Indexed OCR Text
Pages 61-80
٢٨ - كتاب الطلاق (٤) باب (١١٣٢) حديث (٤) باب ما يجب فيه تطليقة واحدة من التمليك ١٢/١١٣٢ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ؛ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ جَالِساً عِنْدَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ. فَأَتَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَتِيقٍ التفويض، فإن لم ينوها عنده لزمه ما أوقعته، وكذا إن نوى ثنتين حال التفويض ناكر في الثلاثة، وبادر للمناكرة، وإلا سقط حقه، وحلف أنه نوى الواحدة عند التفويض، إلى آخر ما بسطه. قال الدسوقي: يعني أن الزوج إذا فوّض الطلاق لزوجته على سبيل التخيير قبل الدخول بها، فأوقعت أكثر من واحد، فله أن يناكرها فيما زاد عليها، بأن يقول: ما أردت إلا طلقة واحدة، وأما بعد البناء فليس له مناكرتها، وأما المُمَلَّكَةُ إذا أوقعت أكثر من طلقة واحدة، فله أن يُنَاكِرَها فيما زاد على الواحدة قبل الدخول وبعده، وقوله: بادر، هو الشرط الثاني، وقوله: حلف، هو الشرط الثالث، انتهى. وما ظهر لي من المذاهب في هذه الفروع بعد التفحص الكثير هو ذاك، واختلف نقلة المذاهب في بيان المذاهب حتى تعارضت أقوالهم. (٤) ما يجب فيه تطليقة واحدة من التمليك يعني بيان التمليك الذي يوجب طلقة واحدة. ١٢/١١٣٢ - (مالك، عن سعيد) بالتحتانية بعد العين المكسورة (ابن سليمان بن زيد بن ثابت) الأنصاري المدني قاضيها، كان فاضلاً عابداً كثير الصلاة، أكره على القضاء، مات سنة ١٣٢ هـ. (عن) عمه (خارجة بن زيد بن ثابت) الأنصاري أحد الفقهاء السبعة (أنه أخبره) أي أخبر خارجة سعيداً (أنه) أي خارجة (كان جالساً عند) والده (زيد بن ثابت) الأنصاري المدني (فأتاه محمد بن أبي عتيق) هو محمد بن عبد الله بن محمد أبي عتيق بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، مقبول، روى له البخاري وغيره. ٦١ ٢٨ - كتاب الطلاق (٤) باب (١١٣٢) حديث وَعَيْنَاهُ تَدْمَعَانِ. فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ: مَا شَأْنُكَ؟ فَقَالَ: مَلَّكْتُ امْرَأَتِي أَمْرَهَا فَفَارَ قَتْنِي. فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ: مَا حَمَلَكَ عَلَى ذُلِكَ؟ قَالَ: الْقَدَرُ. فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ: ارْتَجِعْهَا إِنْ شِئْتَ. فَإِنَّمَا هِيَ وَاحِدَةٌ. وَأَنْتَ أَمْلَكُ بِهَا . (وعيناه) أي عينا محمد (تدمعان) بفتح الميم تسيلان دموعاً من البكاء، يقتضي بما بعده فرط ندمه وتأسفه على فراق امرأته، وذلك يقتضي اعتقاد أنه لا رجعة له عليها، إما لأنه ظن أنها واحدة بائنة أو أنها ثلاث، ولو اعتقد أن له عليها الرجعة لراجعها، ولم يحتج إلى ذلك لما فعل بعدُ أمره به زيد بن ثابت وأرشده إليه، كذا في ((المنتقى)) (١). (فقال له زيد بن ثابت) لما رأى به من البكاء (ما شأنك؟) أي حالك (فقال) محمد: (ملّكت) بتشديد اللام (امرأتي أمرها) أي جعلتها مالكة أمرها (ففارقتني) فذلك الموجب لما بي من البكاء والجزع (فقال له زيد: ما حملك على هذا؟) يحتمل أنه أراد به توبيخه على ما فعل