Indexed OCR Text

Pages 381-400

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢٩) باب
(١١٩٦) حديث
لِرَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ أَسْلَمَ
((اختر منهن أربعاً))، فلما كان في عهد عمر طلّق نساءه، وقسم ماله بين بنيه،
فبلغ ذلك عمر، فقال: والله إني لأظن الشيطان فيما يسترق مني السمع، سمع
بموتك، فقذفه في نفسك ولا أراك تمكث إلا قليلاً، وأيم الله لترجعن في مالك
ولتراجعن نساءك أو لأورثهن منك، ولآمرن بقبرك فيُرجم كما يرجم قبر أبي
رغال، ومات غيلان في آخر خلافة عمر، اهـ كلام الزرقاني ملخص في
(الإصابة))(١).
(لرجل من ثقيف أسلم) وهو غيلان بفتح الغين المعجمة، ابن سلمة بن
معتب بمهملة فمثناة ثقيلة ثم موحدة، ابن مالك الثقفي، كذا في ((الفتح))، سكن
الطائف، وأسلم بعد فتح الطائف، وكان أحد وجوه ثقيف، وقيل: إنه أحد من
نزل فيه: ﴿عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَيْنِ عَظِيمٍ﴾، وهو أول من بني له أطم بالطائف،
ومات في آخر خلافة عمر، وثقيف قبيلة كبيرة في أهل الطائف والحجاز،
وكون هذا الرجل هو غيلان على ما جزم به أكثر شُرَّاح الحديث في هذه
الرواية، لما تقدم في الروايات عن الزهري التصريح بذلك، وإلا فقد كان في
ثقيف عدة رجال لهم عشر نسوة.
قال ابن الجوزي في ((التلقيح)) في تسمية من جاء الإسلام؛ وعند الرجل منهم
عشر نسوة: مسعود بن مصعب، مسعود بن عمرو، عروة بن مسعود، سفيان بن
عبد الله، غيلان بن مسلمة، أبو عقيل بن مسعود بن عامر، كلهم من ثقيف، اهـ.
وقال أيضاً في موضع آخر: روی الزهري قال: بلغنا، فذكر حديث الباب، ثم
قال: اختلف في هذا الثقفي هو غيلان بن مسلمة، وقيل: عروة بن مسعود، وقيل:
إنه أبو مسعود بن عبد ياليل بن عمرو، وأن النسوة كانت ثمانية، اهـ.
والظاهر الأول، فإن عروة قيل: إنه استشهد في أول ما أسلم، وأبو
(١) (١٩٢/٥).
٣٨١

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢٩) باب
(١١٩٦) حديث
وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ، حِينَ أَسْلَمَ الثَّقَفِيُّ ((أَمْسِكْ مِنْهُنَّ أَرْبَعاً. وَفَارِقْ
سَائِرَهُنَّ)).
مسعود بن عبد ياليل ليس في الصحابة أحد مع أنه صاحب ثمانية، وهذه
عشرة، (وعنده عشر نسوة) فأسلمن معه، قاله الزرقاني (حين أسلم الثقفي) قال
الزرقاني: ظرف مقال، والأوجه عندي أنه ظرف لكان عنده عشر نسوة.
(أمسك) وفي رواية اختر، وهذه مقولته وَ ل1، ولفظ محمد في ((موطئه))
قال لرجل من ثقيف، وكان عنده عشر نسوة حين أسلم الثقفي، فقال: أمسك،
(منهن أربعاً وفارق سائرهن) أي باقیهن.
وفي الحديث مسألتان، أولهما ما قال الشيخ في ((البذل))(١): استدل به
الجمهور على تحريم الزيادة على أربع، وذهبت الظاهرية إلى أنه يحلّ للرجل
أن يتزوج تسعاً، ولعل مرجعه قوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَثَ وَرُبَعٌ﴾ ومجموع ذلك لا
باعتبار ما فيه من العدل تسع، اهـ.
وفي ((شرح الإقناع)) (٢): قال بعض الخوارج: الآية تدل على جواز تسع،
وقال بعضهم: تدل على ثمانية عشر، يعني أن المعدول يدل على التكرار،
ومجموع ذلك ما ذكروا، وهذا خرق للإجماع، اهـ.
وحكى صاحب ((العناية)) هذين القولين عن الروافض إذ قال بعد ذكر
الآية: وكون هذه الألفاظ معدولاً، فإن قيل: مقتضاه التسع أو ثمانية عشر كما
أن الواو للجمع؟ قلنا: هذا الوهم هو الذي أوقع الرافضة - لعنهم الله - في
التسوية بينهم وبين أفضل الموجودات أو ازديادهم عليه، فإن منهم من ذهب
إلى جواز التسع، ومنهم من ذهب إلى جواز ثمانية عشر، نظراً إلى معنى
العدول وحرف الجمع.
(١) ((بذل المجهود)) (٣٧٩/١٠).
(٢) (٣٦٥/٣).
٣٨٢

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢٩) باب
(١١٩٦) حديث
لكن ليس الأمر على ما توهموا، لأن المراد بمثل هذا الكلام أحد هذه
الأعداد، قال الفرّاء: لا وجه لحمل هذا على الجمع، لأن العبارة على التسع بهذا
اللفظ من السعي في الكلام، والكلام الجيد مَنَزَّهُ عن ذلك، وقد صح أن
رسول الله صلو فرّق بين غيلان وبين ما زاد على الأربع حين أسلم، ولم ينقل عن أحد
في حياته وقليل﴾ ولا بعده إلى يومنا هذا أنه جمع بين أكثر من أربع نسوة نكاحاً، اهـ.
وقال ابن الهمام(١): أجاز الروافض تسعاً من النساء، ونقل عن النخعي
وابن أبي ليلى، وأجاز الخوارج ثماني عشرة، وحكي عن بعض الناس إباحة
أي عدد شاء بلا حصر، قال الشيخ(٢): وأجابوا عن حديث غيلان الثقفي
وحديث نوفل بن معاوية عند الشافعي بما فيها من المقال، واستدلوا بما ثبت
أن رسول الله وَّل جمع بين تسع، وقد قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ
أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ وأما دعوى اختصاصه بالزيادة على الأربع، فلم يقم عليه دليل.
وقد يُجَاب بأن مجموع الأحاديث المذكورة في الباب لا تقصر عن رتبة
الحسن لغيره، فتنتهض مجموعها للاحتجاج، وإن کان کلُّ واحدٍ منها لا يخلو
عن مقال. ويؤيد ذلك كون الأصل في الفروج الحرمة، فلا يجوز الإقدام على
شيء منها إلا بدليل، وأيضاً هذا الخلاف مسبوق بالإجماع على عدم جواز
الزيادة على الأربع، كما صرح بذلك في ((البحر))، ألا ترى أن الصحابة مع شدة
اتباعهم لرسول الله ◌ّلية وكثرة قوتهم ورغبتهم في النساء لم يزد واحد منهم على
الأربع، فهذا كالصريح في أن الزيادة على الأربع مختصة برسول الله وَلقول، اهـ.
وفي ((شرح الإقناع)) (٣): ذكر ابن عبد السلام في شريعة موسى - عليه
(١) ((فتح القدير)) (١٤٤/٣).
(٢) انظر: ((بذل المجهود)) (٣٨٠/١٠).
(٣) (٣٦٤/٣).
٣٨٣

