Indexed OCR Text
Pages 401-420
٢٨ - كتاب الطلاق (٢٩) باب (١٢٠٢) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَعَلَى ذُلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا . وابن سيرين وابن المسيب وعمر بن عبد العزيز وسليمان بن يسار والنخعي والزهري والشعبي قالوا: يجوز طلاقه. وأخرج عن الحكم قال: من طلق في سكر من الله فليس طلاقه بشيء، ومن طلّق في سكر من الشيطان فطلاقه جائز، وأخرج عن عثمان - رضي الله عنه - أنه كان لا يجيز طلاق السكران، وأن عمر بن عبد العزيز كان يُجيزه حتى حدّثه أبان بذلك، وأخرج عن جابر بن زيد وعكرمة وطاووس كانوا لا یجیزونه، اهـ. (قال مالك: وذلك الأمر) المرجح (عندنا) والمسألة خلافية، وعن الإمام أحمد في ذلك ثلاث روايات، الأولى: يقع الطلاق، والثانية: لا، والثالثة: التوقف عن الجواب، وقال: اختلف فيه أصحاب رسول الله وَّل، وفي ((المحلى)) عن الخطابي وقف أحمد، فقال: لا أدري، ثم الرواية الأولى فقد اختارها أبو بكر الخلّال والقاضي، وهو مذهب ابن المسيب وعطاء ومجاهد والحسن وابن سيرين والشعبي والنخعي ومالك والثوري والأوزاعي والشافعي في أحد قوليه وأبي حنيفة وصاحبيه، ومثل هذا عن علي ومعاوية وابن عباس - رضي الله عنهم -. والرواية الثانية عن أحمد اختارها أبو بكر عبد العزيز، وهو قول عثمان - رضي الله عنه - ومذهب عمر بن عبد العزيز والقاسم وطاووس وربيعة ويحيى الأنصاري والليث وإسحاق وأبي ثور والمزني، قال ابن المنذر: هذا ثابت عن عثمان، ولا نعلم أحداً من الصحابة خالفه، وقال أحمد: حديث عثمان أرفع شيء فيه، وهو أصح يعني من حديث علي - رضي الله عنه -، اهـ. قال الباجي(١): إذا طلق السكران جاز طلاقه، وهو مذهب عمر وعلي (١) ((المنتقى)) (١٢٥/٤). ٤٠١ ٢٨ - كتاب الطلاق (٢٩) باب (١٢٠٢) حديث وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ كَانَ يَقُولُ: إِذَا لَمْ يَجِدِ الرَّجُلُ مَا يُنْفِقُ عَلَى امْرَأَتِهِ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا . رضي الله عنهما وابن سيرين وأكثر الفقهاء، وللشافعي في ذلك قولان: أحدهما: يلزمه الطلاق، وعليه أكثر أصحابه. والثاني: لا يلزمه، وبه قال المزني. والدليل على ما نقوله أن كل من لزمه القطع بالسرقة والقصاص في القتل لزمه الطلاق، ولا خلاف في إلزامه القطع بالسرقة إلا ما رُوي عن عثمان الليثي، وليس ممن يعتدّ بخلافه، وهو محجوج بالإجماع قبله، وأما القصاص في القتل فلا خلاف فيه، اهـ. وفي ((المحلى)) فيمن لا يجيز طلاق السكران هو المروي عن ابن عباس وعكرمة وجابر بن زيد، وهو قول زفر وإسحاق وربيعة، واختاره الطحاوي والكرخي، وفي ((التاتارخانية)»: والفتوى عليه، اهـ. قال الحافظ في ((الفتح))(١): عن الشافعي قولان؛ المصحح منهما وقوعه، والخلاف عند الحنابلة، لكن الترجيح بالعكس، اهـ(٢). (مالك أنه بلغه أن سعيد بن المسيب كان يقول) وسيأتي وصله في آخر الحديث (إذا لم يجد الرجل ما ينفق على امرأته فرق) ببناء المجهول (بينهما) لأن نفقتها لازمة له، فإذا عجز عنها فلا بد من التفريق، وبسط الباجي في فروع هذه المسألة. وأخرج البيهقي(٣) بسنده إلى الشافعي أنا سفيان عن أبي الزناد، قال: سألت سعيد بن المسيب عن الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته، قال: يفرق بينهما، قال أبو الزناد: قلت: سُنَّةٌ؟ قال سعيد: سُنَّةٌ، قال الشافعي: والذي يُشبه قول سعيد سنة أن تكون سنةً من رسول الله وَل﴾. (١) ((فتح الباري)) (٣٩١/٩). (٢) انظر: ((الاستذكار)) (١٦٧/١٨)، و((معرفة الآثار والسنن)) (١٥٥٢٤/١١). (٣) ((السنن الكبرى)) (٤٦٩/٧). ٤٠٢ ٢٨ - كتاب الطلاق (٢٩) باب (١٢٠٢) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَعَلَى ذُلِكَ، أَدْرَكْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا. ثم أخرج بسنده إلى حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب في الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته، قال: يفرق بينهما، وعن حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي وَله بمثله . (قال مالك: وعلى ذلك) أي على جواز التفريق بالإعسار (أدركت أهل العلم ببلدنا) قال الموفق(١): إن الرجل إذا منع امرأته النفقة لعسرته، وعدم ما ينفق فالمرأة مخيرة بين الصبر عليه وبين فراقه، ورُوي نحو ذلك عن عمر وعلي وأبي هريرة - رضي الله عنهم -، وبه قال ابن المسيب والحسن وعمر بن عبد العزيز وربيعة وحماد ومالك ويحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور. وذهب عطاء والزهري وابن شبرمة وأبو حنيفة وصاحباه إلى أنها لا تملك فراقه بذلك، ولكن يرفع يده عنها لتكتسب، لأنه حق لها عليه، فلا