وتهديده فيه، حتى لا يأتيه مرة أخرى، ويحتمل أن يكون أراد سؤاله عن سبب هذا؛ لئلا يكون الحكم يختلف باختلاف سببه. (قال: القدر) بالرفع أي حملني عليه القدر، يعني ليس له سبب خاص (فقال له زيد: ارتجعها إن شئت فإنما هي) الطلقة التي طلقت بها نفسها (واحدة) رجعية. قيل: لعله كان مذهب زيد، قلت: لكن المعروف من مذهب زيد، كما تقدم في أول الباب الماضي، أنها إن اختارت نفسها فثلاث (وأنت أملك بها) أي أحق بها من غيرك. قال محمد في ((موطئه))(٢) بعد أثر زيد: هذا عندنا على ما نوى الزوج، فإن نوى واحدة فواحدة بائنة، وهو خاطب من الخطّاب، وإن نوى ثلاثاً فثلاث، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا . (١) (٢٠/٤). (٢) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٢/ ٥٢٢). ٦٢ ٢٨ - كتاب الطلاق (٤) باب (١١٣٣) حديث ١٣/١١٣٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَجُلاً مِنْ ثَقِيفٍ مَلَّكَ امْرَأَتَهُ أَمْرَهَا. فَقَالَتْ: وفي ((المنتقى))(١): قال مالك: لا آخذ بحديث زيد في التمليك، ولكني أرى إذا ملك امرأته أن القضاء ما قضت، إلا أن ينكر عليها، فيحلف، كما قال ابن عمر - رضي الله عنهما -، ويحتمل قول مالك هذا أن يكون علم مذهب زيد أنها لا تكون إلا واحدة، وإن أوقعت أكثر من ذلك على كل [حال]. ويحتمل أيضاً أن يكون مالك يريد بذلك، أني لا أقول بظاهر اللفظ على الإطلاق لقوله: فارقتني، والفراق عند مالك في بعض الروايات عنه يقتضي أكثر من الواحدة، والحديث يحتمل أن يكون ذكر فراقاً على غير لفظ الفراق، وأنها فارقته بطلقة واحدة، ويحتمل أنه ملكها طلقة واحدة بالتصريح، فلا يلزمه ما زادت، ولذلك قال له: ارتجعها، فيكون ذلك موافقاً لقول مالك، وإنما كان جزعه على هذا فرقاً من أن تكون واحدة بائنة، وعلم من مخالفتها له أنها إذا ملکت نفسها لم تعد إلیه، اهـ. ١٣/١١٣٣ - (مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق (أن رجلاً من ثقيف) لم يُسمّ (ملك) بتشديد اللام (امرأته أمرها فقالت) بعد التمليك معاً في هذا المجلس عند الثلاثة خلافاً لأحمد إذ لم يقيده بالمجلس، كما تقدم في آخر الباب الماضي، وقال الباجي: قد اختلف فيه قول مالك، فقوله القديم: إنما لها ذاك ما داما في المجلس، فإذا قاما قبل أن تقضي شيئاً بعد، بطل التمليك، ثم رجع عن ذلك. وقال: لها . ذلك، ولا يزيل التمليك عنها، إلا أن يمكن من الاستمتاع، أو يوقفها السلطان، فتطلق أو تردُّ، قال ابن القاسم: وقوله الأول أحبُّ إليّ، انتهى. (١) (٤ /٢٠) . ٦٣ ٢٨ - كتاب الطلاق (٤) باب (١١٣٣) حديث أَنْتَ الظَّلَاقُ. فَسَكَتَ. ثُمَّ قَالَتْ: أَنْتَ الطَّلَاقُ. فَقَالَ: بِفِيكِ الْحَجَرُ. ثُمَّ قَالَتْ: أَنْتَ الطَّلَاقُ. فَقَالَ: بِفِيكِ الْحَجَرُ. فَاخْتَصَمَا إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ. فَاسْتَحْلَفَهُ مَا مَلَّكَهَا إِلَّ وَاحِدَةً، وَرَدَّهَا إِلَيْهِ. (أنت الطلاق) وتقدم قريباً الاختلافُ في إضافة الطلاق إلى الرجل من أنها تقع عند مالك والشافعي(١) خلافاً للحنفية وأحمد (فسكت) الرجل (ثم قالت) مرة أخرى (أنت الطلاق، فقال) الرجل (بفيك) بكسر الكاف (الحجر) قال الباجي(٢): قاله في الثانية إنكاراً للطلقة الثانية، وإنما سكت في الأولى؛ لأن تمليكه يقتضيها، فلما زادت على ما اعتقد من الطلاق أنكر ذلك عليها، فهذا حكم المناكرة أن يكون متصلاً بقولها على ما يجوز أن يكون جواباً لقولها، قاله مالك في ((المبسوط)). وجه ذلك أنه إنما يخبر بإنكاره عما اعتقده حين التمليك، فلا يحتاج إلى ارتياء ولا نظر، فإذا لم يجاوبها بالإنكار وسكت فقد رضي بما أوقعته من الطلاق، أو كان سكوته بمعنى الإقرار منه أن ذلك هو الذي ملكها، فلذلك لم يجز أن يتأخر إنكاره عن قولها، ولا يدخل في ذلك من اختلاف قول مالك ما روي عنه في التمليك: لها أن تقضي بعد المجلس ما لم يوقف، أو تمكن من نفسها، انتهى. (ثم قالت) مرة ثالثة (أنت الطلاق، فقال الرجل) إذ ذاك أيضاً (بفيك الحجر، فاختصما في ذلك إلى مروان بن الحكم) الأموي أمير المدينة (فاستحلفه) مروان (ما ملّكها) بتشديد اللام (إلا واحدة و)لما حلف على ذلك (ردّها) أي مروان المرأة (إليه) حملاً ذلك على الطلقة الرجعية، كما هو مسلك الأئمة الثلاثة، قال الباجي: يريد أنها كانت رجعية، فجعل له أن يرتجعها، فتكون عنده على ما بقي من طلاقها . (١) انظر: ((الاستذكار)) (٦٦/١٧). (٢) ((المنتقى)) (٤/ ٢٣). ٦٤ ٢٨ - كتاب الطلاق (٤) باب (١١٣٣) حدیث قَالَ مَالِكٌ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمُنِ: فَكَانَ الْقَاسِمُ يُعْجِبُهِ هُذَا الْقَضَاءُ. وَيَرَاهُ أَحْسَنَ مَا سَمِعَ فِي ذُلِكَ. قَالَ مَالِكٌ: وَهُذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي ذُلِكَ، وَأَحَبُّهُ إِلَيَّ. (قال مالك: قال عبد الرحمن) بن القاسم الراوي (فكان) أبوه (القاسم) المذكور (يعجبه) بضم أوله (هذا القضاء) فاعله (ويراه أحسن ما سمع في ذلك) يعني في مسألة تمليك المرأة وقضائها بأن القضاء ما قضت إلا أن يناكرها الزوج فيحلف على المناكرة، فلا يقبل أكثر مما قضى به ونواه. (قال مالك: وهذا) المذكور (أحسن ما سمعت في ذلك، وأحبه إليّ) يعني أنا أيضاً أختار قضاء مروان هذا، وتقدم في آخر الباب الماضي اختلاف الأئمة في ذلك وبيان مختارهم، قال صاحب ((المحلى)): يعني كون القضاء ما قضت إلا أن ينكرها الزوج أحسن ما سمعت في التي يجعل أمرها، وهي المْمَلَّكَة، فلو قالت: طلقت نفسي ثلاثاً يقول: ما أردت ذلك، بل أردت تمليكي لك نفسك طلقة أو طلقتين مثلاً، فالقول له بخلاف ما لو قال: بل ما أردت بالتمليك لك شيئاً أبداً، فلا يقبل (١) قوله، بل يقع ما أوقعت، هذا في المملَّكَة، وأما المُخَيَّرة، فإذا اختارت نفسها يقع عنده ثلاث وإن أنكرها (٢) الزوج، هذا تفصيل مذهب مالك كما ذكره ابن أبي زيد. وعند أبي حنيفة(٣) يقع في ((أمرك بيدك)) على ما نوى الزوج، فإن نوى واحدة فواحدة وإن ثلاثاً فثلاث، وفي ((اختاري)) يقع واحدة بائنة وإن نوى الزوج ثلاثاً، وعند الشافعي يقع رجعية في المملكة والمخيّرة كليهما؛ وهو قول عمر وابن مسعود رضي الله عنهما، وروى الشافعي وعبد الرزاق والبيهقي عن (١) لما تقدم أنه من الكنايات الظاهرة عنده، ش. (٢) أي في المدخول بها كما