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢٩) باب
(١١٩٦) حديث
السلام - الجواز من غير حصر تغليباً لمصلحة الرجال. وفي شريعة عيسى - عليه
السلام - لا يجوز غير واحدة تغليباً لمصلحة النساء، وراعت شريعة محمد
نبينا وَ ل# وعلى سائر الأنبياء مصلحة النوعين، قال البجيرمي: مصلحة الرجال
كثرة التمتع بالنساء، ومصلحة النساء الغيرة لأنها لا تحب لزوجها أن يتمتع
بغيرها، وقيل: كان لسليمان ثلثمائة جارية سوى السراري، وكان لداود عليه
السلام مائة امرأة، وتوفي تَّر عن تسع.
قال النووي في ((تهذيبه)) (١) عن قتادة: تزوج بَ ل خمس عشرة امرأة،
ودخل بثلاث عشرة، وجمع بين إحدى عشرة، وتوفي عن تسع، وسرد
الدمياطي في ((السيرة)): من دخل بها وَ ل# أو طَلّقها قبل الدخول أو خطبها ولم
يعقد عليها ثلاثين، وقيل في حكمة تخصيص الأربع: مراعاة الأخلاط الأربعة
في الإنسان المتولد عنها أنواع الشهوة، ورد بعضهم هذه بعدم اعتبارها في
الرقيق مع تمام الأخلاط فيه، إلا أن يقال: إن الحكمة لا يلزم اطرّادها، اهـ.
قلت: وفيها حِكم أخرى تظهر بأدنى التأمل، منها: أن الرجل إذا تزوج
امرأة، فأكثر ما يتبيّن العلوق ثلاثة أشهر، وبعد ظهور العلوق يضره الجماع،
فلا بد أن يتركها، ويحتاج إلى الثانية، ويتبين حملها أيضاً كذلك بعد ثلاثة
أشهر، فيتركها، ويحتاج إلى الثالثة، وحالها أيضاً كذلك لا بُدَّ لهُ، من تركها
بعد ثلاثة أشهر، إن كان فيه قوة، وفي هذه التسعة الأشهر تضع الأولى
حملها، لكن لقرب عهدها بالولادة، واشتغالها بالنفاس وغيره لا بد أن يتركهما
شهرين أو أكثر منهما شيئاً، فلا بد أن يحتاج إلى الرابعة.
وبعد ثلاثة أشهر تشتغل هي بحملها، لكن تتفرغ الأولى لفراشه كل
الفراغ، وبعد ما تمضي عليها ثلاثة أشهر، ويأتي زمان شغلها تفرغ الثانية
(١) ((تهذيب الأسماء واللغات)) (٢٧/١).
٣٨٤

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢٩) باب
(١١٩٦) حديث
كذلك، وهلمَّ جراً، فلا بد للرجل من أربعة نساء، ولا يحتاج إلى الخامسة.
والعبد لما كان فيه اشتغال لخدمة مولاه أيضاً اشترك فيه أمران: خدمة
المولى والاشتغال بالزوجة، فلا بد أن يحتاج إلى نصف ما يحتاجه الحرُّ، وهو
ظاهر.
وأما المسألة الثانية فقد قال الموفق(١): إن الكافر إذا أسلم ومعه أكثر من
أربع نسوة، فأسلمن في عدّتهن، أو كن كتابيّات لم يكن له إمساكهن بغير
خلاف نعلمه، ولا يمسك إمساك أكثر من أربع، فإذا أحبّ ذلك اختار أربعاً
منهن، وفارق سائرهن، سواء تزوّجن في عقد واحد، أو في عقود، وسواء
اختار الأوائل أو الأواخر، نص عليه أحمد، وبه قال الحسن ومالك، والليث،
والأوزاعي والثوري، والشافعي، وإسحاق، ومحمد بن الحسن، وقال أبو
حنيفة وأبو يوسف: إن كان تزوجهن في عقد انفسخ نكاح جميعهن، وإن كان
في عقود، فنكاح الأوائل صحيح، ونكاح ما زاد على أربع باطل، اهـ.
وفي ((البذل))(٢) عن الشوكاني: ذهبت العترة وأبو حنيفة وأبو يوسف
والثوري والأوزاعي والزهري وأحد قولَي الشافعي إلى أنه لا يقرّ من أنكحة
الكفار إلا ما وافق الإسلام، فيقولون: إذا أسلم الكافر وتحته أختان وجب
عليه إرسال من تأخر عقدها، وكذلك إذا كان تحته أكثر من أربع أمسك من
تقدم العقد عليها منهن، وأرسل من تأخر في عقدها إذا كانت خامسة أو نحو
ذلك.
وحكى العيني في ((شرح الطحاوي)) مذهب الأوزاعي في الجمع بين
الأختين كأبي حنيفة، وفيما زاد على أربع كالشافعي وغيره، وحكى مذهب
(١) ((المغني)) (١٤/١٠).
(٢) (بذل المجهود)) (٣٨٠/١٠).
٣٨٥

