ لأنه عتق عليه بما باشر من السبب، وهو الكتابة، اهـ.
(١) (٢٦٦/٢).
١٧٢

٣١ - كتاب المكاتب
(١٠) باب
(١٢٨٣) حدیث
قَالَ: وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذُلِكَ أَيْضاً، أَنَّهُمْ إِذَا أَعْتَقَ أَحَدُهُمْ نَصِيبَهُ. ثُمَّ
عَجَزَ الْمُكَاتَبُ. لَمْ يُقَوَّمْ، عَلَى الَّذِي أَعْتَقَ نَصِيبَهُ، مَا بَقِيَ مِنَ
الْمُكَاتَبِ. وَلَوْ كَانَتْ عَتَاقَةً، قُوَّمَ عَلَيْهِ حَتَّى يَعْتِقَ فِي مَالِهِ. كَمَا قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَالَ: (مَنْ أَعْتَقَ شِرْكاً لَهُ فِي عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ الْعَدْلِ،
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ)).
وفي ((البدائع))(١): وإذا مات المولى، فأدّى المكاتب مكاتبته، أو بقية
منها إلى ورثته، وعتق، فيكون ولاؤه لعصبة المولى؛ لأن الولاء لا يورث من
المعتق بعد موته، اهـ.
(قال مالك: ومما يبين ذلك أيضاً) أي ومما يوضح القول المذكور، وهو
أن الإبراء ليس بعتق (أنهم) أي السادات المشتركون في كتابة عبدٍ واحد (إذا
أعتق أحدهم نصيبه) من المكاتب المشترك (ثم عجز المكاتب) ورُدَّ رقيقاً لعجزه
(لم يُقَوَّمْ) ببناء المجهول (على الذي أعتق نصيبه ما بقي) نائب فاعل لم يقوم
(من المكاتب) بيان لما (ولو كانت عتاقةً، قوم) ببناء المجهول (عليه) أي على
الذي أعتق نصيبه (حتى يعتق) الكل (في ماله) إن كان له مال (كما قال
رسول الله وَلي) في الحديث المعروف تقدم في محله (من أعتق شركاً) بالكسر
أي نصيباً (له في عبد) مشترك (قُوَّمَ عليه) أي على المعتق (قيمة العدل، فإن لم
يكن له) أي للمعتق (مال عتق منه) أي من العبد (ما عتق) وبقي باقيه رقيقاً،
كما تقدم الكلام في أبحاثه في محله.
قال الباجي(٢): ويبين ذلك أيضاً من أعتق منهم حصته، ثم عجز، فإنه لا
يقدم على العتق حصص شركائه، ولو كان بمنزلة العتق، لقدّم عليه على حسب
ما يقوله الشافعي، هذا ليس بصحيح؛ لأن عقد الكتابة باقٍ لا يبطله إلا
(١) (٦٣٤/٣).
(٢) ((المنتقى)) (٣٤/٧).
١٧٣

٣١ - كتاب المكاتب
(١٠) باب
(١٢٨٣) حديث
العجز، وهو أحد قولي الشافعي: إنه لا يقوم عليه إلا عند العجز، وهذا لا
يصح أيضاً؛ لأن بالعجز يرجع ملكاً لهما؛ لأن العجز تمنع عتق شيء منه
بأداء، أو إسقاط بعض ما عليه، كما لو كان سيده واحداً، فأسقط بعض ما
عليه، ثم عجز عن باقيه لرجع جميعه رقيقاً له، والقول الثاني للشافعي: إنه
يُقَوَّمُ عليه حين العتق أو الترك، ويكون الولاء للذي عقد الكتابة، وهذا أيضاً
ليس بصحيح؛ لأن عقد الكتابة ثابت مثبت للولاء، فليس لأحد تغيير شيء من
عقد الكتابة، إلا بالعجز، ولا لأحد نقل الولاء عن المعتق مع كونه محلاً له.
قال الموفق(١): نقل عن أحمد أنه سئل عن عبد بين شريكين، فكاتباه
على ألف درهم، فأدّى إليهما تسعمائة، لكل منهما أربعمائة درهم وخمسين
درهماً، ثم إن أحدهما أعتق نصيبه؟ قال: إن كان للمعتق مال أدَّى إلى شريكه
نصفَ قيمةِ العبد، لا يُحاسبه بما أخذ؛ لأنه عبد ما بقي عليه درهم، ولأنه قد
يجوز أن يعجز، فيعود إلى الرقِّ، أو يموت فيكون عنده مال فهو بينهما، ونقل
عنه حنبلٌ أنه يعتِق إلا نصفَ المائة على هذا، فيكون الولاء على قدر ما أعتق،
فالرواية الأولى توافق قول الخرقي، فإنه أوجب على المعتق غرامة نصف قيمة
العبد، وينبغي أن تجب نصف قيمته على الصفة التي عتق عليها، وهو كونه
مكاتباً قد أدّى كتابته إلّا مائةً منها، وهي عُشرها، وأما رواية حنبل فيحتمل أن
تكون على ما قال أبو بكر والقاضي، في أنه لا يسري العتق إلى الجزء
المكاتب لغيره، اهـ.