تقدم. ش. (٣) انظر: ((بدائع الصنائع)) (١١٧/٣)، و((فتح القدير)) (١١٤/٣). ٦٥ ٢٨ - كتاب الطلاق (٥) باب (١١٣٤) حديث (٥) باب ما لا يبين من التمليك ١٤/١١٣٤ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ الْقَاسِم، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ؛ أَنَّها خَطَبَتْ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، قُرَيْبَةَ بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ مسروق قال: جاء رجل إلى عمر - رضي الله عنه - فقال: إني جعلت أمر امرأتي بيدها، فطلقت نفسي ثلاثاً، فقال عمر - رضي الله عنه - لابن مسعود: ما تقولُ؟ فقال: أُراه واحدة، وهو أملك، فقال عمر: وأنا أيضاً أرى ذلك، وروى عبد الرزاق عن الشعبي قال: التمليك والخيار في قول عمر وعلي وزید بن ثابت سواء، انتهى. (٥) ما لا يبين من التمليك يعني بيان التمليك الذي لا يكون موجباً للفرقة. ١٤/١١٣٤ - (مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - (عن عائشة أم المؤمنين )- رضي الله عنها - (أنها خطبت) بصيغة المعلوم من الخطبة بالكسر أي طلبت (على) أي لأخيها (عبد الرحمن بن أبي بكر) الصديق شقيق عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - (قريبة) بفتح القاف وكسر الراء وسكون التحتية بعدها موحدة، فتاء تأنيث، ويقال: بالتصغير (بنت أبي أمية) بن المغيرة المخزومية الصحابية أخت أم سلمة أم المؤمنين، وكانت موصوفة بالجمال. ووقع عند عمر بن شيبة(١) في ((كتاب مكة)): لما فتحت مكة، قال النبي ◌َّ لسعد بن عبادة لما قال: ما رأينا من نساء قريش ما كان يذكر من جمالهن: هل رأيت بنات أبي أمية؟ هل رأيت قريبة؟ الحديث. (١) هكذا في الأصل وهو تحريف والظاهر عمر بن شبّة. ٦٦ ٢٨ - كتاب الطلاق (٥) باب (١١٣٤) حديث فَزَوَّجُوهُ. ثُمَّ إِنَّهُمْ عَتَبُوا عَلَى عَبْدِ الرَّحْمُنِ، وَقَالُوا: مَا زَوَّجْنَا إِلَّا عَائِشَةَ. فَأَرْسَلَتْ عَائِشَةُ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمُنِ. فَذَكَرَتْ ذُلِكَ لَهُ فَجَعَلَ أَمْرَ قُرَيْبَةَ بِيَدِهَا. فَاخْتَارَتْ زَوْجَهَا. فَلَمْ يَكُنْ ذُلِكَ طَلَاقاً. قال ابن سعد: تزوجها عبد الرحمن بن أبي بكر، فولدت له عبد الله وأم حكيم وحفصة، ثم ساق بسند صحيح إلى ابن أبي مليكة قال: تزوج عبد الرحمن قريبة أخت أم سلمة، وكان في خُلْقه شدة، فقالت له يوماً: أما والله لقد حذرتك، قال: فأمرك بيدك، قالت: لا أختار على ابن الصديق أحداً، فأقام عليها، كذا في ((الإصابة))(١). وفي ((المحلى)) أيضاً برواية ابن سعد نحو هذه القصة، إلا أن فيها: لقد حذّروني منك، قال: فأمرك بيدك، الحديث (فزوجوه) أي زوج أولياء قريبة عبد الرحمن إياها (ثم إنهم عتبوا) أي غضبوا ووجدوا (على عبد الرحمن) في أمر فعله وخالفهم فيه، وكان في خُلْقه شدةٌ (وقالوا: ما زوّجنا إلا عائشة) يعني إنما وثقنا بفضلها، وإنما لا ترضى لنا بأذىّ، ولا تسوغ أخاها الإضرار بنا في ولیتنا . (فأرسلت عائشة) - رضي الله عنها - (إلى عبد الرحمن) من يجيء به أو يخبره بذلك (فذكرت) عائشة (ذلك) الخبر (له) أي لعبد الرحمن حضوراً أو غيبة، ولعلها