يفسخ النكاح لعجزه عنه كالدين، وقال العنبري: يحبس إلى أن ينفق. ولنا قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَالٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيٌ بِإِحْسَانٍ﴾(٢) وليس الإمساك مع ترك الإنفاق إمساكاً بمعروف، فيتعين التسريح. ورُوي عن ابن المسيّب أنه سُنَّةٌ، وهذا ينصرف إلى سنة رسول الله وَه وقال ابن المنذر: ثبت أن عمر - رضي الله عنه - كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم، فأمرهم بأن يُنفقوا أو يُطَلِّقُوا، فإن طَلّقُوا بَعَثُوا بنفقة ما مضى(٣). ولأنه إذا ثبت الفسخ بالعجز عن الوطء، والضرر فيه أقلّ، لأنه إنما (١) ((المغني)) (٣٦١/١١). (٢) سورة البقرة: الآية ٢٢٩. (٣) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٤٦٩/٧). ٤٠٣ ٢٨ - كتاب الطلاق (٢٩) باب (١٢٠٢) حديث هو فقد لذة وشهوة يقوم البدن بدونه، فلأن يثبت بالعجز عن النفقة التي لا يقُوم البدن إلا بها أولى، اهـ. وقال ابن التركماني بعد ما ذكر: أن عمر - رضي الله عنه - كتب إلى أمراء الأجناد إلخ: ذكر ابن حزم أنه لا حجة لهم فيه، لأنه لم يُخاطب بذلك إلا أغنياء قادرين على النفقة، وليس فيه ذكر حكم المعسر، بل قد صحّ عن عمر - رضي الله عنه - إسقاط طلب المرأة للنفقة إذا أعسر بها الزوج. ثم قال ابن حزم: لم نجد لأهل هذه المقالة حجة أصلاً إلا تعلقهم بقول ابن المسيب إنه سنة، وقد صح عنه قولان: أحدهما: يُجبر على مفارقتها، وإلا يفرق بينهما، وهما مختلفان، ولم يقل إنه سنة رسول الله وَله، ولو قال ذلك كان مرسلاً، ولعله أراد سنة عمر - رضي الله عنه - كما روينا من فعله. ثم ذكر الآثار عمن لا يُفَرِّقُ بالإعسار، ثم قال: ويؤيد ما قلنا قوله تعالى: ﴿لِيُّفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّنِ سَعَتِهِ،﴾ إلى قوله: ﴿بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرً﴾ وذكر أيضاً حديث مسلم عن جابر أن أبا بكر - رضي الله عنه - قال: يا رسول الله لو رأيت ابنة خارجة سألتني النفقة، فقمتُ إليها، فوَجَثْتُ عنقَها، فضحك رسول الله وَ ﴿ وقال: ((هن حولي كما ترى سألنني النفقةَ، فقام أبو بكر - رضي الله عنه - إلى عائشة يجأ عنقها، وقام عمر - رضي الله عنه - إلى حفصة يجأ عنقها، كلاهما يقول: تسألن رسول الله وَ لقول ما ليس عنده)) الحديث، ومن المحال المتيقن أن يُضِرَّا طالبةً حق(١)، اهـ. وفي ((المحلى)): قال الشافعي: إن لها حق الفسخ إن أعسر الزوج مالاً وكسباً لإيفائه بأقل نفقة أو كسوة أو مسكن أو مهر واجب قبل وطء، كذا في ((المنهاج)). (١) انظر: ((الجوهر النقي على هامش السنن الكبرى)) (٤٧٠/٧). ٤٠٤ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٠) باب (٣٠) باب عدة المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملاً وقال أبو حنيفة: ليس لها ذلك، بل تؤمر باستدانة عليه، لقوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾(١) وهو قول الثوري وابن أبي ليلى والحسن وحماد بن أبي سليمان والظاهرية، وروى ابن أبي شيبة عن الحسن وعطاء في الرجل يعجز عن نفقة امرأته، لا يفرق بينهما، ابْتِليْت فلتصبر، اهـ وأجاب في ((الهداية))(٢) عن قولهم: إن التفريق للنفقة أولى من التفريق بالجبّ والعُنَّةِ، لأن الحاجة إلى النفقة أقوى، بقوله: ولنا أن حقه يبطل وحقها يتأخر، والأول أقوى في الضرر، وهذا لأن النفقة تصير ديناً بفرض القاضي، فُتُسْتَوْفَى في الزمان الثاني. وفوتُ المال وهو تابع في النكاح لا يلحق بما هو المقصود، وهو التناسل، وبسط ابن الهمام(٣) لمستدلهم بالمنقول، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ الآية، وبالمعقول، وأجاب عن قول سعيد: سُنَّةٌ بأنه - رحمه الله - قد يطلق ذلك على غير سنّته وَ لقوله فارجع إليه لو شئت التفصيل. (٣٠) عدة المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملاً كان فيه شيء من الاختلاف في السلف، ثم أجمع أئمة الفتوى وجمهور الفقهاء على أن عدتها وضع الحمل، قال الباجي(٤): وبه قال علماء الأمصار، ولا نعلم فيه مخالفاً إلا ما روي عن ابن عباس، وقد رجع عنه، وقد رُوي عن علي أنه قال: آخر الأجلين، اهـ. (١) سورة البقرة: الآية ٢٨٠. (٢) (٢٨٧/١). (٣) ((فتح القدير)) (٢٠٢/٤). (٤) ((المنتقى)) (١٣٢/٤). ٤٠٥ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٠) باب قال الموفق(١): أجمع أهل العلم في جميع الأعصار على أن المطلقة الحامل تنقضي عدتها بوضع حملها، وكذلك كل مفارقة في الحياة. وأجمعوا أيضاً على أن المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملاً أجلها وضع حملها، إلا ابن عباس، وروي عن علي من وجه