Indexed OCR Text
Pages 621-640
٣٠ - كتاب العتق والولاء (٦) باب (١٢٥٤) حديث معاوية بن الحكم، كذا قال فيه كل من روى هذا الحديث عن هلال أو غيره، ومعاوية بن الحكم معروف في الصحابة، وحديثه هذا معروف له. وممن نص على أن مالكاً وهم في ذلك البزار، وغيره، انتهى كذا في ((التنوير))(١). زاد الزرقاني: أما عمر بن الحكم فتابعيّ أنصاريٌ مدنيّ معروف، وقال مالك في روايته عن ابن شهاب: معاوية بن الحكم كما قال الناس، وإنما سمّاه عمر في روايته عن هلال، فربما كان الوهم عن هلال إلا أن جماعة ردُّوه عن هلال، فقالوا: معاوية، قاله أبو عمر. قال الزرقاني(٢): ولا يمنع ذلك تجويز أن الوهم منه لما حدث مالكاً وتَنَبَّهَ لما حدّث غيره، ويؤيد ذلك ما روى أبو الفضل السليماني عن معن بن عيسى، قلت لمالك: الناس يقولون: إنك تخطئ في أسامي الرجال، تقول: عبد الله الصنابحي، وإنما هو أبو عبد الله، وتقول: عمر بن عثمان، وإنما هو عمرو، وتقول: عمر بن الحكم، وإنما هو معاوية، فقال مالك: هكذا حفظنا، وهكذا وقع في كتابي، ونحن نخطئ، ومن يسلم من الخطأ!؟، اهـ. قلت: ذكر الحافظ في ((تهذيبه))(٣): عمر بن الحكم بن ثوبان الحجازي أبو حفص المدني، ثم عمر بن الحكم بن رافع الأنصاري أبو حفص المدني، وكلاهما تابعيان، ثم ترجم عمر بن الحكم السلمي، ورقم له للنسائي وخطأه، وقال: المحفوظ معاوية بن الحكم. وأما معاوية بن الحكم السلمي الصحابي، قال أبو عمر: كان ينزل المدينة ويسكن في بني سليم. له عن النبي و لتر حديث واحد في الكهانة والطيرة (١) ((تنوير الحوالك)) (ص٥٧٥). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٨٥/٤). (٣) ((تهذيب التهذيب)) (٤٣٦/٧). ٦٢١ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (٦) باب (١٢٥٤) حديث أَنَّهُ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ جَارِيَةً لِي كَانَتْ تَرْعَى غَنَمَاً لِي. فَجِئْتُهَا وَقَدْ فُقِدَتْ شَاةٌ مِنَ الْغَنَمِ. فَسَأَلْتُهَا عَنْهَا فَقَالَتْ: أَكَلَهَا الذِّئْبُ فَأَسِفْتُ عَلَيْهَا، وَكُنْتُ مِنْ بَنِي أَدَمَ فَلَطَمْتُ وَجْهَهَا. وَعَلَيَّ رَقَبَةٌ. أَفَأُعْتِقُهَا؟ والخط وتشميت العاطس وعتق الجارية، أحسن الناس له سياقةً يحيى بنُ أبي كثير عن هلال بن أبي ميمونة، ومنهم من يقطعه، فيجعله أحاديث، وأصله حديث واحد، قال الحافظ: وله حديث آخر من رواية ابنه كثير بن معاوية، قلت: ذكره أيضاً ابن عبد البر في ((الاستيعاب)). (أنه) أي عمر أو معاوية (قال: أتيت رسول الله وَل38) ولفظ النسائي بعد قصة التشميت، ثم اطلعت إلى غنيمة لي ترعاها جارية لي قِبل أحد، والجوَّانية، فوجدت الذئب قد ذهب منها بشاة، فصككتُها صَكَّةً ثم انصرفتُ إلى رسول الله وَّر فأخبرته (فقلت: يا رسول الله إن جارية لي) لم تسم (كانت ترعى غنماً لي) زاد في رواية مسلم وأبي داود: قبل أحد والجَوَّانِيةِ، قال النووي: فيه دليل على جواز استخدام السيد جاريته في الرعي، وإن كانت تنفرد في المرعى، ومع هذا فإن خيف مفسدة من رعيها لريبة فيها أو فساد ممن يكون في الناحية التي ترعى فيها لم يسترعها، كذا في ((البذل))(١). (فجئتها وقد فقدتُ منها) بضم التاء على المتكلم وبسكونها على المؤنث الغائب، مال صاحب ((المحلى)) إلى الأول، والزرقاني إلى الثاني (شاة من الغنم) وفي نسخة ((وقد فقدت منها شاة)) (فسألتها عنها؟ فقالت: أكلها الذئب، فأسِفْتُ عليها) أي غضبت (وكنت من بني آدم) زاد في رواية ((آسف كما يأسفون)). يعني أدركني من الغضب ما يدركهم، وهذا تقديم لبيان العذر في اللطمة (فلطمت وجهها) أي ضربت وجهها بباطن كفي، وفي رواية: لكني صككتها صكة (وعليّ) بتشديد الياء (رقبة) واجبة (أفأعتقها؟). (١) ((بذل المجهود)) (٢١٨/٥). ٦٢٢ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (٦) باب (١٢٥٤) حديث فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((أَيْنَ اللَّهُ؟)) قَالَتْ فِي السَّمَاءِ. قال الباجي(١): يحتمل أن يريد أن عليه رقبة بلطمه إياها إن كان قد شَجَّ وجهها، ويحتمل أن عليه رقبة من معنى آخر كفارة أو غيرها، فأراد أن يخصّها بالعتق في ذلك، لما قد نالها من إزلالها، وسؤال النبي ◌َّ لها عن معاني الإيمان يقتضي أن الرقبة كانت واجبة عليه من كفارة يشترط فيها الإيمان؛ لأن العتق للتمثيل لا يعتبر فيه الإيمان، اهـ. قلت: ولفظ مسلم وأبي داود(٢)، وغيرهما: صككتُها صكة، فَعَظَّمَ ذلك عَلَيَّ رسولُ اللهِ وَله، فقلت: ((أفلا أعتقها)) الحديث، يدل على أن إرادة إعتاقها كانت لتعظيم النبي ◌َ﴿ صكَّتَها، ولا يدخل هذا