Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٨ - كتاب الطلاق (١٣) باب (١١٥٥) حديث التعرض لنفيه، فأما من قال: إن الولد لا ينتفي إلا بنفيه بعد الوضع، فإنه يحتاج في نفيه إلى إعادة اللعان بعد الوضع، وقال أبو حنفية ومن وافقه: إن لاعنها حاملاً ثم أتت بالولد لزمه، ولم يتمكن من نفيه؛ لأن اللعان لا يكون إلا بين الزوجين، وهذه قد بانت بلعانها في حال حملها، وهذا فيه إلزامُه ولداً لیس منه. وإن استلحق الحمل فمن قال: لا يصح نفيه، قال: لا يصح استلحاقه، وهو المنصوص عن أحمد، ومن أجاز نفيه، قال: يصح استلحاقه، وهو مذهب الشافعي؛ لأنه محكوم بوجوده، بدليل وجوب النفقة، ووقف الميراث وغيرهما، وإذا استلحقه لم يملك نفيه بعد ذلك، كما لو استلحقه بعد الوضع، اهـ. وفي ((الهداية))(١): إذا قال الزوج: ليس حملك مني فلا لعان بينهما، وهذا قول أبي حنيفة، وزفر؛ لأنه لا يتيقن بقيام الحمل فلم يصر قاذفاً، وقال أبو يوسف ومحمد: اللعان يجب بنفي الحمل إذا جاءت به لأقل من ستة أشهر، قال ابن الهمام (٢): قوله: وهذا قول أبي حنيفة وزفر، وبه قال أحمد والثوري والحسن البصري والشعبي وابن أبي ليلى وأبو ثور وبقولهما قال مالك وأبو حنيفة أولاً، اهـ. وأجاب صاحب ((الدر المختار))(٣) وابن عابدين عما أوردوا على إنكار اللعان بنفي الحمل، فارجع إليهما. لو شئت التفصيل. وأما المسألة الثانية ففي ((المغني)) (٤): إذا نكح امرأة نكاحاً فاسداً ثم (١) (٢٧٢/١). (٢) ((فتح القدير)) (١٢٤/٤). (٣) (٥٣٩/٣). (٤) (١١/ ١٣٢ - ١٣٤). ٢٤١ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٣) باب (١١٥٥) حديث قذفها، وبينهما ولد يريد نفيه، فله أن يلاعن لنفيه ولا حدّ عليه، وإن لم يكن بينهما ولد حُدَّ ولا لعان بينهما. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: يلحقه الولد وليس له نفيه ولا اللعان؛ لأنها أجنبية، فأشبهت سائر الأجنبيات، ولنا، أن هذا ولد يلحقه بحكم النكاح، فكان له نفيه، كما لو كان النكاح صحيحاً . ويفارق إذا لم يكن ولدٌ، فإنه لا حاجة إلى القذف لكونها أجنبية. وهل يُثْبِتُ التحريمَ المؤبد؟ فيه وجهان: أحدهما: يثبته؛ لأنه لعان صحيح أشبه لعان الزوجة، والثاني: لا يثبته؛ لأن الفرقة لم تحصل به. فإنه لا نكاح بينهما يحصل قطعه به، بخلاف لعان الزوجة، فإن الفرقة حصلت به، ولو لاعَنَها من غير ولد لم يسقط الحد، ولم يثبت التحريم المؤبد؛ لأنه لعان فاسد، فلم تثبت أحكامه، فلو أبان زوجته ثم قذفها بزنا أضافه إلى حال الزوجية فهي كالمسألة قبلها، إن كان بينهما ولد يريد نفيه، فله أن ينفيه باللعان، وإلا حُدَّ ولم يلاعن، وبهذا قال مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: يحدّ ويلحقه الولد، ولا يلاعن، وهو قول عطاء، ووجه المذهبين ما تقدم في التي قبلها . وقال عثمان البَتِّيُّ: له أن يُلاعن، وإن لم يكن بينهما ولد، ورُوي عن ابن عباس والحسن أنه يلاعنها؛ لأنه قذفٌ مضافٌ إلى حال الزوجية، أشبه ما لو كانت زوجته، ولنا، أنه إذا كان بينهما ولد فيه حاجة إلى القذف فشرع، كما قذفها وهي زوجته، وإذا لم يكن له ولد، فلا حاجة به إليه، وقد قذفها وهي أجنبية . وإذا قذف مطلّقته الرجعية فله لعانها سواء كان بينهما ولد أو لم يكن، وقال ابن عباس: لا يلاعن ويجلد، وقال ابن عمر: يلاعن ما دامت في العدة، قال أحمد: وقول ابن عمر أجود؛ لأنها زوجته وهو يرثها وترثه، فهو يلاعن، وبهذا قال جابر بن زيد والنخعي والزهري وقتادة والشافعي وإسحاق وأبو عبيدة وأبو ثور وأصحاب الرأي. ٢٤٢ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٣) باب (١١٥٥) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَالْعَبْدُ بِمَنْزِلَةِ الْحُرِّ فِي قَذْفِهِ وَلِعَانِهِ. يَجْرِي مَجْرَى الْحُرِّ فِي مُلَاعَنَتِهِ. غَيْرَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَةً حَدٌّ . وإن قذف زوجته، ثم أبانها، فله لعانها نصّ عليه أحمد، سواء كان له ولد أو لم يكن، رُوي ذلك عن ابن عباس، وبه قال الحسن والقاسم ومكحول ومالك والشافعي وأبو عبيدة وأبو ثور وابن المنذر، وقال الحارث العُكْلِيُّ وجابر بن زيد وقتادة والحكم: يجلد، وقال حماد بن أبي سليمان وأصحاب الرأي: لا حد ولا لعان؛ لأن اللعان إنما يكون بين الزوجين، وليس هذان بزوجين، ولا يحد؛ لأنه لم يقذف أجنبية، اهـ. (قال مالك: والعبد بمنزلة الحُرِّ في قذفه ولعانه) لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ يَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾(١) الآية، وهو شامل للعبد والحر (يجري) العبد (مجرى الحر في ملاعنته) بضم الميم، قال في ((المغرب)): لعنه لعناً ولاعنه ملاعنة ولعاناً، وتلاعنوا: لعن بعضهم بعضاً، قال الباجي(٢): وروى في ((العتبية)) أشهب عن مالك أن لعان العبد