Indexed OCR Text
Pages 601-620
٣٠ - كتاب العتق والولاء (٤) باب (١٢٥١) حديث مِنْ وَلَدِ. إِنَّمَا أَوْلَادُهُمَا بِمَنْزِلَةِ رِقَابِهِمَا لَيْسُوا بِمَنْزِلَةِ أَمْوَالِهِمَا. لِأَنَّ السُّنّةَ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا، أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا عَتَقَ تَبِعَهُ مَالُهُ. وَلَمْ يَتْبَعْهُ وَلَدُهُ. وَأَنَّ الْمُكَاتَبَ إِذَا كُوتِبَ، تَبِعَهُ مَالُهُ وَلَمْ يَتْبَعْهُ وَلَدُهُ. للمكاتب والعبد (من ولد) بل بينهما فرق ظاهر، وهو أنه (إنما أولادهما بمنزلة رقابهما) أي بمنزلة ذواتهما مملوكة للسيد. قال ابن رشد(١): اتفقوا على أن ولد المكاتب لا يدخل في كتابة المكاتب إلا بالشرط؛ لأنه عبد آخر لسيده، وكذلك اتفقوا على دخول ما ولد له في الكتابة فيها، اهـ. قلت: والمراد بالولد ما كان له من أمة له، كما سيأتي في أبواب المكاتب، أما إن كان من حرة، فهو حرٌّ تبعاً لأمه، وإن كان من أمة مزوجة، فهو مملوك لسيدها، فإن الولد تبع للأم في الرقّ والعتق (ليسوا) أي الأولاد (بمنزلة أموالهما) بل أموالهما ملك لهما عند الإمام مالك ومن وافقه. قال الشوكاني(١) في حديث ((من ابتاع عبداً وله مال)) الحديث: فيه دليل على أن العبد إذا ملَّكه سيدُه مالاً ملكه، وبه قال مالك والشافعي في القديم، وقال في الجديد، وأبو حنيفة: إن العبد لا يملك شيئاً أصلاً، والظاهر الأول؛ لأن نسبة المال إلى المملوك تقتضي أنه يملك، وتأويله بأن المراد أن يكون شيء في يد العبد من مال السيد، وأضيف إليه للاختصاص خلاف الظاهر، اهـ. وفيه أنه إذا كان ملكاً له، فكيف صار للذي باعه بدون الشرط، وللذي ابتاعه بالشرط؟ (لأن السنة التي لا اختلاف فيها) عندنا (أن العبد إذا عتق تبعه ماله) ويكون ملكاً للعتيق بعده أيضاً، كما كان ملكاً له قبل ذلك (ولم يتبعه ولده) فإن العبد إذا عتق لا يعتق معه أولاده (وأن المكاتب إذا كوتب تبعه ماله) فيكون ملكاً للمكاتب كما تقدم (ولم يتبعه ولده) لأن الولد ذاتٌ كالأصل فلا يدخل معه تبعاً في العتق ولا الكتابة. (١) ((بداية المجتهد)) (٣٨٣/٢). ٦٠١ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (٤) باب (١٢٥١) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذُلِكَ أَيْضاً، أَنَّ الْعَبْدَ وَالْمُكَاتَبَ إِذَا أَفْلَسَا أُخِذَتْ أَمْوَالُهُمَا. وَأُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِمَا، وَلَمْ تُؤْخَذْ أَوْلَادُهُمَا . لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِأَمْوَالٍ لَهُمَا . (قال مالك: ومما يبين ذلك) أي الفرق بين المال والولد (أيضاً أن العبد) المأذون (والمكاتب إذا أفلسا) بكثرة الديون عليهما (أخذت) ببناء المجهول (أموالهما وأمهات أولادهما) وتؤدى بهما الديون (ولم تؤخذ أولادهما، لأنهم) الأولاد (ليسوا بأموال لهما) بل ملك الساداتهما، وهذا ظاهر مع الاختلاف بینهم في ديون العبد المأذون ما يؤخذ منه. قال ابن رشد (١): أما اختلافهم في العبد المفلس المأذون له في التجارة، هل يتبع بالدين في رقبته أم لا؟ فذهب مالك وأهل الحجاز إلى أنه إنما يتبع بما في يده لا في رقبته، ثم إن أعتق اتبع بما بقي عليه، ورأى قوم أنه يباع، ورأى قوم أن الغرماء يخيرون بين بيعه وبين أن يسعى فيما بقي عليه من الدين، وبه قال شريح، وقالت طائفة: بل يلزم سيده ما عليه وإن لم يشترط، اهـ. وفي ((الهداية))(٢): ديونه أي العبد المأذون متعلقة برقبته، يباع للغرماء إلا أن يفديه المولى، وقال زفر والشافعي: لا يُبَاحُ، ويباع كسبه في دينه بالإجماع، ثم إن فضل شيء من ديونه ◌ُوْلِبَ به بعد الحرية، اهـ. وفي (الشرح الكبير))(٣): العبد المأذون له في التصرف أو الاستدانة فيما يلزمه من الدين على روايتين: إحداهما: يتعلق برقبته، وهو ظاهر قول أبي حنيفة، والثانية: يتعلق بذمة السيد، وهو الذي ذكره الخرقي، فعلى هذه الرواية يلزم مولاه جميع ما أدان، وقال الشافعي ومالك: إن كان في يده مال قضيت ديونه منه وإلّا تَعَلَّقَ بذمته، يتبع به إذا عتق وأيسر، اهـ. (١) (بداية المجتهد)) (٢٩٠/٢). (٢) (٢٨٩/٢). (٣) (٥٣٤/٤). ٦٠٢ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (٥) باب قَالَ مَالِكٌ: وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذُلِكَ أَيْضاً، أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا بِيعَ وَاشْتَرَطَ الَّذِيِ ابْتَاعَهُ، مَالَهُ. لَمْ يَدْخُلْ وَلَدُهُ فِي مَالِهِ. قَالَ مَالِكٌ: وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذُلِكَ أَيْضاً، أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا جَرَحَ. أُخِذَ هُوَ وَمَالُهُ. وَلَمْ يُؤْخَذْ وَلَدُهُ. (٥) باب عتق أمهات الأولاد وجامع القضاء في العتاقة (قال مالك: ومما يبين ذلك أيضاً) أي وجه الفرق بين الأولاد والأموال (أن العبد إذا بيع واشترط الذي ابتاعه ماله لم يدخل ولده في ماله) فلا يكون للمشتري إذا اشترط في البيع مال العبد؛ وذلك لأنه ليس بداخل في المال، بل هو مستقل. (قال مالك: ومما يبين ذلك أيضاً أن العبد إذا جرح) إنساناً (أُخِذ) ببناء المجهول أي يُؤخذ في الأرش (هو وماله، ولم يؤخذ ولده) فيه، ولو كان الولد في حكم ماله لأخذ الولد أيضاً في الجناية، وإذا لم يؤخذ فيها علم أنه مستقل . وفي ((الشرح الكبير)) (١): أما أروش جنايات العبد وقيم متلفاته فهي متعلقة برقبة العبد، سواء كان مأذوناً له أولا، رواية واحدة، وبه يقول أبو حنيفة والشافعي، وكل ما تعلق برقبة العبد خُيِّرَ السيدُ بين تسليمه للبيع وبين فدائه، فإذا بيع، وكان ثمنه أقل مما عليه، فليس لرب الدين إلا ذلك؛ لأن العبد هو الجاني، فلم يجب على غيره شيء، اهـ. (٥) عتق أمهات الأولاد بضم الهمزة وكسرها وفتح الميم وكسرها جمع أم، وقال بعضهم: أمهات للنساء، وأمات للبهائم، وقال آخرون: يقال: أمهات وأمات، كذا في (١) (٤/ ٥٣٥). ٦٠٣ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (٥) باب ((المحلى)) عن الجوهري، وقال الراغب(١): الأُمّ أصله أمهة، لقولهم: أمهات وأميهة، وقيل: أصله من المضاعف لقولهم: أمات وأميمة، اهـ. وأم الولد هي التي ولدت من سيدها في ملكه مع الاختلاف بينهم متى تكون أم ولد، كما تقدم في النكاح، فإذا مات السيد، فتصير هي حرة عند جمهور الفقهاء والأئمة الأربعة. قال ابن الهمام(٢): لا يجوز بيعها ولا تمليكها ولا هبتها، بل إذا مات السيِّد ولم ينجز عتقها تعتق بموته من جميع المال، ولا تسعى لغريم، ولو كان السيد مديوناً مستغرقاً، وهذا كله مذهب جمهور الصحابة والتابعين والفقهاء، إلا من لا يعتدّ به كبشر المريسي، وبعض الظاهرية، فقالوا: يجوز بيعها، اهـ. وقال الموفق(٣): تعتق أم الولد من رأس المال، وإن لم يملك سواها، وهذا قولُ كل من رأى عتقهن، لا نعلم بينهم فيه خلافاً، سواء ولدت في الصحة أو المرض؛ لأنه حاصلٌ بالتذاذه وشهوته وما يُتْلِفه في شهواته ولَذَّاته، يستوي فيه حالُ الصحة والمرض، كالذي يأكله ويلبسه، اهـ. وجامع القضاء في العتاقة يعني الأحكام المتفرقة في العتق فجمع المصنف في الترجمة أمرين، الأول: عتق أم الولد، وهو إجماع خلافاً لمن أباح بيعها، كما سيأتي الخلاف فيه، والثاني: بعض الأقضية المتفرقة في العتق، كما سيأتي. (١) ((مفردات القرآن)) (٨٦). (٢) ((فتح القدير)) (٤٣٦/٤). (٣) («المغني)) (١٤/ ٥٩٧). ٦٠٤ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (٥) باب (١٢٥٢) حديث ٦/١٢٥٢ - حدّثني مَالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: أَيُّمَا وَلِيدَةٍ وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا. فَإِنَّهُ لَا يَبِيعُهَا وَلَا يَهَبُهَا وَلَا يُوَرِّثُهَا. وَهُوَ يَسْتَمْتِعُ بِها. فَإِذَا مَاتَ فَهِيَ حُرَّةٌ. ٦/١٢٥٢ - (مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - (أن) أباه (عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - (قال: أيما وليدة) أي أمة (ولدت من سيدها فإنه) أي السيد (لا يبيعها ولا يهبها) أحداً (ولا يورثها) يعني لا يرثها أحد بعد موت السيد يعتقها بعد موته، والحرة لا تورث (وهو) أي السيد (يستمتع منها) بالوطء والخدمة وغيرهما (فإذا مات) السيد (فهي حرة) من رأس المال، كما تقدم. قال الموفق(١): أحكام أمهات الأولاد أحكام الإماء في جميع أمورهن، إلا أنهن لا يُبَعْن، يعني حكمها حكم الإماء في حمل وطئها لسيدها، واستخدامها، وملك كسبها، وتزويجها، وإجارتها، وعتقها، وتكليفها، وحَدِّها، وعورتها، وهذا قول أكثر أهل العلم، وحكي عن مالك أنه لا يملك إجارتها وتزويجها؛ لأنه لا يملك بيعها، فلا يملك تزويجها وإجارتها . ولنا، أنها مملوكة ينتفع بها، فيملك سيدها تزويجها وإجارتها كالمدبرة، ولأنها مملوكة تعتق بموت سيدها، فأشبهت المدبرة، وإنما منع بيعها؛ لأنها استحقت أن تعتق بموته، وبيعها يمنع ذلك، بخلاف التزويج والإجارة، إلا أنها تخالف الأمة القن في أنها تعتق بموت سيدها من رأس المال، ولا يجوز بيعها، ولا التصرف فيها بما ينقل الملك من الهبة والوقف، ولا ما يراد للبيع؛ وهو الرهن، ولا تورث؛ لأنها تعتق بموت السيد، اهـ. وفي ((العيني)): قال ابن عبد البر(٢): اختلف السلف والخلف من العلماء (١) («المغني)) (٥٨٤/١٤). (٢) انظر: ((الاستذكار)) (١٥٢/٢٣). ٦٠٥ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (٥) باب (١٢٥٢) حدیث في عتق أم الولد وفي جواز بيعها، وكان أبو بكر وعلي وابن عباس وابن الزبير وجابر وأبو سعيد الخدري يجيزون بيع أم الولد، وبه قال داود، وقال جابر وأبو سعيد: كنا نبيع أمهات الأولاد على عهد رسول الله وَّخيول، الحديث. وفي ((التعليق الممجد))(١): ذكر ابن حزم فيهم ابن مسعود وزيد بن ثابت، وقال ابن الهمام: لكن عن ابن مسعود بسند صحيح، وابن عباس: تعتق من نصيب ولدها، ذكره ابن قدامة، فهذا يصرح برجوعها على تقدير صحة الرواية الأولى عنهما، وحكى الشوكاني منهم الناصر والباقر والصادق والمزني وقتادة، لكنه يجوز عند الباقر والصادق بشرط أن يكون بيعها في حياة سيدها، فإن مات ولها منه ولدٌ باقٍ عتقت عندهم، وقيل: هذا مجمع عليه. والمسألة طويلة الذيل، وقد أفردها ابن كثير بمصنف مستقل، وحكي عن الشافعي فيها أربعة أقوال، وذكر أن جملة ما فيها من الأقوال ثمانية، انتهى. قال أبو عمر(٢): والثابت عن عمر - رضي الله عنه - عدم جواز بيعها، وروي مثل ذلك عن عثمان وعمر بن عبد العزيز، وهو قول أكثر التابعين منهم الحسن وعطاء ومجاهد وسالم وابن شهاب وإبراهيم، وإلى ذلك ذهب مالك والثوري والأوزاعي والليث وأبو حنيفة والشافعي في أكثر كتبه، وقد أجاز بيعها في بعض كتبه، وقال المزني: قطع في أربعة عشر موضعاً من كتبه بأن لا تُبَاع، وهو الصحيح من مذهبه، وعليه جمهور أصحابه، وهو قول أبي يوسف ومحمد وزفر والحسن بن صالح وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأبي عبيد، انتهى. وقال الموفق(٣): روي هذا عن عمر وعثمان وعائشة وعامة الفقهاء، (١) (٣٦٣/٣). (٢) انظر: ((الاستذكار)) (١٥٢/٢٣). (٣) ((المغني)) (٥٨٥/١٤). ٦٠٦ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (٥) باب (١٢٥٢) حديث وروى صالح بن أحمد قال: قلت لأبي: إلى أي شيء تذهب في بيع أمهات الأولاد؟ قال: أكرهه، وقد باع علي - رضي الله عنه -، وقال أحمد في رواية إسحاق بن منصور: لا يعجبني بیعُهن . قال أبو الخطاب: فظاهر هذا أنه يصح بيعهن مع الكراهة، فجعل هذا رواية ثانية عن أحمد، والصحيح أن هذا ليس رواية مخالفة لقوله: إنهن لا يُبَعْنَ؛ لأن السلف كانوا يطلقون الكراهة على التحريم كثيراً، ومتى كان التحريم والمنع مصرحاً به في سائر الروايات وجب حمل هذا اللفظ المحتمل على المصرح به، ولا يجعل ذلك اختلافاً، انتهى. وقال الحافظ(١): وقد استقر الأمر عند الخلف على المنع حتى وافق في ذلك ابن حزم ومن تبعه من أهل الظاهر على عدم جواز بيعهن، ولم يبق إلا شذوذ، انتهى. وقال الشوكاني(٢): حكى ابن قدامة(٣) إجماع الصحابة على ذلك، ولا يقدح في صحة هذه الحكاية ما روي عن علي وابن عباس وابن الزبير رضي الله عنهم من الجواز؛ لأنه قد رُوي عنهم الرجوع من المخالفة، كما حكى ذلك ابن رسلان في ((شرح السنن)). وأخرج عبد الرزاق عن علي - رضي الله عنه - بإسناد صحيح أنه رجع عن رأيه الآخر إلى قول جمهور الصحابة، وأخرج أيضاً بسنده عن عَبِيدة السلماني، قال: سمعت علياً - رضي الله عنه - يقول: ((اجتمع رأيي ورأي عمر - رضي الله عنه - في أمهات الأولاد أن لا يُبَعْنَ، ثم رأيت بعد أن يُبَعْنَ، قال عبيدة: فقلت له: فرأيك ورأي عمر في الجماعة أحبُّ إلينا من رأيك وحدك (١) ((فتح الباري)) (١٦٤/٥). (٢) ((نيل الأوطار)) (١٤٩/٤). (٣) انظر: ((المغني)) (١٤/ ٥٨٧). ٦٠٧ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (٥) باب (١٢٥٢) حديث في الفُرْقة))(١)، وهذا الإسناد معدود في أصح الأسانيد. ورواه البيهقي (٢) من طريق أيوب، وأخرج نحوه ابن أبي شيبة، وروى ابن قدامة في ((الكافي)) (٣) أن علياً - رضي الله عنه - لم يرجع رجوعاً صريحاً، إنما قال لعبيدة وشريح: اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره الخلاف، وهذا واضح في أنه لم يرجع عن اجتهاده، وإنما أذن لهم أن يقضوا باجتهادهم الموافق لرأي من تقدم، انتهى. وفي ((المحلى)): وقال ربيعة: يتعجل عتقها لما روى ابن ماجه والحاكم من حديث عكرمة عن ابن عباس، قال: ذكرت أم إبراهيم عند النبي وَلّر، فقال: ((أعتقها ولدها))، وإسناده ضعيف، وفي ((الإصابة)): لكن له طريق عند قاسم بن أصبغ، إسنادها