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢٩) باب
(١١٩٦) حديث
الثوري موافقاً لأبي حنيفة، قال محمد في ((موطئه))(١) بعد أثر الباب: وبهذا
نأخذ يختار منهن أربعاً أيتهن شاء، ويفارق ما بقي، وأما أبو حنيفة فقال:
نكاح الأربع الأول جائز، ونكاح من بقي منهن باطل، وهو قول إبراهيم
النخعي، اهـ.
وأوضح الأجوبة عندي عن حديث الباب وما في معناه أن العقد كان قبل
نزول التحريم، فكان صحيحاً إلى أن طرأ التحريم، فلزمه اختيار الأربع منهن.
ومفارقة سائرهن، كرجل له امرأتان، فطلّق إحداهما ثلاثاً، فيقال له: اختر
أيهما شئت، لأن العقد كان صحيحاً إلى أن طرأ التحريم.
وقال الشيخ في ((البذل))(٢) تبعاً لصاحب ((البدائع)): ولأبي حنيفة وأبي
يوسف أن الجمع محرم على المسلم والكافر جميعاً، لأن حرمته ثبتت لمعنى
معقول، وهو خوف الجور في إيفاء حقوقهن، والإفضاء إلى قطع الرحم، وهذا
المعنى لا يوجب الفصل بين المسلم والكافر، إلا أنه لا يتعرض لأهل الذمة
مع قيام الحرمة، لأن ذلك ديانتهم، وهو غير مستثنى من عهودهم، وقد نُهِينا
عن التعرض لهم عن مثله بعد إعطاء الذمة، وليس لنا ولاية التعرض لأهل
الحرب، فإذا أسلم فقد زال المانع، فلا يمكن من استيفاء الجمع بعد
الإسلام، فإذا كان تزوج الخمس في عقد واحد فقد حصل نكاح كل واحد
منهن جميعاً، إذ ليست إحداهن بأولى من الأخرى، والجمع محرَّمٌ، وقد زال
المانع من التعرض، فلا بد من الاعتراض بالتفريق.
وإذا تزوجهن على الترتيب في عقود متفرقة فنكاح الأربع منهن وقع
صحيحاً، لأن الحر يملك التزوج بأربع نسوة مسلماً كان أو كافراً، ولم يصح
(١) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٤٦٠/٢).
(٢) ((بذل المجهود)) (٣٨١/١٠).
٣٨٦

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢٩) باب
(١١٩٧) حديث
٧٧/١١٩٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ؛ أَنَّهُ قَالَ:
سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ، وَحُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَوْفٍ،
وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ؛ كُلَّهُمْ
يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: أَيُّمَا
امْرَأَةٍ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا تَطْليقَةً أَوْ تَطْلِيقَتَيْنِ ثُمَّ تَرَكَهَا حَتَّى تَحِلَّ وَتَنْكِحَ
زَوْجاً غَيْرَهُ، فَيَمُوتَ عَنْهَا أَوْ يُطَلِّقَهَا، ثُمَّ يَنْكِحُهَا زَوْجُهَا الْأَوَّلُ؛
نكاح الخامسة لحصوله جميعاً، فيفرَّق بينهما بعد الإسلام، وأما الأحاديث،
ففيهما إثبات الإختيار للزوج المسلم، لكن ليس فيها أن له أن يختار ذلك
بالنكاح الأول أو بنكاح جديد، فاحتمل أنه أثبت له الاختيار ليتجدد العقد
عليهن، ويحتمل أنه أثبت له الاختيار ليمسكهن بالعقد الأول، فلا يكون حجة
مع الاحتمال، مع ما أنه قد روي أن ذلك قبل تحريم الجمع، اهـ.
١١٩٧/ ٧٧ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (أنه قال: سمعت سعيد بن
المسيب) التابعي ابن الصحابي (وحميد) بضم الحاء (ابن عبد الرحمن بن
عوف) الزهري (وعبيد الله) بضم العين مصغراً (ابن عبد الله) بفتح العين مكبراً
(ابن عتبة) بضم العين وسكون المثناة الفوقية (ابن مسعود) عبد الله(١)
(وسليمان بن يسار) الهلالي (كلهم) من أجلة التابعين (يقولون) وفي نسخة:
يقول، أي كل واحد منهم (سمعت أبا هريرة يقول: سمعت عمر بن الخطاب)
- رضي الله عنه - (يقول: أيما امرأة طلقها زوجها).
لفظ محمد في ((موطئه)) (٢) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه استفتى
عمر بن الخطاب في رجل طلّق امرأته (تطليقة أو تطليقتين) أي ما دون الثلاث
(ثم تركها حتى تحلّ) أي أتمت العدة (وتنكح) بعد ذلك (زوجاً غيره) أي غير
الأول (فيموت عنها) الزوج الثاني (أو يطلقها) مثلاً (ثم ينكحها زوجها الأول،
(١) هكذا في الأصل.
(٢) (ص١٩٠) ((التعليق الممجد)) (٥٢١/٢).
٣٨٧

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢٩) باب
(١١٩٧) حديث
فَإِنَّهَا تَكُونُ عِنْدَهُ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاَقِهَا .
قَالَ مَالِكٌ: وَعَلَى ذُلِكَ السُّنَّةُ عِنْدَنَا، الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا .
فإنها تكون عنده) أي عند الزوج الأول (على ما بقي من طلاقها).
يعني تكون عندها على اثنين إن كان طلقها أولاً واحدة، وتكون على
واحدة، فتكون مبتوتة بها إن كان طلقها أولاً اثنين، قال محمد بعد ذلك:
وبهذا نأخذ، فأما أبو حنيفة، فقال: إذا عادت إلى الأول بعد ما دخل بها
الآخر عادت على طلاق جديد ثلاثة تطليقات مستقبلات، وفي أصل ابن
الصّاف هو قول ابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهما -، اهـ. قلت: وبه
قال أبو يوسف.
(قال مالك: وعلى ذلك) الحكم المذكور (السنة) الثابتة (عندنا التي لا
اختلاف فيها) على علمنا بدار الهجرة، قال الموفق (١): المطلق إذا بانت زوجته
منه، ثم تزوجها لم يخلُ من ثلاثة أحوال: أحدها: أن تنكح غيره ويصيبها، ثم
يتزوجها الأول، فهذه ترجع إليه على طلاق ثلاث بإجماع أهل العلم، قاله ابن
المنذر، قلت: وقد كان طلقها زوجها الأول ثلاثاً كما يدل عليه سياق الكلام،
والثاني: أن يطلقها دون الثلاث، ثم تعود إليه برجعة أو نكاح جديد قبل زوج
ثانٍ، فهذه ترجع إليه على ما بقي من طلاقها بغير خلاف نعلمه.
والثالث: طلقها دون الثلاث، فقضت عدتها، ثم نكحت غيره، ثم
تزوجها الأول، فعن أحمد فيها روايتان، إحداهما: أنها ترجع على ما بقي من
طلاقها، وهو قول أكابر الصحابة عمر وعلي وأبي ومعاذ وعمران بن حصين
وأبي هريرة، وروي ذلك عن زيد وعبد الله بن عمرو بن العاص، وبه قال
سعيد بن المسيب وعبيدة والحسن ومالك والثوري وابن أبي ليلى والشافعي
وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور ومحمد بن الحسن وابن المنذر.
(١) ((المغني)) (٥٣٢/١٠).
٣٨٨