كالحرِّ في الحرة، والأمة تشهد أربع مرات، وتخمس بالغضب، وإن أكذب نفسه حُدَّ للحرة أربعين، ولا يُحَدُّ للأمة، اهـ (غير أنه ليس على من قذف مملوكة) هكذا في أكثر النسخ المصرية والهندية بالتأنيث، وفي بعضهما ((مملوكه)) بضمير المضاف، وتذكير المملوك (حد)، قال الباجي: يريد سواء كان القاذف عبداً أو حراً، فهذا اللفظ وإن كان بلفظ الاستثناء، فمعناه العطف على ما مضى، والتفسير له؛ لأنه لا يخرج اللفظ الأول ما لولاه لدخل فيه، اهـ. وقال الموفق(٣) في صفة الزوجين اللذين يصح اللعان بينهما: قد اختلفت (١) سورة النور: الآية ٦. (٢) ((المنتقى)) (٨٠/٤). (٣) ((المغني)) (١٢٢/١١). ٢٤٣ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٣) باب (١١٥٥) حديث الرواية فيهما، فرُوي أنه يصحّ من كل زوجين مكلّفين، سواء كانا مسلمين أو كافرين أو عدلين أو فاسقين أو محدودين في قذف أو كان أحدهما كذلك، وبه قال سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والحسن وربيعة ومالك وإسحاق، قال أحمد: جميع الأزواج يلتعنون، وعن أحمد رواية أخرى: لا يصح اللعان إلا من زوجين مسلمين عدلين حرين غير محدودين في القذف، وروي هذا عن الزهري والثوري والأوزاعي وحماد وأصحاب الرأي، اهـ. وهذا الاختلاف مبنيٌ على حقيقة اللعان من أنه أيمان، كما قال به أصحاب القول الأول، أو شهادات، كما قال به أصحاب القول الثاني، فمن قال بالأول قال: العبد والحر سواء في ذلك، قال صاحب ((المحلى)): وهو قول الشافعي، وأهل اللعان عنده من هو أهل اليمين، وقال أبو حنيفة: أهل اللعان هو أهل الشهادة، فإن كان الزوج عبداً أو كافراً أو محدوداً في قذف خُدَّ، اهـ. أما مسألة الاستثناء على نسخة المملوكة، فقد قال الموفق: لا لعان بين غير الزوجين، فإذا قذف أجنبية محضة حُدَّ ولم يلاعن، وإن لم تكن محصنة عُزِّرَ، ولا لعان أيضاً. ولا خلاف في هذا؛ لأنه تعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرَّمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَّةَ﴾(١) الآية، ثم خص الزوجات بقوله: ﴿وَأَذِينَ يَزَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾(٢) الآية، ففيما عداهن يبقى على قضية العموم. وإن ملك أمة ثم قذفها فلا لعان، سواء كانت فراشاً له أو لم تكن، ولا حد عليه بقذفها، اهـ. وأما على نسخة التذكير، فقد قال الموفق(٣) أيضاً: أجمع العلماء على (١) سورة النور: الآية ٦. (٢) سورة النور: الآية ٤. (٣) «المغني)) (٣٨٤/١٢). ٢٤٤ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٣) باب (١١٥٥) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَالْأَمَةُ الْمُسْلِمَةُ وَالْحُرَّةُ النَّصْرَانِيَّةُ وَالْيَهُودِيَّةُ تُلَاعِنُ الْحُرَّ الْمُسْلِمَ إِذَا تَزَوَّجَ إِحْدَاهُنَّ فَأَصَابَهَا . وجوب الحد على من قذف المحصن إذا كان مكلفاً، وشرائط الإحصان الذي يجب الحد بقذف صاحبه خمسةٌ: العقل، والحرية، والإسلام، والعِفَّة عن الزنا، وأن يكون كبيراً يجامع مثله، وبه يقول جماعة العلماء قديماً وحديثاً، سوى ما روي عن داود أنه أوجب الحد على قاذف العبد، وعن ابن المسيب وابن أبي ليلى، قالوا: إذا قذف ذميَّة، ولها ولد مسلم يُحَدُّ، واختلفت الرواية عن أحمد في اشتراط البلوغ، فرُوي عنه أنه شرطٌ وبه قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، والثانية: لا يُشْترط؛ لأنه حُرُّ عاقل عفيف يَتَعَيَّرُ بهذا القول، وهذا قول مالك وإسحاق، وعلى هذه الرواية لا بد أن يكون كبيراً يجامع مثله، وأدناه أن يكون للغلام عشر، وللجارية تسعٌ، اهـ. (قال مالك: والأمة المسلمة) قَيَّدها بالمسلمة؛ لأن نكاح الأمة الكتابية بالمسلم لا يجوز عند مالك والشافعي خلافاً للحنفية، وهما قولان لأحمد، كما تقدم في مباحث النهي عن نكاح إماء أهل الكتاب (والحرة النصرانية واليهودية) أي حرائر أهل الكتاب، إذا تزوجن المسلم، وقيدهما بالحرائر للاختلاف المذكور، كل ذلك من هؤلاء الثلاثة (تلاعن الحر المسلم). قال الباجي(١): خص الأمة بالإسلام؛ لأنه لا يجوز أن يتزوج المسلم أمة كتابية، وأما الحرة الكتابية فيجوز له ذلك، ولذلك عدل عن ذكر الأمة الكتابية إلى ذكر الحرة، فلكل واحدة من هؤلاء أن تلاعن الحر المسلم (إذا تزوج إحداهن فأصابها) قال الباجي: ليست الإصابة شرطاً في صحة اللعان ولا وجوبه . قال الموفق(٢): لا فرق بين كون الزوجة مدخولاً بها أو غير مدخول بها (١) ((المنتقى)) (٨٠/٤). (٢) ((المغني)) (١٢٤/١١). ٢٤٥ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٣) باب (١١٥٥) حديث وَذُلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَالَّذِينَ يَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾ فَهُنَّ مِنَ الْأَزْوَاجِ. وَعَلَى هُذَا، الْأَمْرُ عِنْدَنَا. قَالَ مَالِكٌ: وَالْعَبْدُ إِذَا تَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ الْحُرَّةَ المسلمة أَوْ الأَمَةَ الْمُسْلِمَةَ، في أنه يُلاعِنُها، قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظه عنه من علماء الأمصار، منهم عطاء والحسن والشعبي والنخعي وقتادة ومالك وأهل المدينة والثوري وأهل العراق والشافعي، فإن كانت غير مدخول بها، فلها نصف الصداق؛ لأنها فُرْقَةٌ منه، كذا قال الحسن، وسعيد بن جبير، ومالك، وفيه رواية أخرى: لا صداق لها؛ لأن الفرقة حصلت بلعانهما جميعاً، اهـ. (وذلك) أي دليل صحة اللعان المذكور (أن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه) المجيد: ﴿﴿وَلَّذِينَ يَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾)(١) الآية (فهن) أي الأنواع الثلاثة المذكورة (من الأزواج) فعموم قوله عز اسمه يشملهن. (قال مالك: وعلى هذا، الأمر) المرجح (عندنا) قال صاحب ((المحلى)): وهو قول الشافعي، وقال أبو حنيفة: لو صلح هو شاهداً، وهي أمة، أو كافرة ونحو ذلك، فلا حدَّ عليه ولا لعان، واستدل لذلك بما رواه ابن ماجه(٢) بتعدد الطرق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه وسلم قال: ((أربعة من النساء لا ملاعنة بينهم، النصرانية تحت المسلم، واليهودية تحت المسلم، والمملوكة تحت الحر، والحرة تحت المملوك))، ورجح الدارقطني كونه مرفوعاً، ويشهد له رواية ابن عباس عند ابن عدي والبيهقي، ورواه الدارقطني والبيهقي عن ابن عمر، ولكنهما ضعّفاه، اهـ. (قال مالك: والعبد إذا تزوج المرأة الحرة المسلمة أو) تزوج (الأمة المسلمة (١) سورة النور: الآية ٤. (٢) ((سنن ابن ماجه)) (٢٠٧١). ٢٤٦ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٣) باب (١١٥٥) حديث أَوِ الْحُرَّةَ النَّصْرَانِيَّةَ، أَوِ الْيَهُودِيَّةَ، لَا عَنَهَا . قَالَ مَالِكٌ، فِي الرَّجُلِ يُلَاعِنُ امْرَأَتَهُ فَيَنْزِعُ، وَيُكَذِّبُ نَفْسَهُ بَعْدَ يَمِينِ أَوْ يَمِينَيْنِ، مَا لَمْ يَلْتَعِنْ فِي الْخَامِسَةِ: إِنَّهُ إِذَا نَزَعَ قَبْلَ أَنْ يَلْتَعِنَ جُلِدَ الْحَدَّ. وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا . أو) تزوج (الحرة النصرانية أو) الحرة (اليهودية) ففي كل من ذلك (لاَعَنَها) لأن هؤلاء من أصحاب الأيمان، واللعان أيمان، بخلاف من قال: إن اللعان شهادات، كما تقدم قريباً، فهذه الفروع كلها مبنيّة على هذا الاختلاف. (قال مالك في الرجل يلاعن امرأته فينزع) بكسر الزاي يرجع عن اللعان (ويُكَذِّب نفسه) من التكذيب (بعد يمين) مثلاً (أو يمينين ما) بمعنى ما دام (لم يلتعن في الخامسة) أي يرجع عنه قبل تكميل لعانه بالخامسة (إنه) بكسر الهمزة (إذا نزع) أي رجع عن قذفه (قبل أن يلتعن) في الخامسة (جُلد) ببناء المجهول (الحد) أي حد القذف (ولم يفرق بينهما) لأن الفرقة باللعان ولم يتحقق، قال صاحب ((المحلى)): هو قول أبي حنيفة، والشافعي. قال الباجي(١): أورد من المسألة بعضها والمتفق عليه منها، وهو أنه إذا أكذب نفسه قبل الخامسة الواقعة منه، فإنهما على نكاحهما، وإن كان هذا عنده حكم إكذابه نفسه قبل أن تأتي هي بالخامسة، وهذا المشهور من قول مالك؛ لأن مذهب مالك أنه إذا أكذب نفسه قبل تمام لعانها أن الزوجية باقية بينهما، وإنما تقع الفرقة، وتتأبد بتمام لعانها، اهـ. قال الموفق(٢): إن الرجل إذا قذف امرأته، ثم أكذب نفسه، فلها عليه الحد، سواء أكذبها قبل لعانها، أو بعده، وهذا قول الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي، ولا نعلم لهم مخالفاً، وذلك؛ لأن اللعان أقيم مقامه البينة (١) ((المنتقى)) (٨١/٤). (٢) ((المغني)) (١٥٠/١١). ٢٤٧ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٣) باب (١١٥٥) حدیث قَالَ مَالِكٌ، فِي الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ. فَإِذَا مَضَتِ الثَّلَاثَةُ الأَشْهُر قَالَتْ الْمَرْأَةُ: أَنَا حَامِلٌ. قَالَ: إِنْ أَنْكَرَ زَوْجُهَا حَمْلَهَا، لَا عَنَّهَا . في حق الزوج، فإذا أكذب نفسه بان أن لعانها كذب وزيادة في هتكها، وتكرار لقذفها، فلا أقلّ من أن يجب الحد الذي كان واجباً بالقذف المجرد. وقال أيضاً في موضع آخر: إن المرأة تحرم عليه باللعان تحريماً مؤبداً، فلا تحل له، وإن أكذب نفسه في ظاهر المذهب، ولا خلاف بين أهل العلم في أنه إذا لم يكذب نفسه لا تحلّ له إلا أن يكون قولاً شاذًّا، وأما إذا أكذب نفسه، فالذي رواه الجماعة عن أحمد: أنها لا تحلُّ له أيضاً، وجاءت الأخبار عن عمر وعلي وابن مسعود - رضي الله عنهم - أن المتلاعنين لا يجتمعان أبداً، وبه قال الحسن وعطاء والزهري ومالك والثوري والشافعي وأبو ثور وأبو يوسف . وعن أحمد رواية أخرى: إن أكذب نفسه حلت له، وعاد فراشه بحاله، وهي رواية شاذة، شذّ بها حنبل عن أصحابه، وينبغي أن يحمل هذه الرواية على ما إذا لم يفرق بينهما الحاكم، فأما مع تفريق الحاكم، فلا وجه لبقاء النكاح بحاله، ومذهب عثمان البتي أن اللعان لا يتعلق به فرقة، وعن سعيد بن المسيب: إن أكذب نفسه، فهو خاطب من الخطاب، وبه قال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن؛ لأن فرقة اللعان عندهما طلاق، وقال سعيد بن جبير: إن أكذب نفسه ردت إليه ما دامت في العدة، اهـ. (قال مالك في الرجل يطلق امرأته، فإذا مضت الثلاثة الأشهر) قال الباجي: خص الثلاثة الأشهر بذلك؛ لأنها أول المدة التي تحس المرأة فيها بالحمل، ولذلك يختص بها حكم العدة دون ما قصر عن ذلك، اهـ. (قالت المرأة: أنا حامل قال) مالك في صورة المسألة المذكورة: (إن أنكر زوجها حملها لاعنها). قال الباجي: ظاهره يقتضي تعلق هذا الحكم بمجرد قولها دون ظهور الحمل، ومعنى ذلك عندي أنه إن أنكر حملها حين ادّعت الحمل، ثبت له ٢٤٨ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٣) باب (١١٥٥) حديث قَالَ مَالِكٌ، فِي الْأَمَةِ الْمَمْلُوكَةِ يُلَاعِنُهَا زَوْجُهَا ثم يَشْتَرِيهَا: إِنَّهُ لَا يَطَؤُّهَا، وَإِنْ مَلَكَهَا. وَذُلِكَ أَنَّ السُّنَّةَ مَضَتْ، أَنَّ المُتَلَاعِنَيْنِ لَا يَتَرَاجَعَانِ أَبَداً . حكم الإنكار، وكان له أن يلاعن إذا ظهر الحمل، وإذا ولدت، وإن لم تنف الحمل حين ادعائها إياها، ثبت له حكم الإقرار به، ولم يكن له أن يلاعن بعد ذلك لظهور حمل ولا لولادة، اهـ. وتقدم الخلاف قريباً في اللعان بالحمل والمطلقة. (قال مالك في الأمة المملوكة) المتزوجة (يلاعنها زوجها ثم يشتريها) زوجها الملاعن (إنه لا يطؤها) بملك اليمين (وإن ملكها) الواو وصلية، يعني وإن تحقق، وثبت ملكها، قال الباجي(١): يريد أن كمال اللعان بينهما قد أبد تحريم الوطء، وما لا يستباح وطؤه بالزوجية، لا يستباح بملك اليمين كذوات المحارم، والنكاح أبلغ في إباحة الوطء من ملك اليمين؛ لأن مقصود النكاح الوطء، وليس مقصود الملك الوطء، فإذا لم يستبح وطء الملاعنة بالنكاح، فبأن لا يستبيح ذلك بملك اليمين أولى، اهـ. قال الموفق (٢): فإن كانت أمة فاشتراها مُلاعِنُها لم تحلّ له؛ لأن تحريمها تحريم مؤبد، فحرمت به على مشتريها كالرضاع، وهذا مذهب الشافعي، اهـ. قال صاحب ((المحلى)): أما عند أبي حنيفة فلا لعان في الأمة، اهـ. (وذلك) أي وجه عدم جواز الوطء، ولو بملك اليمين، (أن السُّنَة مضت) من الأول (أن المتلاعنين لا يتراجعان أبداً) سواء كانت التراجع بالنكاح أو بملك اليمين، وقد تقدم الكلام عليه في قول مالك: السنة، أنهما لا يتناكحان أبداً . (١) ((المنتقى)) (٨٢/٤). (٢) ((المغني)) (١٤٩/١١). ٢٤٩ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٤) باب قَالَ مَالِكٌ: إِذَا لَا عَنَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَلَيْسَ لَهَا إِلَّا نِصْفُ الصَّدَاقِ. (١٤) باب ميراث ولد الملاعنة (قال مالك: إذا لاعن الرجل امرأته قبل أن يدخل بها) أي قبل البناء (فليس لها إلا نصف الصداق) قال صاحب ((المحلى)): وهو قول أبي حنيفة والشافعي، واختلف فيه عن أحمد، اهـ. قال الباجي(١): لها نصف الصداق؛ لأن الفرقة وقعت بسبب الزوج على وجه لا يعلم به صدقه كالإعسار بالنفقة، وحكى الشيخ أبو القاسم في تفريعه: أنه لا شيء لها من الصداق، ووجه ذلك أنه فسخ قبل البناء، اهـ. قال الموفق (٢): لا فرق بين كون الزوجة مدخولاً بها، أو غير مدخول بها في أنه يلاعنها، قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه علماء الأمصار، منهم عطاء والحسن والشعبي والنخعي وعمرو بن دينار وقتادة ومالك وأهل المدينة، والثوري وأهل العراق والشافعي، فإن كانت غير مدخول بها فلها نصف الصداق؛ لأنها فرقة منه، كذلك قال الحسن وسعيد بن جبير وقتادة ومالك. وفيه رواية أخرى: لا صداق لها؛ لأن الفرقة حصلت بلعانهما جميعاً، اهـ. (١٤) ميراث ولد الملاعنة يعني حكم ميراث هذا الولد الذي لاعن فيه أبوه وأمه، وسيأتي هذه الترجمة مكررة في كتاب الفرائض بقوله: ميراث ولد الملاعنة وولد الزنا، وكرر فيها الإمام هذين الأثرين ولم يذكر غيرهما . (١) ((المنتقى)) (٨٢/٤). (٢) («المغني)) (١٢٤/١١). ٢٥٠ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٤) باب (١١٥٦) حدیث ٣٦/١١٥٦ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ يَقُولُ فِي وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ وَوَلَدِ الزِّنَا: إِنَّهُ إِذَا مَاتَ وَرِثَتْهُ أُمُّهُ حَقَّهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى. وَإِخْوَتُهُ لِأُمِّهِ حُقُوقَهُمْ. وَبَرِثُ الْبَقِيَّةَ مَوَالِي أَمِّهِ. إِنْ كَانَتْ مَوْلَاةً. وَإِنْ كَانَتْ عَرَبِيَّةً وَرِثَتْ حَقَّهَا. وَوَرِثَت إِخْوَتُهُ لِأُمِّهِ حُقُوقَهُمْ. وَكَانَ مَا بَقِيَ لِلْمُسْلِمِينَ. ٣٦/١١٥٦ - (مالك أنه بلغه أن عروة بن الزبير، كان يقول في ولد الملاعنة) بفتح العين وكسرها، وهي التي وقع اللعان بينها وبين زوجها (وولد الزنا) بالجر تحت في (إنه إذا مات) كل واحد منهما (ورثته أمه) بالرفع (حقها) بالنصب بدل من ضمير ورثته (في كتاب الله) أي في آية الميراث، وهو الثلث أو السدس في قوله عز اسمه: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَحِدٍ مِّنْهُمَا اُلسُّدُسُ مِمَّا تَرَّكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنِ لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِنَّهُ: أَبَوَهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُّ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ الشُّدُسُ﴾ وورث (إخوته لأمه حقوقهم) السدس للواحد والثلث للاثنين فصاعداً، قال تعالى: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَلَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ، أَخُ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَحِدٍ مِنْهُمَا اُلُّدُسَُّ فَإِن كَانُواْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِىِ القُّلُثِّ﴾(١) الآية. وذلك لأنه لا يبطل نسبه من جهة أمه؛ لأنه لا يحتاج في إلحاقه بها إلى عقد نكاح، فلا ينتفي عنها بلعان ولا إقرار بالزنا، بخلاف الأب نفى عنه نسبه باللعان، ولم يثبت منه في الزنا؛ لأنه لا يلحق به إلا بنكاح أو بملك يمين (ويرث البقية) بالنصب أي ما بقي من نصيب الأم والإخوة (موالي أمه) في موضع الرفع فاعل يرث (إن كانت) الأم (مولاة) أي معتقة (وإن كانت عربية) أي حرة أصلية (ورثت) الأم (حقها) بالنصب (وورث إخوته لأمه حقوقهم) كما تقدم (وكان ما بقي) بعد نصيب الأم والإخوة (للمسلمين) خبر كان أي يجعل في بيت مالهم. (١) سورة النساء: الآيتان ١١، ١٢. ٢٥١ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٤) باب (١١٥٦) حدیث قَالَ مَالِكٌ: وَبَلَغَنِي عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارِ مِثْلُ ذلِكَ. وَعَلَى ذُلِكَ أَدْرَكْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا. (قال مالك: وبلغني عن سليمان بن يسار مثل ذلك) الذي بلغني عن عروة بن الزبير. (قال مالك: وعلى ذلك أدركتُ رأي أهل العلم ببلدنا) المدينة المنورة، قال صاحب ((المحلى)): وهو قول الشافعي، وقال أبو حنيفة: للأم فرضها، والباقي يرد عليها، وإن كان معها صاحب فرض آخر يرد الفضل عليهم على قدر سهامهم ويشهد له ما رواه عبد الرزاق عن ابن مسعود: ((ميراث ولد الملاعنة كله لأمه)) ويشهد له من المرفوع ما رواه أبو داود عن واثلة بن الأسقع: ((تحوز المرأة ثلث مواريث عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعنت منه))، اهـ. وقال الموفق(١): إن الرجل إذا لا عن امرأته ونفى ولدها، وفَرَّقَ الحاكم بينهما انتفى ولدها عنه، وانقطع تعصيبه من جهة الملاعن، فلم يرثه هو ولا أحد من عصباته، وترث أمه وذوو الفروض منه فروضهم، وينقطع التوارث بين الزوجين، لا نعلم بين أهل العلم في هذه الجملة خلافاً، وإن مات أحدُهم قبل تمام اللعان وَرِثَه الآخِران في قول الجمهور، وقال الشافعي رحمه الله: إذا أكمل الزوجُ لعانَه لم يتوارثا، وقال مالك: إن مات الزوج بعد لعانه، فإن لاعنت المرأة لم ترِثْ، ولم تُحَدّ، وإن لم تُلاعِنْ ورثت وحُدَّتْ. واختلف أهل العلم في ميراث الولد المنفي باللعان، فرُوي عن أحمد فيه روايتان: إحداهما: أن عصبته عصبة أمه، نقلها الأثرم وحنبل، يروى ذلك عن علي وابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهم -، وبه قال الحسن وابن سيرين وعطاء والشعبي والنخعي والثوري، إلا أن علياً - رضي الله عنه - يجعل ذا (١) ((المغني)) (١١٤/٩ - ١١٨). ٢٥٢ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٤) باب (١١٥٦) حديث السهم من ذوي الأرحام أحقَّ ممن لا سهم له، وقدم الردّ على غيره، والرواية الثانية عن أحمد: أن أمه عصبتُه، فإن لم يكن فعصبتُها عصبته، نقله أبو الحارث، وهذا قول ابن مسعود، وروي نحوه عن علي ومكحول والشعبي. لما رُوي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ◌َّ جعل ميراث ابن الملاعنة لأمه، ولورثتها من بعدها، ورواه أيضاً مكحول عن النبي وَلـ مرسلاً، وروى واثلة بن الأسقع عن النبي وَ﴿وَ تَجُوزُ المرأةُ، الحديث، رواهن أبو داود(١)، ولأنها قامت مقام أبيه وأمه في انتسابه إليهما، فقامت مقامهما في حيازة الميراث، ولأن عصبات الأم أَدْلَوْا بها، فلم يرثوا منها كأقارب الأب معه . وكان زيد بن ثابت يُورِّث من ابن الملاعنة كما يُورِّثُ من غير ابن الملاعنة، ولا يجعلها عصبة ابنها ولا عصبتها عصبته، فإن كانت أمه مولاة لقوم جعل الباقي