في عتق المثلة لما تقدم قريباً من أنه لابد فيه من الجرح الشديد والشين الفاحش مع قصده الجرح الشديد. ولذا قال صاحب ((المحلى)): ثم إنهم أجمعوا على أنه لا يجب العتق باللطمة، وإنما هو مندوب رجاءً لكفارة ذنبه لحديث مسلم: ((من لطم مملوكه، أو ضربه فكفارته أن يعتقه))، والدليل على عدم كون الأمر فيه للوجوب، ما رواه مسلم أيضاً عن سويد بن مقرن: أنه ◌ّله أمرهم حين لطم أحدهم جارية يعتقها، قالوا: ليس لنا خادم غيرها، قال: فليستخدموها، فإذا استغنوا عنها خلّوا سبيلها، قاله النووي، اهـ. (فقال لها رسول الله وَ له) بعدما استدعاها، ولفظ مسلم وأبي داود: ((ائتني بها فجئت بها))، فقال لها)): (أين الله، قالت في السماء) قال ابن عبد البر: هو على حدّ: ﴿وَأَمِنْثُم مَّن فِ السَّمَاءِ أَنْ يَخِْفَ بِكُمُ﴾ (٣) و﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِّمُ الطَّيِّبُ﴾(٤) (١) ((المنتقى)) (٢٧٤/٦). (٢) أخرجه مسلم (٥٣٧)، وأبو داود (٣٢٨٢). (٣) سورة الملك: الآية ١٦. (٤) سورة فاطر: الآية ١٠. ٦٢٣ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (٦) باب (١٢٥٤) حديث قال الباجي: لعلها تريد وصفه بالعلو، وبذلك يوصف كل من شأنه العلو، فيقال: مكان فلان في السماء، بمعنى علو حاله ورفعته وشرفه. وقال البيضاوي: لم يرد به السؤال عن مكانه، فإنه منزَّهٌ عنه، والرسول أعلى من أن يسئل ذلك، بل أراد أن يتعرَّف أنها مشركة أو موحّدةٌ، لأن كفار العرب كان لكل قوم منهم صنمٌ مخصوصٌ يعبدونه، ولعل سُفهاءهم كانوا لا يعرفون معبوداً غيره، فأراد أن يعرف أنها ما تعبد؟ فلما قالت: في السماء، وفي رواية: ((أشارت إلى السماء))، فهم منها أنها موحدة، تريد بذلك نفي الآلهة الأرضية التي هي الأصنام، لا إثبات السماء مكاناً له تعالى، ولأنه كان مأموراً بأن يكلم الناس على قدر عقولهم، ويهديهم إلى الحق على حسب فهمهم، ووجدها تعتقد أن المستحق للعبودية الذي يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، لا الآلهة التي يعبدها المشركون، قنع منها بذلك ولم يكلفها اعتقاد ما هو صرف التوحید وحقيقته، انتهى. وقال النووي(١): هذا الحديث من أحاديث الصفات، وفيها مذهبان، تقدم ذكرهما مرات في كتاب الإيمان، أحدهما: الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء، وتنزيهه عن سمات المخلوقات، والثاني: تأويله بما يليق به، فمن قال بهذا قال: كان المراد امتحانها، هل هي موحّدة تُقِرُّ بأن الخالق المدبر الفعال هو الله وحده، وهو الذي إذا دعاه الداعي استقبل السماء، كما إذا صلى المصلي استقبل الكعبة، وليس ذلك؛ لأنه منحصر في السماء، كما أنه ليس منحصراً في جهة الكعبة، بل ذلك لأن السماء قبلة الداعين، كما أن الكعبة قبلة المصلين، أم هي من عبدة الأوثان التي بأيديهم؟، فلما قالت: في السماء، علم أنها موحدة، إلى آخر ما بسطه من كلام القاضي عياض وغيره. (١) ((شرح النووي على صحيح مسلم)) (٢٤/٥). ٦٢٤ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (٦) باب (١٢٥٤) حديث فَقَالَ: ((مَنْ أَنَا؟)) فَقَالَتْ: أَنْتَ رَسولُ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ: «أَعْتِقْھَا)). (فقال: من أنا؟ فقالت: أنت رسول الله) قال الباجي(١): يقتضي أن الإيمان لا يتبعَّضَ، ولا يصح الإيمان بالله مع الكفر بمحمد وَالّ (فقال رسول الله : أعتقها) زاد في رواية مسلم وأبي داود، ((فإنها مؤمنة)) قال النووي: فيه دليل على أن الكافر لا يصير مؤمناً إلا بالإقرار بالله وبرسالة رسول الله وَّر، وأن من أَقَرَّ بالشهادتين جزماً كَفَاه ذلك في صحة إيمانه، وكونه من أهل القبلة والجنة، ولا يُكَلَّفُ مع هذا إقامةَ الدليل والبرهان على ذلك، ولا يلزمه معرفة الدليل، وهذا هو الصحيح الذي عليه الجمهور، انتهى. قال الباجي: حكم بكونها مؤمنة دون أن يسألها عن نظر واستدلال، وكذلك كل من أتى ليؤمن أخذنا عليه الشهادتين، فإذا أقَرَّ بهما حكمنا بإيمانه، ولم نسأله عن نظره واستدلاله، وإن كنا نأمره بذلك ونحضه عليه بعد إيمانه، انتھی. وقال النووي(٢) في هذا الحديث: إن إعتاق المؤمن أفضل من إعتاق الكافر، وأجمع العلماء على جواز عتق الكافر في غير الكفارات، وأجمعوا على أنه لا يجزئ الكافر في كفارة القتل، كما ورد به القرآن، واختلفوا في كفارة الظهار واليمين والجماع في نهار رمضان، فقال الشافعي والجمهور: لا يجزئ إلا مؤمنة حملاً للمطلق على المقيد في كفارة القتل، وقال أبو حنيفة والكوفيون: يجزئه الكافر للإطلاق، فإنها تسمى رقبة، انتهى. وقال الموفق(٣): لا يجزئ إلا