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢٩) باب
(١١٩٨) حديث
٧٨/١١٩٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الْأَحْنَفِ؛ أَنَّهُ
تَزَوَّجَ أُمَّ وَلدٍ لِعَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ. قَالَ: فَدَعَانِي
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ.
والرواية الثانية عن أحمد أنها ترجع إليه على طلاق ثلاث، وهذا قول
ابن عمر وابن عباس وعطاء والنخعي وشريح وأبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن
وطء الزوج الثاني مثبت للحلّ، فيثبت حلَّا يَتَّسِعُ لثلاث تطليقات كما بعد
الثلاث، لأن الوطء الثاني يهدم الطلقات الثلاث، فأولى أن يهدم ما دونها،
ولنا أن وطء الثاني لا يحتاج إليه في الإحلال للزوج الأول، فلا يغير حكم
الطلاق، اهـ. وبسط البحث في المسألة في أصول الفقه.
٧٨/١١٩٨ - (مالك عن ثابت) بن عياض (الأحنف) الأعرج العدوي
مولاهم ثقة من رواة الشيخين وغيرهما، وتُرِكَ لفظُ ابن بين ثابت والأحنف في
النسخ الهندية، وهو موجود في جميع النسخ المصرية(١) (أنه تزوج أم ولد
لعبد الرحمن بن زيد بن الخطاب) العدوي ابن أخي عمر - رضي الله عنه - وُلد
في حياته وَ﴾. فأحضره أبو أمه عنده ◌َّ فَحَنّكه، ومسح رأسه، ودعا له
بالبركة، فكان لبيباً عاقلاً. وزوّجه عمه عمر - رضي الله عنه - بنته فاطمة،
وولي إمرةً مكة ليزيد بن معاوية، ومات سنة بضع وستين.
(قال) ثابت: (فدعاني) ابنه (عبد الله بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب)
ذكر ترجمته الحافظ في ((التعجيل))(٢) ولم يذكر حاله، بل ذكر فيه حديث
الباب، ثم قال: قال ابن الحذّاء: بين يحيى بن يحيى التميمي في روايته عن
مالك أنه عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد، وذكره البخاري في ((التاريخ))
وقال: أظنه أخا عبد الحميد بن عبد الرحمن بن يزيد، اهـ.
(١) انظر: ((الاستذكار)) (١٤٩/١٨).
(٢) (ص٢٢٧).
٣٨٩

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢٩) باب
(١١٩٨) حديث
فَجِئْتُهُ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ. فَإِذَا سِيَاطٌ مَوْضُوعَةٌ. وَإِذَا قَيْدَانِ مِنْ حَدِيدٍ.
وَعَبْدَانِ لَهُ قَدْ أَجْلَسَهُمَا. فَقَالَ: طَلِّقْهَا وَإِلَّا، والَّذِي يُحْلَفُ بِهِ،
فَعَلَتُ بِكَ كَذَا وَكَذَا .
قلت: وأخرجه البيهقي برواية القعنبي وابن أبي أويس عن مالك، بلفظ
((فدعاني عبد الله بن عبد الرحمن))، ولم ينسبه إلى جده، ثم أخرجه برواية
الحميدي عن سفيان عم عمرو عن ثابت الأعرج قال: ((تزوجت أم ولد
عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، فدعاني ابنه ودعا غلامين)) الحديث، فهذا
نص في أنه ابنه لا ابن عبد الرحمن بن يزيد.
الخطاب
عمر
زيد
عبد الله
عبد الرحمن
-
(المفتي)
عبد الله
(الضارب)
(فجئته فدخلت عليه، فإذا سياط) جمع سوط (موضوعة) عنده (وإذا قيدان)
تثنية قيد (من حديد وعبدان) تثنية عبد (له قد أجلسهما عنده) ولفظ الحميدي عند
البيهقي(١) فدعاني ابنه، ودعا غلامين له، فربطوني وضربوني بسياط، وقالوا:
لتطلقنها أو لنفعلن ولنفعلن.
(فقال لي) عبد الله: (طَلِّقها وإلا) أي إن لم تفعل (والذي يحلف به) وهو الله
الذي لا إله إلا هو (فعلت بك كذا وكذا) أي لأوجعتك بالسياط، وأضربك فوق
ذلك، وفيما حكى الزيلعي (٢) من لفظ هذا الحديث، قال لي: تزوجت أم ولد
(١) ((سنن البيهقي)) (٣٥٨/٧).
(٢) («نصب الراية)) (٢٢٤/٣).
٣٩٠