من ميراثها لمولاها، وإن لم تكن مولاة جعله لبيت المال، وعن ابن عباس نحوه، وبه قال سعيد بن المسيب وعروة وسليمان بن يسار وعمر بن عبد العزيز والزهري وربيعة وأبو الزناد ومالك وأهل المدينة والشافعي وأبو حنيفة وصاحباه وأهل البصرة، إلا أن أبا حنيفة وأهل البصرة جعلوا الرد وذوي الأرحام أحقَّ من بيت المال. فإذا خلف ابن الملاعنة أماً وخالاً، فلأمه الثلث بلا خلاف، والباقي لخاله؛ لأنه عصبة أمه، وعلى الرواية الثانية هو لها كله، وهذا قول علي وابن مسعود وأبي حنيفة وموافقيه، إلا أن ابن مسعود يعطيها إياه لكونها عصبة، والباقون بالرد، وعند زيد الباقي لبيت المال، فإن لم يترك ابن الملاعنة ذا سهم فالمال لعصبة أمه في قول الجماعة، وقال أبو حنيفة وأصحابه: هو بين ذوي الأرحام. (١) ((سنن أبي داود)) (١١٢/٢، ١١٣). ٢٥٣ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٥) باب (١٥) باب طلاق البكر ثم قال(١) في آخر البحث: والحكم في ميراث ولد الزنا في جميع ما ذكرناه، كالحكم في ولد الملاعنة على ما ذكرنا من الاختلاف والأقوال، إلا أن الحسن بن صالح قال: عصبة ولد الزنا سائرُ المسلمين؛ لأن أمه ليست فراشاً، بخلاف ولد الملاعنة، والجمهور على التسوية بينهما لانقطاع نسب كل واحد منهما من أبيه، إلا أن ولد الملاعنة يلحق الملاعن إذا استلحقه، وولد الزنا لا يلحقُ الزاني في قول الجمهور. وقال الحسن وابن سيرين: يلحق الواطِئَ إذا أقيم عليه الحدُّ ويرثه، وقال إبراهيم: يَلْحقُه إذا جُلِدَ الحدَّ أو ملَكَ الموطوءةَ، وقال إسحاق: يلحقه، وذكر عن عروة وسليمان بن يسار نحوه، وروى علي بن عاصم عن أبي حنيفة أنه قال: لا أرى بأساً إذا زنى الرجل بالمرأة. فحمَلَت منه أن يتزوجها مع حملها، والولد ولد له، اهـ. وقال الشيخ في ((البذل))(٢): نقل في ((البحر)) عن ((الذخيرة)): ثم إذا قطع النسب عن الأب، وألحق الولد بالأم يبقى النسب في حق سائر الأحكام من الشهادة والزكاة وعدم القصاص على الأب بقتله ونحو ذلك من الأحكام، إلا أنه لا يجري التوارث بينهما، ولا نفقة على الأب؛ لأن النفي باللعان ثبت شرعاً، بخلاف الأصل بناء على ظنه وزعمه، مع كونه مولوداً على فراشه، وقد قال النبي ◌ّيقول: ((الولد للفراش)) فلا يظهر في حق سائر الأحكام، اهـ. (١٥) طلاق البكر أي بيان طلاق الغير المدخول بها، سواء كانت بكراً أو ثيباً، إلا أن الغالب فيها أن تكون بكراً، فترجم بها، قال الموفق(٣): أجمع أهل العلم على (١) انظر: ((المغني)) (١٢٢/٩). (٢) ((بذل المجهود)) (٤٠٢/١٠). (٣) ((المغني)) (٥٤٧/١٠). ٢٥٤ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٥) باب (١١٥٧) حديث ١١٥٧/ ٣٧ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أن غير المدخول بها تبين بطلقة واحدة، ولا يستحق مُطَلِّقُها رجعتَها؛ لأن الرجعة إنما تكون في العدة، ولا عدة قبل الدخول؛ لقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ﴾(١) الآية، فتبين بمجرد الطلاق، وتصير كالمدخول بها بعد العدة لا رجعة عليها، وإن رغب مطلقها فيها فهو خاطب من الخطاب، يتزوجها برضاها بنكاح جديد، وترجع إليه بطلقتين، وإن طلقها اثنتين ترجع بطلقة بغير خلاف بين أهل العلم. وإن طلقها ثلاثاً بلفظ واحد حرمت عليه حتى تنكح زوجاً غيره في قول أكثر أهل العلم من التابعين والأئمة بعدهم، وكان عطاء وطاووس وسعيد بن جبير وأبو الشعثاء وعمرو بن دينار يقولون: من طلّق البكر ثلاثاً، فهي واحدة، وإذا قال لغير المدخول بها: أنت طالق وطالق وطالق لزمه الثلاث، وهو مثل قوله: أنت طالق ثلاثاً، وبهذا قال مالك والأوزاعي والليث وربيعة وابن أبي ليلى، وحُكي عن الشافعي في القديم ما يدل عليه، وقال الثوري وأبو حنيفة والشافعي وأبو ثور: لا يقع إلا واحدة؛ لأنه أوقع الأولى قبل الثانية، فلم يقع عليها شيء آخر، كما لو فرقها . ولنا، أن الواو تقتضي الجمع، ولا ترتيب فيها، فيكون مُوقعاً للثلاث جميعاً، فيقعن عليها كقوله: أنت طالق ثلاثاً، ويفارق ما إذا فرّقها، فإنها لا تقع جميعاً، وكذلك إذا عطف بعضها على بعض بحرف يقتضي الترتيب، فإن الأولى تقع قبل الثانية بمقتضى إيقاعه، اهـ. وحكى الباجي مذهب إبراهيم النخعي مثل الحنفية قال: وروي ذلك عن ابن عباس. ٣٧/١١٥٧ - (مالك عن) محمد بن مسلم (بن شهاب) الزهري (عن (١) سورة الأحزاب: الآية ٤٩. ٢٥٥ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٥) باب (١١٥٧) حديث مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِيَاسِ بْنِ الْبُكَيْرِ؛ أَنَّهُ قَالَ: طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ ثَلَاثاً قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا. ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَنْكِحَهَا. فَجَاءَ يَسْتَفْتِي. فَذَهَبْتُ مَعَهُ أَسْأَلُ لَهُ. فَسأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاس وَأَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ ذُلِكَ. فَقَالَا: لَا نَرَى أَنْ تَنْكِحَهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَكَ. قَالَ: فَإِنَّمَا طَلَاقِي إِيَّاهَا وَاحِدَةٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: إِنَّكَ أَرْسَلْتَ مِنْ يَدِكَ مَا كَانَ لَكَ مِنْ فَضْلٍ . محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان) القرشي العامري (عن محمد بن إياس بن البكير) بضم الموحدة وفتح الكاف، الليثي المدني، ثقة من الثالثة، أي الطبقة الوسطى من التابعين، ووهم من ذكره في الصحابة، كذا في ((التقريب))(١) (أنه قال: طَلَّق رجل امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها) أي قبل البناء بها (ثم بدا له) أي ظهر له (أن ينكحها، فجاء) الرجل المذكور (يستفتي، فذهبت) بصيغة المتكلم (معه أسأل له) عزا الزرقاني (٢) لفظ ((له)) إلى رواية، وهو موجود في جميع النسخ بأيدينا . (فسأل عبد الله بن عباس وأبا هريرة عن ذلك، فقالا: لا نرى أن تنكحها) بصيغة الخطاب (حتى تنكح) بصيغة المؤنث الغائب (زوجاً غيرك) لأن المطلقة ثلاثاً لا ترجع إلى الأول حتى تذوق عسيلة الآخر (قال) المطلق: (فإنما كان طلاقي إياها واحدة) بالرفع، هكذا في جميع النسخ المصرية، وفي الهندية: فإنما كان طلاقي واحدة، وهكذا لفظ محمد. قال الباجي(٣): يحتمل أن يريد بذلك إنما أوقعها في دفعة واحدة، وهو أن يقول لها: أنت طالق ثلاثاً، فيجمع ذلك في لفظ واحد (فقال ابن عباس: إنك أرسلت مِنْ يدك ما كان لك من فضل) أي زيادة على الواحدة بإيقاعك (١) ((تقريب التهذيب)) (١٨٢/٢). (٢) ((شرح الزرقاني)) (١٩٣/٣). (٣) ((المنتقى)) (٨٣/٣). ٢٥٦ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٥) باب (١١٥٨) حديث ٣٨/١١٥٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشِ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ يَسْأَلُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثاً، قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا. قَالَ عَطَاءٌ: فَقُلْتُ إِنَّمَا طَلَاقُ الْبِكْرِ وَاحِدَةٌ. الثلاث، فلو اكتفيت على الواحدة يبقى لك الفضل ذخيرة تستمتع بها متى شئت . قال محمد(١) بعد أثر الباب: وبهذا نأخذ، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا؛ لأنه طلّق ثلاثاً جميعاً، فوقعن عليها جميعاً معاً، ولو فرّقهن وقعت الأولى خاصة؛ لأنها بانت بها قبل أن يتكلم بالثانية، ولا عدة عليها فتقع عليها الثانية والثالثة ما دامت في العدة. ٣٨/١١٥٨ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن بكير) بضم الموحدة وفتح الكاف (ابن عبد الله بن الأشج) المدني المصري (عن النعمان بن أبي عياش) بتحتية ومعجمة الزرقي (الأنصاري) أبو سلمة المدني، كان شيخاً كبيراً من أفاضل أبناء أصحاب رسول الله وَله، من رواة الستة إلا أبا داود (عن عطاء بن يسار) الهلالي المدني (أنه قال: جاء رجل يسأل عبد الله بن عمرو بن العاص) الصحابي ابن الصحابي (عن رجل طلّق امرأته ثلاثاً قبل أن يمسها؟) أي يجامعها (قال عطاء: فقلت) لعله تعجل في الفتيا، وقد سأل السائل ابن عمرو؛ لأنه كان رأيه في ذلك مستقلاً مخالفاً للجمهور، كما عرفت من مذهبه. (إنما طلاق البكر واحدة) قال الباجي(٢): يحتمل أحد وجهين؛ إما أن (١) انظر: ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٥٤٢/٢). (٢) ((المنتقى)) (٨٣/٣). ٢٥٧ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٥) باب (١١٥٩) حديث فَقَالَ لِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: إِنَّمَا أَنْتَ قَاصٌّ. الْوَاحِدَةُ تُبِينُهَا، وَالثَّلَاثَةُ تُحَرِّمُهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ. ٣٩/١١٥٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ؛ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي عَيَّشٍ الْأَنْصَارِيِّ، أَنَّهُ كَانَ جَالِساً مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، يريد أنه لا يجوز له أن يطلق إلا واحدة، أو أنه لا يصح أن يلحقها إلا طلقة واحدة، ولا يحمل على نفي الجواز؛ لأن ذلك حكم المدخول بها أيضاً مع أن جواب عبد الله بن عمرو يمنع ذلك، فلم يبق إلا أن يريد به أنه لا تلحقها إلا طلقة واحدة، وإن أوقع الزوج عليها أكثر من ذلك، وهو المعلوم من قول عطاء، اهـ. يعني مذهب عطاء في ذلك معروف، كما تقدم. (فقال لي عبد الله بن عمرو بن العاص: إنما أنت قاص) بتشديد الصاد المهملة، يعني ليست وظيفتك الفتيا، إنما وظيفتك أن تقصّ على الناس وتعظهم دون أن تفتيهم (الواحدة تبينها) أي تجعلها بائنة، كما هو مذهب علماء