Indexed OCR Text
Pages 341-360
٢٨ - كتاب الطلاق (٢٣) باب (١١٨٧) حديث وإن لم يرض بعضهم، فهل يقع العقد باطلاً من أصله أو صحيحاً؟ فيه روايتان عن أحمد، وقولان للشافعي، إحداهما: أنه باطل لأن الكفاءة حق لجميعهم، والعاقد متصرف فيها بغير رضاهم، والثانية: أنه صحيح، وهو ظاهر المذهب، كما في ((الشرح الكبير)» بدليل أن المرأة التي زوّجها أبوها من غير كفؤٍ خَيَّرَها النبي ◌ََّ، ولم يبطل النكاح من أصله، وعلى هذه الرواية لمن لم يرض الفسخَ، وبهذا قال الشافعي ومالك. وقال أبو حنيفة: إذا رضيت المرأة وبعض الأولياء لم يكن لباقي الأولياء فسخٌ؛ لأن هذا الحق لا يتجزّأ، وقد أسقط بعض الشركاء حقه، فسقط جميعه كالقصاص، ولنا، أن كل واحد من الأولياء يعتبر رضاه، فلم يسقط برضا غيره، وسواء كانوا متساوين في الدرجة أو متفاوتين، مثل أن يزوج الأبُ بغير كفء، فإن للإخوة الفسخ، وقال مالك والشافعي: ليس لهم الفسخ إذا زوَّج الأقربُ، لأنه لاحق للأبعد معه، فرضاؤه لا يعتبر. ولنا، أنه وليٍّ في حالٍ يلحقه العار بفقد الكفاءة فملك الفسخَ کالمتساویین. واختلفت الرواية عن أحمد في شروط الكفاءة، فعنه هما شرطان، الدين والمنصبُ، يعني النسب، وعنه أنها خمسةٌ: هذان، والحرّية، واليسار، والصناعة، وذكر القاضي في ((المجرّد)) أن فقد هذه الثلاثة لا يبطل النكاح رواية واحدة، وإنما الروايتان في الشرطين الأولين، وذكر في الجامع الروايتين في جميع الشروط، وذكره أبو الخطاب أيضاً، وقال مالك: الكفاءة في الدين لا غير، قال ابن عبد البر: هذا جملة مذهب مالك وأصحابه، وعن الشافعي كقول مالك، وقول آخر أنها الخمسة المذكورة، والسلامة من العيوب الأربعة فتكون ستة، وكذلك قول أبي حنيفة والثوري إلا في الصنعة والسلامة من العيوب الأربعة. ٣٤١ ٢٨ - كتاب الطلاق (٢٣) باب (١١٨٧) حديث ولم يعتبر محمد بن الحسن الدين، إلا أن يكون ممن يسكَرُ ويخرج ويسخَرُ معه الصبيانُ، فلا يكون كفؤاً؛ لأن الغالب على الجند الفسقُ، ويُعَدُّ ذلك نقصاً، والدليل على اعتبار الدين قوله تعالى: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ ولأن الفاسق مرذول مردود الشهادة والرواية، غير مأمون على النفس والمال، مسلوب الولاية، ناقص عند الله وعند خلقه، قليل الحظ في الدنيا والآخرة، فلا يجوز أن يكون كفؤاً لعفيفة ولا مساوياً لها، لكن يكون كفؤاً لمثله . قال الدردير(١): الكفاءة لغةً المماثلةُ، والمعتبر فيها أمران: الدين أي التديّن، أي كونه ذا دين غير فاسق، والحال أي السلامة من العيوب التي تُوجب لها الخيار في الزوج، لا الحال بمعنى الحسب والنسب، وإنما تندب فقط، ولها وللوليّ تركها، وتزويجها من فاسق سِكِير يؤمن عليها منه، وإلا ردّه الإمام، وإن رضيت لحق الله حفظاً للنفوس، وكذا تزويجها من معيب، لكن السلامة من العيب حق للمرأة فقط، وليس للولي فيه كلام. قال الدسوقي: الحاصل أن الأوصاف التي اعتبروها في الكفاءة ستة، أشار لها بعضٌ بقوله: نسب ودين صنعة حرّية فقد العيوب وفي اليسار تردُّدُ فإن ساواها الرجل في الستة، فلا خلاف في كفائته، واقتصر المصنف على ما ذكر لقول القاضي عبد الوهاب: إنها المماثلة في الدين والحال، ولا يشترط فيها المماثلة في غير ذلك من باقي الأوصاف، فمتى ساواها الرجل فيهما فقط كان كفؤاً، فإن تركتها المرأة بأن رضيت بغير كفؤ ولم يرضى الولي بتركها، فللأولياء الفسخ ما لم يدخل. (١) ((الشرح الكبير)) (٢٤٨/٢). ٣٤٢ ٢٨ - كتاب الطلاق (٢٣) باب (١١٨٧) حديث والحاصل أن المرأة إن تركتها، فحق الولي باقٍ والعكس، وقوله: تزويجها من فاسق، وذلك لأن الحق لهما في الكفاءة، فإذا أسقطا حقهما وزوّجها، كان النكاح صحيحاً على المعتمد، وحاصل ما في المسألة أن ظاهر ما نقله ح وغيره واستظهره الشيخ ابن رحال منع تزويجها من الفاسق ابتداءً، وإن كان يؤمن عليها منه، وأنه ليس لها ولا للولي الرضا به، وهو ظاهر، لأن مخالطة الفاسق ممنوعة، وهجره واجب شرعاً، فكيف بخلطة النكاح. فإذا وقع وتزوجها، ففي العقد ثلاثة أقوال: لزوم فسخه لفساده، وهو ظاهر اللخمي وغيره، الثاني: أنه صحيح، وشهرّه الفاكهاني، والثالث لأصبغ: إن كان لا يؤمن منه، ردّه الإمام وإن رضيت به، اهـ. وفي ((الهداية)): الكفاءة في النكاح معتبرة، وإذا تزوّجت المرأة نفسها من غير كفء، فللأولياء أن يُفَرِّقوا بينهما دفعاً لضرر العار عن أنفسهم، والكفاءة تعتبر في النسب لأنه يقع به التفاخر، وتعتبر في الدين أي الديانة، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف وهو الصحيح، لأنه من أعلى المفاخر. والمرأة