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢٩) باب
(١١٩٨) حدیث
قَالَ: فَقُلْتُ: هِيَ الطَّلاقُ أَلْفاً. قَالَ: فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِ، فَأَدْرَكْتُ
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، بِطَرِيقِ مَكَّةَ. فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي كَانَ مِنْ شَأْنِي.
فَتَغَيَّظَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عُمَر وَقَالَ: لَيْسَ ذُلِكَ بِطَلَاقٍ. وَإِنَّهَا لَمْ تَحْرُمْ
عَلَيْكَ. فَارْجِعْ إِلَى أَهْلِكَ. قَالَ: فَلَمْ تُقْرِرْنِي نَفْسِي حَتَّى أَتَيْتُ
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ، أَمِيرٌ عَلَيْهَا. فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي كَانَ
مِنْ شَأْنِي. وَبِالَّذِي قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. فَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
الزُّبَيْرِ: لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْكَ. فَارْجِعْ إِلَى أَهْلِكَ. وَكَتَبَ إِلَى جَابِرِ بْنِ
الْأَسْوَدِ الزُّهْرِيِّ، وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ،
أبي بغير رضائي، فأنا لا أزال أضربك حتى تموت، ثم قال: طلقها وإلا فعلت
(قال) ثابت: (فقلت: هي الطلاق ألفاً) أي ألف مرة (فخرجت من عنده) وأردت
السفر إلى مكة (فأدركت) ابن عم أبيه (عبد الله بن عمر) بن الخطاب (بطريق
مكة) قال ثابت: (فأخبرته بالذي كان من شأني) وما مضى عليّ من الطلاق
بالإكراه والتهدید.
(فَتَغَيَّظ عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - على حفيد عمه (وقال) لي:
(ليس ذلك بطلاق) للإكراه (وإنها لم تحرم عليك) بذلك الذي قلته مكرها
(فارجع إلى أهلك) فإنها زوجتك (فلم تقررني نفسي) ولفظ البيهقي برواية
القعنبي وغيره، عن مالك فلم تقربي نفسي، وفي نسخة ((فلم تُقِرَّني)) أي لم
يجئ في نفسي القرارُ من قوله (حتى أتيت عبد الله بن الزبير) - رضي الله عنه -
(وهو يومئذ بمكة أميرٌ عليها) فشكوت إليه (فأخبرته بالذي كان من شأني) وما
مضى عليّ من عبد الله بن عبد الرحمن، وأخبرته أيضاً (بالذي قال لي عبد الله بن
عمر) - رضي الله عنه - من أنها لم تحرم علي.
(فقال لي عبد الله بن الزبير) أيضاً إنها (لم تحرم عليك، فارجع إلى
أهلك، وكتب) ابن الزبير (إلى جابر بن الأسود الزهري وهو أمير المدينة) من
جهة ابن الزبير ولي إمرتَها سنة سبع وستين بعد مصعب، كما في ((الرحلة
٣٩١

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢٩) باب
(١١٩٨) حديث
يَأْمُرُهُ أَنْ يُعَاقِبَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ. وَأَنْ يُخَلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ
أَهْلِي. قَالَ: فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فَجَهَّزَتْ صَفِيَّةُ امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
عُمَرَ، امْرَأَتِي، حَتَّى أَدْخَلَتْهَا عَلَيَّ، بِعِلْم عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. ثُمَّ
دَعَوْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، يَوْمَ عُرْسِي، لِوَلِيمَّتِي، فَجَاءَنِي.
الحجازية)) عن ((مرآة الحرمين)) (يأمره) أي يأمر ابن الزبير جابراً (أن يعاقب
عبد الله بن عبد الرحمن) أي يُعَزِّرُه على ظلمه (وأن يُخَلِّيَ) أي يُهَيِّئ أسباب
التخلية (بيني وبين أهلي) أي زوجتي التي طلقتها مكرهاً.
(قال) ثابت: (فقدمت المدينة فجهَّزت) بصيغة الغائب (صفية) فاعل
جَهَّزَتْ وهي ابنة أبي عبيد كما في رواية البيهقي (امرأة عبد الله بن عمر) -
رضي الله عنه - بدل من صفية (امرأتي) مفعول جهّزت (حتى أدخلتها) أي
أدخلت صفيةُ امرأتي (عليّ) بشد الياء (بعلم عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه -
وفيه تأكيد وتقوية لما أفتاه أولاً .
(ثم دعوت عبد الله بن عمر) بن الخطاب (يوم عرسي لوليمتي، فجاءني) في
الدعوة، فعُلِمَ أن طلاق المكره ليس بشيء عند ابن عمر وابن الزبير رضي الله عنهما .
قال الموفق(١): لا تختلف الرواية عن أحمد أن طلاق المكره لا يقع،
وروي ذلك عن عمر وعلي وابن عمر وابن عباس وابن الزبير وجابر بن سمرة،
وبه قال عكرمة والحسن وجابر بن زيد وشريح وعطاء وطاووس وعمر بن
عبد العزيز وابن عون وأيوب السختياني ومالك والأوزاعي والشافعي وإسحاق
وأبو ثور وأبو عبيد، وأجازه أبو قلابة والشعبي والنخعي والزهري والثوري وأبو
حنيفة وصاحباه، لأنه طلاق من مكلف في محلٍ يملكه، فينفُذُ كطلاق غير
المُكْرَه.
ولنا قولُ النبيِ وَّ: ((إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما
(١) ((المغني)) (٣٥٠/١٠).
٣٩٢

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢٩) باب
(١١٩٨) حديث
استكرهوا عليه)) رواه ابن ماجه (١)، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعتُ
رسول الله 18َ يقول: ((لا طلاق في إغلاق)) رواه أبو داود(٢)، قال أبو عبيد
والقُتيبي: معناه في إكراه، ولأنه قول من سمينا من الصحابة، ولا مخالف لهم
في عصرهم فيكون إجماعاً، اهـ.
قلت: وقد اختلف في ذلك عن عمر - رضي الله عنه -، فقد روى البيهقي
عنه ما يدل على أنه أبان المرأة في طلاق الإكراه، وقال: الرواية الأولى أشبهُ
يعني عدم الطلاق.
وقال العيني(٣) فيمن يرى طلاق المكره: قال ابن حزم: صحّ أيضاً عن
الزهري وقتادة وسعيد بن جبير، وروى الفرج بن فضالة عن عمرو بن شراحيل
أن امرأة أكرهت زوجها على طلاقها فطلقها، فرفع ذلك إلى عمر رضي الله
عنه، فأمضى طلاقها، وعن ابن عمر رضي الله عنه نحوه وكذا عن عمر بن
عبد العزيز، اهـ.
وزاد صاحب ((الجوهر النقي))(٤) عن ((الاستذكار))(٥) فيمن أجاز طلاق
المكره ابن المسيب وأبا قلابة وشريحاً في رواية، وبسط الكلام على حديث:
((لا طلاق في إغلاق)) وكذا بسط عليه الحافظ في ((الفتح)) ورجح أن الرواية
بلفظ ((في غلاق)) قال أبو داود(٦): الغلاق أظنه الغضب.
(١) ((سنن ابن ماجه)) (٦٥٩/١).
(٢) ((سنن أبي داود)) (٢١٩٣).
(٣) ((عمدة القاري)) (٢٥٩/١٤).
(٤) ((الجوهر النقي على هامش السنن الكبرى)) (٣٥٨/٧).
(٥) ((الاستذكار)) (١٥٢/١٨).
(٦) انظر: ((بذل المجهود)) (٢٨٢/١٠).
٣٩٣