أنها تعتدّ بأقصى الأجلين، وقاله أبو السنابل بن بعكك في حياته وَ ل﴿ فرد عليه النبي ◌َّ قوله، ورُوي عن ابن عباس أنه رجع إلى قول الجماعة لما بلغه حديث سبيعة، وكره الحسن والشعبي أن تنكح في دمها، ويُحكى عن حماد وإسحاق: أن عدتها لا تنقضي حتى تطهر، وأبى سائر أهل العلم هذا القول، وقالوا: لو وضعت بعد ساعة من وفاة زوجها حلّ لها أن تتزوج، ولكن لا يطأها زوجها حتى تطهر من نفاسها، وتغتسل. وذلك لقوله عز اسمه: ﴿وَأُوْلَتُ الْأَعْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ وروي عن أبي بن كعب، قال: قلت للنبي وَّهِ: ﴿وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ للمطلقة ثلاثاً أو للمتوفى عنها، قال: هي للمطلقة ثلاثاً وللمتوفى عنها، وقال ابن مسعود: من شاء باهلتُه أو لاعنتُه، أن الآية التي في سورة النساء القصرى ﴿وَأُوْلَتُ الْأَعْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ نزلت بعد التي في سورة البقرة ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ﴾ الآية، يعني أن هذه الآية هي الأخيرة. فتقدم على ما خالفها من عموم الآيات المتقدمة ويخص بها عمومها، اهـ. وحديث أبيّ بن كعب أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بطرق متعددة إلى أبيّ، كذا في ((الفتح))(٢). وقال أيضاً (٣): قال جمهور العلماء من السلف وأئمة الفتوى في (١) («المغني)) (٢٢٧/١١). (٢) ((فتح الباري)) (٦٥٤/٨). (٣) ((فتح الباري)) (٩/ ٤٧٤). ٤٠٦ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٠) باب (١٢٠٣) حديث ٨٣/١٢٠٣ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ؛ أَنَّهُ قَالَ: سُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسِ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ الْمَرْأَةِ الْحَامِلِ يُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: آخِرُ الْأَجَلَيْنِ. الأمصار: إن الحامل إذا مات زوجها تحلّ بوضع الحمل، وخالف في ذلك علي فقال: تعتدّ آخر الأجلين، أخرجه سعيد بن منصور وغيره عن علي بسند صحيح، وبه قال ابن عباس، ويقال: إن ابن عباس رجع عنه، ويقويه أن المنقول عن أتباعه وِفاق الجماعة في ذلك، ووافق سحنون من المالكية علياً - رضي الله عنه - نقله المازري وغيره، وهو شذوذ مردود؛ لأنه إحداث خلاف بعد استقرار الإجماع، اهـ. ٨٣/١٢٠٣ - (مالك عن عبد ربه بن سعيد بن قيس) بن عمرو الأنصاري أخي يحيى، له في ((الموطأ)) ثلاثة أحاديث مرفوعة هذا ثالثها (عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: سئل) ببناء المجهول، ولفظ البخاري في التفسير(١) برواية يحيى عن أبي سلمة، قال: جاء رجلٌ إلى ابن عباس، وأبو هريرة جالس عنده. فقال: أفتني في امرأة ولدت بعد زوجها بأربعين ليلة؟ فقال ابن عباس آخر الأجلين، الحدیث. قال الحافظ: لم أقف على اسم الرجل السائل (عبد الله بن عباس وأبو هريرة عن المرأة الحامل يتوفى عنها زوجها) وقد ولدت بعد زوجها بأربعين ليلة كما تقدم عن البخاري، ووقع عند الإسماعيلي، قيل لابن عباس في امرأة وضعت بعد وفاة زوجها بعشرين ليلة: أيصلح أن يتزوج؟ قال: لا، إلى آخر الأجلين، قال أبو سلمة: فقلت: قال الله تعالى: ﴿وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ﴾ الآية قال: هي في الطلاق. (فقال ابن عباس:) عدتها (آخر الأجلين) يعني تتربَّصُ أربعة أشهر وعشراً، (١) انظر: ((فتح الباري)) (٩٥٣/٨). ح (٤٩٠٩). ٤٠٧ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٠) باب (١٢٠٣) حدیث وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِذَا وَلَدَتْ فَقَدْ حَلَّتْ. فَدَخَلَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ وَ فَسَأَلَهَا عَنْ ذُلِكَ؟ فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: وَلَدَتْ سُبَيْعَةُ الْأَسْلَمِيَّةُ إن وضعت قبل ذلك، وإن مضت ولم تضع تتربص إلى أن تضع (وقال أبو هريرة: إذا ولدت فقد حلت) قال الباجي(١): قول ابن عباس وأبي هريرة كان برأيهما دون نص، ولو كان عند أبي هريرة النص الذي أظهرته أم سلمة لاحتجّ به كما احتجّت به أم سلمة؛ لأنهم إنما كانوا يبدؤون في احتجاجهم بالنص. (فدخل أبو سلمة بن عبد الرحمن على أم سلمة زوج النبي (وَّة) ولفظ البخاري في الحديث المذكور: فأرسل ابن عباس غلامه كريباً إلى أم سلمة يسألها، ولا مانع من أن أبا سلمة أيضاً ذهب مع كريب، ويحتمل أن أبا سلمة لما سألها وأخبر ابن عباس بروايتها أرسل ابن عباس كريباً بعد ذلك لتثبيت الرواية أو بالعكس، وسيأتي البسط في ذلك. (فسألها عن ذلك؟ فقالت أم سلمة: ولدت سُبيعة) بضم السين المهملة وفتح الموحدة وبعين مهملة مصغراً ابنة الحارث (الأسلميّة) الصحابية زوج سعد بن خولة، قال الفاكهي: هي أول امرأة أسلمت بعد صلح الحديبية، ولم تخف، فنزلت آية الامتحان، فامتحنها النبي وَل﴾، وردّ على زوجها مهر مثلها، وتزوجها عمر، وفرق العقيلي بينها وبين الأسلمية، ورده ابن عبد البر، فقال: لا يصح ذلك عندي، كذا في ((الإصابة))(٢). وقال العيني: قيل: هي أول امرأة أسلمت بعد صلح الحديبية، وزوجها سعد بن خولة، اهـ. قلت: ولا خلاف بين أهل الرجال أن صاحبة قصة العدة، هي زوجة (١) ((المنتقى)) (١٣٢/٤). (٢) (١٠٤/٨). ٤٠٨ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٠) باب (١٢٠٣) حديث بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِنِصْفِ شَهْرٍ . سعد بن خولة، توفي زوجها في حجة الوداع، قال الحافظ(١): وقع في مغازي البخاري سبيعة بنت الحارث، وذكرها ابن سعد في المهاجرات، ووقع في رواية لابن إسحاق عند أحمد سبيعة بنت أبي برزة الأسلمي، فإن كان محفوظاً فهو أبو برزة آخر غير الصحابي المشهور، فهو إما كنية للحارث والد سُبيعة أو نُسبت إلى جَدِّ لها، اهـ (بعد وفاة زوجها) سعد بن خولة، وقد توفي في حجة الوداع، ونقل ابن عبد البر الاتفاق على ذلك، قال الحافظ: وفيه نظر، فقد ذكر محمد بن سعد أنه مات قبل الفتح، وذكر الطبري أنه مات سنة سبع، وفي رواية عند البخاري في التفسير أنه قتل، ومعظم الروايات أنه مات وهو المعتمد، اهـ. قال العيني(٢): مات بمكة في حجة الوداع هو الصحيح، اهـ. وفي ((الإصابة)): سعد بن خولة القرشي العامري، وقيل: من حلفائهم من مواليهم، قال ابن هشام: هو فارسي من اليمن، حالف بني عامر، ذكره موسى بن عقبة وغيره في البدريين، وله ذكر في ((الصحيحين)) حيث قال ◌َله: لكن البائس سعد بن خولة يرثي له رسول الله صل# أن مات بمكة، وفي ((الصحيحين)) في حديث سبيعة: أنها كانت تحت سعد بن خولة، فتوفي عنها في حجة الوداع، اهـ. قلت: وسيأتي شيء من ذلك في الوصايا في قوله بَله: لكن البائس سعد بن خولة. (بنصف شهر) وفي رواية للبخاري ((بعد موته بأربعين ليلة))، وفي لفظ لمسلم ((فلم تنشب أن وضعت))، وفي ((مصنف عبد الرزاق)): ((بسبع ليال))، وعن إبراهيم التيمي ((بسبع عشرة ليلة))، أو قال: ((بعشرين ليلة))، وعن عكرمة ((بخمس وأربعين ليلة))، وعن معمر قال: يقول بعضهم: مكثت سبع عشرة ليلة، ومنهم من يقول: أربعين ليلة، وعند أحمد عن سبيعة: فلم أمكث إلا شهراً، (١) ((فتح الباري)) (٤٧٢/٩). (٢) ((عمدة القاري)) (٣١٤/١٤). ٤٠٩ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٠) باب (١٢٠٣) حديث فَخَطَبَهَا رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا شَابٌّ وَالآخَرُ كَهْلٌ. حتى وضعتُ، وفي النسائي: عشرين ليلة، وفي رواية لأحمد: فلم أمكث إلا شهرين حتى وضعت، وغير ذلك ذكرها الحافظ في ((الفتح))(١). وقال: والجمع بين هذه الروايات متعذر لاتحاد القصة، ولعل هذا هو السر في إبهام من أبهم المدة، إذ محل الخلاف أن تضع دون أربعة أشهر وعشراً، وأقل ما قيل في هذه الروايات نصف شهر، وما وقع في بعض الشروح أن في البخاري رواية عشر ليال، وفي رواية ((الطبراني)) ثمان أو سبع، فهو في مدة إقامتها بعد الوضع إلى أن استفتت النبي ◌َّ و لا في مدة بقية الحمل، وأكثر ما قيل فيه بالتصريح شهرين، وبغيره دون أربعة أشهر، اهـ. وقال السيوطي في ((الدر))(٢): أخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن مردويه عن أبي السنابل، أن سبيعة بنت الحارث وضعت بعد وفاة زوجها بثلاث وعشرين يوماً، الحديث، وأخرج ابن أبي شيبة وابن مروديه عن سبيعة الأسلمية أنها وضعت بعد وفاته بخمس وعشرين ليلة، الحديث. (فخطبها رجلان أحدهما شابٌّ) هو أبو البشر بفتحتين على ما ضبطه الحافظ في (الإصابة))، وضبطه في ((الفتح)) بكسر الموحدة، وسكون المعجمة، ابن الحارث العبدري من بني عبد الدار كما أفاده ابن وضّاح، واستدركه ابن الدّباغ وابن فتحون (والآخر كهل) وهو من خَطَّه الشيبُ، وزمان الكهولة من الثلاثين إلى الأربعين، كما في ((الجمل)) وهو أبو السنابل، بفتح السين المهملة والنون والموحدة المكسورة، اختلف في اسمه، فقيل: عمرو، وقيل: عامر، وقيل: حبة بموحدة بعد مهملة وقيل : بنون، وقيل: لبيدربه، وقيل: أصرم، وقيل: عبد الله، ووقع في بعض الشروح بغيض، جزم الحافظ في ((الفتح)) (٣) بأنه غلط، وذكر سبب الوهم. (١) (٤٧٣/٩). (٢) ((الدر المنثور)) (١٩٢/٨). (٣) ((فتح الباري)) (٤٧٢/٩). وانظر ((تقريب التهذيب)) (٤٣١/٢). ٤١٠ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٠) باب (١٢٠٣) حديث فَحَظَّتْ إِلَى الشَّابِّ. فَقَالَ الكَهْلُ: لَمْ تَحِلِّي بَعْدُ. وكَانَ أَهْلُهَا غَيَباً. وَرَجَا، إِذَا