Indexed OCR Text

Pages 321-340

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢٢) باب
(١١٨٥) حديث
فِي مَسْكَنِ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ نَّهِ. وَكَانَ طَرِيقَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ. فَكَانَ
يَسْلُكُ الطَّرِيقَ الْأُخْرَىَ، مِنْ أَدْبَارِ الْبُيُوتِ، كَرَاهِيَةً أَنْ يَسْتَأْذِنَ عَلَيْهَا .
وكانت تسكن (في مسكن) أخته (حفصة زوج النبي ◌َّ) قال الباجي(١): يريد
أنه كان مسكنها في دار حفصة، أو في دار فيها سكنى حفصة (وكان) ذلك
المسكن (طريقه) أي طريق ابن عمر - رضي الله عنه - (إلى المسجد) قال
الباجي: إما لأن سُكَّانَ تلك الدار وأربابها أباحوا له ذلك؛ لأن ذلك أرفق به،
أو لأنه كان له فيها الممر باستحقاق رقبة الممر، فلما طلق عبد الله بن عمر
- رضي الله عنه - هذه الزوجة استحقت الاعتداد في ذلك المسكن ترك أن يمر
بین یدي تلك الدار.
(فكان) ابن عمر - رضي الله عنه - (يسلك الطريق الأخرى من أدبار)
بالفتح جمع الدبر بضمتين، أي من خلف (البيوت) إلى المسجد، وهذا يقتضي
أنه كان هناك طريقان: إحداهما بين يدي تلك البيوت، والثانية من أدبارها
(كراهية) بتخفيف الياء (أن يستأذن عليها) قال الباجي: كان يأخذ طريق أدبار
البيوت، لئلا يكشف على هذه المرأة المطلقة أو يتكلّف الاستئذان عليها؛ لأنه
كان لا يستبيح النظر إليها لكونها مطلقة، وإن كانت رجعيّة.
وقد اختلف قول مالك في دخول المطلق على الزوجة الرجعية، ففي
((المدونة)): قال مالك أولاً في الرجعية: لا بأس أن يدخل عليها مطلقها،
ويأكل معها إذا كان معها من يتحفظ بها، ثم قال مالك: لا يدخل عليها، ولا
يرى شعرها، ولا يأكل معها حتى يراجعها، وهذا الذي رواه ابن القاسم عن
مالك في ((العتبية)) أنه لا يدخل عليها بإذن ولا بغير إذن، وبه قال الشافعي
والأوزاعي، وجه القول الأول: أنها لم تحرم عليه، وكان يجب على هذا
الأصل أن يكون الاستمتاع بها رجعة وإن لم ينو ذلك، وجه القول الثاني: أنه
(١) ((المنتقى)) (١٠٢/٤).
٣٢١

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢٢) باب
(١١٨٥) حديث
قد حرم عليه الاستمتاع بها والتلذذ بشيء منها، فلا يجوز له النظر إليها؛ لأن
الطلاق قد أفاد تحريم ذلك، وإنما له فيه الرجعة وإزالة التحريم بالرد إلى
الزوجية، وإذا قلنا برواية المنع، فليس له أن يتلذّذ بشيء منها وإن كان يريد
الارتجاع، إلا بشرط تقديم الرجعة ولا يساكنها، وإن كان معها انتقل عنها،
ولا يكون معها في موضع ينغلق عليه وعليها، سواء كانت رجعية أو بائنة، قاله
مالك، اهـ.
وقال الموفق(١): ظاهر كلام الخرقي أن الرجعيّة محرّمةٌ، وقد روي عن
أحمد ما يدل على هذا، وهو مذهب الشافعي، وحكي ذلك عن عطاء ومالك،
وقال القاضي: ظاهر المذهب أنها مباحة، قال أحمد في رواية أبي طالب: لا
تحتجِبُ، وفي رواية أبي الحارث: تَتَشَرَّفُ له ما كانت في العدة، فظاهر هذا
أنها مباحة له، له أن يسافر بها ويخلو بها ويطأها، وهذا مذهب أبي حنيفة؛
لأنها في حكم الزوجات، اهـ.
وقال ابن التركماني(٢): رجّح إمام الحرمين أن الطلاق الرجعي لا يزيل
الملك. واستدل على ذلك النووي في ((الروضة)) بوقوع الطلاق، وعدم الحد،
وصحة الإيلاء، والظهار، واللعان، وثبوت الإرث، واشتهر لفظ الشافعي أن
الرجعيّة زوجة في خمس آيات، وقال ابن حزم: وإذ هي زوجتُه، جاز أن ينظر
منها إلى ما كان ينظر قبل أن يطلقها، وأن يطأها، إذ لم يأت نصٌّ يمنعه من
شيء من ذلك. وقد سماه الله تعالى بعلاً، فقال: ﴿وَبُعُولَهُنَّ أَحَقُّ بِرَزِهِنَ﴾(٣) .
وروينا عن الحكم وابن المسيب أن الوطء رجعةٌ، وصحّ هذا عن النخعي
(١) (المغني)) (٥٥٤/١٠).
(٢) ((الجوهر النقي)) على هامش ((السنن الكبير)) للبيهقي (٣٧٢/٧).
(٣) سورة البقرة: الآية ٢٢٨.
٣٢٢