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢٩) باب
(١١٩٩) حديث
٧٩/١١٩٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ؛
قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَرَأَ : - يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ
فَطَلِّقُوهُنَّ لِقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ -.
قلت: وأما الاستدلال بحديث التجاوز على رفع الحكم مشكلٌ، فإن
المرفوع الإثم فقط، ألا ترى أنهم أجمعوا على وجوب الدية في قتل الخطأ،
وحكى ابن رسلان عن أصحاب الشافعي أنهم فرقوا بين أن ينوي الطلاق،
فالأصح أن يقع، وبين أن لا ينوي فالأصح أن لا يقع.
وفي ((المحلى)) عن إبراهيم: لو وضع السيف على مفرقه، ثم طلق لأجزاتُ
طلاقه، وهو المأثور عن ابن عمر والزهري وقتادة وسعيد بن جبير، أخرجه عنهم
عبد الرزاق، وروى محمد والعقيلي بإسنادهما عن صفوان الطائي أن امرأة كانت
تبغض زوجها، فوجدته نائماً، فأخذت شفرة وجلست على صدره، ثم حركته،
وقالت: لتطلقني ثلاثاً أو لأذبحنك، فناشد الله، فأبت، فطلقها ثلاثاً، ثم جاء إلى
رسول الله وَ له، فسأله عن ذلك، فقال النبي وَّل: ((لا قيلولة في طلاق)).
قلت: ذكره الزيلعي في ((نصب الراية))(١) وتكلم على الغازي بن جبلة وصفوان
الأصم، وحكى عن البخاري وابن أبي حاتم أن كلاً منهما منكرُ الحديث.
٧٩/١١٩٩ - (مالك عن عبد الله بن دينار) مولى ابن عمر - رضي الله عنه -
(قال: سمعت عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - (قرأ) قوله تعالى: (﴿يَّأَيُّهَا
النَُّ﴾) المراد أُمَّتُه بقرينة ما بعده، أو قل لهم، كذا في ((الجلالين)) وعلى
الأولى أُطْلِقَ لفظ النبي، وأريد به أمته، فكأنه قيل: يا أيها الأمة، وقيل: في
الكلام حذف أي النبي وأمته على حَدِّ ﴿سَرَبِيلَ تَقِيَكُمُ الْحَرَّ﴾، كذا في
((الجمل)) (﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ﴾) أي أردتم طلاقها (فطلقوهن لقبل) بضم القاف
والباء وبإسكانها (عدتهن) قال القشيري وغيره: هذه القراءة على التفسير لا
(١) (٢٢٢/٣).
٣٩٤

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢٩) باب
(١١٩٩) حديث
قَالَ مَالِكٌ: يَعْنِي بِذُلِكَ، أَنْ يُطَلِّقَ فِي كُلِّ طُهْرٍ مَرَّةً.
القراءة، وتقدم في بعض طرق حديث ابن عمر عند مسلم وغيره، وقرأ
النبي ◌َّ: ((فطلقوهن في قبل عدتهن))، اهـ، أي فطلقوهن مستقبلات لعدتهن
أي عند ابتداء شروعهن في العدة.
(قال مالك: يعني بذلك أن يُطَلْق في كل طهر مرةً) قال الباجي(١): هذا
مما انفرد به يحيى بن يحيى، وقد أُنْكِرتْ هذه الرواية على يحيى بن يحيى،
وقيل: إنها مخالفة لمذهب مالك - رضي الله عنه - لأن طلاق السنة عنده أن
يطلق طلقة في كل طهر أي في أيّ طهر سأله أي يبتدئ به الطلاق ويوقعه مرة
واحدة لا يُتْبِعُها في ذلك الطهر طلقةً ثانيةً، وليس في ذلك الطلاق إيقاع
الطلاق في الطهر الثاني ولا المنع منه، اهـ.
وقال الباجي في أول الطلاق: سنة الطلاق أن يطلقها طلقة واحدة، ثم
يمهلها حتى تنقضي عدتها، إن أراد إمضاء الطلاق، فإن طلقها في القرء الثاني
طلقة، وفي الثالث طلقة، فإن الطلقتين المتأخرتين ليستا للسنة، وقال أبو
حنيفة: طلاق السنة أن يطلقها في كل قرء طلقة، فتنقضي عدتها وقد طلقها
ثلاثاً، وقال أشهب: لا بأس به ما لم يرتجعها في خلال ذلك، وجه قول
مالك قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَّتِهِنَّ﴾ وهذا يقتضي إيقاع طلاق يعتدّ به،
والطلقة الثانية لا عدة لها فلا يتناولها الأمر بصفة الطلاق، اهـ.
وقال الدردير(٢): طلاق السنة أي الطلاق الذي أذنت السنة في فعله،
وليس المراد أنه سنة، لأن أبغض الحلال إلى الله الطلاق واحدة أوقعها بطهر
لم يطأها فيه بلا إرداف في عدة وإلا فبدعيّ، وهو يشتمل على جميع القيود،
(١) ((المنتقى)) (١٢٤/٤).
(٢) ((الشرح الكبير)) (٣٦١/٢).
٣٩٥