تُعَيَّرُ بفسق الزوج فوق ما تُعَيَّرُ بضَعَةٍ (١) نسبه، وقال محمد: لا تعتبر، لأنه من أمور الآخرة، فلا تبتني عليه أحكام الدنيا إلا إذا كان يصفع ويسخر منه، أو يخرج إلى الأسواق سكران، ويلعب به الصبيان لأنه مستخفٍ به. وتعتبر في المال، وهو أن يكون مالكاً للمهر والنفقة، وهذا هو المعتبر في ظاهر الرواية. وعن أبي يوسف أنه اعتبر القدرة على النفقة دون المهر، وأما الكفاءة في (١) قوله: بضَعَةٍ بفتح الضاد المعجمة والعين المهملة أصله وضعة وجاء بكسر الضاد أيضاً، ومنه الوضيع، وهو الدنيء من الناس في النسب. ٣٤٣ ٢٨ - كتاب الطلاق (٢٣) باب (١١٨٨) حديث ٦٨/١١٨٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ يَقُولُ: الْمَبْتُوتَةُ لَا تَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهَا حَتَّى تَحِلَّ. وَلَيْسَتْ لَهَا نَفَقَةٌ. إِلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلاً، فَيُنْفَقُ عَلَيْهَا، حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا . الغنى، فمعتبرة عند أبي حنيفة ومحمد، حتى إن الفائقة في اليسار لا يكافئها القادر على المهر والنفقة، لأن الناس يتفاخرون بالغنى، ويتعيرون بالفقر، وتعتبر في الصنائع عند أبي يوسف ومحمد، وعن أبي حنيفة في ذلك روايتان، قال ابن الهمام: أظهرهما لا تعتبر في الصنائع، اهـ. ٦٨/١١٨٨ - (مالك أنه سمع ابن شهاب) الزهري (يقول: المبتوتة لا تخرج من بيتها) أي لا تنتقل عنها فيكون من باب سكناها، وتقدم اختلاف الفقهاء في ذلك، ويحتمل أن يكون المعنى لا تخرج من بيت العدّة ليلاً ولا نهاراً، فيكون من باب الخروج، وهي أيضاً خلافيّة عند الفقهاء، قال الموفق(١): للمعتدة الخروج في حوائجها نهاراً سواء كانت مطلقة أو متوفى عنها . وقال محمد في ((موطئه))(٢): المتوفى عنها تخرج بالنهار في حوائجها، ولا تبيت إلا في بيتها، وأما المطلقة مبتوتة كانت أو غير مبتوتة، فلا تخرج ليلاً ولا نهاراً ما دامت في عدتها، اهـ. وقال مالك: تخرج المبتوتة أيضاً بالنهار لقضاء الحاجة، وإنما تلزم بيتها في الليل، وسواء في ذلك الرجعية والبائنة، وقال الشافعي في الرجعية: لا تخرج ليلاً ولا نهاراً، وإنما تخرج نهاراً المبتوتة، كذا قال ابن رسلان، وهكذا حكى الزرقاني مذهب مالك (حتى تحلّ) بانقضاء العدة (وليست لها نفقة إلا أن تكون حاملاً، فينفق عليها، حتى تضع حملها) بقوله عز اسمه: ﴿وَإِن كُنَّ أُوْلَتِ حَمْلٍ فَأَنِفِقُواْ عَلَهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ (١) ((المغني)) (١٦٣/٨). (٢) (ص١٨٧). ٣٤٤ ٢٨ - كتاب الطلاق (٢٤) باب (١١٨٩) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَهْذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا. (٢٤) باب ما جاء في عدة الأمة من طلاق زوجها ٦٩/١١٨٩ - قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي طَلَاقِ الْعَبْدِ الْأَمَةَ، إِذَا طَلَّقَهَا وَهِيَ أَمَةٌ، ثُمَّ عُتِقَتْ بَعْدُ، فَعِدَّتُهَا عِدَّةُ الْأَمَةِ. لَا يُغَيِّرُ عِدَّتَهَا عَتْقُهَاَ كانَتْ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ، أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ. لَا تَنْتَقِلُ عِدَّتُهَا . حُلَهُنَّ﴾ وتقدم الكلام والمذاهب على النفقة فيما سبق. (قال مالك: وهذا) المذكور (الأمر) المرجح (عندنا) وهذا باعتبار السكنى، فإن الأثر موافق للإمام مالك والجمهور، وأما في مسألة الخروج فموافق للحنفية، لا غير. (٢٤) عدة الأمة من طلاق زوجها يعني ما يتعلق بأحكام عدة الأمة إذا طلقت ٦٩/١١٨٩ - (قال مالك: الأمر عندنا) المرجح (في طلاق العبد) وكذا في طلاق الحر (الأمة) مفعول طلاق (إذا طلقها) زوجها (وهي أمة) وقت الطلاق (ثم عتقت) ببناء المجهول (بعد) مبنياً على الضم أي بعد الطلاق (فعدتها عدة الأمة) قَرْآن (لا يغير عدتَها) بالنصب مفعول (عتقُها) بالرفع فاعله سواء (كانت له عليها رجعة أو لم تكن له عليها رجعة) يعني الطلاق الرجعي وغير الرجعي في ذلك سواء. (لا تنتقل عدتها) بالعتق من عدة الأمة إلى عدة الحرة، قال الباجي(١): وهذا كما قال: إن عتق الأمة في العدة لا يغير عدتها سواء كان طلاقاً بائناً أو رجعياً، فإنها تتمادى على عدة الأمة، وذلك إنما يراعى في عدتها وقت (١) ((المنتقى)) (١٠٧/٤). ٣٤٥ ٢٨ - كتاب الطلاق (٢٤) باب (١١٨٩) حديث وجوبها لوقوع الطلاق عليها، فلا يغير حكمها ما طرأ بعد ذلك عليها، وفرّق بين ذلك وبين الأمة يطلقها زوجها طلاقاً رجعياً، ثم تعتق في العدة ثم يموت