وتقدم في أول ميراث المكاتب إذا عتق ما في ((الهداية))(٢): إن كانا
كاتباها ثم أعتقها أحدهما ثم عجزت، وتقدم هناك اختلاف الإمام أبي حنيفة
وصاحبيه في الخيارات للشريك.
(١) ((المغني)) (١٤/ ٥٦١).
(٢) (٢٦٢/٢).
١٧٤

٣١ - كتاب المكاتب
(١٠) باب
(١٢٨٣) حديث
قَالَ: وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذُلِكَ أَيْضاً، أَنَّ مِنْ سُنَّةِ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي لَا
اخْتِلَافَ فِيهَا، أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ شِرْكاً لَهُ فِي مُكَاتَبٍ. لَمْ يُعْتَقْ عَلَيْهِ فِي
مَالِهِ. وَلَوْ عَتَقَ عَلَيْهِ كَانَ الْوَلَاءُ لَهُ دُونَ شُرَكَائِهِ .
وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذُلِكَ أَيْضاً، أَنَّ مِنْ سُنَّةِ الْمُسْلِمِينَ، أَنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ
عَقَدَ الْكِتَابَةَ. وَأَنَّهُ لَيْسَ لِمَنْ وَرِثَ سَيِّدَ الْمُكَاتَبِ، مِنَ النِّسَاءِ، مِنْ
وَلَاءِ الْمُكَاتَبَ، وَإِنْ أَعْتَقْنَ نَصِيبَهُنَّ، شَيْءٌ. إِنَّمَا وَلَا ؤُهُ
وتقدم أيضاً ما في ((البدائع))(١) قال: مكاتب بين اثنين أعتقه أحدهما،
قال أبو حنيفة: لا ضمان عليه في ذلك لشريكه، موسراً كان أو معسراً؛ لأن
نصيب الآخر مكاتب على حاله؛ لكون العتق متجزئاً عنده، فإن أدى عتق،
والولاء بينهما، وإن عجز صار كعبد بين اثنين أعتقه أحدهما، والحكم فيه تقدم
في الإعتاق، وعلى قولهما عتق كله؛ لأن الإعتاق لا يتجزأ عندهما والولاء له،
اهـ. ثم ذكر الخلاف بين الصاحبين في بعض الفروع منه.
(قال مالك: ومما يبين ذلك أيضاً أن من سنة المسلمين) وطريقتهم (التي
لا اختلاف فيها) عندنا (أن من أعتق شركاً) أي نصيباً (له في مكاتب لم يعتق)
أي الكل (عليه) أي على المعتق نصيبه (في ماله) إن كان موسراً (ولو أعتق)
العبد (عليه) أي على المعتق (كان الولاء له) خاصة (دون شركائه) وهذا مبني
على ما تقدم في القول السابق أن العتق لا يسري في المكاتب.
(قال مالك: ومما يبين ذلك) أي القول المذكور سابقاً (أيضاً أن من سنة
المسلمين) أي من طريقتهم (أن الولاء لمن عقد الكتابة، وأنه ليس لمن ورث
سيد المكاتب) مفعول ورث، (من النساء) بيان لمن (من ولاء المكاتب وإن
أعتقن) وصلية (نصيبَهن) مفعول أعتقن (شيء) اسم ليس؛ لأن ذلك ليس عتقاً
عنهن، ولو كان ذلك عتقاً عنهن لكان لهن ولاء نصيبهن (إنما ولاؤه) في
(١) (٦٢٠/٣).
١٧٥

٣١ - كتاب المكاتب
(١١) باب
(١٢٨٤) حديث
لِوَلَدِ سَيِّدِ الْمُكَاتَبِ المَذْكُورِ. أَوْ عَصَبَتِهِ مِنَ الرِّجَالِ.