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢٢) باب
(١١٨٥) حديث
حَتَى رَاجَعَهَا .
وطاووس والحسن والزهري وعطاء، وهو قول الأوزاعي وابن أبي ليلى، وقال
مالك وابن راهويه: إن نوى بالنكاح الرجعة فهو رجعة، وفي ((نوادر الفقهاء))
لابن بنت نعيم: أجمعت الفقهاء على أن الجماع في العدة رجعة إلا الشافعي،
قال: ليست رجعة.
وحكى صاحب ((الاستذكار)) (١) عن الشافعي أنه إن جامعها فليس برجعة،
ولها عليه مهر المثل، قال: ولا أعلم أحداً أوجب عليه مهر المثل غيره، وليس
قوله بالقوي؛ لأنها في حكم الزوجان، ترثه ويرثها، ورُوي عن علي - رضي الله
عنه - أنه قال: لتتشوّف له، وكان جماعة من فقهاء التابعين يأمرون الرجعيّة أن
تتزيّن، وتتعرض لزوجها، ولم يكن لابن عمر - رضي الله عنه - مقصود في
الاستئذان عليها، ولو أراده لجاز له، فكما لا يلزم من تركه الاستئذان امتناعه،
فكذا لا يلزم امتناع الوطء لو أراده.
وقد روى عبد الرزاق(٢) عن عبيد الله بن عمر عن نافع أن ابن عمر
- رضي الله عنه - طلّق امرأته تطليقة، فكان يستأذن عليها إذا أراد أن يمر،
وروى ابن أبي شيبة عن عبيد الله نحوه، اهـ.
(حتى راجعها) هكذا أخرجه البيهقي (٣) بسنده إلى الشافعي عن مالك،
وأخرج في موضع آخر بسنده إلى عبيد الله عن نافع قال: طلق ابن عمر
- رضي الله عنه - امرأته صفية بنت أبي عبيد تطليقة أو تطليقتين، فكان لا
يدخل عليها إلا بإذن فلما راجعها أشهد على رجعتها، ودخل عليها .
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٥٩/١٨ -٦٢).
(٢) ((مصنف عبد الرزاق)) (١١٠٢٥).
(٣) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٣٧٣/٧).
٣٢٣

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢٢) باب
(١١٨٦) حديث
٦٦/١١٨٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّ
سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبَ سُئِلَ عَنِ الْمَرْأَةِ يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا وَهِيَ فِي بَيْتٍ
بِكِرَاءٍ، عَلَى مَن الْكِرَاءُ؟ فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: عَلَى زَوْجِهَا.
قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ زَوْجِهَا؟ قَالَ: فَعَلَيْهَا. قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ
عِنْدَهَا؟ قَالَ: فَعَلَى الْأَمِيرِ.
٦٦/١١٨٦ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (أن سعيد بن
المسيب سئل) ببناء المجهول (عن المرأة يطلقها زوجها وهي) ساكنة (في بيت
بكراء) أي بإجارة (على من) يجب (الكراء؟) أي كراء البيت في مدة العدة (فقال
سعيد: على زوجها) لأن سكناها في العدة واجب عليه في الرجعي إجماعاً،
وفي غير الرجعي أيضاً عند الأئمة الثلاثة ومن وافقهم، وفيه خلاف لأحمد
وغيره، كما تقدم.
(قال) السائل: (فإن لم يكن عند زوجها شيء) للأجرة (قال) سعيد:
(فعليها) أي على المرأة نفسها (قال) السائل: (فإن لم يكن عندها) أيضاً شيء
(قال) سعيد: (فعلى الأمير) يعني من بيت المال، قال الباجي (١): يريد أنه لا
يكون لها أن تنتقل إن كان عندها ما تدفعه في كراء المسكن؛ لأنه قال: فإن لم
يكن عندها فعلى الأمير، ولو لم يرد ذلك، لقال: فإن لم يكن عند الزوج
ذهبت حيث شاءت، اهـ.
قال الموفق(٢): إن خافت هدماً أو غرقاً أو عدواً أو نحو ذلك، أو
حَوَّلَها صاحبُ المنزل لكونها عارية، أو بإجارة انقضت مدتها، أو منعها
السكنى تعدِّياً أو طلب به أكثر من أجرة المِثْل، أو لم تجد ما تكتري به، أو لم
تجد إلا من مالها، فلها أن تنتقل؛ لأنها حال عذر، ولا يلزمها بذلك أجر
(١) ((المنتقى)) (١٠٤/٤).
(٢) («المغني)) (٢٩١/١١).
٣٢٤

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢٣) باب
(١١٨٧) حديث
(٢٣) باب ما جاء في نفقة المطلقة
٦٧/١١٨٧ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ
مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ،
المسكن، وإنما الواجب عليها فعل السكنى، لا تحصيل المسكن، وإذا تعذرت
السكنى سقطت، ولها أن تسكن حيث شاءت، ذكره القاضي، وذكر أبو
الخطّاب أنها تنتقل إلى أقرب ما يمكنها النُّقْلة إليه، وهو مذهب الشافعي؛ لأنه
أقرب إلى موضع الوجوب، فأشبه من وجبت عليه الزكاة في موضع لا يجد فيه
أهل السُّهمان، فإنه ينقلها إلى أقرب موضع يجدهم فيه، ولنا، أن الواجب
سقط لعذُر، ولم يرد الشرع له ببدل، فلا يجب كما لو سقط الحج، اهـ.
وفي ((الدر المختار))(١): تعتدّ في بيت وجبت فيه، ولا يخرج منه إلا أن
تخرج أو يهتدم المنزل أو تخاف انهدامه، أو لا تجد كراء البيت، ونحو ذلك
من الضرورات، فتخرج لأقرب موضع إليه، وفي الطلاق حيث شاء الزوج، اهـ.
(٢٣) ما جاء في نفقة المطلقة
قد تقدم في أول الباب السابق أن المعتدة بالوفاة لا نفقة لها بالإجماع
إذا كانت حائلاً، واختلفوا في الحامل، وهكذا لا خلاف بينهم في أن
المطلقة الرجعيّة لها النفقة، وهكذا لا خلاف بينهم أن المطلقة البائنة إن كانت
حاملاً فلها النفقة، واختلفوا فيما بينهم إذا كانت حائلة فلا نفقة لها عند
الأئمة الثلاثة، ومن وافقهم بخلاف الحنفية (٢) ومن وافقهم، فعندهم لها أيضاً
النفقة.
٦٧/١١٨٧ - (مالك عن عبد الله بن يزيد) الأعور (مولى الأسود بن سفيان
(١) (٥٨٩/٣).
(٢) انظر: ((الدر المختار)) (٦٦٩/٣).
٣٢٥

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢٣) باب
(١١٨٧) حديث
عنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ؛ أَنَّ
أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ
عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف) القرشي (عن فاطمة بنت قيس) بن
خالد القرشية (أن أبا عمرو) بفتح العين (ابن حفص) بن المغيرة بن عبد الله بن
عمر بن مخزوم القرشي المخزومي الصحابي، ويقال: ابن حفص بن عمرو بن
المغيرة، ويقال: أبو حفص بن عمرو بن المغيرة ابن عم خالد بن الوليد بن
المغيرة، اختلف في اسمه، فقيل: اسمه كنيته، وقيل: أحمد، وقيل:
عبد الحميد، قال الزرقاني(١): هو الأكثر، وقال عياض: هو الأشهر، خرج مع
علي - رضي الله عنه - إلى اليمن في العهد النبوي، فمات هناك، ويقال: بل
رجع إلى أن شهد فتوح الشام.
فقد روى النسائي عن ناشرة سمعتُ عمر - رضي الله عنه - يقول: إني
أعتذر إليكم من عزل خالد بن الوليد، فقال أبو عمرو بن حفص: عزلتَ عنا
عاملاً استعمله رسول الله وَلّ، قال في ((التقريب)): مات باليمن في أواخر
حياته وَي على الصحيح، وقيل: عاش إلى خلافة عمر - رضي الله عنه -، وهو
وهم، وصاحب القصة في هذا غيره.
ووقع في آخر ((صحيح مسلم)) في حديث الجساسة عن فاطمة بنت قيس
نكحت ابن المغيرة، فأصيب في الجهاد مع رسول الله وَثير، فلما تأيمت خطبني
أبو جهم، الحديث، وهذه الرواية أيضاً وهم، لكن أوّلها بعضهم على أن
المراد أصيب بجراحة أو أصيب في ماله، أو نحو ذلك، حكاه النووي وغيره،
قال الحافظ: والذي يظهر أن المراد بقولها: أصيب، مات على ظاهره، وكان
في بعث علي إلى اليمن، فيصدق أنه أصيب في الجهاد مع رسول الله وَّة، أي
في طاعته ◌َّر، اهـ.
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٠٧/٣).
٣٢٦

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢٣) باب
(١١٨٧) حديث
طَلَّقَهَا الْبَّةَ. وَهُوَ غَائِبٌ بِالشَّامِ.
قال النووي(١): اختلفوا في وقت وفاته فقيل: توفي مع علي - رضي الله
عنه - عقب طلاقها باليمن، حكاه ابن عبد البر، وقيل: بل عاش إلى خلافة
عمر - رضي الله عنه - حكاه البخاري في ((التاريخ))، اهـ.
قال الزرقاني(٢): إن أبا عمرو بن حفص، هكذا رواه مالك وابن شهاب
وغيرهما، وقلبه بعض الرواة، فقال: أبو حفص بن عمرو، وبعضهم أبو
حفص بن المغيرة، قال العلماء: والمحفوظ الأول.
(طلقها البتة) بهمزة وصل، وفتح موحدة وتشديد فوقية، قال النووي:
قوله: طلّقها، هذا هو الصحيح المشهور الذي رواه الحفاظ، واتفق على رواية
الثقات على اختلاف ألفاظهم في أنه طلقها ثلثاً أو البتة أو آخر ثلاث
تطليقات، وجاء في آخر ((صحيح مسلم)) في حديث الجساسة ما يوهم أنه
مات، قال العلماء: ليست هذه الرواية على ظاهرها، بل هي وهم أو مؤولة.
وأما قوله في رواية: أنه طلقها ثلاثاً، وفي أخرى: طلقها البتة، وفي
رواية: طَلَّقَها آخر ثلاث تطليقات، وفي رواية: طلّقها طلقة كانت بقيت من
طلاقها، وفي رواية: طلقها، ولم يذكر عدداً ولا غيره.
فالجمع بين هذه الروايات أنه كان طلقها قبل هذا طلقتين، ثم طلق هذه
المرة الطلقة الثالثة، فمن روى أنه طلقها مطلقاً أو واحدة أو آخر ثلاث
تطليقات فهو ظاهر، ومن روى ((البتة)) فمراده طلقها طلقة صارت بها مبتوتة
بالثلاث، ومن روى ثلثاً أراد به تمام الثلاث.
(وهو غائب بالشام) هكذا في رواية ((الموطأ))، والحديث أخرجه مسلم (٣)
(١) ((شرح النووي على صحيح مسلم)) (٩٥/١٠/٥).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٠٧/٣).
(٣) ((صحيح مسلم)) (١٤٨٠)، (١١١٤/٢).
٣٢٧

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢٣) باب
(١١٨٧) حديث
فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيلُهُ بِشَعِيرٍ،
برواية يحيى بن يحيى عن مالك بهذا السند ليس فيه لفظ ((بالشام))، بل اقتصر
فيه على لفظ ((وهو غائب))، والمعروف في الروايات، وعند المحدثين أن أبا
عمرو خرج مع علي - رضي الله عنه - إلى اليمن، فبعث إليها بتطليقة ثالثة بقيت
لها يعني من اليمن.
وفيه إشكال آخر، وهو ما قال الشيخ في ((البذل))(١): قوله: وهو غائب،
يخالفه ما أخرجه الطحاوي عن أبي زبير المكي أنه سأل عبد الحميد عن طلاق
جده أبي عمرو، فقال له عبد الحميد: طلقها البتة، ثم خرج إلى اليمن،
وكذلك أخرج من حديث ابن جريج عن عطاء عن عبد الرحمن بن عاصم أن
فاطمة أخبرته، وكانت عند رجل من بني مخزوم، فأخبرته أنه طلّقها ثلاثاً
وخرج إلى بعض المغازي، ووجه الجمع بينها أن يقال: إنه طلقها في المدينة،
ولم يظهر أمر الطلاق حتى خرج مع علي - رضي الله عنه، - فوقع النزاع بينها
وبین وكيل الزوج.
(فأرسل إليها وكيله بشعير) بالرفع على الفاعلية؛ لأنه هو المرسل على ما
قاله السيوطي، والنووي، وغيرهما .
ويُشْكل عليه ما في ((مسلم))(٢) من طريق أبي بكر بن الجهم، سمعت
فاطمة تقول: أرسل إلي زوجي أبو عَمروٍ عَيّاشَ بنَ أبي ربيعةَ بطلاقي، وأرسل
معه بخمسة آصع من تمر، وخمسة آصع من شعير، وهو نص في أن المرسل
الزوج، ووكيله بالنصب على المفعولية، قال النووي: فيه أن الطلاق يقع في
غيبة المرأة، وجواز الوكالة في أداء الحقوق، وقد أجمع العلماء على هذين
الحكمين، اهـ.
قال الزرقاني تبعاً لغيره: كان إرسال هذا الشعير متعة، فحسبتها هي
(١) ((بذل المجهود)) (٢٩/١١).
(٢) أخرجه مسلم (١١١٩/٢).
٣٢٨