جَاءَ أَهْلُهَا، أَنْ يُؤْثِرُوهُ بِهَا . وقيل: اسمه کنیته، ابن بعكك بموحدة ثم مهملة ثم کافین بوزن جعفر، ابن الحارث بن عميلة، وقيل: هو ابن بعكك بن الحجاج بن الحارث كان من المؤلفة، وسكن الكوفة، وكان شاعراً. قال العيني(١): وكان من مسلمة الفتح، ومات بمكة، نقل الترمذي عن البخاري لا يعلم أن أبا السنابل عاش بعد النبي وَّر، كذا قال، لكن جزم ابن سعد أنه عاش بعده و 18 زمناً، ويؤيده ما قال البرقي: إنه تزوج سبيعة بعد ذلك، وأولدها سنابل بن أبي السنابل، ومقتضى ذلك أن يكون أبو السنابل عاش بعده وَلقر؛ لأنه وقع في رواية ((الموطأ)) أنها تزوجت الشاب، وكذا في رواية داود بن عاصم أنها تزوجت فتَّى من قومها . وتقدم أن قصتها كانت بعد حجة الوداع، فيحتاج - إن كان الشاب دخل عليها، ثم طلّقها -، إلى زمان عدة منه، ثم إلى زمان الحمل حتى تضع، وتلد سنابل، حتى صار أبوه يكنى به، كذا في ((الفتح)). (فحطت) بفتح الحاء وتشديد الطاء المهملتين أي مالت ونزلت (إلى الشاب) على عادة النساء المعروفة (فقال الكهل) كذا في النسخ الهندية وهو الأوجه، وفي النسخ المصرية محله، فقال الشيخ(٢)، والمراد واحد، وهو أبو السنابل المذكور (لم تحلّى) أي لم تخرجي من العدة (بعد) بالبناء على الضم، ولفظ البخاري فخطبها أبو السنابل، فأبت أن تنكحه، فقال: والله ما يصلح أن تنكحيه حتى تعتدّي آخر الأجلين (وكان أهلها) أي أهل سبيعة (غيباً) بفتحتين جمع غائب كخادم، وخدم (ورجا) أبو السنابل أنه (إذا جاء أهلها أن يؤثروه بها) (١) ((عمدة القاري)) (١٤/ ٣٣٤). (٢) كذا في ((الاستذكار)) (١٧١/١٨). ٤١١ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٠) باب (١٢٠٤) حديث فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ فَذَكَرَتْ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: ((قَدْ حَلَلْتِ فَانْكِحي مَنْ شِئْتِ)) . أخرجه النسائي في: ٢٧ - كتاب الطلاق، ٥٦ - باب عدة الحامل المتوفى عنها زوجها . ١٢٠٤/ ٨٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن عُمَرَ؛ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْمَرْأَةِ يُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَهِيَ حَامِلٌ؟ فَقَّالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: إِذَا وَضَعَتْ حَمْلَهَا فَقَدْ حَلَّتْ. أي يقدمونه على غيره، قال الباجي: رجا أن يصرفوا رغبتها عنه إلى الرغبة فيه، لا أنهم يملكون إجبارها على ما لا تريد، اهـ. (فجاءت) سبيعة رضي الله عنها (رسول الله (وَله) ولفظ البخاري في المغازي، فلما قال لي ذلك، جمعت علي ثيابي حين أمسيت، وأتيت رسول الله وَر فسألته، الحديث (فذكرت له) وَّ (ذلك) الأمر (فقال) وَالَ: (قد حللتِ) بكسر التاء أي خرجتٍ من عدتك بوضع الحمل (فانكحي من شئتِ) زاد في رواية الأسود عن أبي السنابل، وذلك رغم أنف أبي السنابل، رواه أبو القاسم. ٨٤/١٢٠٤ ـ (مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه سئل) ببناء المجهول (عن المرأة يتوفى عنها زوجها وهي) الجملة حالية (حامل، فقال عبد الله بن عمر) رضي الله عنهما: (إذا وضعت حملها) بعد وفاة زوجها ولو كان لم يدفن بعد (فقد حلّت) قال مالك في ((المدونة)): ما ألقته المرأة من مضغة أو علقة أو شيء يستيقن أنه ولد فإنه تنقضي به العدة، وتكون به الأمة أم ولد، كذا في ((المنتقى)) (١). ولفظ محمد في ((موطئه))(٢) قال: إذا وضعت ما في بطنها حلّت، وإلى (١) (١٣٣/٤). (٢) (ص١٩٤). ٤١٢ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٠) باب (١٢٠٥) حدیث فَأَخْبَرَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَ عِنْدَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: لَوْ وَضَعَتْ وَزَوْجُهَا عَلَى سَرِيرِهِ لَمْ يُدْفَنْ بَعْدُ، لَحَلَّتْ. ٨٥/١٢٠٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ؛ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ نُفِسَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ. ههنا انتهى أثره، ثم قال: قال محمد: وبهذا نأخذ في الطلاق والموت جميعاً، تنقضي عدتها بالولادة، وهو قول أبي حنيفة. وزاد في رواية يحيى (فأخبره) أي ابن عمر (رجل من الأنصار) و(كان) الأنصاري (عنده) أي عند ابن عمر - رضي الله عنه - (أن عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - (قال: لو وضعت) المرأة حملها (وزوجها على سريره) أي (لم يدفن بعد) بالبناء على الضم (لحلّت) أي خرجت من العدة. ٨٥/١٢٠٥ - (مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن المسور) بكسر الميم وسكون السين المهملة وفتح الواو وآخره راء (ابن