عتق رقبة مؤمنة في كفارة الظهار وسائر (١) ((المنتقى)) (٢٧٤/٦). (٢) ((صحيح مسلم بشرح النووي)) (٢٥/٥). (٣) («المغني)) (٨٥/٨). ٦٢٥ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (٦) باب (١٢٥٤) حدیث الكفارات، هذا ظاهر المذهب، وهو قول مالك والشافعي، وعن أحمد رواية ثانية: أنه يجزئ فيما عدا كفارة القتل من الظهار وغيره عتق رقبة ذمية، وهو قول عطاء والثوري والنخعي وأبي ثور وأصحاب الرأي وابن المنذر، انتهى. وظاهر كلام النووي أنه حمل حديث الباب على العتق المندوب، وهو ظاهر رواية مسلم وأبي داود وغيرهما إذ هي تشير إلى أن العتق للصكة واللطمة، وترجم عليه في ((الموطأ)) العتق الواجب، وهو ظاهر رواية ((الموطأ)) بلفظ ((علي رقبة)). ولذا قال البغوي: فيه دليل على أن شرط الرقبة في جميع الكفارات أن تكون مؤمنة؛ لأن الرجل لما قال: عليّ رقبة، أفأعتقها؟ لم يطلق النبي وَلـ الجواب بإعتاقها حتى امتحنها بالإيمان، ولم يسأله عن جهة وجوبها، فثبت أن جميع الكفارات فيه سواء. قال صاحب ((المحلى)): وفيه نظر، فإن في المرسل الآتي ((أن عليّ رقبةً مؤمنةً))، والظاهر أن القصة واحدة، ولو سُلِّمَ التعدد، فالجواب للحنفية أن التقييد بالإيمان زيادة على المطلق في الآية، فلا يجوز بخبر الواحد، ولا بالقياس على التقييد في كفارة القتل خطأ، فإن الزيادة نسخ من وجه، فلا يجوز إلا بالمتواتر المشهور، انتهى. وفي الباب عن كعب بن مالك قال: ((كانت جارية ترعى غنماً لي فأكل الذئب منها شاة، فضربت وجه الجارية، فندمت، فأتيت النبي وَلو، فقلت: يا رسول الله لو أعلم أنها مؤمنة لأعتقتها، فقال لها رسول الله وَله: من أنا؟، قالت: أنت رسول الله، قال: فمن الله؟، قالت: الذي في السماء، فقال رسول الله (: أعتقها فإنها مؤمنة)) رواه الطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط))، وفيه عبد الله بن شبيب وهو ضعيف، كذا في ((مجمع الزوائد))(١). (١) (٤٣٦/٤) ح (٧٢٣٤). ٦٢٦ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (٦) باب (١٢٥٥) حدیث ٩/١٢٥٥ - وحدّثني مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الْأَنْصَارِ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللّهِ وَلَ بِجَارِيَةٍ لَّهُ سَوْدَاءَ. فَقَالَ: يَا رَسُولُ اللَّهِ إِنَّ عَلَيَّ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً ٩/١٢٥٥ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن عبيد الله) بضم العين مصغراً (ابن عبد الله) بفتحها مكبراً (ابن عتبة) بضم العين وسكون المثناة الفوقية (ابن مسعود) أحد الفقهاء (أن رجلاً من الأنصار) ظاهره الإرسال، لكنه محمول على الاتصال للقاء عبيد الله جماعة من الصحابة، قاله ابن عبد البر. قال الزرقاني(١): وفيه نظر، إذ لو كان كذلك ما وجد مرسل قط، إذ المرسل ما رفعه التابعي، وهو من لقي الصحابي، ومثل هذا لا يخفى على أبي عمر، فلعله أراد لقاء عبيد الله جماعة من الصحابة، الذين رووا هذا الحديث، وقد رواه معمر عن ابن شهاب عن عبيد الله عن رجل من الأنصار أنه جاء بأمة له، وهذا موصول، ورواه الحسين بن الوليد عن مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله عن أبي هريرة، أن رجلاً من الأنصار، انتهى. زاد السيوطي في ((التنوير))(٢): ورواه المسعودي عن عون بن عبد الله عن أخيه عبيد الله عن أبي هريرة أيضاً، انتهى. قلت: ذكره في ((المنتقى)) برواية عبيد الله عن رجل من الأنصار وعزاه لأحمد، وفي ((مجمع الزوائد»: رواه أحمد(٣) ورجاله رجال الصحيح. (جاء إلى رسول الله وَله بجارية له سوداء) أي نوبية (فقال: يا رسول الله إن علي) بتشديد الياء (رقبة مؤمنة) لعله نذر عتقها أو وجبت عليه لكفارة القتل (١) ((شرح الزرقاني)) (٨٥/٤). (٢) (ص٥٧٦). (٣) ((مسند أحمد)) (٤٥١/٣، ٤٥٢). ٦٢٧ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (٦) باب (١٢٥٥) حديث فَإِنْ كُنْتَ تَرَاهَا مُؤْمِنَةً أُعْتِقُهَا. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((أَتَشْهَدِينَ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّ اللَّهُ؟)) قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: ((أَتَشْهَدِينَ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ؟)) قَالَتْ: نَعَمْ. أو غيره، وذكره صاحب ((المنتقى)) في كتاب النذور، زاد في النسخ الهندية بعد ذلك: ((أفأعتق هذه؟)) وليست هذه الزيادة في النسخ المصرية، والأولى حذفه فالسياق الآتي یأباها . (فإن كنت) بصيغة الخطاب (تراها مؤمنة أعتقها) بصيغة المتكلم (فقال لها) أي للأمة (رسول الله وَله: أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ قالت: نعم، قال: أفتشهدين أن محمداً رسول الله وَلَه؟ قالت: نعم) أشهد بذلك ولفظ رواية المسعودي عن عون عن أخيه عن أبي هريرة: ((جاء رجل إلى رسول الله وَالقادم بجارية أعجمية، فقال: يا رسول الله إن عليّ رقبة مؤمنة، فأعتق هذه؟ فقال لها رسول الله وَ﴾: أين الله؟ فأشارت إلى السماء، فقال لها: فمَنْ أنا؟ فأشارت إليه، وإلى السماء أي أنت رسول الله، قال: فأعتقها فإنها مؤمنة))، أخرجه ابن عبد البر، وقال: إنه خالف ابن شهاب في لفظه ومعناه، وجعله عن أبي هريرة، وابن شهاب يقول: رجل من الأنصار أنه جاء بأمة له سوداء، وهو أحفظ من عون، فالقول قوله، انتهى. قال الزرقاني(١): فإن كانت القصة تعددت فلا خُلف، وإن كانت متحدة، فيمكن أن لعبد الله فيه شيخين رجل من الأنصار رواها له عن نفسه، وأبو هريرة رواها عن قصة ذلك الرجل، ويؤول قوله: ((قالت: نعم)) على أنها قالت بالإشارة، أو أنه وقع منها الأمران، فقالت: نعم باللفظ حين قوله: أتشهدين إلخ، وأشارت إلى السماء حين قوله: أين الله؟ ومن أنا؟ فذكر كلٌّ من الزهري وعون ما لم يذكر الآخر، انتهى. (١) ((شرح الزرقاني)) (٨٦/٤). ٦٢٨ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (٦) باب (١٢٥٥) حديث قَالَ: (أَتُوقِنِينَ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ؟)) قَالَتْ: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَالَ: «أَعْتِقْهَا)). والأوجه عندي أنه ◌َّ لما قال: أين الله؟ فأشارت إلى السماء، ولما كان هذا بالإشارة كَرَّرَ السؤال أتشهدين؟ فأجابت باللفظ، وهكذا في الرسالة سألها أولاً من أنا؟ فأشارت، ثم قال لها: أتشهدين أن محمداً رسول الله؟ قالت: نعم، ففي الروايتين اختصار، وهذا على وحدة القصة، ولا مانع من التعدد. (قال) بَُّ: (أتؤمنينَ) وفي النسخ المصرية بدله أتُوقِنِيْنَ (بالبعث بعد الموت؟ قالت: نعم) قال الزرقاني: فيه أنه لا بد مع الشهادتين من الإقرار بالبعث، فمن أنكر فليس بمؤمن، وعليه الإجماع، انتهى (فقال رسول الله القول: أعتقها) زاد في رواية: ((فإنها مؤمنة)) قال ابن عبد البر(١): قد جَوَّد يحيى لفظ هذا الحديث، ورواه ابن بكير وابن القاسم، فلم يذكرا ((فإن كنت تراها مؤمنة))، وقالا: ((يا رسول الله علي رقبة مؤمنة أفأعتق هذه؟)) ورواه القعنبي بلفظ: ((أن رجلاً من الأنصار أتى رسول الله بجارية له سوداء، فقال: يا رسول الله أعتقها؟ فقال لها رسول الله (وَجليه)) الحديث، فحذف منه ((أن علي رقبة مؤمنة)) مع أنه فائدة الحديث، انتهى. وقال الشوكاني(٢): حديث أبي هريرة أخرجه أبو داود من حديث عون بن عبد الله عن أبي هريرة ((أن رجلاً أتى رسول الله (﴿ له بجارية سوداء))(٣) الحديث، وأخرجه الحاكم في ((المستدرك)) من حديث عون بن عبد الله بن عتبة حدثني أبي عن جدي فذكر نحوه، وفي اللفظ مخالفة كثيرة، وروى نحو حديث (١) انظر: ((الاستذكار)) (١٦٩/٢٣). (٢) ((نيل الأوطار)) (٣٤١/٥). (٣) أخرجه أبو داود (٣٢٨٤). ٦٢٩ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (٦) باب (١٢٥٦) حديث ١٠/١٢٥٦ - وحدّثني مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: سُئِلَ أبي داود أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان من حديث الشريد بن سويد. وأخرجه الطبراني في ((الأوسط)) من طريق ابن أبي ليلى عن المنهال، والحكم عن سعيد عن ابن عباس بنحو حديث أبي هريرة المذكور. انتهى. قلت: حديث عون عن أبيه عن جده، وحديث ابن عباس ذكرهما صاحب ((مجمع الزوائد)) بألفاظ مختلفة، وفيها: أن عليّ رقبة مؤمنة، وهكذا ذكره من حديث أبي جحيفة بنحوها . وحديث الشريد أخرجه أبو داود(١) من طريق محمد بن عمر وعمرو، عن أبي سلمة عن الشريد أن أمه أوصته أن يعتق عنها رقبة مؤمنة، فأتى النبي وَل فقال: يا رسول الله إن أمي أوصت أن أعتق عنها رقبة مؤمنة، وعندي جارية سوداء نوبية، الحديث، لم يخرج أبو داود لفظه، بل أحال على رواية معاوية بن الحكم السلمي. وأخرج لفظه النسائي بهذا السند، ولفظه: ((فقلت: إن أمي أوصت أن تعتق عنها رقبة، وإن عندي جارية نوبية، فيجزئ عنِّي أن أعتقها عنها؟ قال: ائتني بها فأتيته بها، فقال لها النبي وَل ور: من ربك؟ قالت: الله، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: فأعتقها فإنها مؤمنة)) وبهذا اللفظ أخرجه أحمد في ((مسنده)) بطرق. ١٠/١٢٥٦ - (مالك أنه بلغه عن المقبري) بضم الموحدة وفتحها نسبة لسعيد بن أبي سعيد وأبيه أبي سعيد كيسان، وكلاهما من رواة أبي هريرة، لكن هذه الرواية أخرجها ابن أبي شيبة من طريق الابن، كما سيأتي (أنه قال: سئل) (١) أخرجه أبو داود (٣٢٨٣). ٦٣٠ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (٦) باب (١٢٥٧) حديث أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ الرَّجُلِ تَكُونُ عَلَيْهِ رَقَبَةٌ. هَلْ يُعْتِقُ فِيهَا ابْنَ زِناً؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: نَعَمْ. ذلِكَ يُجْزِئُ عَنْهُ. ١١/١٢٥٧ - وحدّثني مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ. وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ وَلَ. أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ تَكُونُ عَلَيْهِ رَقَبَةٌ. هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعْتِقَ وَلَدَ زِناً؟ قَالَ: نَعَمْ. ذَلِكَ يُجْزِئُ عَنْهُ. ببناء المجهول (أبو هريرة عن الرجل يكون عليه رقبة) واجبة (هل يعتق فيها ابن زنا؟ فقال أبو هريرة: نعم، ذلك يجزئ عنه) وأخرج ابن أبي شيبة من طريق حفص عن محمد بن إسحاق وعبد الله بن سعيد عن سعيد بن أبي سعيد: ((أتت امرأة أبا هريرة، فسألته عن ابن جارية لها من غير رشدة وعليها رقبة، أيجزيها؟ قال: نعم. ١١/١٢٥٧ - (مالك أنه بلغه) أخرجه ابن المنذر بسند صحيح، كما سيأتي في كلام الحافظ (عن فضالة) بفتح الفاء والضاد المعجمة، قاله الزرقاني (ابن عبيد) بضم العين بدون إضافة (الأنصاري) الأوسي (وكان من أصحاب رسول الله (صَّة) وأول مشاهده أحد، ثم نزل دمشق، وولي قضاءها من جهة معاوية، ومات بها سنة ٥٨هـ، وقيل: قبلها (أنه سئل) ببناء المجهول (عن الرجل يكون عليه رقبة) واجبة (هل يجوز له أن يعتق ولد زنا؟ فقال: نعم، ذلك يجزئ عنه) . قال صاحب ((المحلى)): وبه قال الجمهور: إنه يجوز عتقه في الكفارة، وكرهه علي وابن عباس وابن عمرو بن العاص، أخرجه عنهم ابن أبي شيبة، وعند البيهقي (١) بسند صحيح عن الزهري، نا أبو الحسن مولى عبد الله بن الحارث، وكان من أهل العلم والصلاح؛ أنه سمع امرأة تقول لعبد الله بن (١) ((السنن الكبرى)) (٥٩/١٠). ٦٣١ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (٦) باب (١٢٥٧) حديث نوفل تستفتيه في غلام لها ابن زنية تعتقه في رقبة كانت عليها؟ فقال: لا أراه يجزئك، سمعت عمر - رضي الله عنه - يقول: لأن أحمل على نعلين في سبيل الله أحبُّ إلي من أن أعتق ابن زنية، وقال إبراهيم والشعبي: إنه لا يجوز عتق ولد الزنا في الكفارة، انتهى. وقال الحافظ(١): قال الجمهور: يجزئ عتقه، وكرهه علي وابن عباس، وابن عمر، وأخرجه عنهم ابن أبي شيبة بأسانيد لينة، ومنع الشعبي والنخعي والأوزاعي، والحجة للجمهور قوله تعالى: ﴿أَوْ تَحْرِيُرُ رَقَبَةٍ﴾، وقد صحّ ملك الحالف له فيصح إعتاقه له، وقد أخرج ابن المنذر بسند صحيح، عن أبي الخير عن عقبة بن عامر أنه سئل عن ذلك فمنع، قال أبو الخير: فسألنا فضالة بن عبيد، فقال: يغفر الله لعقبة، وهل هو إلا نسمة من النسم، انتهى. وقال العيني (٢): يجوز عتق ولد الزنا في الرقاب الواجبة، روي ذلك عن عمر وعلي وعائشة وجماعة من الصحابة، وبه قال ابن المسيب، والحسن، وطاووس، وأبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، انتهى. وفي ((الشرح الكبير))(٣): يجوز عتق ولد الزنا، يعني في الكفارة، وهذا قول أكثر أهل العلم، رُوِي ذلك عن فضالة بن عبيد، وأبي هريرة، وبه قال ابن المسيب والحسن وطاووس والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وابن المنذر، ورُوي عن عطاء والشعبي والنخعي والأوزاعي وحماد أنه لا يجزئ؛ لأن أبا هريرة - رضي الله عنه - روى عن النبي وَ لجر: ((ولد الزنا شر الثلاثة)) قال أبو هريرة: ((لأن أمتع بسوط في سبيل الله أحبّ إلي منه)) رواه أبو داود(٤). (١) (فتح الباري)) (١١/ ٦٠١). (٢) ((عمدة القاري)) (٧٥٩/١٥). (٣) (٢٧٢/١١). (٤) أخرجه أبو داود (٤٩٦٣). ٦٣٢ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (٧) باب (١٢٥٨) حديث (٧) باب ما لا يجوز من العتق في الرقاب الواجبة ١٢٥٨/ ١٢ - حدّثني مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْد اللَّهِ بْنَ عُمَرَ سُئِلَ عَنِ الرَّقَبَةِ الْوَاجِبَةِ. هَلْ تُشْتَرَى بِشَرْطِ؟ فَقَالَ: لَا. قَالَ مَالِكٌ: وَذُلِكَ ولنا، دخوله في مطلق قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، والأحاديث الواردة في ذمه اختلف أهل العلم في تفسيرها، فقال الطحاوي: ولد الزنا هو الملازم للزنا، كما يقال: ابن السبيل الملازم لها، وقال الخطابي عن بعض أهل العلم: هو الثلاثة: أصلاً، وعنصراً، ونسباً، وأنكر قوم هذا التفسير، وقالوا: ليس عليه من وِزْر والديه شيء، وقد جاء في الأحاديث ((هو شرُّ الثلاثة إذا عمل عملهم))، فإن صحَّ ذلك اندفع الإشكال، انتهى. وقال الباجي(١): من وجب عليه عتق رقبة لكفارة أو نذر أو غير ذلك، فإنه يجزئه أن يعتق في ذلك ولد زنا؛ لأن النقص لا يختصّ به، وإنما يختص بنسبه، وذلك غير مؤثر في العتق كما لو كان أبواه مجوسيين، وقال زيد بن أسلم: هو خير الثلاثة لم يعمل سوءاً، قال تعالى: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، وقال ربيعة: إني أجد في الإسلام شأنه تاماً، وقد روى في ((العتبية)) أشهب عن مالك: أحب إلي أن لا يعتق ولد الزنا في الرقاب الواجبة، انتهى. (٧) ما لا يجوز من العتق في الرقاب الواجبة يعني بيان الأنواع التي لا تجوز في الواجب ١٢/١٢٥٨ - (مالك أنه بلغه أن عبد الله بن عمر) رضي الله عنه (سئل) ببناء المجهول (عن الرقبة الواجبة هل تُشْتَرى) ببناء المجهول (بشرط؟) أي بشرط العتق (فقال: لا) تشترى بهذا الشرط. (قال مالك: وذلك) وسيأتي المشار إليه قريباً، وهو أنه لا يشتريها بشرط. (١) ((المنتقى)) (٢٧٤/٦). ٦٣٣ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (٧) باب (١٢٥٨) حديث أَحْسَنُ مَا سُمِعَ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ. أَنَّهُ لَا يَشْتَرِيهَا الَّذِي يُعْتِقُهَا فِيمَا وَجَب عَلَيْهِ. بِشَرْطِ عَلَى أَنْ يُعْتِقَهَا. لِأَنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذُلِكَ فَلَيْسَتْ بِرَقَبَةٍ تَامَّةٍ. لِأَنَّهُ يَضَعُ مِنْ ثَمَنِهَا لِلَّذِي يَشْتَرِطُ مِنْ عِثْقِهَا . قَالَ مَالِكٌ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّقَبَةَ فِي التَّطَوُّعِ. وَيَشْتَرِطَ أَنْ يُعْتِقَهَا . (أحسن ما سمعتُ في الرقاب الواجبة) على الرجل بالنذر أو الكفارة (أنه لا يشتريها) الرجل (الذي يُعْتقها فيما وجب عليه بشرط على أن يعتقها؛ لأنه إذا فعل ذلك) أي يشتريها بشرط العتق (فليست) هذه الرقبة (برقبة تامة) بل صارت ناقصة (لأنه) أي البائع (يضع) أي يسقط (من ثمنها) لما علم العتق (الذي يشترط من عتقها) ولفظ ((من)) زائدة، وسيأتي في كلام الموفق من مذهب الإمام أحمد: لو اشتراها بشرط العتق، فأعتقها في الكفارة عتقت، ولم تجزئه عن الكفارة. قال: وهو مذهب الشافعي، انتهى. (قال مالك) هكذا في النسخ الهندية وأكثر المصرية، وليس في بعضها هذا اللفظ، بل جعل الكلام الآتي تتمة للكلام السابق (ولا بأس) أي يجوز (أن يشتري الرقبة في) عتق (التطوع ويشترط أن يعتقها) لأن الرقبة في التطوع ليست بواجبة عليه عتق تمامها، وإنما هو متبرع بعتق ما شاء سواء كان ذلك جميعاً أو يكون بعضها، فإن الجماعة إذا كانت شركاء، فأراد واحد عتق نصيبها لا بأس بذلك إجماعاً، كما تقدم. قال الباجي(١): من كانت عليه رقبة واجبة عن كفارة أو نذر لا يجزئه أن يشتريها بشرط العتق، لما احتجّ به الإمام مالك من أنه يحطّ عنه من ثمنها لما شرط عليه من عتقها، فلم يعتق رقبة تامة، وروى عيسى في ((المدنية)) سألت ابن القاسم عمن اشترى رقبة بشرط العتق عن واجب، أرأيت أن أعتقها؟، (١) ((المنتقى)) (٢٧٤/٦). ٦٣٤ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (٧) باب (١٢٥٨) حديث قال: إن كان عالماً بأن ذلك لا ينبغي، فعليه عتق رقبة أخرى، وإن كان جاهلاً لا علم له، نُظِرَ، فإن كان اشتراها بقيمتها دون نقص فلا شيء عليه، وإن كان وضع له من الثمن شيء لم يجزه، وعليه رقبة أخرى، قال عيسى: وبلغني عن ابن کنانة: إن کان جاهلاً لم یؤمر بالإعادة، وروي عن ابن نافع لا یجزئه. ووجه ابن القاسم مراعاة الخلاف، وأنه من اعتقد في ذلك ما يعتقده من أنه لا يجزئ، ففعل ذلك فلا يجزئه، ومن كان يعتقد إجزاء ذلك، فهو قول قوم من أهل العلم لم ينكر عليه ما اعتقده، وروى ابن المواز عن مالك أنه اختلف قوله فيمن اشترى رقبة بشرط العتق عن واجب أو غير واجب، فقال مرة: يعتق عليه، وإن كره، قال أبو محمد: يريد ولا تجزئه عن الواجب إذا اشتراه بشرط العتق، قال محمد: ثم رجع مالك، فقال: لا يعتق عليه إلا أن يشتريه على إيجاب العتق، انتهى. قال العيني(١): الإيجاب أن يقول: إن اشتريته منك فهو حر، وإن لم يقل ذلك، وإنما اشترط أن يستأنف عتقه بعد كمال ملكه فليس بإيجاب، انتهى. ويعتق العبد عند مالك بالشراء على هذا الشرط. قال الدردير(٢): وعتق على المشتري بالاشتراء الفاسد في قوله لعبدٍ: إن اشتريتُكَ فأنت حر، وعليه قيمتُه يوم الشراء؛ لأن عتقه عليه يفوت ردّه على