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢٣) باب
(١١٨٧) حديث
فَسَخِطَتْهُ. فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ. فَجَاءَتْ إِلَى
رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿ فَذَكَرَتْ ذُلِكَ لَهُ فَقَالَ: (لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ))
النفقة الواجبة عليه، اهـ. وهذا توجيه للحديث عند من قال أن لا نفقة
للبمتوتة، وأما من ذهب إلى أن لها النفقة لا يحتاج إلى ذلك.
(فسخطته) بكسر الخاء أي استقلته يقال: سخطه أي استقله ولم يرض
به، ذكره الطيبي، وفي ((المفاتيح)): أي ما رضيت به لكونه شعيراً أو لكونه
قليلاً، ويمكن أن يكون من باب الحذف والإيصال، والضمير يرجع إلى الوكيل
أي غضبت على الوكيل، كذا في ((المرقاة))(١).
(فقال) الوكيل: (والله مالك علينا من شيء) أي غير هذا عند القائلين
بإيجاب النفقة، أو ولا هذا، بل نعطيه متعة تبرعاً عند من لا يقول بنفقة
المبتوتة. فلم تقبل قول الوكيل، فشدّت عليها ثيابها (فجاءت إلى رسول الله وَ لات)
وفي نسخة: رسول الله وَّله بحذف إلى (فذكرت ذلك له) أي ما جرى بينها وبين
زوجها وكلام الوكيل. (فقال) ◌َّ﴾، وفي رواية لمسلم، فقال: كم طلقك؟
فقلت: ثلاثاً، قال: صدق (ليس لك عليه نفقة).
قال الباجي(٢): هذا بَيِّن في أن المطلقة المبتوتة غير الحامل، لا نفقة
لها، خلافاً لأبي حنيفة والثوري في قولهما: لكل مطلقة النفقة في العدة،
والدليل على ما نقوله قوله و ل﴿ه، لفاطمة: ((ليس لك نفقة))، اهـ.
قلت: والاعتذار عن الحنفية، ومن معهم أن جمعاً من الصحابة منهم
عمر وعائشة - رضي الله عنهما - وغيرهما أنكروا على هذا الحديث أشدّ
الإنكار، كما تقدم في الباب السابق، وجعله عمر - رضي الله عنه - مخالفاً
للكتاب والسنة، إذ قال: ((لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا بقول امرأة لا ندري
أحفظت أم نسيت)).
(١) (مرقاة المفاتيح)) (٣٢٥/٦).
(٢) ((المنتقى)) (١٠٤/٤).
٣٢٩

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢٣) باب
(١١٨٧) حديث
وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أَمِّ شَرِيكٍ. ثُمَّ قَالَ: ((تِلْكِ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا
أَضْحَابِي.
(وأمرها أن تعتدّ في بيت أم شريك). قال النووي(١): هذه قرشية عامرية،
وقيل: أنصارية، وقد ذكر مسلم في آخر الكتاب في حديث الجساسة أنها
أنصارية، واسمها غزية، وقيل: غزيلة بغين معجمة مضمومة ثم زاي فيهما،
وهي بنت وددان بن عوف بن عمر، واختلف في نسبها قيل: إنها التي وهبت
نفسها للنبي ◌ّ﴾، وقيل غيرها، وقال أيضاً في حديث الجساسة: قوله: أم
شريك من الأنصار، هذا قد أنكره بعض العلماء، وقال: إنما هي قرشية من
بني عامر، وقال آخرون: هما ثنتان قرشية وأنصارية، اهـ.
وذكر الحافظ في ((الإصابة))(٢) هذا الحديث في ذكر أم شريك القرشية
والأنصارية معاً، وفي ((البذل))(٣): وقع في رواية النسائي من حديث مخلد عن ابن
جريج في هذه القصة قال النبي ◌َّير: ((فانتقلي إلى أم كلثوم فاعتدي عندها)) ثم قال:
((إن أم كلثوم امرأة تكثُر عوّادها فانتقلي إلى عبد الله بن أم مكتوم))، اهـ.
وذكر الحافظ في ((الإصابة)) في ترجمة أم كلثوم غير منسوبة، وقع في
النسائي في قصة فاطمة اعتدّي عند أم كلثوم بدل أم شريك فليحرّر، اهـ.
(ثم قال) وَالر: (تلك) بكسر الكاف أي أم شريك (امرأة يغشاها أصحابي)
أي يردون عليها ويزورونها لصلاحها، وكانت كثيرة المعروف والنفقة في
سبيل الله، والتضيف للغرباء من المهاجرين وغيرهم، فرأى النبي ◌َ ير أن على
فاطمة من الاعتداد عندها حرجاً من حيث إنه يلزمها التحفظ من نظرهم إليها
ونظرها إليهم، وانكشاف شيء منها، وفي التحفظ من هذا مع كثرة دخولهم
وترددهم مشقة ظاهرة.
(١) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٩٦/١٠/٥).
(٢) (٢٤٨/٨/٤).
(٣) ((بذل المجهود)) (٣١/١١).
٣٣٠