(١١) باب ما لا يجوز من عتق المكاتب
١٢٨٤/ ١٣ - قَالَ مَالِكٌ: إِذَا كَانَ الْقَوْمُ جَمِيعاً فِي كِتَابَةٍ
وَاحِدَةٍ. لَمْ يُعْتِقْ سَيِّدُهُمْ أَحَداً مِنْهُمْ، دُونَ مُؤَامَرَةٍ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ مَعَهُ
فِي الْكِتَابَةِ، وَرِضاً مِنْهُمْ. وَإِنْ كَانُوا صِغَاراً، فَلَيْسَ مُؤَامَرَتُهُمْ
الصورة المذكورة (لولد سيد المكاتب المذكور) إن كان له ولد ذكور (أو عصبته
من الرجال) عطف على الولد، أي إن لم يكن له ولد ذكور، فولاؤه لعصبته من
الرجال.
قال الباجي(١): ومما يبين ذلك أن الولاء لمن عقد الكتابة، وأنه ليس
لمن ورث السيد من النساء، وإن أعتقن نصيبهن بشيء، وإنما ينجرّ الولاء عن
السيد إلى ذكور ولده، إن كان له بنون، وإن لم يكن أحد من البنين فإلى
عصبته، اهـ. وتقدم قريباً اختلاف العلماء في ذلك في أول استدلال الإمام
مالك، وتقدم في أبواب الولاء، أن الولاء لأقرب عصبة المعتق.
(١١) ما لا يجوز من عتق المكاتب
يعني بيان الأحوال التي لا يجوز فيها عتق المكاتب
١٣/١٢٨٤ - (قال مالك: إذا كان القوم) أي المكاتبون (جميعاً في
كتابة واحدة) يعني كاتبهم جميعاً في صفقة واحدة، وكونها في الصفقة
الواحدة شرط في كتابة الجماعة عند الإمام مالك، كما تقدم في محله (لم
يعتق سيدهم) أي لا يجوز للسيد أن يعتق (أحداً منهم دون مؤامرة) أي
مشاورة واستئذان (أصحابه الذين معه في الكتابة و) بدون (رضاً منهم)، فإن
رضوا يجوز، وإلا لا (وإن كانوا) أي رفقة الكتابة (صغاراً، فليس مؤامرتهم)
(١) ((المنتقى)) (٣٤/٧).
١٧٦

٣١ - كتاب المكاتب
(١١) باب
(١٢٨٤) حديث
بِشَيْءٍ. وَلَا يَجُوزُ ذُلِكَ عَلَيْهِمْ.
قَالَ: وَذُلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ رُبَّمَا كَانَ يَسْعَى عَلَى جَمِيعِ الْقَوْم.
وَيُؤَدِّي عَنْهُمْ كِتَابَتَهُمْ. لِتَتِمَّ بِهِ عَتَاقَتُهُمْ. فَيَعْمِدُ السَّيِّدُ إِلَى الَّذِي يُؤَدِّي
عَنْهُمْ. وَبِهِ نَجَاتُهُمْ مِنَ الرِّقِّ. فَيُعْتِقُهُ. فَيَكُونُ ذُلِكَ عَجْزاً لِمَنْ بَقِيَ
مِنْهُمْ. وَإِنَّمَا أَرَادَ، بِذْلِكَ الْفَضْلَ وَالزِّيَادَةَ لِنَفْسِهِ. فَلَا يَجُوزُ ذُلِكَ
عَلَى مَنْ بَقِي مِنْهُمْ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: (لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ))
ورضاهم (بشيء) يعني لا عبرة بمؤامرتهم (ولا يجوز ذلك) أي مؤامرتهم
وإذنهم كما أشار إليه الزرقاني في ((شرحه))(١). والأوجه عندي الإشارة إلى
إعتاق أحدهم لئلا يتكرر أمر الإذن المذكور (عليهم) لصغرهم وعدم
تکلیفهم.
(قال: وذلك) أي سبب اشتراط الإذن عن رفقة الكتابة في الكبار وعدم
جواز ذلك في الصغار (أن الرجل) الواحد من المكاتبين (ربما كان يسعى على
جميع القوم ويؤدي) ببناء الفاعل تفسير لقوله: يسعى (عنهم كتابتهم) لكون
بعضهم حملاء عن بعض كما تقدم مراراً (لتتمّ به) أي بأداء الرجل المذكور
(عتاقتهم) كلهم؛ لأداء جميع الكتابة التي عليهم (فيعمد) بكسر الميم أي يقصد
(السيد إلى الذي) كان يسعى عليهم و(يؤدي عنهم) بدل الكتابة (وبه) أي وبأدائه
كان (نجاتهم من الرقّ فيعتقه) السيد (فيكون ذلك) أي عتق السيد إياه (عجزاً)
أي سبب عجز (لمن بقي منهم وإنما أراد) السيد (بذلك الفضل والزيادة لنفسه)
الاسترقاق جميعهم (فلا يجوز ذلك على من بقي منهم) بل يرد هذا العتق.