بائعه، وإنما عتق بالفاسد؛ لأن الحقائق الشرعية تطلق على فاسدها كصحيحها . قال الدسوقي: إن قلت: البيع الفاسد لا ينتقل به الملك، فمقتضاه عدم لزوم العتق للمشتري شراء فاسداً لعدم دخول العبد في ملكه، قلت: روعي تشوف الشارع للحرية مع تسليط البائع للمشتري على إيقاع العتق، فأوقعه، انتھی . (١) ((عمدة القاري)) (٤٩٩/٣). (٢) ((الشرح الكبير)) (٣٦٢/٤). ٦٣٥ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (٧) باب (١٢٥٨) حديث وقال الموفق(١) في الشروط في البيع: الرابع اشتراط ما ينافي مقتضى البيع، وهو على ضربين؛ أحدهما: اشتراط ما بنى على التغليب والسراية مثل إن شرط البائع على المشتري عتق العبد فهل يصحّ؟ على روايتين، إحداهما يصح، وهو مذهب مالك وظاهر مذهب الشافعي. والثانية: الشرط فاسد، وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأنه شرط ينافي العقد أشبه إذا اشترط أن لا يبيعه، فإذا حكمنا بفساده، فحكمه حكم سائر الشروط الفاسدة، وإن حكمنا بصحته، فأعتقه المشتري، فقد وفَّى بالشرط، وإن لم يعتقه ففيه وجهان؛ أحدهما: يجبر عليه، والثاني: لا يجبر. الضرب الثاني: يشترط غير العتق مثل أن يشترط أن لا يبيع، ولا يهب، ونحو ذلك، فهذه، وما أشبهها شروط فاسدة، وهل يفسد بها البيع؟ على روايتين، قال القاضي: المنصوص عن أحمد البيع صحيح، والثانية: البيع فاسد، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، فإن حكمنا بصحة البيع فللبائع الرجوع بما نقص بشرط من الثمن، وإن حكمنا بفساده لم يحصل به ملك، سواء اتصل به القبض أولا، ولا ينفذ تصرف المشتري فيه ببيع ولا هبة ولا عتق، ولا غيره، وبهذا قال الشافعي. وذهب أبو حنيفة إلى أن الملك يثبت فيه إذا اتصل به القبض. وقال أيضاً في موضع آخر: ولو اشتراها بشرط العتق، فأعتقها في الكفارة عتقت، ولم تجزئه عن الكفارة، وهذا مذهب الشافعي، وروي عن معقل بن يسار ما يدل على ذلك، وذلك لأنه إذا اشتراها بشرط العتق، فالظاهر أن البائع نقصه من الثمن لأجل هذا، فكأنه أخذ عن العتق عوضاً فلم تجزئه عن الكفارة، قال أحمد: إن كانت رقبة واحدة لم تجزئه؛ لأنها ليست رقبة سليمة، انتهى. (١) انظر: ((المغني على الشرح الكبير)) (٥٤/٤، ٥٥). ٦٣٦ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (٧) باب (١٢٥٨) حديث وقال القاري(١) في قصة بريرة: فَحْوى الحديث يدل على جواز بيع الرقبة بشرط العتق، وإليه ذهب النخعي والشافعي وابن أبي ليلى وأبو ثور، ثم اختلفوا في الشرط، ومنهم من صححه، وبه قال الشافعي في الجديد، ومنهم من ألغاه، ويدل على صحة البيع وفساد الشرط أنه وَ لّ قرر العقد، وأنفذه، وحكم ببطلان الشرط، وقال: ((إنما الولاء لمن أعتق))، وبه قال ابن أبي ليلى وأبو ثور والشافعي في القديم، وذهب أصحاب أبي حنيفة والأكثرون إلى فساد العقد . ثم قال: وقال النووي: الشرط في البيع أقسام؛ منها: شرطٌ يقتضيه العقد بأن شرط لتسليمه إلى المشتري، وشرط فيه مصلحة العقد، كاشتراط التضمين ونحوه، وهذان شرطان جائزان بلا خلاف، ومنها: اشتراط العتق في العبد والأمة ترغيباً إلى العتق لقوته وسرايته، انتهى مختصراً، فكأن الشافعي - رحمه الله - استثنى هذا من جملة النهي عن بيع وشرط . وقال العيني(٢): قال الشافعي: البيع فاسد، ويمضي العتق اتباعاً للسنة، وروي عنه: البيع جائز، والشرط باطل، ورُوِي عنه لا يجوز تصرف المشتري بحالٍ في البيع الفاسد، انتهى. وقال الحافظ: إذا وقع البيع بشرط العتق صحّ على أصح القولين عند الشافعية والمالكية، انتهى. وفي ((الهداية))(٣): من باع عبداً على أن يعتقه المشتري فالبيع فاسد، لأنه بيع وشرط، ((وقد نهى النبي ◌ّل عن بيع وشرط))، فلو أعتقه المشتري بعدما (١) ((مرقاة المفاتيح)) (٨٧/٦). (٢) ((عمدة القاري)) (٤٩٩/٣). (٣) (٤٨/٢). ٦٣٧ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (٧) باب (١٢٥٨) حديث قَالَ مَالِكٌ: إِنَّ أَحْسَنَ مَا سُمِعَ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَقَ فِيهَا نَصْرَانِيٍّ وَلَا يَهُودِيٌّ. وَلَا يُعْتَقُ فِيهَا مُكَاتَبٌ اشتراه بشرط العتق صحّ البيع حتى يجب عليه الثمن عند أبي حنيفة، وقالا : يبقى فاسداً حتى تجب عليه القيمة، انتهى. (قال مالك: إن أحسن ما سمع) هو أي الإمام مالك، وفي النسخ الهندية: ((سمعت)) (في الرقاب الواجبة) للكفارة أو النذر (أنه لا يجوز أن يعتق فيها) أي في الواجبة (نصراني ولا يهودي) ولا غيرهما من الكفار بالأولى، وتقدم في الباب السابق أنه لا يجوز عتق الكافر في كفارة القتل بالإجماع، لنص الكتاب فيها