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢٣) باب
(١١٨٧) حديث
اعْتَدِّي عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ .
ولفظ النسائي(١) في رواية مخلد المذكورة: أن أم كلثوم امرأة تكثر
عُوّادُها، وفي أخرى له بطريق آخر: ((فقال: انطلقي إلى أم شريك، وأم شريك
امرأة غنية من الأنصار عظيمة النفقة في سبيل الله عز وجل، ينزل عليها
الضيفان، فقلت: سأفعل، قال: لا تفعلي، فإن أم شريك كثيرة الضيفان، فإني
أكره أن يسقط عنك خمارك، أو ينكشف الثوب عن ساقيك، فيرى القوم منك
بعض ما تكرهين، ولكن انتقلي إلى ابن عمك)) الحديث.
(اعتدّي عند عبد الله بن أم مكتوم) ولفظ مسلم برواية يحيى بن يحيى عن
مالك عند ابن أم مكتوم بدون التسمية، والاختلاف في اسمه معروف، فقيل:
عبد الله، وقيل: عمرو، وقيل غير ذلك.
واختلف في سبب أمره وَل﴿ بانتقالها من بيت الزوج إلى بيت غيره، قال
الباجي(٢): وقد رُوي أن ذلك كان لبذاء في لسانها، وقد قال: سأله سعيد بن
مهران عن المطلقة ثلاثاً أين تعتدّ؟ فقال: في بيت زوجها، فقال له ميمون:
فأين حديث فاطمة؟ فقال سعيد: تلك امرأة فتنت الناس، إنها كانت لَسِنَةً، قال
القاضي أبو إسحاق: إن البذاء والشر العظيم بين المرأة وزوجها مما يقتضي
إخراجها من مسكنه إلى غيره.
وتعلق في ذلك بقوله تعالى: ﴿إِلَّ أَنْ يَأْتِيَنَ بِفَحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾(٣) وهذا
يقتضي أن من هذه الفاحشة المبيحة للخروج ما ليست بمبينة، وليس كذلك
الزنى في قول من قال: إن الفاحشة الزنا؛ لأن أمر الزنا واحد، إذا غابت
الحشفة وجب الرجم، وإلى هذا ذهب ابن عباس، وروي عن عائشة في قصة
(١) ((سنن النسائي)) (٢٠٧/٦) ح (٣٥٤٥).
(٢) ((المنتقى)) (١٠٥/٤).
(٣) سورة الطلاق: الآية ١.
٣٣١

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢٣) باب
(١١٨٧) حديث
فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى. تَضَعِينَ ثِيَابَكِ عِنْدَهُ؛
فاطمة أنها كانت في مكان وحش، فخيف على ناحيتها، فلذلك ترخص لها
رسول الله ◌َلهم .
فهذه الأقوال تدل على أنه لا يباح لها الانتقال إلا لعذر، وإن اختلفوا
في تعيين العذر، اهـ.
وتقدم ما قال عمر - رضي الله عنه - ((لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا
بقول امرأة))، وأخرج البخاري عن عائشة - رضي الله عنها -: أنها قالت: ما
لفاطمة؟ ألا تتقي الله، يعني في قولها: لا سكنى ولا نفقة.
(فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده) قال القاري(١): استئناف أو حال
من فاعل اعتدّى، والمعنى لا تلبسي ثياب الزينة في حال العدة، ويحتمل أن
يكون كناية عن عدم جواز الخروج في أيام العدة، أو يكون كناية عن كونها غير
محتاجة إلى الحجاب، اهـ.
قلت: هذا الأخير المتعين لما في مسلم من وجه آخر: فإنك إذا وضعت
خمارك لم يرك، قال النووي(٢): احتج بعضهم بهذا الحديث على جواز نظر
المرأة إلى الأجنبي بخلاف نظره إليها، وهذا قول ضعيف، والصحيح الذي
عليه جمهور العلماء وأكثر أصحابنا أنه يحرم على المرأة النظر إلى الأجنبي،
كما يحرم عليه النظر إليها لقوله تعالى: ﴿قُل لِلْمُؤْمِينَ يَغُضُواْ مِنْ أَبَصَدِهِمْ .. وَقُل
لِلْمُؤْمِنَتِ﴾(٣) الآية، ولأن الفتنة مشتركة.
ويدل عليه من السنة حديث نبهان عن أم سلمة أنها كانت هي وميمونة
عند النبي وَّ فدخل ابن أم مكتوم فقال ◌َله: ((احتجبا منه، فقالتا: إنه أعمى لا
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٢٥/٦).
(٢) ((شرح النووي على صحيح مسلم)) (٩٦/١٠).
(٣) سورة النور: الآيتان ٠٣، ٣١.
٣٣٢