زوجها، فإنها تنتقل إلى عدة الوفاة عدة الحرة، ولو كان بائناً لم تنتقل إلى عدة وفاة . والفرق بينهما أن عدة الوفاة تلزمها في الطلاق الرجعي، لأنها حكم من أحكام الزوجية كالتوارث ولحوق الطلاق والظهار وغير ذلك، وهي باقية بينهما في الطلاق الرجعي دون البائن، وإنما وجبت عليها عدة الوفاة وهي حرة، فتلزمها عدة الحرة. وليس كذلك الأمة المطلقة فإنها قد وجب عليها العدة بالطلاق، ولم يجب عليها عدة بالعتق، فلذلك لم تنتقل إلى عدة الحرة، وقال الشافعي: تنتقل إلى عدة الحرة إذا كانت طلاقاً رجعياً. واختلف قول أبي حنيفة في الطلاق البائن فقال: لا تنتقل إلى عدة الحرة، وقال أيضاً: تنتقل، قال الطحاوي: وهو القياس، اهـ. وقال الموفق(١): إذا طلقها طلاقاً يملك فيه الرجعة وهي أمة، فلم تنقض عدتها حتى أعتقت، بَنَتْ على عدّة حُرّةٍ، وإن طلقها طلاقاً لا يملك فيه الرجعة فأُعْتِقَتْ اعتدّت عدة أمة، وهو قولُ الحسن والشعبي والضحاك وإسحاق وأصحاب الرأي، وهو أحد أقوال الشافعي، والقول الثاني له: تُكمل عدّة أمةٍ سواء كانت بائنة أو رجعية، وهو قول مالك وأبي ثور، لأن الحرية طرأت بعد وجوب العدة عليها، فلا يعتبر حكمها كما لو كانت بائناً، وقال عطاء والزهري وقتادة: تبني على عدة حرة بكل حال، وهو القول الثالث للشافعي؛ لأن سبب العدة الكاملة إذا وجد في أثناء العدة انتقلت إليها، وإن كانت بائناً، كما لو اعتدت بالشهور ثم رأت الدم. (١) ((المغني)) (١٣٣/٨). ٣٤٦ ٢٨ - كتاب الطلاق (٢٤) باب (١١٨٩) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَمِثْلُ ذُلِكَ الْحَدُّ. يَقَعُ عَلَى الْعَبْدِ. ثُمَّ يَعْتِقُ بَعْدَ أَنْ يَقَعَ الحَدُّ عَلَيْهِ. فَإِنَّمَا حَدُّهُ حَدُّ عَبْدٍ . قَالَ مَالِكٌ: وَالْحُرُّ يُطَلِّقُ الْأَمَةَ ثَلَاثاً. ولنا أنها إذا أعتقت وهي رجعية فقد وجدت الحرية، وهي زوجة تعتدّ عدة الوفاة، لو مات، فوجب أن تعتدّ عدة الحرائر، وإن أعتقت وهي بائن، فلم توجد الحرية في الزوجية، فلم تجب عليها عدة الحرائر، لأن عدة الرجعية تنتقل إلى عدة الوفاة لو مات، فتنتقل إلى عدة الحرائر، والبائن لا تنتقل إلى عدة الوفاة فلا تنتقل إلى عدة الحرائر كما لو انقضت عدتها، وما ذكرناه لمالك يبُطُلُ بما إذا مات زوج الرجعية، فإنها تنتقل إلى عدة الوفاة، اهـ. وفي ((الهداية)): إذا أعتقت الأمة في عدّتها من طلاق رجعي انتقلت عدتها إلى عدة الحرائر، لقيام النكاح من كل وجه، وإن أعتقت وهي مبتوتة أو متوفى عنها زوجها لم تنتقل عدتها إلى عدة الحرائر لزوال النكاح البينونة أو الموت، اهـ. (قال مالك: ومثل ذلك) أي مثل الذي ذكر في عدة الأمة إذا عتقت (الحدُّ) بالرفع (يقع) أي يجب (على العبد ثم يعتق) ببناء المجهول (بعد أن يقع الحد عليه) أي بعد أن يلزمه، ويجب عليه قبل استيفائه (فإنما حده حد عبد) يعني نصف حد الحر للزومه حال العبودية، فلا ينتقل بعتقه إلى حد الحر، وبه جزم الموفق إذ قال (١): إذا زنى العبد ثم عتق حُدَّ حدَّ الرقيق، لأنه إنما يقام عليه الحد الذي وجب عليه، اهـ. ولم يحكِ فيه خلافاً، وقال ابن عابدين: إن قال بعد عتقه: زنيت وأنا عبد لزمه حد العبيد. (قال مالك: والحر يطلق) زوجته (الأمة ثلاثاً) أي يملك ثلاث تطليقات (١) ((المغني)) (٣٣٤/١٢). ٣٤٧ ٢٨ - كتاب الطلاق (٢٤) باب (١١٨٩) حديث وَتَعْتَدُّ بِحَيْضَتَيْنِ. وَالْعَبْدُ يُطَلِّقُ الْحُرَّةَ تَطْلِقَتَيْنِ. وَتَعْتَدُّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ. قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ تَكُونُ تَحْتَهُ الْأَمَةُ، ثُمَّ يَبْتَاعُها فَيُعْتِقُهَا: إِنَّهَا تَعْتَدُّ عِدَّةَ الْأَمَةِ حَيْضَتَيْنِ، مَا لَمْ يُصِبْهَا . (وتعتد) الأمة (حيضتين) ولا ينتقل عدتها إلى عدة الحرائر لكون زوجها حراً (والعبد يطلق) زوجته (الحرة تطليقتين) فإنها في حقها بمنزلة الثلاث (وتعتدّ ثلاثة قروء) ولا ينتقل عدّتها إلى عدة الإماء، لكون زوجها عبداً، وذلك لما تقدم في (باب طلاق العبد)) أن مذهب الأمام مالك ومن وافقه في ذلك أن الطلاق بالرجال، والعدة بالنساء خلافاً للحنفية. (قال مالك في الرجل تكون تحته الأمة) أي يكون متزوجاً بها (ثم يبتاعها) فانفسخ النكاح، لأن ملك اليمين يوجب فسخ النكاح، وحلت له حينئذ بملك اليمين. (فيعتقها: إنها تعتد عدة الأمة حيضتين) لأن فسخ النكاح صادفها وهي أمة، فلم ينقلها العتق بعده لعدة الحرة (ما لم يصبها) أي لم يجامعها بعد الشراء بملك اليمين. قال الباجي(١): من اشترى زوجته فقد انفسخ النكاح، وحلّت له بملك