(وقد قال رسول الله (وَ له: لا ضرر ولا ضرار) ذكره السيوطي في ((الجامع
الصغير)) (٢) برواية أحمد وابن ماجه عن ابن عباس وبرواية ابن ماجه عن عبادة
(١). (٤ / ١٢١).
(٢) انظر: ((فيض القدير شرح الجامع الصغير)) (٤٣١/٦) ح (٩٨٩٩).
١٧٧

٣١ - كتاب المكاتب
(١١) باب
(١٢٨٤) حدیث
وَهَذَا أَشَدُّ الضَّرَرِ .
ورقم له ((الحسن)) وأَقرَّه عليه العزيزي، وحكى عن ((النهاية)) قال: قال: الضرر
ضد النفع، ضَرَّه يضرُّه ضراً وضراراً، فمعنى قوله: لا ضرر أي لا يضر الرجل
أخاه، فينقصه شيئاً من حقه، والضرار فعال من الضر، أي لا تجازيه على
إضراره بإدخال الضرر عليه، والضرر فعل الواحد، والضرار فعل الاثنين، أو
الضرر ابتداء الفعل، والضرار الجزاء عليه، وقيل: الضرر ما تضر به صاحبك،
وتنتفع أنت به، والضرار أن تضره من غير أن تنتفع أنت، وقيل: هما بمعنى،
وتكرارهما للتأكيد، اهـ.
(وهذا) أي استرقاقهم بعد الكتابة (أشدُّ الضرر) قال الباجي(١): وهذا على
ما قال: إن من كاتب جماعة عبيد له كتابة واحدة، فإنه إن كان في جميعهم
سعاية لم يكن للسيد أن يعتق بعضهم دون إذن الباقين، لما ذكره من الضرر
الذي يلحق باقيهم، فإن أذنوا في ذلك، فإن كان جميع المكاتبين كباراً، ممن
يلزمه رضاه، فقد قال الشيخ أبو القاسم: فيها روايتان، إحداهما: الجواز،
وقد رواه ابن المواز عن مالك، وشرط أن يكون في الباقين قوة على الأداء،
والرواية الثانية: المنع من ذلك، وجه رواية الجواز: أنه عقدٌ لزم السيد
والمكاتبين، فلا يتعلق به إلا حقوقهم، فإذا اتفقوا على إخراج واحد منهم من
ذلك بالعتق جاز، كما لو انفرد بالكتابة.
ووجه الرواية الثانية: أنه يتعلق به حق لله، لجواز أن يكون هذا سبباً إلى
استرقاق سائرهم، ولا يجوز لهم أن يستبقوا ما يسترقّون به، كما لو كان منهم
صغير، فإذا قلنا بجواز ذلك سقط عن الباقين بقدر ما يُصيبه من الكتابة على
قدر سعيهم، دون مراعاة قِلَّتِهم، قاله الشيخ أبو القاسم.
وقوله: إن كانوا صغاراً إلخ، يريد أن الصغار لا يصحّ إذنُهم، ولا ينفذ
(١) ((المنتقى)) (٣٤/٧).
١٧٨

٣١ - كتاب المكاتب
(١١) باب
(١٢٨٤) حديث
عتق من كان معهم في الكتابة ممن ينتفع به، ويُرْجَى التجارة به، واحتجّ مالك
في ذلك بأن الواحد من الجماعة، ربما كان هو الذي بسعيه يعتقون لقوته على
الكتابة، وقيمتُه أقلُّ من قيمة سائرهم، فيعتقه السيد ليتوصل بذلك إلى استرقاق
سائرهم، فمنع من ذلك، لما فيه من الضرر بمن شاركه في الكتابة، لقوله وليد :
((لا ضرر ولا ضرار))، وليس في الضرر أشدُّ من التسبب إلى استرقاقهم،
وإبطال ما انعقد لهم من عقد الكتابة المتضمن عتقهم، اهـ.
قلت: وهذا كله مبنيٌّ على مسلك الإمام مالك، أن من كاتب جماعة
العبيد فهم حملاء بعضهم عن بعض، ولا يعتق واحد منهم حتى يؤدي الجميع،
كما تقدم توضيح ذلك في أول الحمالة في الكتابة، وتقدم هناك أيضاً أن
مذهب الشافعي، وأحمد، أن كل واحد منهم مكاتب برأسه، فأيهم أدّى عن
نفسه يعتق، فلا يتفرع على مذهبهما هذا التفصيل.