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢٣) باب
(١١٨٧) حديث
يبصرنا))، فقال النبي وَ﴾: ((أفعمياوانٍ أنتما؟)) وهو حديث حسن رواه أبو داود(١)
والترمذي وغيرهما، وقال الترمذي: حديث حسن، ولا يلتفت إلى قدح من قدح
فيه بغير حجة، وأما حديث فاطمة بنت قيس مع ابن أم مكتوم، فليس فيه إذن في
النظر إليه، بل فيه أنه تأمن عنده من نظر غيرها إليها، وهي مأمورة بغضّ بصرها،
فيمكنها الاحتراز عن النظر بلا مشقة، بخلاف مكثها في بيت أم شريك، اهـ.
وقال الموفق(٢): أما نظر الرجل إلى الأجنبية من غير سبب، فإنه محرم
إلى جميعها في ظاهر كلام أحمد، قال أحمد: لا يأكل مع مطلقته، هو أجنبي
لا يحلّ له أن ينظر إليها كيف يأكل معها، ينظر إلى كفها لا يحلّ له ذلك،
وقال القاضي: يَحْرُمُ عليه النظرُ إلى ما عدا الوجه والكفين؛ لأنه عورةٌ، ويباح
له النظر إليها مع الكراهة إذا أمن الفتنة، ونَظَرَ لغيرِ شهوةٍ، وهذا مذهب
الشافعي لقوله عز اسمه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال ابن
عباس: الوجه والكفين، وقال عليه الصلاة والسلام لأسماء بنت أبي بكر: إن
المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يُرَى منها إلا هذا وهذا.
ولنا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾(٣)
وقوله وقَ: ((إذا كان لإحداكن مكاتب فملك ما يؤدي فلتحتجب منه)) وحديث
الفضل مع الخثعميّة المذكورة في الحج، وعن جرير بن عبد الله قال: سألته وعلاله
عن نظر الفجاءة، فأمرني أن أصرف بصري، حديث صحيح، وعن علي
مرفوعاً: ((لا تتبع النظرة النظرة)) رواهما أبو داود(٤)، وأما حديث أسماء إن
صحّ فيحتمل أن يكون قبل نزول الحجاب.
(١) أخرجه أبو داود في اللباس (٤١١٣)، والترمذي في الأدب (٢٧٧٨).
(٢) («المغني)) (٤٩٨/٩).
(٣) سورة الأحزاب: الآية ٥٣.
(٤) أخرجهما أبو داود (٢١٤٨، ٢١٤٩).
٣٣٣

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢٣) باب
(١١٨٧) حديث
وأما نظر المرأة إلى الرجل(١) ففيه روايتان؛ إحداهما: لها النظر إلى ما
ليس بعورةٍ، والأخرى: لا يجوز لها النظر من الرجل إلا إلى مثل ما ينظر إليها
منها، اختاره أبو بكر، وهذا أحد قولَي الشافعي لحديث نبهان عن أم سلمة،
رواه أبو داود(٢) وغيره، ولأنه تعالى أمر النساء بغض الأبصار كما أمر
الرجال.
ولنا، حديث فاطمة بنت قيس متفق عليه، وقالت عائشة: ((كان
رسول الله والله يسترني بردائه وأنا أنظر الحبشة يلعبون في المسجد)) متفق عليه،
ويوم فرغ النبي وقليل من خطبة العيد مضى إلى النساء، فذكّرهن ومعه بلال،
ولأنهن لو منعن النظر وجب على الرجال الحجاب.
فأما حديث نبهان فقال أحمد: نبهان روى حديثين عجيبين يعني هذا
الحديث، وحديث ((إذا كان لإحداكن مكاتب فلتحتجب منه)) وكأنه أشار إلى
ضعف حديثه، إذ لم يرو إلا هذين الحديثين، وقال ابن عبد البر: مجهول،
وحديث فاطمة صحيح، فالحجة به لازمة، ثم يحتمل أن حديث نبهان خاص
لأزواج النبي ◌ّر، كذلك قال أحمد وأبو داود، اهـ.
وقال الدردير(٣): وهي من حرة مع رجل أجنبي مسلم غير الوجه والكفين
من جميع جسدها حتى قصتها وإن لم يحصل إلا التذاذ، وأما مع أجنبي كافر
فجميع جسدها حتى الوجه والكفين، وترى المرأة من الرجل الأجنبي ما يراه
الرجل من محرمه الوجه والأطراف، أي من عنق ورأس وظهر قدم، قال
الدسوقي: قوله: غير الوجه والكفين أي وأماهما فغير عورة يجوز النظر إليهما،
(١) ((المغني)) (٩/ ٥٠٦).
(٢) ((سنن أبي داود)) (٣٨٤/٢).
(٣) ((الشرح الكبير)) (٢١٤/١).
٣٣٤

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢٣) باب
(١١٨٧) حديث
فَإِذَا حَلَلْتِ فَآَذِنِينِي)) قَالَتْ: فَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَّهُ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ
أَبِي سُفْيَانَ،
ولا فرق بين ظاهر الكفين وباطنهما بشرط أن لا يخشى بالنظر لذلك فتنة، وأن
يكون النظر لغير قصد لذة، وإلا حرم النظر لهما.
وفي ((الهداية))(١): لا يجوز أن ينظر الرجل إلى الأجنبية إلا إلى وجهها
وكفيها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾(٢) قال علي وابن
عباس: ما ظهر منها ((الكحل والخاتم)) والمراد موضعهما وهو الوجه والكف،
ويجوز للمرأة أن تنظر من الرجل إلى ما ينظر الرجل إليه منه، إذا أمنت الشهوة
الاستواء الرجل والمرأة في النظر إلى ما ليس بعورة، اهـ. وتقدم في ((أبواب
الحج)) في حديث الخثعمية الفرق بينهما في النظر بشهوة.
(فإذا حللت) بكسر التاء أي فرغت من العدة (فآذنيني) بمد الهمزة أي
أعلميني، وفي رواية لمسلم: لا تفوتيني بنفسك، وفي أخرى له: وأرسل إليها
أن لا تسبقيني بنفسك، قال النووي(٣): قيل: فيه جواز التعريض بخطبة البائن
وهو الصحيح عندنا، اهـ.
واستبعده عياض بأنه ليس في قوله: ((آذنيني))، و((لا تسبقيني بنفسك)) غير
أمرها بالتربص دون تسمية زوج، والتعريض إنما هو من الزوج أو نائبه، أما
المجهول فلا تعريض فيه، وقال ابن عبد البر: كره جماعة أن يقول: لا تفوتيني
بنفسك، والحديث يرد عليه، ونظر فيه الأبي بأنه إنما كره هذا من الخاطب
لنفسه أو لمن وكله، ولم يكن وَلّ خاطباً لنفسه ولا لغيره، اهـ.
(قالت: فلما حللت ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان) بن حرب الأموي،
(١) (٣٦٨/٢).
(٢) سورة النور: الآية ٣١.
(٣) ((شرح النووي على الصحيح لمسلم)) (٩٦/١٠/٥).
٣٣٥