جيد، انتهى. واحتج الأوّلون بحديث جابر عند أبي داود(٤) والنسائي وغيرهما: بعنا أمهات الأولاد على عهد رسول الله وَل# وأبي بكر، فلما كان عمر نهانا فانتهينا، وللنسائي من وجه آخر: كنا نبيع أمهات الأولاد على عهد رسول الله ◌َّ، فلا ينكر ذلك علينا، وله أيضاً عن أبي سعيد في أمهات الأولاد: كنا نبيعهن في عهد رسول الله وَّر، كذا في ((الدراية)). قال الشوكاني(٥): وفي الباب عن أبي سعيد عند الحاكم بنحو حديث جابر وإسناده ضعيف، وقال البيهقي: ليس في شيء من الطرق أن النبي وَل اطلع على ذلك يعني بيع أمهات الأولاد وأقرهم عليه. (١) أخرجه عبد الرزاق (١٣٢٢٤). (٢) ((السنن الكبرى)) (٣٤٣/١٠). (٣) وذكره في ((المغني)) (١٤/ ٥٨٧). (٤) ((سنن أبي داود)) (٣٩٥٤/٤). (٥) ((نيل الأوطار)) (١٦٩/٤). ٦٠٨ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (٥) باب (١٢٥٢) حديث وقال الحافظ(١): روى ابن أبي شيبة عن جابر ما يدل على ذلك، يعني الاطلاع والتقرير، انتهى. واحتج الجمهور بما روى ابن عمر - رضي الله عنه - مرفوعاً: ((أمهات الأولاد لا يُبعنَ ولا يُوهبن، ولا يورثن، يستمتع بها سيدها ما دام حياً، فإذا مات فهي حُرَّةٌ)) رواه الدارقطني والبيهقي، وصَحَّحًا وقفَه على ابن عمر، وخالفَهما ابنُ القطان، فصَخَّحَ، وحَسَّنَه، ورفعه، وقال: رواته كلهم ثقات، وروى الدارمي عن ابن عباس مرفوعاً: ((إذا ولدت أمة الرجل فهي معتقته عن دُبْر منه أو بعده))، وروى ابن ماجه والحاكم وصحَّحَ إسناده: ((أيما امرأة ولدت من سيدها فهي حرة عن دبر منه))، كذا في ((المحلى)). قال ابن الهمام(٢): والطرق كثيرة في هذا المعنى، ولذا قال الأصحاب: إنه مشهور تلقته الأمة بالقبول، وإذ قد كثرت طرق هذا المعنى، وتعددت، واشتهرت، فلا يضره وقوع راوٍ ضعيف فيه مع أن ابن القطان قال في كتابه: وقد روي بإسناد جید، انتھی. واستدل لهم أيضاً بحديث أبي سعيد الخدري المذكور في العزل، وأخرجه البخاري وغيره بلفظ: ((ونحب الأثمان فكيف ترى في العزل)»؟ الحديث، وبحديث سلامة بنت معقل قالت: كنتُ للحباب بن عمرو، ولِي منه غلامٌ، فقالت لي امرأته: الآن تُباعِينَ في دَيْنه، الحديث أخرجه أبو داود(٣). وفي ((المنتقى)) فيه زيادة وهي: فاختلفوا فيما بينهم بعد وفاة رسول الله وَخله، فقال قوم: أم الولد مملوكة، لولا ذلك لم يعوضكم رسول الله وَل، وقال بعضهم: هي حرة، قد أعتقها رسول الله وَلّر، ففي هذا كان الاختلاف، رواه (١) ((تلخيص الحبير)) (٤٠٢/٤). (٢) ((فتح القدير)) (٣٢٦/٤). (٣) أخرجه أبو داود (٣٩٥٣). ٦٠٩ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (٥) باب (١٢٥٢) حديث أحمد في ((مسنده))، قال الخطابي: ليس إسناده بذاك، وذكر البيهقي أنه أحسن شيء روي في هذا الباب، وبما قال الخطابي ثبت أنه عليه السلام قال: إنا معاشر الأنبياء لا نُوْرَثُ، ما تركنا صدقة، فلو كانت مارية مالاً بيعت، وصار ثمنها صدقة. وأجاب الجمهور عن حديث جابر وما في معناه بما قال ابن تيمية في (المنتقى)) (١): قال بعض العلماء: إنما وجه هذا أن يكون ذلك مباحاً، ثم نُهِيَ عنه، ولم يظهر النهي لمن باعها، ولا علم أبو بكر بمن باع في زمانه لقصر مدته واشتغاله بأهم أمور الدين، ثم ظهر ذلك في زمان عمر - رضي الله عنه -، فأظهر النهي والمنع، وهذا مثل حديث جابر - رضي الله عنه - أيضاً (كنا نستمتع بالقُبْضة من التمر والدقيق الأيامَ على عهد رسول الله بَّر وأبي بكر حتى صَلىالله نهانا عمر))، رواه مسلم، وإنما وجهه ما سبق لامتناع النسخ بعد وفاة النبي وَعَلِيلَ، انتھی . وقال الحافظ(٢): لم يستند الشافعي في القول بالمنع إلا إلى عمر، فقال: قلته تقليداً لعمر، قال بعض أصحابه: لأن عمر - رضي الله عنه - لما نهى عنه، فانتهوا فصار إجماعاً، يعني فلا عبرة بندور المخالف بعد ذلك، ولا يتعين معرفة سند الإجماع، انتهى. فلا حاجة إلى الجواب عما ورد بعد الإجماع على ذلك في زمن عمر - رضي الله عنه -. قال الموفق(٣): فهو إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - بدليل قول علي: كان رأيي ورأي عمر - رضي الله عنه - أن لا تباع أمهات الأولاد، وقوله: (١) انظر: ((نيل الأوطار)) (١١٦/٦). (٢) ((فتح الباري)) (١٦٥/٥). (٣) («المغني)) (١٤/ ٥٨٧). ٦١٠ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (٥) باب (١٢٥٣) حديث ٧/١٢٥٣ - وحدّثني مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَتَتْهُ وَلِيْدَةٌ قَدْ ضَرَبَهَا سَيِّدُهَا بِنَارٍ. أَوْ أَصَابَهَا بِهَا. فَأَعْتَقَهَا. فقضى به عمر حياته وعثمان حياته، وقول عبيدة: رأي علي - رضي الله عنه - في الجماعة أحبُّ إلينا من رأيه وحده، فإن قيل: كيف تصحّ دعوى الإجماع مع مخالفة علي وابن عباس وابن الزبير؟ قلنا: قد روي عنهم الرجوع عن المخالفة، فقد روى عبيدة قال: بعث إليّ عليّ - رضي الله عنه - وإلى شريح أن اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أبغض الاختلاف، ثم قد ثبت الإجماع باتفاقهم قبل المخالفة، واتفاقهم معصوم عن الخطأ، ورأي الموافق في زمن الاتفاق خيرٌ من رأيه في الخلاف بعده، فيكون الاتفاق حجةً على المخالف له منهم، كما هو حجة على غيره. فإن قيل: فلو كان الاتفاق في بعض العصر إجماعاً حرمت مخالفته، فكيف خالفه هؤلاء الأئمة الذين لا تجوز نسبتهم إلى ارتكاب الحرام؟ قلنا : الإجماع ينقسم إلى مقطوع، ومظنون، وهذا من المظنون فيمكن وقوع المخالفة منهم له مع كونه حجة، كما وقع منهم مخالفة النصوص الظنية، ولا تخرج بمخالفتهم عن كونها حجة، كذا ههنا، انتهى. ٧/١٢٥٣ - (مالك أنه بلغه) وقد أسنده عبد الرزاق وغيره بوجوهٍ (أن عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - (أتته وليدةٌ) أي أمة (قد ضربها) أُعْرِب على هذا في النسخ المصرية بالفتحات وخفة الراء، فكأنهم ضبطوه من الضرب، والضمير مفعول، وأعرب عليه في النسخ الهندية بتشديد الراء، فكأنهم ضبطوه من المضرة، و(بها)) بحرف الجر على الضمير، ولفظ ((المحلى)) يخالف ذلك كله ففيه بدله: قد جرحها (سيدها بنار أو) شك من الراوي (أصابها بها) أي أصاب الأمة بالنار (فأعتقها) أي حكم عمر بعتقها، وفي ((المنتقى)): حكاه أحمد في رواية ابن منصور قال: وكذلك أقول، انتهى. ولعبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة قال: أقعد سفيان بن الأسود بن عبد الله أمة له على مقلاة له، فاحترق عجزها، فأتت عمر - رضي الله ٦١١ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (٥) باب (١٢٥٣) حديث عنه - فأعتقها، وفي ((المحلى)): روى الدارقطني والحاكم عن ابن عباس جاءت جارية إلى عمر، فقالت: إن سيدي اتّهمني، فأقعدني على النار حتى احترق فرجي، فقال عمر - رضي الله عنه : - هل رأى ذلك منك(١). قالت: لا، فاعترفت له بشيء؟ قالت: لا، فقال عمر - رضي الله عنه -: عَلَيّ به، فقال له عمر: أتعذب بعذاب الله؟ قال: يا أمير المؤمنين، اتهمتها في نفسها، قال: رأيت ذلك عليها؟ قال: لا، قال: فاعترفت لك به؟ قال: لا، قال: والذي نفسي بيده لو لم أسمع رسول الله وَلير: ((لا يقاد مملوك من مالكه)) لأقدتُها منك، فضربه مائة سوط، ثم قال لها: اذهبي فأنت حرة، وأنت مولاة الله ورسوله، وقال الزيلعي(٢): قال الحاكم(٣): صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وأخرجه في العتق والحدود، وتعقبه الذهبي في ((مختصره))، فقال: عمر بن عيسى القرشي منكر الحديث، انتهى. قلت: تعقبه في العتق، وأقره عليه بعد ذلك في الحدود، وقال: صحيح. وفي ((المحلى)): قال عياض: أجمعوا على أنه لا يجب إعتاق العبد بشيء مما يفعل به مولاه من الأمر الخفيف، واختلفوا فيما أكثر من ذلك من ضرب برح، أو حرقة بنار، أو قطع عضو، ونحوها مما فيه مُثْلة، فذهب مالك والليث إلى عتق العبد بذلك، ويكون ولاؤه له، ويعاقبه السلطان على ذلك، وقال سائرهم: لا يعتق عليه، واختلف أصحاب مالك فيما لو حلق رأس المرأة أو لحية العبد، انتهى. وقال الباجي(٤): الإصابة بالنار على ضربين: أحدهما العمد، والثاني (١) في ((المستدرك)) (٣٦٨/٤) بدله عليك. (٢) (نصب الراية)) (٣٣٩/٤). (٣) ((المستدرك)) (٣٦٨/٤). (٤) ((المنتقى)) (٢٦٩/٦). ٦١٢ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (٥) باب (١٢٥٣) حديث الخطأ، فأما العمد فمؤثر في إنجاز العتق، وأما الخطأ فليس بمؤثر فيه، وفي ((العتبية)) عن ابن القاسم فيمن ضرب عبده بسوط ففقأ عينه، قال: لا يعتق عليه، قال ابن القاسم: وإنما يعتق ما كان على وجه العمد لا على وجه الخطأ، يريد أن يقصد فقأ عينه، أما إن قصد ضربه فأخطأ فأصاب عينه ففقأها، فلا يعتق عليه، قال سحنون: ومن ضرب رأس عبده، فنزل الماء في عينيه، فليس بمثلة يعتق بها، ووجه ذلك أنه لم يقصد ذلك إنما قصد الضرب. أما إحداث ما يتولد عنه الشين، فهو على ضربين: ضرب: يبلغ بالعمد شيئاً فاحشاً، فهذا يعتق به العبد على فاعله المالك، وإن لم يبلغ ذلك لم يعتق به، فإنما يعتق عليه باجتماع أمرين: العمد، وبلوغ الشين الفاحش، ثم من أعتق على السيد بالمثلة، فقد روى ابن المواز عن ابن القاسم، لا يعتق