بقيد الإيمان، وأما غيرها من الكفارات والنذر، فكذلك عند الإمام مالك والشافعي وأحمد في الراجح عنهما، وعن أحمد رواية أخرى في النذر والكفارات غير القتل: الجواز بالعبد مطلقاً، وكذلك عن الشافعي في العتق خاصة وجه للجواز، وأما عند الحنفية، فيجوز عتق الكافر في الواجب مطلقاً غير كفارة القتل. (ولا يعتق فيها) أي الرقاب الواجبة (مكاتب) قال الباجي(١): عتق المكاتب على ضربين: أحدهما: أن يكاتبه ثم يعتقه عن ظهاره، والثاني: أن يشتري مكاتباً ثم يُعتقه عنه، أما الأول فقد روى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون لا يجزئ في الرقاب الواجبة مكاتب ولا مدبر ولا أم ولد ولا معتق إلى أجل ولا ممثل به ولا من يعتق بالقرابة، ووجه ذلك أن كل واحد منهم قد تعلق به عتق ليس للسيد رده، فليس له صرفه إلى وجه آخر وجب عليه . وأما الثاني أي كاتبه غيره فاشتراه هو، ثم أعتقه عن ظهاره، فقد روى ابن المواز عن أصبغ لا يجزئه في قول مالك الأول الذي قال: يرد عتقه (١) ((المنتقى)) (٢٧٧/٦). ٦٣٨ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (٧) باب (١٢٥٨) حديث وَلَا مُدَبَّرٌ. وينقض البيع، وبه قال أشهب، وفي قوله الآخر يجزئه، قال ابن المواز: وهذا أحبُّ إليّ، انتهى. وقال الموفق(١): عن أحمد - رحمه الله - في المكاتب ثلاث روايات؛ إحداهن: يجزئ مطلقاً، اختاره أبو بكر، وهو مذهب أبي ثور؛ لأنه عبد يجوز بيعه، فأجزأ عتقه، الثانية: لا يجزئ مطلقاً، وهو قول مالك والشافعي وأبي عبيد؛ لأن عتقه مستحق بسبب آخر، ولذا لا يملك إبطال كتابته، والثالثة، وهو مختار الخرقي: إن ◌َدَّى من كتابتِهِ شيئاً لم يجزئه وإلا أجزأه، وبهذا قال الليث والأوزاعي وإسحاق وأصحاب الرأي؛ لأنه إذا أَدَّى شيئاً فقد حصل العوض عن بعضه، فلم يجزئ، وإذا لم يؤد، فقد أعتق رقبة كاملة. وفي ((البدائع)) (٢): أما تحرير المكاتب عن الكفارة فجائز استحساناً، إذا كان لم يؤد شيئاً من بدل الكتابة، والقياس أن لا يجوز، وهو قول زفر والشافعي، ولو كان أدى شيئاً من البدل لا يجوز في ظاهر الرواية، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يجوز، ولو عجز عن أداء بدل الكتابة، ثم أعتقه جاز بلا خلاف، سواء كان أدّى شيئاً من بدل الكتابة أو لم يؤد، انتهى. (ولا مدبر) وبه قال الأوزاعي وأبو عبيد وأصحاب الرأي، وقال الشافعي وأحمد: يجزئه المدبر، وهو قول طاووس وأبي ثور وابن المنذر، كذا في ((المغني)). وأخرج البخاري في ((صحيحه)) تعليقاً: قال طاووس: يجزئ المدبر وأم الولد، قال الحافظ(٣): وصله ابن أبي شيبة بلفظ ((يجزئ عتق المدبر في (١) ((المغني)) (٥٢٦/١٣). (٢) ((بدائع الصنائع)) (٣٦٨/٤). (٣) ((فتح الباري)) (٦٠٠/١١). ٦٣٩ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (٧) باب (١٢٥٨) حديث وَلَا أُمُّ وَلَدٍ وَلَا مُعْتَقٌ إِلَى سِنِينَ. الكفارة وأم الولد في الظهار)) ووافقه الحسن في المدبر، والنخعي في أم الولد، وخالفه الزهري والشعبي، وقال مالك والأوزاعي: لا يجزئ في الكفارة مدبر، ولا أم ولد ولا معلق عتقه، وهو قول الکوفیین، انتهى. وفي ((البدائع)) في شرائط الجواز: منها أن تكون الرقبة كاملة الرق، ثم قال بعد ذكر دليله: وعلى هذا يخرج تحرير المدبر وأم الولد عن الكفارة أنه لا يجوز لنقصان رقهما لثبوت الحرية من وجه أو حق الحرية بالتدبير والاستيلاد، حتى امتنع تمليكهما بالبيع والهبة وغيرهما، انتهى. (ولا أم ولد) وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وهي مختار الخرقي، قال الموفق(١): وهو ظاهر المذهب، وبه قال الأوزاعي ومالك والشافعي وأبو عبيد وأصحاب الرأي، وعن أحمد رواية أخرى: أنها تجزئ، ويروى ذلك عن الحسن وطاووس والنخعي وعثمان البتي، انتهى. وتقدم كلام صاحب ((البدائع)) قريباً، واختلفت نسخ ((الموطأ)) في ذكر أم الولد والمعتق إلى سنين في التقديم والتأخير ولا ضیر فیه. (ولا معتق إلى سنين) يعني الذي علق عتقه على مضيها. قال ابن رشد: فإنه عقد عتق لا سبيل إلى حله، وفي ((الشرح الكبير)): ويجزئ المعلق عتقه بصفة قبل وجودها؛ لأن ملكه فيه تامّ، ويجوز بيعه. قال الموفق: إذا علّق عتق عبده أو أمته على مجيء وقت مثل قوله: أنت حر في رأس الحول، لم يعتق حتى يأتي رأس الحول، وله بيعه وهبته وإجارته ووطء الأمة، وبهذا قال الأوزاعي والشافعي وابن المنذر، وحكي عن مالك أنه إذا قال لعبده: أنت حرٌّ في رأس الحول عتق في الحال، والذي حكاه عند ابن المنذر أنها إذا كانت جارية لم يطأها؛ لأنه لا يملكها ملكاً تاماً ولا يهبها، (١) ((المغني)) (٥٢٥/١٣). ٦٤٠