اليمين، فإن اشتراها قبل أن يدخل بها، ثم أعتقها فلا عدة عليها، لأن الفرقة وقعت قبل البناء، ولكنه إذا أعتقها تستبرأ بحيضة، لأن عقد ملك اليمين يبطل عقد النكاح، وإذا بطل لم يبق لعقد النكاح حكم في العدة لعدم البناء، فإن اشتراها بعد أن دخل بها، فأعتقها قبل أن يمسّها، اعتدّت عدة الأمة قرأين، على حسب ما وجبت عليها العدة حين الفسخ، ولا تتغيّر عدتُها بعتقها، هذا قول مالك وأصحابه، وقال الكوفيون: تعتدّ بثلاثة أقراء، اهـ. وفي ((الهداية)): كما لو اشترى أم ولده ثم أعتقها، قال ابن الهمام(٢): (١) ((المنتقى)) (١٠٧/٤). (٢) ((فتح القدير)) (٤/ ١٥٧). ٣٤٨ ٢٨ - كتاب الطلاق (٢٤) باب (١١٨٩) حديث فَإِنْ أَصَابَهَا بَعْدَ مِلْكِهِ إِيَّاهَا، قَبْلَ عِتَاقِهَا، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا إِلَّ الإِسْتِبْرَاءُ بِخَيْضَةٍ. أي كما لو اشترى زوجته التي هي أم ولده إذا كانت أمة، فإنه ينفسخ النكاح بالشراء. ولم تظهر العدة حتى حلّ وطؤها بملك اليمين، ثم بالعتق تظهر، غير أن ههنا تجب عليها عدة أخرى، لأنها أم ولد أعتقت وتداخلت العدتان، فيجب عليها الإحداد، وإلى أن تذهب عدة النكاح، وهي حيضتان من وقت الشراء، لأنها عدة النكاح، ولا يجب عليها فيما بقي من الحيضة الأخرى، لأنها عدة أم ولد أعتقت، اهـ. وفي ((العناية)): قوله: ثم أعتقها فإنه يجب عليها ثلاث حيض، حيضتان من النكاح تجتنب فيهما ما تجتنب من الخروج والتزين وحيضة من العتق لا تجتنب فيها؛ لأنه لما اشتراها فسد النكاح، ووجبت العدة، ألا ترى أنه لا يجوز أن يتزوّجها، وإنما لم يظهر حكم العدة في حقه لمانع، وهو ملك اليمين، فإذا زال المانع ظهر حكم العدة في حقه أيضاً، ويلزمها الإحداد، وأما الثالثة فإنها تجب من العتق خاصة، فلا يلزمها الإحداد، اهـ. (فإن أصابها بعد ملكه إياها قبل عتاقها) انهدمت عدتها لفسخ النكاح بالملك فإذا أعتقها (لم يكن عليها إلا الاستبراء بحيضة) قال الباجي (١): وذلك أن عقد الملك يهدم حكم عقد النكاح، ووطء الملك يهدم حكم الوطء بالنكاح، فيكون بمنزلة من أعتق أمة وطئها، فليس عليها إلا أن تستبرئ بحيضة، أو ما يقوم مقامها من الشهور. ثم قال: هذا إذا كانت ممن تعتدّ بالأقراء، فإن كانت ممن تعتّد بالشهور لصغر أو كبر، فعدتها من الطلاق ثلاثة أشهر، هذا قول مالك، وبه قال يحيى بن سعيد وربيعة وجمهور أهل المدينة وعمر بن عبد العزيز والحسن (١) ((المنتقى)) (١٠٧/٤، ١٠٨). ٣٤٩ ٢٨ - كتاب الطلاق (٢٥) باب (١١٩٠) حدیث (٢٥) باب جامع عدة الطلاق ٧٠/١١٩٠ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطِ اللَّيْيِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ؛ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ طُلِّقَتْ فَحَاضَتْ حَيْضَةٌ أَوْ خَيْضَتَيْنِ. ثُمَّ رُفِعَتْهَا حَيْضَتُهَا. فَإِنَّهَا تَنْتَظِرُ تِسْعَةَ أَشْهُرِ. فَإِنْ بَانَ بِهَا حَمْلٌ فَذَلِكَ. وَإِلَّ اعْتَدَّتْ بَعْدَ التِّسْعَةِ الْأَشْهُرِ، ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ حَلَّتْ. البصري والنخعي، وقال أبو حنيفة والشافعي: عدتها شهر ونصف، وقال الزهري وعطاء: عدتها شهران، والدليل على ما نقوله أن الأشهر بدل من الأقراء، فلم تختلف بكثرة الأقراء وقلتها، اهـ. (٢٥) جامع عدة الطلاق يعني الأحاديث المختلفة المتفرقة في عدة الطلاق ٧٠/١١٩٠ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (وعن) بالعطف على يحيى (يزيد) بتحتية فزاي (ابن عبد الله بن قُسَيط) بقاف ومهملة مصغراً (الليثي) المدني كلاهما (عن سعيد بن المسيب أنه) أي سعيد (قال: قال عمر بن الخطاب: أيما امرأة طلقت) ببناء المجهول (فحاضت حيضة أو حيضتين) يعني لم يكمل الثلاث (ثم رُفِعَتْها) ببناء المجهول (حيضتها) نائب الفاعل أي انقطعت عنها حيضتها (فإنها تنتظر تسعة أشهر) فإنها غالب مدة وضع الحمل. (فإن بان) أي ظهر في هذه المدة (بها حمل فذلك) ظاهر، انتقل عدتها إلى وضع الحمل (وإلا) أي إن لم يظهر بها حمل في غالب المدة (اعتدّت بعد) تربص (التسعة الأشهر) بجعلها في حكم الآيسة (ثلاثة أشهر) بالنصب مفعول اعتدّت (ثم حلت) للأزواج. ٣٥٠ ٢٨ - كتاب الطلاق (٢٥) باب (١١٩٠) حديث قال الباجي(١): التي تحيض في عدتها، ثم ترفعها حيضتُها تنتظر تسعة أشهر. هو قول عامة أصحابنا على الإطلاق، غير ابن نافع، فإنه قال: إن كانت ممن تحيض، فحاضت حيضة أو حيضتين، ثم رفعتها حيضتها، فإنها تنتظر خمس سنين أقصى أمد الحمل، وإن كانت يائسة من المحيض اعتدّت بالسنة تسعة أشهر، ثم ثلاثة