إلا بالحكم، وقال أشهب: بالمثلة يصير حراً، وقال ابن عبد الحكم: أما المثلة المشهورة لا شك فيها فهو حر بنفس المثلة، وأما ما يشك فيه، فلا يعتق إلا بحکم، انتھی. وقال ابن رشد (١): أما من يدخل عليهم العتق كرهاً فهم ثلاثة، من بعض العتق، وهذا متفق عليه في أحد قسميه، وهو إذا كان المعتق موسراً. واثنان مختلف فيهما، وهما، من ملك من يعتق عليه، ومن مَثَّلَ بعبده، فالإعتاق بالمُثْلَةِ اختلف العلماء فيه، فقال مالك والليث والأوزاعي: من مَثَّلَ بعبده أُعْتِقَ عليه، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يعتق عليه، وشَذّ الأوزاعي، فقال: من مَثَّل بعبد غيره أعتق عليه، والجمهور على أن يضمن ما نقص من قيمة العبد. فمالكٌ ومن قال بقوله اعتمد حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في قصة زِنْباع، وعمدة الفريق الثاني قوله ◌ّ في حديث ابن عمر: ((من لطم (١) (بداية المجتهد)) (٣٦٧/٢). ٦١٣ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (٥) باب (١٢٥٣) حديث مملوكه أو ضربه فكفارته عتقه)) قالوا: فلم يلزم العتق في ذلك، وإنَّما ندب إليه، ولهم من طريق المعنى أن الأصل في الشرع أنه لا يكره السيد على عتق عبده إلا ما خصه الدليل، وأحاديث عمرو بن شعيب مختلف في صحتها، فلم يبلغ في القوة أن يخصص بها مثل هذه القاعدة، انتهى. وفي ((الشرح الكبير)): إن مَثَّلَ بعبده، فجدع أنفه أو أذنه أو نحو ذلك عتق، نص عليه يعني الإمام أحمد لحديث عمرو بن شعيب في قصة زنباع، وقال القاضي: القياس أن لا يعتق؛ لأن سيده لم يعتقه بلفظ صريح ولا كناية، وإذا ثبت الحديث وجب العمل به، وترك القياس، انتهى. وما استدلوا به من قصة زنباع، فقد روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده؛ أن زِنْباعاً أبا رَوْح وجد غلاماً له مع جارية له، فجدع أنفه وجَبَّهُ، فأتى النبيَّ وََّ، فقال: من فعل هذا بك؟ قال: زِنْبَاعٌ، فدعاه النبي بََّ، فقال: ما حملك على هذا؟ فقال: كان من أمره كذا وكذا، فقال رسول الله وَلين : (اذهب فأنت حر))، فقال: يا رسول الله، فمولى من أنا، فقال: ((مولى الله ورسوله)) فأوصى به المسلمين، فلما قُبض جاء إلى أبي بكر، فقال: وصيةُ رسول الله وَل﴾، فقال: نعم، نجري عليك النفقَةَ وعلى عيالك، فأجراها عليه حتى قبض، فلما استخلف عمر جاءه. فقال: وصية رسول الله وَلقر، قال: نعم، أين تريد؟ قال: مصر، قال: فكتب عمر - رضي الله عنه - إلى صاحب مصر أن يعطيه أرضاً يأكلها، رواه أحمد(١). وفي رواية قال: جاء رجل إلى النبيِ وَسَ﴿ صارخاً، فقال له: مالك؟ قال: سيدي رآني أقُبِّلُ جارية له، فجَبَّ مذاكيري، فقال النبي ◌َّ: عليٍّ بالرجل، فطُلِبَ فلم يُقْدَرْ عليه، فقال رسول الله وَل: ((اذهب فأنت حر)) رواه أبو داود وابن ماجه، وزاد: قال: على (١) رواه أحمد في ((مسنده)) (١٨٢/٢). ٦١٤ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (٥) باب (١٢٥٣) حديث قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَتَاقَةُ رَجُلٍ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِمَالِهِ. من نصرتي يا رسول الله؟ قال: تقول: أرأيت إن استرقني مولائي، فقال رسول الله ◌َي: ((على كل مؤمن أو مسلم))، كذا في ((المنتقى))(١). قال الشيخ في ((البذل))(٢) وفي النسخة المكتوبة، قال أبو داود: الذي عتق كان اسمه روح بن دينار، والذي جَبَّه زنباع، قال أبو داود: وهذا زنباع أبو روح كان مولى العبد، وذكر الحافظ في ((الإصابة)) في ترجمة زنباع بن سلامة، ويقال: ابن روح بن سلامة، حديثَ أحمد المذكور، ورواه ابن منده، فسمى العبد سندراً، وروى البغوي من طريق عبد الله بن سندر عن أبيه أنه كان عند زنباع بن سلامة الجذاعي، فذكره، وروى ابن ماجه القصة من زنباع نفسه بسند ضعيف، انتھی. (قال مالك: والأمر) المختار (عندنا أنه لا تجوز عتاقة رجل، و) الحال أنه يجب (عليه دين يحيط بماله) أي يستغرق جميع ماله، قال الباجي(٣): وهذا كما قال: إنه من أحاط الدين بماله فإنه لا يبتدئ عتق عبده، فإن فعل ذلك، وأعتق عبده فإن للغرماء ردّ ذلك بحكم حاكم، وليس لهم ردُّه بدون الإمام، فإن ردوه، وباعوه، ففي ((الموازية)): يرد الإمام بيعهم، ويعتقهم، ومعنى ذلك أنه يردهم إلى الحالة التي كانوا عليها، ثم ينظر في أمرهم، فإن كان متصل العدم رد عتقهم، ووجه ذلك أنه حكم بين الغرماء والعبد، اهـ. وقال الدردير (٤): إن أحاط بماله الدين لم يصح عتقه بمعنى لم يلزم. (١) انظر: ((نيل الأوطار)) (١٥٣/٤). (٢) ((بذل