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢٩) باب
(١٢٠٠) حدیث
١٢٠٠/ ٨٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ
أَبِيهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ ارْتَجَعَهَا قَبْلَ أَنْ
تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، كَانَ ذُلِكَ لَهُ. وَإِنْ طَلَّقَهَا أَلْفَ مَرَّةٍ. فَعَمَدَ رَجُلٌ إِلَى
امْرَأَتِهِ فَطَلَّقَهَا. حَتَّى إِذَا شَارَفَتِ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا رَاجَعَهَا. ثُمَّ طَلَّقَهَا .
ثُمَّ قَالَ:
بأن أوقع أكثر من واحدة أو في حيض أو نفاس أو في طهر مسّها فيه، أو
أردف أخرى في عدة رجعي، اهـ.
قال الموفق(١): طلاق السنة الذي وافق أمر الله وأمر رسوله في الآية،
والخبرين المذكورين هو الطلاق في طهر لم يصبها فيه، ثم يتركها حتى تنقضي
عدتها، ولا يتبعها طلاق آخر قبل قضاء عدتها، ولو طلقها ثلاثاً في ثلاثة
أطهار كان حكم ذلك حكم جمع الثلاث في طهر واحد، قال أحمد: طلاق
السنة واحدة، ثم يتركها حتى تحيض ثلاث حيض.
وكذا قال مالك والأوزاعي والشافعي وأبو عبيد، وقال أبو حنيفة والثوري
وسائر الكوفيين: السنة أن يطلقها ثلاثاً في كل قرء طلقة لما في حديث ابن عمر
السنة أن يستقبل الطهر، فيُطَلِّقُ لكل قرء، وروى النسائي بإسناده عن عبد الله، قال:
طلاق السنة أن يطلقها تطليقة، وهي طاهر في غير جماع، فإذا حاضت، وطهرت
طلقها أخرى، فإذا حاضت، وطهرت طلقها أخرى، ثم تعتدّ بعد ذلك بحيضة، اهـ.
١٢٠٠ / ٨٠ - (مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال) هذا مرسل، وسيأتي
وصله في آخر الحديث (كان الرجل) في زمان الجاهلية وبدء الإسلام (إذا طلق
امرأته ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عدتها كان ذلك) حقاً (له وإن) وصلية (طلقها ألف
مرة فعمد) بفتح الميم أي قصد (رجل إلى امرأته، فطلقها حتى إذا شارفت) أي
قاربت (انقضاء عدتها راجعها ثم طلقها) على طريق الجاهلية (ثم قال) الزوج:
(١) ((المغني)) (٣٢٥/١٠).
٣٩٦

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢٩) باب
(١٢٠٠) حديث
وَاللَّهِ، لَا آوِيكِ إِلَيَّ وَلَا تَحِلِّينَ لِي أَبَداً. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:
﴿اَلْطَّلَقُ مَرَتَانِ فَإِمِسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَنٍ﴾ .
(والله لا أؤويك إلي) أي لا أضمك إليّ بضم الهمزة كما في النسخ الهندية وهكذا
في الترمذي والبيهقي وغيرهما، وهو الصواب، فإنه من الإيواء، وفي جميع النسخ
المصرية بمد الهمزة ولا وجه له، قال الراغب: أوى إلى كذا انضمَ إليه يأوي أوياً
ومأوى، وآواه غيره يؤويه إيواء، قال تعالى: ﴿سَشَاوِىّ إِلَى جَبَلٍ﴾ وقال: ﴿وَتُقْوِىّ
إِلَيْكَ مَن تَشَّةٌ﴾ .
(ولا تحلين أبداً) بفتح المثناة والحاء المهملة وتشديد اللام أي لا
تخرجين من عدتك أبداً، وزيد في النسخ الهندية لفظ لي قبل أبداً، ولا وجه
له، وليس هذا في روايات الترمذي والبيهقي وغيرهما من كتب الحديث، ولفظ
الترمذي(١) من حديث عائشة حتى قال رجل لامرأته: والله لا أطلقك، فتبينين
مني، ولا أؤويك أبداً، قالت: وكيف ذاك؟ قال: أطلقك، فكلما همت عدتك
أن تنقضي راجعتك، فذهبت المرأة حتى دخلت على عائشة، فأخبرتها،
فسكتت عائشة حتى جاء النبي 8، فأخبرته، فسكت النبي وَل حتى نزل
القرآن: ﴿اُلْطَّلَقُ مَرَّتَانٍ﴾ .
(فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿الطَّلَقَ﴾) أي التطليق الذي يراجع بعده
(﴿مَرَّتَانٍ﴾) أي ثنتان، ثم بعد ذلك (﴿فَإِسَاكٌ﴾) أي فعليكم إمساكهن بعده بأن
تراجعوهن (﴿ِمَعْرُوفٍ﴾) من غير ضرار عليهن، يعني إذا راجعها بعد التطليقة
الثانية، فعليه أن يمسكها بالمعروف، وهو كل ما عُرِفَ في الشرع من أداء
حقوق النكاح وحسن الصحبة (﴿أَوْ تَشْرِيٌ بِإِحْسَانٍ﴾) أي مع إحسان من نحو
بذل مال لهن جبراً لخاطرهن أو عدم المضارة، وقيل: هو أن يؤدي إليها جميع
حقوقها المالية، ولا يذكرها بعد المفارقة بسوء ولا يُنَفِّرُ الناس عنها .
(١) أخرجه الترمذي (١١٩٢).
٣٩٧

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢٩) باب
(١٢٠٠) حديث
فَاسْتَقْبَلَ النَّاسُ الطَّلَاقَ جَدِيداً مِنْ يَوْمِئِذٍ. مَنْ كَانَ طَلَّقَ مِنْهُمْ أَوْ لَمْ
يُطَلِّقْ.
وفي ((القرطبي)): التسريح يحتمل لفظه معنيين: أحدهما: تركها حتى تتم
العدة من الطلقة الثانية، وهذا قول السدّي والضحاك، والمعنى الآخر، أن
يطلقها ثالثة فيسَرِّحها، وهذا قول مجاهد وعطاء وغيرهما، وهو أصح لوجوهٍ
ثلاثة: أحدها: ما رواه الدارقطني(١) عن أنس أن رجلاً قال: يا رسول الله
قال الله تعالى: ﴿اُلْطَّلَقُ مَرَّتَانٍ﴾ فَلِمَ صار ثلاثة؟ قال: إمساك بمعروف أو
تسريح بإحسان، وفي رواية هي الثالثة، الثاني: أن التسريح من ألفاظ الطلاق،
الثالث: أن التفعيل يعطي أنه أحدث فعلاً مكرراً على الطلقة الثانية، وليس في
الترك إحداث فعل يُعَبَّرُ عنه بالتفعيل .
قال أبو عمر(٢): أجمع العلماء على أن قوله تعالى: ﴿أَوْ تَسْرِيٌ بِإِحْسَانٍ﴾
هي الطلقة الثالثة، وإياها عُنِيَ بقوله تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾،
اهـ. وعلى المعنى الأول أي إذا أريد به تركهن حتى تنقضي العدة، فيكون
الطلقة الثالثة في قوله تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَجِلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ الآية. (فاستقبل
الناس الطلاق جديداً من يومئذ) أي من يوم نزول الآية، ولفظ الترمذي:
((فاستأنف الناس الطلاق مستقبلاً)).
(من كان منهم طلق) نساءه قبل ذلك (أو لم يطلق) يعني استأنفوا تعديد
الطلاق من ذلك اليوم، سواء طلق واحد منهم قبل ذلك أو لم يطلق، ولم
يعدّوا التطليقات الماضية، وهذا الحديث مرسل، وتابع مالكاً على إرساله
عبد الله بن إدريس، وعبدة بن سلمان، وجرير بن عبد الحميد، وجعفر بن عون
كلهم عن هشام عن أبيه مرسلاً .
(١) ((سنن الدارقطني)) (٤/٤).
(٢) انظر: ((الاستذكار)) (١٥٨/١٨)، و((شرح الزرقاني)) (٢١٩/٣).
٣٩٨