مخرمة) بفتح الميم وسكون المعجمة (أنه) أي المسور (أخبره) أي عروة (أن سبيعة) بنت الحارث (الأسلمية) نسبة إلى أسلم قبيلة شهيرة. قال الحافظ(١): يحتمل أن يكون المسور حمله أو أرسله عن سبيعة أو حضر القصة، فإنه حفظ خطبة النبي 18َ في شأن فاطمة الزهراء، وكانت قبل قصة سبيعة، فلعله حضر قصة السبيعة أيضاً، اهـ. (نفست) بضم النون على المشهور. وفي لغة بفتحها، والفاء مكسورة في كليهما (بعد وفاة زوجها) سعد بن خولة (بليال) وقد تقدم الاختلاف الوسيع في مقدارها . (١) ((فتح الباري)) (٩/ ٤٧١). ٤١٣ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٠) باب (١٢٠٦) حديث فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ وَ هِ: ((قَدْ حَلَلْتِ فَانْكِحِي مَنْ شِئْتِ)). أخرجه البخاريّ في: ٦٨ - كتاب الطلاق، ٣٩ - باب ((وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن)). ٨٦/١٢٠٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسِ وَأَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَوْفٍ، اخْتَلَفَا فِي الْمَرْأَةِ تُنْفَسُ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ. فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: إِذَا وَضَعَتْ مَا فِي بَطْنِهَا فَقَدْ حَلَّتْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: آخِرَ الْأَجَلَيْنِ. فَجَاءَ أَبُو هُرَيْرَةَ (فقال لها رسول الله و38َّ) في جواب استفتائها (قد حللتِ) بكسر التاء (فانكحي من شئت) والحديث أخرجه البخاري برواية يحيى بن قزعة، عن مالك بهذا السند، بلفظ ((أن سبيعة الأسلمية نُفِسَتْ بعد وفاة زوجها بليال، فجاءت النبي (صل﴿ فاستأذنته أن تنكح فأذن لها، فنكحت)). ٨٦/١٢٠٦ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن سليمان بن يسار) المدني (أن عبد الله بن عباس) الصحابي البحر الحبر (وأبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف) الزهري التابعي الفقيه (اختلفا في المرأة تنفس) ضبطوه، ببناء المجهول، ويحتمل المعلوم (بعد وفاة زوجها بليالٍ) يعني بأقل من أربعة أشهر وعشرٍ عدة الوفاة (فقال أبو سلمة: إذا وضعت ما في بطنها فقد حلّت) لقوله تعالى: ﴿وَأُوْلَتُ الْأَعْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾(١) (وقال ابن عباس) عدتها (آخر الأجلين) من وضع الحمل وعدة الوفاة، وقصر ابن عباس الآية الأولى على الطلاق. (فجاء أبو هريرة) قال الزرقاني (٢): لعله كان قام لحاجة، وإلا فقد كان (١) سورة الطلاق: الآية ٤. (٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٢١/٣). ٤١٤ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٠) باب (١٢٠٦) حدیث فَقَالَ: أَنَا مَعَ ابْنِ أَخِي. يَعْنِي أَبَا سَلَمَةَ. فَبَعَثُوا كُرَيْباً مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ وَِّ يَسْأَلُهَا عَنْ ذُلِكَ. عند ابن عباس لما استُفْتي، كما في البخاري وغيره، ولفظ البخاري برواية شيبان عن يحيى عن أبي سلمة، قال: جاء رجلٌ إلى ابن عباس، وأبو هريرة جالس عنده، فقال: أفتِنى في امرأة ولدت بعد زوجها بأربعين ليلة، فقال ابن عباس: آخر الأجلين، قلت أنا: ﴿وَأُوْلَتُ الْأَعْمَلِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ قال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي يعني أبا سلمة، الحديث. قال الحافظ(١): ووقع عند الإسماعيلي قيل لابن عباس في امرأة وضعت بعد وفاة زوجها بعشرين ليلة: أيصلح أن تتزوج؟ قال: لا، إلى آخر الأجلين، قال أبو سلمة: فقلت: قال الله تعالى: ﴿وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ قال: إنما ذلك في الطلاق، وأخرج مسلم من طريق سليمان بن يسار أن أبا سلمة وابن عباس اجتمعا عند أبي هريرة، وهما يذكران المرأة تنفس بعد وفاة زوجها بليالٍ، فقال ابن عباس: عدتُها آخرُ الأجلين، فقال أبو سلمة: حَلَّتْ، فجعلا يتنازعان، فقال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي، الحديث (فقال) أبو هريرة: (أنا مع ابن أخي يعني أبا سلمة) قال العيني (٢): قال ذلك على عادة العرب إذ ليس هو ابن أخيه. (فبعثو كريباً) بضم الكاف وفتح الراء (مولى عبد الله بن عباس) وفي لفظ للبخاري، ((فأرسل ابن عباس غلامه كريباً إلى أم سلمة يسألها)). (إلى أم سلمة زوج النبي وَ* يسألها عن ذلك) هذا هو المحفوظ أن القصة لأم سلمة، وهي معروفة لها، وما أخرجه عبد بن حميد من رواية صالح بن أبي حسان عن أبي سلمة، فذكر مع قصته مع ابن عباس وأبي هريرة، قال: فأرسلوا إلى عائشة فذكرت حديث (١) ((فتح الباري)) (٦٥٦/٨). (٢) ((عمدة القاري)) (٤١٦/١٣). ٤١٥ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٠) باب (١٢٠٦) حديث فَجَاءَهُمْ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهَا قَالَتْ: سبيعة فهو شاذٌّ، وصالح بن أبي حسان مختلف فيه، كذا في ((الفتح)). (فجاءهم) أي كريب (فأخبرهم أنها) أي أم سلمة (قالت) ظاهره أن أبا سلمة أخذه عن كريب، وتقدم في أول الباب عن أبي سلمة، قال: دخلت على أم سلمة، وفي ((البخاري)) بطريق الأعرج عن أبي سلمة أن زينب بنت أبي سلمة أخبرته عن أمها أم سلمة، وفي ((النسائي)) من طريق داود بن أبي عاصم، أن أبا سلمة أخبره، فذكر قصته مع ابن عباس وأبي هريرة، وفيه قال أبو سلمة: أخبرني رجل من أصحاب النبي و لو أن سبيعة الأسلمية، فذكر قصتها، وأخرجه أحمد من طريق محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة قال: دخلت على سبيعة. قال الحافظ(١): هذا الاختلاف على أبي هريرة لا يقدح في صحة الخبر، فإن لأبي سلمة اعتناء بالقصة من حين تنازع هو وابن عباس فيها، فكأنه لما بلغه الخبر من كريب عن أم سلمة لم يقتنع بذلك حتى دخل عليها، ثم دخل على سبيعة صاحبة القصة، ثم تحمَّلها عن رجل من أصحاب النبي ◌َّ، وهذا الرجل يحتمل أن يكون هو المسور بن مخرمة، ويحتمل أن يكون أبا هريرة، فإن في آخر الحديث عند النسائي فقال أبو هريرة: أشهد على ذلك، يحتمل أن يكون أبو سلمة أبهمه أولاً، لما قال: أخبرني رجل، اهـ. ويحتمل عندي أن أبا سلمة سمع القصة أولاً عن رجل من الصحابة، وزينب، ولأجل ذلك اختلف مع ابن عباس - رضي الله عنه - على جلالته وصحبته، ولذا أرسلوا كريباً إلى أم سلمة، لأنه قد كان سمعها عن زينب عنها، ثم دخل أبو سلمة بنفسه مع كريب أو بعده على أم سلمة، ثم على سبيعة صاحبة القصة للتثبت في ذلك. (١) ((فتح الباري)) (٩/ ٤٧١). ٤١٦ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣١) باب وَلَدَتْ سُبَيْعَةُ الْأَسْلَمِيَّةُ بَعْدَ وَفَاةٍ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ. فَذَكَرَتْ ذُلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَهَ فَقَالَ: ((قَدْ حَلَلْتِ فَانْكِحِي مَنْ شِئْتِ)). أخرجه النسائيّ في: ٢٧ - كتاب الطلاق، ٥٦ - باب عدة المتوفى عنها زوجها . وعن يحيى بن سعيد. أخرجه مسلم في: ١٨ - كتاب الطلاق، ٨ - انقضاء عدة المتوفي عنها زوجها وغيرها بوضع الحمل، حديث ٥٧. وله طرق في الصحيحين والسنن. قَالَ مَالِكٌ: وَهذَا الْأَمْرُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ عِنْدَنَا. (٣١) باب مقام المتوفى عنها زوجها في بيتها حتى تحل (ولدت سبيعة الأسلمية بعد وفاة زوجها بليال فذكرت) بسكون التاء، أي سبيعة (ذلك لرسول الله وَ لي) لما أنكر عليها أبو السنابل (فقال) مَيقول: (قد حللتِ فانكحي من شئتٍ) قال الزرقاني(١): وهذا الحديث ليس عند القعنبي وابن بكير في ((الموطأ)) وهو عند غيرهما . (قال مالك: وهذا الأمر) عندنا (الذي لم يزل) أي استمر (عليه أهل العلم ببلدنا) وتقدم أنه مجمع عليه عند فقهاء الأمصار وأصحاب الفتوى في الأعصار إلا ما روي عن علي وابن عباس - رضي الله عنهما -. (٣١) مقام المتوفى عنها زوجها في بيتها حتى تحل اعلم أن ههنا ثلاثةَ مسائل، كلُّها خلافية، وطالما تلتبس إحداهما بالأخرى على نقلة المذاهب، إحداهما: وجوب سكنى المتوفى عنها على الزوج، يعني في ماله، الثانية: الكلام على جواز خروجها عن بيت العدّة ليلاً أو نهاراً لحوائجها، والثالثة: الاعتدادُ في بيتها الذي بلغ فيه نعيها، سواء كانت السكنى عليها، أو على (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٢١/٣). ٤١٧ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣١) باب (١٢٠٧) حدیث ٨٧/١٢٠٧ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ سَعِيدٍ زوجها، والثالثة هي المقصودة ههنا، كما تدل عليها الروايات الواردة في الباب، أما الأولى، فتقدم الكلام عليها، والخلاف فيها في أول باب عدة المرأة في بيتها إذا طلقت فيه، وأما الثانية، فتقدم الكلام عليها في آخر ما جاء في نفقة المطلقة. وأما الثالثة المذكورة ههنا، فقد قال الموفق(١): وممن أوجب على المتوفى عنها زوجها الاعتداد في منزلها عمر وعثمان، ورُوي ذلك عن ابن عمر، وابن مسعود، وأم سلمة، وبه يقول مالك، والثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة، والشافعي، وإسحاق، وقال ابن عبد البر: وبه يقول جماعة فقهاء الأمصار بالحجاز والشام والعراق ومصر، وقال جابر بن زيد، والحسن، وعطاء: تعتدّ حيث شاءت، ورُوي ذلك عن علي وابن عباس وجابر وعائشة، قال ابن عباس: نسخت هذه الآية عدتها عند أهله، وسكنت في وصِيَّتِهَا، وإن شاءت خرجت لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾(٢) الآية، قال