أشهر، قال سحنون: وأصحابنا لا يفرقون بينهما، وما قاله الجمهور أولى. لأن التسعة أشهر هي أمد الحمل المعتاد. ثم قال: والمعتدة من الطلاق على ضربين: حائض، وغير حائض، أما الحائض فهي التي قد رأت الحيض ولو مرة في عمرها، ثم لم تبلغ سنة اليأس منها، فهذه إذا طلقت، فحكمها أن تعتدّ بالأقراء، فإن لم تر حيضاً انتظرت تسعة أشهر، وهذا مذهب عمر - رضي الله عنه -، وبه قال ابن عباس والحسن البصري، وقال أبو حنيفة والشافعي: تنتظر الحيض أبداً، والدليل على ما نقوله أن هذا إجماع الصحابة، لأنه رُوي عن عمر وابن عباس، وليس في الصحابة مخالف، اهـ. وبقول مالك قال أحمد. قال الموفق(٢): إنها تعتدّ سنة، تسعة أشهر منها تتربص فيها لتَعلَمَ براءة رحمها، لأن هذه المدة هي غالب مدة الحمل، فإذا لم يَبِنِ الحمل فيها علم براءة الرحم ظاهراً، فتعتدّ بذلك عدة الآيسات ثلاثة أشهر، هذا قول عمر - رضي الله عنه -. قال الشافعي: وهذا قضاء عمر - رضي الله عنه - بين المهاجرين والأنصار، ولا ينكره منهم منكر، وبه قال مالك والشافعي في أحد قولیه، وروي ذلك عن الحسن. وقال الشافعي في قول آخر: تتربص أربع سنين أكثر مدة الحمل، ثم تعتدّ (١) (١٠٨/٤). (٢) ((المغني)) (٢١٤/١١). ٣٥١ ٢٨ - كتاب الطلاق (٢٥) باب (١١٩٠) حديث بثلاثة أشهر، لأن هذه المدة هي التي يتيقن بها براءة رحمها، فوجب اعتبارها احتياطاً، وقال في الجديد: تكون في عدة أبداً حتى تحيض، أو تبلغ سن الإياس، تعتدّ حينئذ بثلاثة أشهر، وهذا قول جابر بن زيد وعطاء وطاووس والشعبي والنخعي والزهري وأبي الزناد والثوري وأبي عبيد وأهل العراق، لأن الاعتداد بالأشهر جعل بعد الإياس، فلم يجز قبله، وهذه ليست آيسة. ولنا الإجماع الذي حكاه الشافعي، اهـ. قلت: ومذهب الحنفية في ذلك موافق لجديد قول الشافعي، فقد صرح ابن نجيم في ((البحر))(١): أن الشابة الممتدّ طهرها لا تعتدّ بالأشهر، بل عدتها بالحيض إلى أن تبلغ إلى حد الإياس، وهو خمس وخمسون سنة في المختار، اهـ. وأخرج محمد في ((موطئه))(٢) أثر عمر - رضي الله عنه - المذكور، ثم أخرج أن علقمة بن قيس طلق امرأته طلاقاً يملك الرجعة، فحاضت حيضة أو حيضتين. ثم ارتفع حيضها عنها ثمانية عشر شهراً، ثم ماتت، فسأل علقمة عبد الله بن مسعود عن ذلك؟ فقال: هذه امرأة حبس الله عليك ميراثها، فكُلْه، ثم أخرج عن الشعبي أن علقمة بن قيس سأل ابن عمر - رضي الله عنه - عن ذلك، فأمره بأكل ميراثها، قال محمد: فهذا أكثر من تسعة أشهر وثلاثة أشهر بعدها، فبهذا نأخذ، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا . لأن العدة في كتاب الله عز وجل على أربعة أوجه، لا خامس لها: للحامل حتى تضع، والتي لم تبلغ الحيضة ثلاثة أشهر، والتي يئست من الحيض ثلاثة أشهر، والتي تحيض ثلاث حيض، فهذا الذي ذكرتم ليس بعدة الحائض ولا غيرها، اهـ. (١) ((البحر الرائق)) (٢٢٠/٤). (٢) (ص٢٠٧)، و((التعليق الممجد)) (٥٨٤/٢). ٣٥٢ ٢٨ - كتاب الطلاق (٢٥) باب (١١٩١) حديث وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّب؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الطَّلَاقُ لِلرِّجَالِ. وَالْعِدَّةُ لِلنِّسَاءِ. ٧١/١١٩١ - حدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ؛ أَنَّهُ قَالَ: عِدَّةُ الْمُسْتَحَاضَةِ سَنَةٌ. وقال الحافظ في ((التلخيص))(١) لفتوى ابن مسعود: أخرجه البيهقي بسند صحيح، لكن قال: سبعة عشر شهراً أو ثمانية عشر، فعُلم منه أن ما قيل: أن لا مخالف لفتوى عمر - رضي الله عنه - ليس بصحيح، وقد أخرج البيهقي أثر عمر - رضي الله عنه - المذكور، ثم قال: وإلى ظاهر هذا كان يذهب الشافعي - رحمه الله - في القديم، ثم رجع عنه في الجديد إلى قول ابن مسعود - رضي الله عنه -. وحمل كلام عمر على كلام عبد الله، فقال: قد يحتمل قول عمر - رضي الله عنه - أن يكون في المرأة قد بلغت السن التي من بلغها من نسائها يئسن من المحيض، فلا يكون مخالفاً لقول ابن مسعود - رضي الله عنه - وذلك وجهٌ عندنا، اهـ. قلت: وتقدم في طلاق المريض أن عثمان وعلياً - رضي الله عنهما - أفتيا في امرأة حبان بن منقذ وقد مرت بها سنة، ولم تحض بأخذ ميراثها من زوجها، وذكره البيهقي في باب ((عدة من تباعد حيضها)). (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول: الطلاق للرجال) يعني العبرة في الطلاق للرجال، فإن كان الزوج حراً يملك ثلاث تطليقات، سواء كانت الزوجة حرة أو أمة. وإن كان الزوج عبداً تُغَلَّظُ امرأتُه بتطليقتين، سواء كانت حرة أو أمة، وبه قالت الأئمة الثلاثة خلافاً للحنفية، إذ قالوا: العبرة في الطلاق أيضاً للمرأة كما تقدم البسط في أول طلاق العبد. (والعدة للنساء) وهذا مما لا خلاف فيه. ١١٩١/ ٧١ - (مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أنه قال: عدة المستحاضة سنة) أي تقيم في العدة سنة، قال الزرقاني(٢): إن لم تميز بين (١) (٢٣٤/٣). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٢١٢/٣). ٣٥٣ ٢٨ - كتاب الطلاق (٢٥) باب (١١٩١) حديث الدمين بلا خلاف، فإن ميزت فعدتها بالأقراء، لا بالسنة على المشهور، وقول ابن القاسم، وقال ابن وهب: بالسنة مطلقاً، وهما روايتان عن مالك. وقال الباجي(١): وقد روى ابن المواز عن مالك أنه قال: عدة المستحاضة في الطلاق سَنَة كالمرتابة، تسعة أشهر استبراء، وثلاثة أشهر عدة، حرة كانت أو أمة أو كتابية، فعلى هذا يتناول قول سعيد في أن التسعة الأشهر استبراء، والثلاثة الأشهر عدة، ولذلك استوى فيها حكم الحرة والأمة، لأن العدة بالأشهر لا يختلفان فيها، وهذا إذا كانت الحائض لا تميز دماً، واتصل ذلك بها في جميع العام، فإن تغير حكمها، فلا يخلو أن تنتقل إلى حيض أو إلى انقطاع دم، فإن انتقلت إلى حيض بطل حكم الاستحاضة، فاعتدت بالأقراء، قاله مالك في ((الموازية))، اهـ. وقال الموفق (٢): المستحاضة لا تخلو إما أن يكون لها حيض محكوم به بعادة أو تمييز أو لا تكون كذلك، فإن كان لها حيض محكوم به بذلك، فحكمها فيه حكم غير المستحاضة، إذا مرت لها ثلاثة قروء انقضت عدتها، قال أحمد: المستحاضة تعتدّ أيام أقرائها التي كانت تَعْرِفُ، وإن علمت أن لها في كل شهر حيضة، ولم تعلم موضعها، فعدتها ثلاثة أشهر، وإن شَكَتْ في شيء تربصت حتى تستيقن أن القروء الثلاث قد انقضت. وإن كانت مبتدأة لا تمييز لها، أو ناسية لا تَعْرِفُ لها وقتاً ولا تمييزاً، فعن أحمد فيها روايتان: إحداهما: أن عدتها ثلاثة أشهر، وهو قول عكرمة وقتادة وأبي عبيد، والثانية: تعتدّ سنة بمنزلة من رُفِعَتْ حيضتُها، لا تدري ما رفعها، وهو قول مالك وإسحاق، اهـ. (١) ((المنتقى)) (١٠٩/٤). (٢) («المغني)) (٢١٩/١١). ٣٥٤ ٢٨ - كتاب الطلاق (٢٥) باب (١١٩١) حديث قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْمُطَلَّقَةِ الَّتِي تَرْفَعُهَا حَيْضَتُهَا حِينَ يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا؛ أَنَّهَا تَنْتَظِرُ تِسْعَةَ أَشْهُرِ. فَإِنْ لَمْ تَحِضْ فِيهِنَّ، اعْتَدَّتْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرِ. فَإِنْ حَاضَتْ قَبْلَ أَنْ تَسْتَكْمِلَ الْأَشْهُرَ الثَّلَاثَةَ، وقال محمد في ((موطئه)) (١) بعد أثر سعيد: المعروف عندنا أن عدتها على أقرائها التي كانت تحبس فيما مضى، وكذلك قال إبراهيم النخعي وغيره من الفقهاء وبه نأخذ، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، ألا ترى أنها تترك الصلاة أيام أقرائها التي كانت تحبس لأنها فيهن حائض، فكذلك تعتد بهن، اهـ. وقال السيوطي في ((الدر))(٢): أخرج عبد الرزاق عن عكرمة أنه سُئل عن المرأة تحيض فكثر دمها حتى لا تدري كيف حيضتها؟ قال: تعتدُّ ثلاثة أشهر، قال: وهي الريبة التي قال الله تعالى: و﴿إِن آرْتَبْتُمْ﴾ قضى بذلك ابن عباس وزيد بن ثابت، اهـ. وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن: ((المستحاضة تعتدُّ بالأقراء)) وهكذا أخرج عن الحكم وعطاء، وبطريق آخر عن عطاء والحكم والحسن: ((تعتدُّ بأيام أقرائها))، وهكذا أخرجه عن الزهري وإبراهيم، قال صاحب ((المحلى)): وبه قال أبو حنيفة ومحمد، والأكثر على أنها تعتدّ أيام أقرائها . (قال مالك: الأمر عندنا في المطلقة التي ترفعها) أي ترفع عنها (حيضتها) يعني تنقطع عنها، فلا ترى دم حيض (حين يطلقها زوجها) فحكمها (أنها تنتظر تسعة أشهر) استبراء حسب ما قال عمر - رضي الله عنه - (فإن لم تحض فيهن) فصارت في حكم الآيسة (واعتدت ثلاثة أشهر، فإن حاضت قبل أن تستكمل الأشهر الثلاثة) أو بعد انقضائها، وقيل: الثلاثة الأشهر كما في الباجي(٣) (١) ((التعليق الممجد)) (٥٨٩/٢). (٢) ((الدر المنثور)) (١٩٠/٨). (٣) ((المنتقى)) (١١٠/٤). ٣٥٥ ٢٨ - كتاب الطلاق (٢٥) باب (١١٩١) حديث اسْتَقْبَلَتِ الْحَيْضَ فَإِنْ مَرَّتْ بِهَا تِسْعَةُ أَشْهُرِ قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ. اعْتَدَّتْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ. فَإِنْ حَاضَتِ الثَّانِيَةَ قَبْلَ أَنْ تَسْتَكْمِلَ الْأَشْهُرَ الثَّلَاثَةَ، اسْتَقْبَلَتِ الْخَيْضَ. فَإِنْ مَرَّتْ بِهَا تِسْعَةُ أَشْهُرِ قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ. اعْتَدَّتْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرِ. فَإِنْ حَاضَتِ الثَّالِثَةَ كَانَتْ قَدِ اسْتَكْمَلَتْ عِدَّةَ الْخَيْضِ. فَإِنْ لَمْ تَحِضْ اسْتَقْبَلَتْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ. ثُمَّ حَلَّتْ وَلِزَوْجِهَا فِي ذَلِكَ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ. إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ بَتَّ طَلَاقَهَا . قَالَ مَالِكٌ: السُّنّةُ عِنْدَنَا، أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَلَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ، فَاعْتَدَّتْ بَعْضَ عِدَّتِهَا، ثُمَّ ارْتَجَعَهَا، (استقبلت الحيض) أي استأنفت العدة بالحيض، لأنها صارت من ذوات القروء (فإن مرت بها) مرة أخرى بعد الحيض المذكور (تسعة أشهر قبل أن تحيض) ثانياً أي اتصلت تسعة أشهر من يوم طهرها من تلك الحيضة لم تر فيه دماً (اعتدت ثلاثة أشهر) كما تقدم (فإن حاضت الثانية قبل أن تستكمل الأشهر الثلاثة استقبلت الحيض) أي استأنفت العدة بالحيض. (فإن مرت بها) بعد الحيض الثانية أيضاً (تسعة أشهر قبل أن تحيض) ثالثاً (اعتدت ثلاثة أشهر) كما تقدم، لأنها صارت آيسة بعد الحيضة الثانية (فإن حاضت الثالثة) فحينئذ (كانت قد استكملت عدة الحيض) لوجد أن ثلاثة قروء في العدة (فإن لم تحض) ثالثاً (استقبلت ثلاثة أشهر، ثم حَلَّت) للأزواج (ولزوجها في ذلك عليها) أي في ذلك المدة التي مرت قبل استكمال ثلاثة قروء، وقبل استكمال سنة خالية عن الحيض (الرجعة) لبقاء العدة مع طول مدتها (قبل أن تحلّ) أي قبل أن تكمل العدة (إلا أن يكون) الرجل (قد بت طلاقها) فلا رجعة له عليها . (قال مالك: السنة عندنا أن الرجل إذا طلق امرأته وله عليها رجعة) أي طلقها رجعياً (فاعتدت بعض عدتها) ولم تستكمل العدة كلها (ثم ارتجعها) ٣٥٦ ٢٨ - كتاب الطلاق (٢٥) باب (١١٩١) حديث ثُمَّ فَارَقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا: أَنَّهَا لَا تَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ عِدَّتِهَا . وَأَنَّهَا تَسْتَأْنِفُ مِنْ يَوْمَ طَلَّقَهَا عِدَّةً مُسْتَقْبَلَةً. وَقَدْ ظَلَمَ زَوْجُهَا نَفْسَهُ وَأَخْطَأ. إِنْ كَانَ ارْتَجَعَهَا وَلَا حَاجَةَ لَّهُ بِهَا . زوجها (ثم فارقها قبل أن يمَسَّها) أي طلقها بعد الرجوع قبل المس (أنها لا تبني) العدة الآتية (على ما مضى من) بعض (عدتها) لأن الرجعة تهدم العدة (وأنها تستأنف) العدة (من يوم طلّقها) زوجها مرة ثانية (عدة مستقبلة) مفعول لتستأنف. قال الباجي(١): لأن حكم الزوجية ينافي حكم العدة، فإذا ثبتت الرجعة بطلت العدة، فإذا وقع بعد ذلك طلاق استأنفت العدة، لأنها مدخول بها، لم يستبرأ رحمها بانقضاء عدتها، فلزمت العدة، ولم يصح البناء على ما تقدم لإبطال الرجعة العدة، فلزم ابتداء العدم من يوم الطلاق الثاني (وقد ظلم زوجها) فاعل ظلم (نفسه) مفعوله (وأخطأ) في فعله ذلك (إن كان ارتجعها و)الحال أنه (لا حاجة له بها). وقد روى ابن جرير عن ابن عباس: كان الرجل يطلق امرأته ثم يراجعها قبل انقضاء عدتها ثم يطلقها، يفعل ذلك يضارّها، ويعضلها، فأنزل الله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ فَغْنَ أَجَهُنَّ﴾(٢) الآية . وفيها ﴿وَلَا تُسِكُهُنَ ضِرَارًا لِتَعْنَدُوَأْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُمْ﴾(٣) وروى ابن جرير عن السدي نزلت في رجل من الأنصار يُدعى ثابت بن يسار طلّق امرأته حتى إذا انقضت عدتها إلا يومين أو ثلاثاً راجعها، ثم طلقها مضارةً، فأنزل الله: ﴿وَلَا تُسِكُوُهُنَّ ضِرَارًا لِيَعْنَدُواْ﴾ . (١) ((المنتقى)) (١١٠/٤). (٢) سورة البقرة: الآية ٢٣١. (٣) سورة البقرة: الآية ٢٣١. ٣٥٧ ٢٨ - كتاب الطلاق (٢٥) باب (١١٩١) حديث وقوله: لا تبني على ما مضى، قال الزرقاني (١): قيده ابن القصار، وتبعه جماعة بما إذا لم يرد برجعته التطويل عليها، فتبني على عدتها الأولى إن لم يمسّها، وردّه ابن عرفة بنص ((الموطأ)) هذا، لأن قوله: وقد ظلم نفسه، يفيد أنه إثم، وإنما يأثم إذا قصد الضرر، اهـ. وقال الموفق (٢): إن طلقها واحدة فلم تنقض عدتها حتى طلقها ثانية على ما مضى من العدة، وبهذا قال أبو حنيفة، وهو قول الشافعي، وله قول ثانٍ أنها تستأنف العدة، لأنها طلقة كاملة في حق مدخول بها، فاقتضت عدة كاملة كالأولى، ولنا أنهما طلقتان لم يتخلَّلْ بينهما إصابة، ولا خلوة، فلم يجب بهما أكثر من عدة واحدة، كما لو وَالَى