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢٣) باب
(١١٨٧) حديث
وَأَبَا جَهْمَ بْنَ هِشَامِ خَطَبَانِي.
هكذا في رواية مسلم وغيره التصريح بابن أبي سفيان، ووقع في بعض الروايات بلفظ
معاوية فقط، فتوهم منه بعضهم بأنه غيره، قال النووي: هذا غلط صريح، نبّهتُ عليه
لئلا یَغتَرُوا به، اهـ.
(وأبا جهم بن هشام) قال النووي: أبو الجهم هذا بفتح الجيم، مكبر،
وهو أبو الجهم المذكور في حديث الأنبجانية، وهو غير أبي الجهم المذكور
في التيمم، وفي المرور بين يدي المصلي، فإن ذاك بضم الجيم مصغر، اهـ.
قلت: وتقدم الكلام على ترجمته في ((كتاب الصلاة)) في ((باب العمل في
القراءة)) وهو أبو جهم بن حذيفة، اختلف في اسمه، فقيل: عامر، وقيل:
عبيد، صحابي قرشي عدوي من مسلمة الفتح، وما في ((الموطأ)) من قوله: ابن
هشام غلط من الراوي ((للموطأ))، والمعروف في الروايات أبا جهم بدون
النسب، قال عياض: ذكره الناس كلهم ولم ينسبوه إلا يحيى بن يحيى
الأندلسي، فقال: ابن هشام، وهو غلط، ولا يعرف في الصحابة أحد، يقال له
أبو جهم بن هشام، ولم يوافق يحيى على ذلك أحد من رواة ((الموطأ)) ولا
غيرهم، وكذا قال ابن عبد البر(١)، إلا أنه قال: اسمه عويمر بن حذيفة بن
غانم العدوي، ويقال: اسمه عبيد بن حذيفة. قال: وفي رواية ابن القاسم.
((ابن هشام)) كما في رواية يحيى، اهـ.
(خطباني) قيل: فيه جواز التعريض بخطبة البائن، وتعقب بأنه ليس في
الحديث دلالة على ذلك، بل الظاهر أن الخطبة وقعت صريحاً بعد العدة، وفي
حديث الجساسة عند مسلم: فلما تأيمت خطبني عبد الرحمن بن عوف في نفر
من أصحاب محمد، وخطبني رسول الله ﴿ على مولاه أسامة بن زيد،
الحدیث.
(١) ((الاستذكار)) (٨٢/١٨).
٣٣٦

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢٣) باب
(١١٨٧) حديث
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهِ: ((أَمَّا أَبُو جَهْم فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ.
وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوٌ لَا مَالَ لَهُ.
ولا إشكال فيه لما في رواية عند مسلم: فخطبني خُطَّابٌ منهم معاوية،
وأبو جهم، الحديث، ورغبة الصحابة فيها مع كونها لَسِنّةً لدينها وجمالها
ونسبها وشرافتها وسابقتها للإسلام، وفي هذه الأمور كانوا يرغبون.
(فقال رسول الله وَلتر: أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه) والعاتق: ما
بين المنكب والعنق، قال النووي: فيه تأويلان مشهوران، أحدهما: أنه كثير
الأسفار، والثاني: كثير الضرب للنساء، وهذا أصح بدليل رواية أخرى عند
مسلم: ((أنه ضرّاب للنساء))، وفيه دليل على جواز ذكر الإنسان بما فيه عند
المشاورة وطلب النصيحة، ولا يكون هذا من الغيبة المحرمة، بل من النصيحة
الواجبة.
(وأما معاوية فصعلوك) بضم الصاد المهملة، أي فقير (لا مال له) صفة
كاشفة، وهذا يدل على أنه كان في غاية من الفقر، قيل: وكان فقره إذ ذاك؛
لأن أباه كان كافراً، ولم يسلم بعد، ولم يعط ابنه شيئاً بعد ما أسلم، وهذا
مردود، إذ صرح في ((المواهب)) أن معاوية وأباه من مسلمة الفتح، فالأظهر أنه
لشُحّ والده، وكان شحيحاً على امرأته وولده، كذا في ((المرقاة)) (١)، وقد قالت
امرأته هند: ((يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما
يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه، وهو لا يعلم)) الحديث، عند الشيخين.
واستدل الموفق(٢) بهذا على اشتراط اليسار في الكفاءة، فقال: فيه
روايتان إحداهما هو شرط في الكفاءة لقوله وَ ل: ((الحسبُ المالُ))(٣) وقوله
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٢٦/٦).
(٢) («المغني)) (٣٩٤/٩).
(٣) أخرجه الترمذي (٣٢٧١).
٣٣٧

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢٣) باب
(١١٨٧) حديث
آنْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ)) قَالَتْ: فَكَرِهْتُهُ. ثُمَّ قَالَ: ((أَنْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ
زَيْدٍ)) فَنَكَحْتُهُ. فَجَعَلَ اللَّهُ فِي ذُلِكَ
لفاطمة: ((إن معاوية صعلوك))، والرواية الثانية ليس بشرط، لأن الفقر شرف في
الدين، اهـ.
ثم قال النووي: في هذا استعمال المجاز، وجواز إطلاق مثل هذه
العبارة في قوله ◌َير: ((لا يضع العصا عن عاتقه)) وفي معاوية ((أنه صعلوك لا
مال له))، مع العلم بأنه كان لمعاوية ثوب يلبسه ونحو ذلك من المال المحقر،
وأن أبا جهم كان يضع العصا عن عاتقه في حال نومه وأكله وغيرهما، لكن
لما كان كثير الحمل للعصا وكان معاوية قليل المال جداً، جاز إطلاق هذا
اللفظ عليهما مجازاً .
(انكِحي) بهمزة وصل وكسر كاف، أي تزوجي (أسامة بن زيد) مولى
رسول الله وَلّ وحِبه وابن حِبه، قال عياض: فيه إشارة المستشار بغير من
استشير فيه، قيل: وجواز الخطبة على الخطبة إذا لم تكن مراكنة، ونكاح من
ليس بكفء؛ لأن أسامة مولى وهي قرشيّة، ويرد على قوله: ((بغير من استشير
فيه)) رواية مسلم من وجه آخر، ((فخطبها معاوية وأبو جهم وأسامة فقال: أما
معاوية فرجل ترب لا مال له، وأما أبو جهم فرجل ضرّاب للنساء، ولكن
أسامة)».
(قالت) فاطمة: (فكرهته) أي أسامة إبتداء لكونه مولى أسود جداً، وإنما
أشار ◌َ له بنكاح أسامة لما علمه من دينه وفضله وكرم شمائله، ولفظ مسلم(١)،
فقالت بيدها: هكذا: ((أسامة أسامة)) يعني أشارت بيدها تحقيراً له، كما هو دأب
النساء في إشاراتهن (ثم قال) وَ لاول مرة أخرى: (انكحي أسامة بن زيد) ولمسلم: فقال
لها وَّة: طاعة الله وطاعة رسوله خير لك (فنكحته فجعل الله) عز اسمه (في ذلك)
(١) ((صحيح مسلم)) (١١١٩/٢).
٣٣٨