أرادت أن تصرفه، وتستنزله عن المعنى الذي عتبوا عليه لأجله. (فجعل) عبد الرحمن (أمر قريبة بيدها) أي ملكها نفسها، ولعله وقع إذ ذاك ما تقدم من أنها قالت: حذّرتك، وأراد عبد الرحمن بذلك إزالة الملامة عن عائشة - رضي الله عنها -، فخيّرها على أن تبقى عنده على الأمر الذي عتبوا عليه من أجله أو تطلق نفسها إن شاءت (فاختارت) قريبة (زوجها) عبد الرحمن، وقالت: لا أختار على ابن الصديق أحداً (فلم يكن ذلك) أي اختيارها لزوجها (طلاقاً). (١) (٣٩٠/٤). ٦٧ ٢٨ - كتاب الطلاق (٥) باب (١١٣٥) حديث ١٥/١١٣٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ الْقَاسِم، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ وَجَ زَوَّجَتْ حَفْصَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، الْمُنْذِرَ بْنَ الزُّبَيْرِ. وَعَبْدُ الرَّحْمُنِ غَائِبٌ بِالشَّامِ. وتقدم في أول الباب السابق وآخره أن الأئمة الأربعة وجمهور فقهاء الأمصار على ذلك؛ خلافاً لبعض السلف إذ قالوا: إن في اختيارها لزوجها أيضاً طلاقاً رجعية أو بائنة. ١٥/١١٣٥ - (مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن عائشة زوج النبي ◌َّ﴿ زوجت) قال الباجي(١): يحتمل أمرين؛ أحدهما: أنها باشرت عقدة النكاح، ورواه ابن مزين عن عيسى بن دينار، قال: وليس عليه العمل يريد عمل أهل المدينة حين كان بها عيسى، لأن مالكاً وفقهاء المدينة لا يُجَوِّزُون نكاحاً عقدته امرأة، ويُفْسخ قبل البناء وبعده على كل حال، والوجه الثاني: أنها قدرت المهر وأحوال النكاح، وتولى العقد أحد من عصبتها، ونُسب العقد إلى عائشة لما كان تُقَرِّرُه إليها، وقد روي عن عائشة أنها كانت تُقَرِّرُ أمر النكاح، ثم تقول: اعقدوا، فإن النساء لا يعقدن، اهـ. وفي ((المحلى)): ظاهر الحديث يدل على جواز ولاية المرأة عقد النكاح، وهو قول الحنفية، وأَوَّله الشافعية على معنى أنها مهّدت أسبابه، لما أسند البيهقي عن القاسم كانت عائشة تخطب إليها المرأة من أهلها فتشهد، فإذا بقيت على النكاح، قالت لبعض أهلها: زَوِّجْ، فإن المرأة لا تلي عقد النكاح، اهـ. (حفصة بنت عبد الرحمن) بن أبي بكر الصديق من ثقات التابعين، روى لها مسلم والثلاثة غير ابن ماجه (المنذر) مفعول ثان لزوجت (ابن الزبير) بن العوام الأسدي أبو عثمان شقيق عبد الله من ثقات التابعين (وعبد الرحمن) بن أبي بكر بالرفع على الإبتداء خبره (غائب بالشام). (١) ((المنتقى)) (٢٤/٤). ٦٨ ٢٨ - كتاب الطلاق (٥) باب (١١٣٥) حديث قال الباجي(١): أما نكاح حفصة وأبوها غائب وهي بكر، فإن مذهب مالك - رضي الله عنه - أنه لا يجوز أن يعقد نكاح بكر ذات أب غير أبيها، وإن كان غائباً، إلا أن يغيب غيبة انقطاع، قال ابن حبيب عن مالك: لا ترجى رجعته، فإما أن تكون عائشة رأت غير هذا، وإما أن يكون عبد الرحمن قد وكَّلَ من يعقد هذا النكاح، فعقد على أدنى من المهر الذي كان يعتقد هو أن يبذل لمثله. ويحتمل أن يكون لم يعين الزوج وظن أنه يعدل به عن مثل المنذر إلى مثل عروة أو عبد الله ممن كان أفضل من المنذر، فلذلك أنكر أن يصنع به مثل هذا أو يُفْتات عليه، ولذلك احتاج المنذر