عطاء: ثم جاء الميراث، فنسخ السكنى تعتدّ حيث شاءت. رواهما أبو داود(٣). ولنا حديث فريعة الآتي في الباب، رواه مالك والأثرم، وهو حديث صحيح، قضى به عثمان في جماعة الصحابة، فلم ينكروه، إذا ثبت هذا، فإنه يجب الاعتداد في المنزل الذي مات زوجها وهي ساكنة به، سواء كان مملوكاً لزوجها أو بإجارة أو بعارية، لأنه وَ﴾ قال لفريعة: امكثي في بيتك، ولم تكن في بيت يملكه زوجها، اهـ. ٨٧/١٢٠٧ - (مالك عن سعيد) بكسر العين والتحتية، هكذا في رواية يحيى، وقال أكثر رواة ((الموطأ)): سعد بسكون العين، بدون الياء، قال ابن عبد البر(٤): وهو الأشهر، قلت: وفيه ذكره أهل الرجال، لكن في رواية (١) ((المغني)) (٢٩٠/١١). (٢) سورة البقرة: الآية ٢٤. (٣) ((سنن أبي داود)) (١/ ٥٣٧). (٤) انظر: ((الاستذكار)) (١٨٠/١٨)، و((التعليق الممجد)) (٥٦١/٢)، و((التقصي)) (٥٧). ٤١٨ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣١) باب (١٢٠٧) حديث ابْنِ إِسْحَاقَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ عَمَّتِهِ زَيْنَبَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ؛ أَنَّ الْفُرَيْعَةَ بِنْتَ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ، وَهِيَ أَخْتُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، القعنبي عن مالك عند أبي داود أيضاً بالتحتية مثل يحيى (ابن إسحاق بن كعب بن عجرة) بضم العين المهملة، وسكون الجيم، البلوى المدني حليف الأنصار من رواة الأربعة، ثقة مات سنة ١٤٠هـ، وروى عن إسحاق بن سعد بن كعب، كما سيأتي (عن عمته زينب بن كعب بن عجرة). قال الحافظ في القسم الأول من ((الإصابة))(١): صحابية تزوجها أبو سعيد الخدري كذا في ((التجريد)) من زياداته، وكان سلفه فيه أبو إسحاق بن الأمين، فإنه ذكرها في ذيله على ((الاستيعاب))، وكذا ذكرها ابن فتحون، وذكرها غيرهما في التابعين، وروايتها عن زوجها أبي سعيد وأخته الفريعة في ((السنن الأربعة))، وذكرها ابن حبان في ((الثقات)). (أن الفريعة) بضم الفاء، وفتح الراء، وسكون التحتية، وفتح العين المهملة، قال الحافظ في ((الإصابة))(٢): كذا عند الأكثر، ووقع في ((سنن النسائي))(٣) في سياق حديثها الفارعة، وعند الطحاوي الفرعة (بنت مالك بن سنان) الصحابي (وهي أخت أبي سعيد الخدري) - رضي الله عنه - الصحابي الشهير، وشهدت هي بيعة الرضوان، ومدار حديثها على سعد بن إسحاق، ووقع في بعض طرق حديثها في ((مسند إسحاق بن راهوية)) أن اسمها كبشة بنت مالك، وترجم لها الفريعة، ولقبها كبشة، كذا في ((الإصابة)) و((التهذيب)). (١) (٨/٤ / ٩٧). (٢) (١٦٦/٨/٤). (٣) أخرجه النسائي (١٩٩/٦). ٤١٩ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣١) باب (١٢٠٧) حديث أَخْبِرَتْهَا؛ أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ تَسْأَلُهُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهَا فِي بَنِي خُدْرَةَ، فَإِنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ فِي طَلَبٍ أَعْبُدٍ لَهُ أَبَقُوا. حَتَّى إِذَا كَانُوا بِطَرَفِ الْقَدُومِ أَدْرَكَهُمْ فَقَتَلُوهُ. قَالَتْ: فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهُ أَنْ أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِيَ فِي بَنِي خُدْرَةَ. وفي ((التعليق الممجد)) (١) : أخرجه الحاكم من طريق سعد بن إسحاق المذكور ومن طريق إسحاق بن سعد بن كعب بن عجرة عن عمته زينب، وقال: هذا صحيح الإسناد من الوجهين جميعاً، وقال محمد بن يحيى الذهلي: هما اثنان: سعد بن إسحاق، وهو أشهرهما، وإسحاق بن سعد، وقد روى عنهما جميعاً يحيى الأنصاري، اهـ. وبسط الكلام عليه. (أخبرتها) أي زينب (أنها جاءت إلى رسول الله وَّلي) ومعها أخوها، كما في رواية النسائي (تسأله) أي تستأذنه في (أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة) بضم الخاء المعجمة، وسكون الدال من الأنصار (فإن زوجها) كان (خرج في طلب أعبد) بفتح الهمزة وسكون العين، وضم الموحدة، جمع عبد (له أبقوا) بفتح الموحدة، أي هربوا . (حتى إذا كانوا بطرف القدوم) قال ابن الأثير: بالتخفيف والتشديد، موضع على ستة أميال من المدينة، وقال ((المجد)»: جبل بالمدينة، وفي ((معجم البلدان)): اسم جبل قرب المدينة، كذا في ((البذل))(٢). (أدركهم) وفي النسخ المصرية(٣) بدله لحقهم (فقتلوه، قالت فريعة: فسألت رسول الله وهو أن أرجع إلى أهلي في بني خدرة) ولفظ ابن ماجه(٤) برواية سليمان بن حيان عن سعد بن إسحاق، قالت: خرج زوجي في طلب (١) (٥٦٢/٢). (٢) ((بذل المجهود)) (٦٤/١١). (٣) ((الاستذكار)) (١٧٩/١٨). (٤) (سنن ابن ماجه)) (٢٠٣١). ٤٢٠