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢٩) باب
(١٢٠١) حديث
١٢٠١/ ٨١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدِ الدِّيلِيِّ؛
أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثُمَّ يُرَاجِعُهَا وَلَا حَاجَةَ لَهُ بِهَا. وَلَا يُرِيدُ
إِمْسَاكَهَا. كَيْمَا يُطَوِّلَ بِذَلِكَ، عَلَيْهَا الْعِدَّةَ لِيُضَارَّهَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ
وَتَعَالَى - ﴿وَلَا تُتِكُوُهُنَ ضِرَارًا لِيَعْنَدُوَّأْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَةٌ﴾ -
ووصله الترمذي(١) والحاكم وغيرهما من طريق يعلى بن شبيب وابن
مردويه من طريق محمد بن إسحاق كلاهما عن هشام عن أبيه عن عائشة، قال
الترمذي: والمرسل أصح من حديث يعلى بن شبيب، وأخرج المرسل من
حديث ابن إدريس عن هشام، وبكلا الطريقين أخرجه البيهقي(٢) موصولاً من
طريق يعلى بن شبيب، ثم مرسلاً من طريق الشافعي عن مالك، ثم قال: هذا
مرسل، وهو الصحيح، قاله البخاري وغيره، اهـ.
٨١/١٢٠١ - (مالك عن ثور) بمثلثة في أوله (ابن زيد) بزاي في أوله
(الديلي) بكسر الدال المهملة (أن الرجل) في زمن الجاهلية، واستمرت العادة
في بدء الإسلام (كان يطلق امرأته ثم يراجعها) في آخر العدة (ولا حاجة له بها)
أي بالمرأة يعني لا يكون مراجعته لاحتياجه إليها (ولا يريد إمساكها) بل يراجع
(كيما تطول بذلك) أي بالمراجعة (عليها العدة) بأن يطلقها مرة أخرى، وإذا
كادت العدة أن يختم يراجعها مرة أخرى، وكذلك مرة بعد مرة، وهلم جراً
(ليضارّها) أي يُلْقِي المرأة في المشقة بأن لا يؤويها. ولا يخليها حتى تنكح
زوجاً غيره.
(فأنزل الله عز وجل وتبارك وتعالى: (﴿وَلَا تُنِكُهُنَّ﴾) بالرجعة (﴿ضِرَارًا﴾)
مفعول له تأكيد للأمر بالإمساك بمعروف المذكور قبل ذلك (﴿لِّيَعْنَدُواْ﴾) عليهن
بتطويل الحبس (﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾) أي الإمساك للإضرار (﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾)
(١) ((سنن الترمذي)) (٤٨٠/٣).
(٢) انظر: ((معرفة السنن والآثار)) (١٤٦٨٠/١١).
٣٩٩

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢٩) باب
(١٢٠٢) حديث
يَعِظُهُمُ اللَّهُ بِذْلِكَ.
٨٢/١٢٠٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ
الْمُسَيَّب وَسَلَيْمَانَ بْنَ يَسَارِ سُئِلَا عَنْ طَلَاقِ السَّكْرَانِ؟ فَقَالًا: إِذَا
طَلَّقَ السَّكْرَانُ جَازَ طَلَاقُهُ. وَإِنْ قَتَلَ قُتِلَ بِهِ.
بتعريضها إلى عذاب الله عز وجل (يعظهم الله) عز وجل (بذلك) قال ابن
عبد البر: أفاد هذا وما قبله أن نزول الآيتين في معنى واحد متقارب، وذلك
حبس الرجل ومراجعتها بقصد الإضرار، اهـ
وفي ((الدر المنثور))(١): أخرج ابن جرير وابن المنذر عن السدي قال:
نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار يدعى ثابت بن يسار طلّق امرأته حتى إذا
انقضت عدتها إلا يومين أو ثلاثة راجعها ثم طلقها، ففعل ذلك بها حتى مضت
لها تسعة أشهر يضارّها، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تُسِكُهُنَّ﴾ الآية، وأخرج
البيهقي وغيره عن الحسن في هذه الآية، قال: هو الرجل يطلق امرأته، فإذا
أرادت أن تنقضي عدتها أشهد على رجعتها، يريد أن يَطَوِّلَ عليها .
١٢٠٢/ ٨٢ - (مالك أنه بلغه) هكذا أخرجه البيهقي برواية ابن بكير عن
مالك، وأسنده ابن أبي شيبة عن حاتم بن إسماعيل عن عبد الرحمن بن حرملة
(أن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار سئلا) ببناء المجهول (عن طلاق
السكران؟ فقالا) أي كلاهما (إذا طلق السكران جاز طلاقه وإن قتل) السكران
أحداً (قتل به) ببناء المجهول.
قال الزيلعي(٢): أخرج ابن أبي شيبة في ((مصنفه))(٣) أن عمر - رضي الله
عنه - أجاز طلاق السكران بشهادة نسوة، وأخرج عن عطاء ومجاهد والحسن
(١) (١/ ٦٤٧).
(٢) ((نصب الراية)) (٢٢٤/٣).
(٣) (٣٧/٥).
٤٠٠