بينهما . وإن طلّقها، ثم راجعها، ثم طلّقها قبل دخوله بها، ففيه روايتان، إحداهما: تبني على ما مضى من العدة، نقلها الميموني، وهي اختيار أبي بكر، وقول عطاء وأحد قولي الشافعي. لأنهما طلاقان لم يتخلَّلْهما دخولٌ بها، فكانت العدة من الأول منهما كما لو لم يرتجعها . والثانية: تستأنف العدة، نقلها ابن منصور، وهي أصح، وهذا قول طاووس، وأبي قلابة، وعمرو بن دينار، وجابر، وسعيد بن عبد العزيز، وإسحاق، وأبي ثور، وأبي عبيد، وأصحاب الرأي، وابن المنذر، وقال الثوري: أجمع الفقهاء على ذلك، وحكى أبو الخطاب عن مالك إن قصد الإضرار بها بنت، وإلا استأنفت، لأنه تعالى جعل الرجعة لمن أراد الإصلاحَ بقوله عز اسمه: ﴿وَيُعُولَهُنَّ أَحَقُ بِرَِهِنَّ فِى ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلَحًا﴾(٣) والذي قصد (١) ((شرح الزرقاني)) (٢١٣/٣). (٢) («المغني)) (٥٧١/١٠). (٣) سورة البقرة: الآية ٢٢٨. ٣٥٨ ٢٨ - كتاب الطلاق (٢٥) باب (١١٩١) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا، أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا أَسْلَمَتْ وَزَوْجُهَا كَافِرٌ، ثُمَّ أَسْلَمَ زَوْجها. فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مَا دَامَتْ فِي عِدَّتِهَا. فَإِنٍ انْقَضَتْ عِدَّتْهَا، فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهَا. وَإِنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، لَمْ يُعَدَّ ذُلِكَ طَلَاقًا. وَإِنَّمَا فَسَخَهَا مِنْهُ الْإِسْلَامُ بِغَيْرِ طَلَاقٍ. الإضرار لم يرد الإصلاح، ولنا: أنه طلاق في نكاح مدخول بها فيه، فأوجب عدة كاملة، كما لو لم يتقدمه طلاق؛ لأن الرجعة قطعت عمل الطلاق. (قال مالك: والأمر عندنا أن المرأة إذا أسلمت وزوجها كافر، ثم أسلم زوجها) بعد إسلامها (فهو أحقّ بها) أي بزوجيّتها (ما دامت في عدّتها) وأسلم هو في زمان عدتها (فإن انقضت عدتها) قبل إسلامه (فلا سبيل له عليها) أي لم يبق نكاحها (وإن تزوجها) زوجها المذكور (بعد انقضاء عدتها) نكاحاً جديداً (لم يُعَدّ) ببناء المجهول من العدد (ذلك) الفسخ الذي وقع بعدم إسلامه في عدتها (طلاقاً) بل تكون هي معه كالمتزوجة المستأنفة على عصمة كاملة وثلاث تطليقات (وإنما فسخها) بصيغة الماضي منه (الإسلام) فاعله (بغير طلاق)، وبهذا قال الشافعي وأحمد. قال الموفق(١): إذا أسلم أحدُ الزوجين الوثنيين أو المَجُوسيَّيْن، أو كتابيٌّ يتزوّج بوثنيّة أو مجوسيّة قبل الدخول، تعجلّت الفرقة بينهما من حين إسلامه، ويكون ذلك فسخاً لا طلاقاً، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا تتعجل الفرقة، بل إن كانا في دار الإسلام عرض الإسلام على الآخر، فإن أبى وقعت الفرقة حينئذ. وإن كانا في دار الحرب وقف ذلك على انقضاء العدة، فإن لم يسلم الآخر وقعت الفرقة، فإن كان الإباء من الزوج كان طلاقاً، لأن الفرقة حصلت من قِبَله، فكان طلاقاً، وإن كان من المرأة كان فسخاً، لأن المرأة لا تملك (١) ((المغني)) (٦/١٠). ٣٥٩ ٢٨ - كتاب الطلاق (٢٦) باب (١١٩٢) حديث (٢٦) باب ما جاء في الحكمين ١١٩٢/ ٧٢ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ فِي الْحَكَمَيْنِ، الَّذَيْنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: الطلاق، ولنا على أنها فرقة فسخ، أنها فرقةٌ باختلاف الدين، فكان فسخاً، كما لو أسلم الزوج وأبت المرأة، ولأنها فرقةٌ بغير لفظ، فكانت فسخاً كفرقة الرضاع، اهـ. وذكر صاحب ((الهداية)) اختلاف الإمام أبي حنيفة وأبي يوسف في ذلك، قال ابن الهمام(١): والحاصل أن أبا يوسف لا يفرق بين التفريق في الصورتين، فيجعله فسخاً لا ينقص شيئاً من عدد الطلاق، وأبو حنيفة ومحمد يجعلان الفرقة بإباء الزوج طلاقاً، وبإباء المرأة فسخاً، اهـ. وقال محمد في ((موطئه)) (٢): إذا أسلمت المرأة وزوجها كافر في دار الإسلام لم يفرق بينهما حتى يعرض على الزوج الإسلام، فإن أسلم فهي امرأته، وإن أبى أن يسلم فُرِّقَ بينهما، وكانت فرقتها تطليقة بائنة، وهو قول أبي حنيفة وإبراهيم النخعي، اهـ. (٢٦) ما جاء في الحكمين اللذين جاء ذكرهما في القرآن المجيد كما سيأتي بيانه ١١٩٢/ ٧٢ - (مالك أنه بلغه) مما جاء بطرق عديدة ثابتة رواها عبد الرزاق والبيهقي وغيرهما (أن علي بن أبي طالب) - رضي الله عنه - (قال في الحكمين اللذين قال الله تبارك وتعالى) في الآية الشريفة الآتية، وقال السيوطي في (١) ((فتح القدير)) (٢٨٨/٢). (٢) («موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٥٧٤/٢). ٣٦٠