المجهود)» (٣١/١٨). (٣) ((المنتقى)) (٢٧٢/٦). (٤) ((الشرح الكبير)) (٣٥٩/٤). ٦١٥ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (٥) باب (١٢٥٣) حديث ولغريمه ردُّه إلى آخر ما بسط في فروعه، قلت: ويرد تدبيره أيضاً عند مالك، كما سيأتي في أبواب المدبر. وقال ابن رشد(١): اختلفوا في جواز عتق من أحاط الدين بماله، فقال أكثر أهل المدينة مالك وغيره: لا يجوز ذلك، وبه قال الأوزاعي والليث، وقال فقهاء العراق: ذلك جائز حتى يحجر عليه الحاكم، وذلك عند من يرى التحجير منهم، وقد يتخرج عن مالك في ذلك الجواز قياساً على ما رُوي عنه في الرهن أنه يجوز، وإن أحاط الدينُ بمال الراهن ما لم يحجر عليه الحاكم. وعمدة من منع عتقه أن ماله في تلك الحال مستحقٌ للغرماء، فليس له أن يخرج منه شيء بغير عوض، وهي العلة التي بها يحجر الحاكم عليه التصرف، والأحكام يجب أن توجد مع وجود عللها، وتحجير الحاكم ليس بعلة، وإنما هو حكم واجب من موجبات العلة، فلا اعتبار بوقوعه. وعمدة الفريق الثاني: أنه قد انعقد الإجماع على أن له أن يطأ جاريته، ويحلّها، ولا يرد شيئاً مما أنفقه من ماله على نفسه وعياله، حتى يضرب الحاكم على يديه، فوجب أن يكون حكم تصرفاته هذا الحكم، وهذا قول الشافعي، اهـ. وقال السرخسي في ((المبسوط)): قال ابن أبي ليلى: لا يجوز عتق من فَلَّسَه القاضي، وحبسه في الدين، وعندنا، ينفذُ عتقُه إلا أن عند أبي حنيفة لا سعاية على العبد، وعلى قول أبي يوسف ومحمد يلزمه السعاية في قيمته للغرماء، وهو بناء على مسئلة الحجر بسبب الدين، اهـ. وفي ((الشرح الكبير))(٢) لابن قدامة في أحكام الحجر بسبب الدين: فإن (١) ((بداية المجتهد)) (٢/). (٢) (٤٩٠/٤). ٦١٦ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (٥) باب (١٢٥٣) حديث وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَتَاقَةُ الْغُلَامِ حَتَّى يَحْتَلِمَ. أَوْ يَبْلُغَ مَبْلَغَ الْمُحْتَلِمِ. وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَتَاقَةُ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ فِي مَالِهِ، وَإِنْ بَلَغَ الْحُلُمَ، حَتَّى يَلِيَ مَالَهُ. أعتق بعض رقيقه صَحَّ في إحدى الروايتين ونفذ، وهو قول أبي يوسف وإسحاق؛ لأنه عتق من مالكٍ رشيد فنفذ، كما قبل الحجر، وفارق سائر التصرفات؛ لأن للعتق تغليباً وسراية، والأخرى لا ينفذ عتقه، وبه قال مالك وابن أبي ليلى والثوري والشافعي. واختاره أبو الخطاب في ((رؤوس المسائل))؛ لأنه ممنوع من التبرع لحق الغرماء، فلم ينفذ عتقه، كالمريض الذي يستغرق دينه ماله، اهـ، قال الموفق: وهذا أصح إن شاء الله. (وأنه لا يجوز عتاقة الغلام) أي الصبي ولو راهق (حتى يحتلم، أو) حتى (يبلغ مبلغ الحلم) في النسخ الهندية، وفي المصرية مبلغ المحتلم، ولفظ ((أو)) يحتمل الشك من الراوي، وعلى هذا، فمعنى قوله: حتى يحتلم، أي يبلغ، سواءٌ كان بالاحتلام أو بغيره، ويحتمل التنويع، فمعنى قوله: حتى يحتلم، أي ينزل في المنام، ومعنى قوله: حتى يبلغ أي يبلغ مبلغه بغير الاحتلام كالسن، ونحوه. وقال الباجي(١): يحتمل أن يكون على وجه الشك من الراوي، ويحتمل أن يريد أن يكون به علامات الاحتلام موجودة، وهي الإنبات أو السن، وذلك أن الحكم إذا كان بين الصبي وغيره من الآدميين، ووُجِدَتْ به علاماتُ البلوغ، حكم له بحُكم الرجال البالغين، اهـ. والمسئلة إجماعية بين العلماء، فإن ابن رشد والموفق وغيرهما صَرَّحوا بالإجماع على أنه لا تجوز عتق الصبي حتى يبلغ. (وأنه لا يجوز عتاقة) المحجور (المُؤَلَّى عليه) ببناء المجهول من التولية (في ماله) وليس في النسخ الهندية لفظ ((في)) أي يكون ماله في تولية أحد (وإن بلغ الحلم) وصلية، يعني وإن كان بالغاً لا يجوز أيضاً عتقه (حتى يلي) بنفسه (ما له) بفكِّ الحجر عنه. (١) ((المنتقى)) (٢٧٣/٦). ٦١٧ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (٥) باب (١٢٥٣) حديث قال الباجي: يريد أن السفيه لا يجوز عتقه لا سيما إذا كان مُوَلّى عليه ممنوعاً من التصرف في ماله؛ لأن ذلك حكم بردِّ أفعاله، وأما إن كان غير مولّى عليه، ففي ((العتبية)) و((الموازية)) عن مالك في السفيه يلي ماله: يجوز عتقه، وروى ابن زياد عن مالك أن البَيِّنَ سَفْهُه أفعالُه جائزةٌ حتى يُحْجَرَ عليه، وهذا قول أصحاب مالك إلا ابن القاسم، فإنه قال في الذي سَفْهُهُ بَيِّنٌ: يحجر على مثله لا يجوز أمره. فإذا قلنا: إن عتق الموَلّى عليه لا يجوز، فقد قال مالك في ((الموازية)): لا يجوز عتقه وإن أجازه