قال الموفق(١): إذا مات بعض المكاتبين سقط قدر حصته، نَصَّ عليه
أحمد في رواية حنبل، وكذلك إن أعتق بعضهم، وعن مالك إن أعتق السيد
أحدهم، وكان مكتسباً لم ينفذ عتقه؛ لأنه يضرُّ بالباقين، وإن لم يكن مكتسباً
نفذ عتقه، لعدم الضرر فيه، وهذا مبنيٌ على أنه لا يعتق واحد منهم، حتى
يؤدي جمیع مال الكتابة، وقد مضى الكلام فيه، اهـ.
والمراد بالكلام أن مذهب أحمد، وبه قال الشافعي أنه يعتق كل واحد
منهما بالأداء عن نفسه، وفي مذهب الحنفية في ذلك تفصيل، تقدم هناك عن
(البدائع))، وفي بعض الصور تكون كتابتهم كتابة واحدة، وهم حملاء بعضهم
عن بعض، وفي بعض الصور يكون كل واحد منهم مكاتباً برأسه، إذا أدَّىُ
حصته عتق.
(١) ((المغني)) (١٤ / ٥٦٧).
١٧٩

٣١ - كتاب المكاتب
(١١) باب.
(١٢٨٤) حديث
قَالَ مَالِكٌ، فِي الْعَبِيدِ يُكَاتَبُونَ جَمِيعاً: إِنَّ لِسَيِّدِهِمْ أَنْ يُعْتِقَ
مِنْهُمُ الْكَبِيرَ الْفَانِيَ وَالصَّغِيرَ. الَّذِي لَا يُؤَدِّي وَاحِدٌ مِنْهُمَا شَيْئاً.
وَلَيْسَ عِنْدَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، عَوْنٌ وَلَا قُوَّةٌ فِي كِتَابَتِهِمْ. فَذْلِكَ جَائِزٌ لَهُ.
وفي ((البدائع)) (١) بعد ذلك التفصيل: فإذا كاتبهما كتابة واحدة، فأدّى
أحدهما شيئاً منه، كان له أن يرجع على صاحبه بنصفه، بخلاف ما إذا كان
الدين على الرجلين، وكل واحد منهما كفيلٌ عن صاحبه، فإنه لا يرجع على
صاحبه ما لم يجاوز النصف، ووجه الفرق أن في مسألتنا هذه لو جعلنا أداءً
عن نفسه أدَّى ذلك إلى تغيير شرط المولى؛ لأنه يعتق، ومن شرطه عتقهما
جميعاً، فإذا كان الأمر هكذا، فكان أداءً عن نفسه وعن صاحبه حتى لا يؤدي
إلى تغيير الشرط، فإن مات أحد المكاتبين لا يسقط شيء من الكتابة، ويؤخذ
من الحي جميع الكتابة، وبمثله لو أعتق أحدهما سقطت حصته.
وجه الفرق بينهما أن الميت من أهل أن تكون عليه الكتابة، ألا ترى أن
المكاتب إذا مات عن وفاء يؤدى كتابته، وكذا لو ترك ولداً تؤخذ منه الكتابة،
فأما المعتق فليس من أهل أن تجب عليه الكتابة.
ألا ترى أن المكاتب لو كان واحداً، فأعتقه المولى بطلت عنه الكتابة،
فكذلك ههنا تبطل حصته، والمولى بالخيار، إن شاء أخذ بحصة المكاتب،
وإن شاء أخذ المعتق بحق الكفالة، فإن أخذ المكاتب لا يرجع عليه؛ لأنه أدّى
دين نفسه، وإن أخذ المعتق وأدّى رجع على المكاتب؛ لأنه كفيله، اهـ.
(قال مالك، في العبيد يكاتبون جميعاً:) كما في الصورة المذكورة (إن
لسيدهم) أي يجوز له (أن يعتق منهم الكبير الفاني) الذي لا يقدر على السعي
(والصغير الذي لا يؤدي واحد منهما) أي الصغير والكبير (شيئاً) من الكتابة لكبره في
الأول، وصغره في الثاني (وليس عند واحد منهما عون ولا قوة) عطف تفسير (في
کتابتهم، فذلك جائز له) بغير رضاهم؛ لأنه لا ضرر ولا ضرار في عتقهما .
(١) انظر: ((بدائع الصنائع)) (٦١٥/٣).
١٨٠