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢٣) باب
(١١٨٧) حدیث
خَيْراً وَاغْتَبَطْتُ بِهِ.
أخرجه مسلم في: ١٨ - كتاب الطلاق، ٦ - باب المطلقة ثلاثاً لا نفقة لها،
حدیث ٣٥.
النكاح (خيراً) كثيراً (واغتبطت به) بغين معجمة وفتح المثناة الفوقية والموحدة، أي
صرتُ ذا غبطة، بحيث اغتبطني النساء لحظ كان لي منه.
قال النووي(١): يقال: غبطته بما نال أغبطه - بكسر الباء - فاغتبط هو
كمنعه فامتنع، وحبسه فاحتبس، وفي ((القاموس)): الغبطة بالكسر: حسن الحال
والمسرة، وقد اغتبط وغبطه، كضربه وسمعه تمنى نعمة على أن لا تتحول عن
صاحبها، والاغتباط: التبجج بالحال الحسنة.
وأجمل النووي الكلام على فوائد حديث فاطمة هذا، فذكر ستة عشر
فوائد، وقال القاري(٢): وفي ((شرح السنة)): فيه دليل على أن المال معتبر في
الكفاءة، وعلى أن الرجل إذا لم يجد نفقة أهله، وطلبت المرأة فراقه فرّق
بينهما، قلت: ليس في الحديث دليل على ذلك، قال: وعلى جواز تزويج
المرأة من غير كفؤ برضاها. فإن فاطمة هذه كانت قرشية، وأسامة من الموالي،
وفيه أنه لم يعرف عدم رضا الأولياء، بل الظاهر أنهم رضوا بذلك، لأجل
أمره و سلو، اهـ. والخلاف في مسألة الكفاءة شهير
قال الموفق(٣): اختلفت الرواية عن أحمد في اشتراط الكفاءة لصحة
النكاح، فروي عنه أنها شرط له، قال: إذا تزوج المولى العربية فُرِّقَ بينهما،
وهذا قول سفيان، وقال أحمد في رجل يشرب الشَّراب: ما هو بكفٍ لها،
يُفَرَّ ، بينهما، وقال: لو كان المتزوج حائكاً فرقْتُ بينهما، لقولِ عمر - رضي الله
(١) ((شرح النووي على الصحيح لمسلم)) (٩٨/١٠/٥).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٢٧/٦ - ٣٩١).
(٣) ((المغني)) (٣٨٧/٩ - ٣٩١).
٣٣٩

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢٣) باب
(١١٨٧) حديث
عنه -، لأمنعنَّ فروج ذوات الأحساب إلا من الأكفاء، رواه الخلّال بإسناده،
وعن أبي إسحاق الهمداني قال: ((خرج سلمان وجرير في سفر فأقيمت
الصلاة، فقال جرير لسلمان: تقدم، قال سلمان: بل أنت تقدم، فإنكم معشر
العرب لا يُقَدَّمُ عليكم في صلاتكم، ولا تُنْكَحُ نساءُكم)) الحديث.
وقد روي أن النبي وَل# قال: ((لا تنكحوا النساء إلا من الأكفاء)) رواه
الدار قطني(١) إلا أن ابن عبد البر قال: هذا ضعيف لا أصل له، ولا يحتجّ بمثله.
والروايةُ الثانيةُ عن أحمد: أنها ليست بشرط، وهذا قول أكثر أهل
العلم، رُوي نحو هذا عن عمر وابن مسعود وعمر بن عبد العزيز وحمّاد بن أبي
سليمان(٢) وابن سيرينٍ ومالك والشافعي وأصحاب الرأي؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ
أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ﴾(٣) وقالت عائشة: إن أبا حذيفة تبنى سالماً، وأنكحه
ابنة أخيه، أخرجه البخاري، ونكحت فاطمة بنت قيس أسامة بأمره وَ له، متفق
عليه، والصحيح أنها غير مشترطة، وما روي فيها يدل على اعتبارها في
الجملة .
ولا يلزم منه اشتراطها، وذلك لأن الزوجة وكل واحد من الأولياء له فيها
حق، ومن لم يرض منهم فله الفسخ، ولذلك لما زوّج رجلٌ ابنته من ابن أخيه
ليرفع بها خسيسته، جعل لها النبي ◌َّر الخيار، فأجازت ما صنع أبوها، ولو
فقد الشرط لم يكن لها خيار، فإذا قلنا باشتراطها، فإنما نعتبر وجودها حال
العقد، فإن عدمت بعده لم يبطل النكاح، وإن قلنا: ليست شرطاً، فرضيت
المرأة والأولياء كلهم صحّ النكاحُ.
(١) ((سنن الدار قطني)) (٢٤٥/٣).
(٢) كذا في الأصل، والظاهر ابن أبي سلمان كما في ((الشرح الكبير)) وهو المعروف، اهـ.
(ش)) وكذا في ((التقريب)).
(٣) سورة الحجرات: الآية ١٣.
٣٤٠