وليّه، ووجه ذلك أنه ليس لوليه إتلاف ماله، فإذا رشد، فله ردّه كالصبي، وأما عتق السفيه أم ولده، فقد روى ابن المواز: أجمع مالك وأصحابه أن عتق السفيه لأم ولده لازم جائز، وروى سحنون عن المغيرة وابن نافع: أن عتقه أم ولده لا يجوز، اهـ. وقال الدردير(١): لا يصح عتق السفيه إلا لأم ولده؛ لأنه ليس له فيها إلا الاستمتاع ويسير الخدمة، قال الدسوقي: لا يصح أي لا يلزم وإن كان صحيحاً، فله إمضاؤه إذا رشد ما لم يكن ردّه وليّه قبله، اهـ. وقال الموفق(٢) في أحكام المحجور عليه لسفهٍ أو فلسٍ: إن أعتق لم يصحّ عتقه، وهذا قول القاسم بن محمد والشافعي، وحكى أبو الخطاب عن أحمد رواية أخرى أنه يصحّ؛ لأنه عتق عن مكلف مالكٍ تام الملك فصحَّ كعتق الراهن والمفلس، ويصح تدبيره واستيلاده وتعتق المستولدة بموته، اهـ. وأما عند الحنفية فيصح عتقه، وفي ((الهداية))(٣): قال أبو حنفة: لا يحجر (١) ((الشرح الكبير)) (٣٥٩/٤). (٢) ((المغني)) (٦١٣/٦). (٣) (٤٣٦/٦/٣). ٦١٨ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (٦) باب (٦) باب ما يجوز من العتق في الرقاب الواجبة على الحر العاقل البالغ السفيه، وتصرفه في ماله جائز، وإن كان مبذراً يتلف ماله فيما لا غرض له فيه ولا مصلحة، وقال أبو يوسف ومحمد، وهو قول الشافعي: يُحْجر على السفيه، ويُمنع من التصرف في ماله، ولو باع قبل حجر القاضي جاز عند أبي يوسف؛ لأنه لا بد من حجر القاضي عنده؛ لأن الحجر دائر بين الضرر والنظر، فلا بد من فعل القاضي. وعند محمد لا يجوز؛ لأنه يبلغ محجوراً عنده، إذ العلة هي السفه بمنزلة الصبا، وعلى هذا الخلاف إذا بلغ رشيداً ثم صار سفيهاً، وإن أعتق عبداً نفذ عتقه عندهما، وعند الشافعي لا ينفذ. والأصل عندهما أن كل تصرف يؤثر فيه الهزل يؤثر فيه الحجر؛ لأن السفيه في معنى الهازل من حيث أن الهازل يخرج كلامه، لا على نهج العقلاء لاتباع الهوى، وإذا صَحَّ العتقُ عندهما كان على العبد أن يسعى في قيمته؛ لأن الحجر لمعنى النظر، وذلك في ردّ العتق، وهو متعذر، فيجب ردّه برد القيمة، اهـ. وأما عند الإمام فلا أثر للحجر، كما تقدم قريباً . (٦) ما يجوز من العتق في الرقاب الواجبة يعني بيان الأنواع التي تجوز في العتق الذي يجب على الإنسان، فإن العتق قد يكون مندوباً، وهو ما يكون لوجه الله تعالى من غير إيجاب، فإن الشرع قد ندب إلى ذلك في القرآن والحديث، والنصوص في ذلك كثيرة، ومنه العتق في قتل العمد. كما جزم به الدردير، وقد يكون واجباً، وهو الإعتاق للنذر والكفارة، وهي أربعة: كفارة القتل، والظهار، واليمين، والإفطار، وتقدم الكلام على هذه الكفارات الثلاثة في أبوابها مفصلاً. وأما عتق النذر، فقال الموفق(١): إذا نذر عتق رقبة فهي التي تجزئ في (١) («المغني)) (٦٤١/١٣). ٦١٩ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (٦) باب (١٢٥٤) حديث ٨/١٢٥٤ - حدّثني مَالِكٌ عَنْ هِلَالِ بْنِ أُسَامَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَم؛ الواجب، يعني لا تجزئه إلا رقبة مؤمنة سليمة من العيوب المُضِرِّة بالعمل، وهي التي تجزئ في الكفارة؛ لأن النذر المطلق يحمل على المعهود في الشرع، والواجب بأصل الشرع كذلك، وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي، والوجه الآخر يجزئه أيُّ رقبة كانت صحيحة أو معيبة، مسلمة أو كافرة؛ لأن الاسم يتناول الجميع. ولنا، أن المطلق يحمل على المعهود في الشرع، وهو الواجب في الكفارة، فأما إن نوى رقبة بعينها أجزأه ما نوى، اهـ. وفي هامش الزيلعي على ((الكنز)): قال الإتقاني: لا خلاف إلا في الرقبة الكافرة، فإنها تجزئ عندنا عن كفارة الظهار، والإفطار، واليمين، خلافاً للشافعي، فإنها لا تجزئ عنده، وعلى هذا الخلاف إذا نذر أن يعتق رقبة، فأعتق رقبة كافرة. كذا ذكره الإمام علاء الدين في طريقة الخلاف، وقول أحمد كقول الشافعي، اهـ. ٨/١٢٥٤ - (مالك عن هلال بن) علي بن (أسامة) نسب إلى جده، وهو المعروف بهلال بن أبي ميمونة، ويقال له هلال بن أبي هلال العامري المدني توفي بعد سنة ١١٠ هـ من رواة الستة، لمالك عنه هذا الحديث الواحد، قاله الزرقاني(١) (عن عطاء بن يسار) بتحتية ومهملة خفيفة (عن عمر بن الحكم) قال النسائي: كذا يقول مالك: عمر بن الحكم، وغيره يقول: معاوية بن الحكم السلمي. وقال ابن عبد البر(٢): هكذا قال مالك، وهو وهم عند جميع أهل العلم بالحديث، وليس في الصحابة رجل يقال له: عمر بن الحكم، وإنما هو (١) ((شرح الزرقاني)) (٨٤/٤). (٢) انظر: ((الاستذكار)) (١٦٦/٢٣). ٦٢٠