الأمصار، وقد تقدم (والثلاث تحرمها) يعني يقعن عليها، فلا يجوز لها أن ترجع إليه (حتى تنكح زوجاً غيره) وتذوق عسیلته. ٣٩/١١٥٩ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن بكير بن عبد الله بن الأشج؛ أنه أخبره عن معاوية بن أبي عياش) بتحتية معجمة، الزرقي (الأنصاري) المدني أخرج حديثه أبو داود في ((سننه))، والعجب أنه لم يذكره الحافظ في ((التقريب)) ولا ((التهذيب)) ولا ((التعجيل)) ولا السيوطي في ((رجال الموطأ)) وذكر ترجمته الشيخ في ((البذل)) (١) عن ((طبقات ابن سعد)) و((رجال جامع الأصول)). (أنه كان جالساً مع عبد الله بن الزبير) الصحابي ابن الصحابي - رضي الله (١) انظر: ((بذل المجهود)) (٢٩٤/١٠). ٢٥٨ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٥) باب (١١٥٩) حدیث وَعَاصِمٍ بْنِ عُمَرَ بن الخطاب. قَالَ: فَجَاءَهُمَا مُحَمَّدُ بْنُ إِيَاسِ بْنِ الْبُكَيْرِ. فَقَالَ: إِنَّ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثاً قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا. فَمَاذَا تَرَيَانِ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: إِنَّ هُذَا الْأَمْرَ مَا لَنَا فِيهِ قَوْلٌ. فَاذْهَبْ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ. فَإِنِّي تَرَكْتُهُمَا عِنْدَ عَائِشَةَ. فَاسْأَلْهُمَا . عنه - (وعاصم بن عمر بن الخطاب) وُلد في حياة النبي وَّر ومات سنة سبعين، وقيل بعدها، كذا في ((التقريب)(١). قال الزرقاني: مات وَل﴿ وله سنتان، كذا في ((الاستيعاب))، وقال أبو أحمد العسكري: ولد في السادسة، وذكر الزبير بن بكّار أن عمر - رضي الله عنه - زوجه، وأنفق عليه شهراً، ثم قال: حسبك، وكان من أحسن الناس خلقاً، قال ابن سيرين عن رجل حدثه: ما رأيت أحداً إلا ولا بد أن يتكلم ببعض ما لا يريد إلا عاصم بن عمر، وكان طويلاً جسيماً حتى أن ذراعه يزيد على نحو شبرين، وهو جد عمر بن عبد العزيز لأمه، اهـ. (قال) معاوية: (فجاءهما محمد بن إياس بن البكير) الليثي (فقال) محمد بن إياس: (إن رجلاً من أهل البادية طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها فماذا تريان؟) أي ما رأيكما في هذه المسألة (فقال عبد الله بن الزبير: إن هذا الأمر) بالنصب بدل من اسم الإشارة، ويروى برفع الأمر على الخبر، وعلى الأول فالخبر (ما بلغ لنا فيه قول) هكذا في النسخ الهندية، وفي المصرية: ما لنا فيه قول(٢)، أي ليس عندنا فيه قول من أقوال السلف، أو ليس لنا فيه رأي محقق (فاذهب إلى عبد الله بن عباس وأبي هريرة) فإنهما من أكابر الصحابة (فإني تركتهما عند عائشة) أي هما إذ ذاك في بيت عائشة (فسلهما) بفتح السين (١) (٣٨٥/١) و((تهذيب التهذيب)) (٥٣/٥). (٢) كذا في ((الموطأ)) برواية أبي مصعب (١٦٣٠). ٢٥٩ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٥) باب (١١٥٩) حدیث ثُمَّ ائْتِنَا فَأَخْبِرْنَا فَذَهَبَ فَسَأَلَهُمَا. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: أَفْتِهِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، فَقَدْ جَاءَتْكَ مُعْضِلَةٌ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: الْوَاحِدَةُ تُبِينُهَا، وَالثَّلَاثُ تُحَرِّمُهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مِثْلَ ذُلِكَ. وسكون اللام مخفف ((فاسألهما))، وهو كذلك في نسخة (ثم ائتِنا) بصيغة الأمر (فأخبرنا) بجوابهما لنعلم نحن أيضاً بجواب المسألة. (فذهب) محمد بن إياس (فسألهما) عن ذلك (فقال ابن عباس لأبي هريرة: أفته يا أبا هريرة، فقد جاءتك معضلة) بكسر المعجمة أي شديدةٌ، قال صاحب (مختار الصحاح)): كل لحمة مجتمعة ممتلئة مكتنزة في عصبة، فهي عضلة، وداءٌ عُضَال، وأمر عضال، أي شديد أعيا الأطباء، وأعضلني فلان: أعياني أمره، وقد أعضل الأمر: اشتدّ واستغلق، وأمر معضل لا يهتدى لوجهه، والمعضلات: الشدائد، وقول ابن عباس هذا إخبار عن خفاء المسألة عليه، وتعذر الوصول إلى وجه الصواب فيه. (فقال أبو هريرة: الواحدة تُبِيْتُها) يعني إن طلقها واحدة تصير بائنة (والثلاثة تحرمها) يعني إن طلقها ثلاثة تصير محرمة عليه، فلا ترجع إليه (حتى تنكح زوجاً غيره) وتذوق عسيلته (وقال ابن عباس: مثل ذلك) أي وافق ابن عباس أبا هريرة في فتياه. قال الباجي(١): وقد روى طاووس وعطاء عن ابن عباس أنه كان يقول: هي واحدة، فلعله كان يقول بذلك حتى سمع من قول أبي هريرة ما تبيّن له الصواب فيه، فرجع إلى القول به، وقد روى محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان أن السائل عن المسألة كان رجلاً من مزينة، وأن ابن عباس قال لأبي هريرة لما أفتى بما تقدم من قوله: زَيَّنْتَها يا أبا هريرة، أو نَوَّرْتَها أو كلمة تشبهها، (١) ((المنتقى)) (٨٤/٤)، و((الاستذكار)) (٢٥٢/١٧). ٢٦٠