أن يجعل الأمر بيده، ولو لم يكن النكاح لازماً لما احتاج إلى ذلك، ولو كان النكاح فاسداً لا يجوز أن يقرّ عليه . قال الباجي(٢): ويحتمل عندي أن يكون العاقد لنكاح حفصة بنت عبد الرحمن أخوه أو ابنه إن كان قائماً بأمره، ففي ((المدنية)) من رواية عيسى عن ابن القاسم في الرجل يزوج أخته البكر، وأبوه غائب، إن كان القائم بأمره، فأجازه أبوه جاز، وإن كان ثيباً جاز على كل حال، فعلى هذا إن كان عاقد نكاح حفصة ابناً لعبد الرحمن أو أخاله إن كان في حياة محمد بن أبي بكر أو غيره من عصبتها ممن كان القائم بأمره والناظر له، فإنه مما يجوز إذا أجازه عبد الرحمن، وقد قال ابن القاسم في ((المدونة)): الأخ والجد في ذلك بمنزلة الأب، قال محمد بن المواز: كما زوجت عائشة بنت أخيها فرضي بذلك، قال مالك: وذلك لمكانها من رسول الله وَلَه، وقد وكلّت عائشة رجلاً على العقد، وهذا إذا كانت بكراً، فإن كانت ثيباً، فذلك جائز، لازم، وإن لم يُجَوِّزه عبد الرحمن، اهـ مختصراً. (١) ((المنتقى)) (٢٤/٤). (٢) (٢٥/٤). ٦٩ ٢٨ - كتاب الطلاق (٥) باب (١١٣٥) حديث فَلَمَّا قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمُنِ قَالَ: وَمِثْلِي يُصْنَعُ هذَا بِهِ؟ وَمِثْلِي يُفْتَاتُ عَلَيْهِ؟ فَكَلَّمَتْ عَائِشَةُ الْمُنْذِرَ بْنَ الزُّبَيْرِ. فَقَالَ الْمُنْذِرُ: فَإِنَّ ذُلِكَ بِيَدِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمُنِ: مَا كُنْتُ لِأَرُدَّ أَمْراً قَضَيْتِيهِ. فَقَرَّتْ حَفْصَةُ عِنْدَ الْمُنْذِرِ. وَلَمْ يَكُنْ ذُلِكَ طَلَاقاً. وأوّله الزرقاني(١) بخصوصية عائشة - رضي الله عنها -، ولا إشكال على مسلك الحنفية إذا كانت بالغة، وهو الظاهر (فلما قدم عبد الرحمن) من الشام وأخبر بذلك (قال: ومثلي يصنع) ببناء المجهول (هذا به؟ ومثلي يفتات عليه؟) بضم الياء وسكون الفاء على بناء المجهول من الافتيات المأخوذ من الفوت بالفاء، قال صاحب ((المجمع)) (٢): يقال: تفوت فلان على فلان في كذا، وافتات عليه إذا تفردّ برأيه دونه في التصرف فيه، وعُدِّي بـ ((على)) لتصرف معنى التغلب، يقال لكل من أحدث شيئاً في أمرك: دونك، فقد افتات عليك فيه. (فكلمت عائشة) بالرفع (المنذر بن الزبير) بالنصب، أي أخبرته بقول أخيها وأنه سخط بذلك (فقال المنذر: فإن ذلك) أي إبقاء النكاح والطلاق (بيد عبد الرحمن) مَلَّكَه بذلك ليزيل عن عائشة لومَ عبد الرحمن. (فقال عبد الرحمن: ما كنت) بصيغة المتكلم (لأرد أمراً قضيته) بكسر التاء خطاباً لأخته عائشة، وفي نسخة قضيتيه بإثبات الياء لإشباع الكسرة، ولفظ محمد في ((موطئه))(٣) فقال عبد الرحمن: مالي رغبة عنه، ولكن مثلي ليس يفتات عليه ببناته، وما كنت لأرد أمراً قضيته (فقرت حفصة عند المنذر، ولم يكن ذلك طلاقاً) كما تقدم في الحديث السابق، وذكر الزبير بن بكّار أن المنذر فارق حفصة، فتزوجها الحسن بن علي - رضي الله عنه - فاحتال المنذر عليه (١) ((شرح الزرقاني)) (١٧٢/٣). (٢) («مجمع البحار)) (٤/ ١٨٠). (٣) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٥٢٧/٢). ٧٠ ٢٨ - كتاب الطلاق (٥) باب (١١٣٦) حديث ١٦/١١٣٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَأَبَا هُرَيْرَةَ، سُئِلَا عَنِ الرَّجُلِ، يُمَلِّكُ امْرَأَتَهُ أَمْرَهَا، فَتَرُدُّ ذُلِكَ إِلَيْهِ، وَلَا تَقْضِي فِيهِ شَيْئاً؟ فَقَالَا: لَيْسَ ذُلِكَ بِطَلَاقٍ. وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ؛ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا مَلَّكَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ أَمْرَهَا، فَلَمْ تُفَارِقْهُ، وَقَرَّتْ عِنْدَهُ، فَلَيْسَ ذُلِكَ بِطَلَاقٍ. قَالَ مَالِكٌ، فِي الْمُمَلَّكَةِ إِذَا مَلَّكَهَا زَوْجُهَا أَمْرَهَا، ثُمَّ افْتَرَقًا، وَلَمْ تَقْبَلْ مِنْ ذُلِكَ حتى طلقها، فأعادها المنذر، اهـ. والظاهر أنها غير هذه القصة، وسيأتي طلاق حفصة عن زوجها في باب الإقراء. ١٦/١١٣٦ - (مالك أنه بلغه) هكذا رواه البيهقي برواية ابن بكير عن مالك (أن عبد الله بن عمر وأبا هريرة سئلا) ببناء المجهول (عن الرجل يملك) بتشديد اللام (امرأته أمرها) مفعولان (فترد) ببناء الفاعل أي المرأة (ذلك) الاختيار (إليه) أي إلى الزوج (ولا تقضي فيه) ببناء الفاعل (شيئاً فقالا: ليس ذلك بطلاق) كما قالته فقهاء الأمصار. (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن سعيد بن المسيب أنه قال: إذا مَلَّكَ) بتشديد اللام (الرجل امرأته أمرها، فلم تفارقه) أي لم تختر نفسها ولم تقض بالطلاق (وقرت) بالقاف أي اختارت القيام (عنده، فليس ذلك بطلاق) قال الباجي(١): كرر مالك في هذه المسألة القول، وكثر من الآثار لمخالفة ربيعة في ذلك، اهـ. قلت: وبعض السلف أيضاً، كما تقدم في الباب الماضي. (قال مالك في المَمِلَّكَةِ) ببناء المفعول أي المرأة التي ملّكها زوجها أمرها (إذا ملكها زوجها أمرها، ثم افترقا) من المجلس (ولم تقبل) المرأة (من ذلك (١) ((المنتقى)) (٢٥/٤). ٧١ ٢٨ - كتاب الطلاق (٥) باب (١١٣٦) حديث شَيْئاً، فَلَيْسَ بِيَدِهَا مِنْ ذُلِكَ شَيْءٌ، وَهُوَ لَهَا مَا دَامَا فِي مَجْلِسِهِمَا . شيئاً) من الاختيار (فليس) يبقى (بيدها) بعد هذا المجلس (من ذلك) الاختيار (شيء، وهو) الاختيار (لها ما داما) أي الزوجان (في مجلسهما) الذي ملكها فيه، وبذلك قالت الحنفية والشافعية، خلافاً للإمام أحمد إذ قال: لا يتقيد الاختيار في التمليك على المجلس، وأما في التخيير فلا خلاف بينهم في التقيد بالمجلس، كما تقدم في آخر الباب الثالث. قال الباجي(١): قوله: إنهما إذا افترقا ولم تقبل فليس بيدها من ذلك شيء، هذا قوله الأول، واختاره ابن القاسم، وقد رجع عن هذا القول إلى أن لهما ذلك ويوقفها السلطان، قال أشهب: وإنما قال ذلك القول مرة، ثم رجع إلى أن لها ذلك وثبت عليه، وقد روى يحيى بن يحيى القول الأول في ((الموطأ))، وهو من آخر من روى عنه، وهذا يدل على أن مالكاً كان يترجح فيه في أوقات الفتوى وأبقى في ((موطئه)) قوله الأول، فلم يغيره، اهـ. قال الدردير(٢): رجع مالك عن قوله الأول في التخيير والتمليك المطلقين أي غير المقيدين بالزمان أو المكان، وهو أنهما يبقيان بيدها بالمجلس بقدر ما يرى أنها تختار في مثله، فإن تفرقا عنه أو خرجا عما كانا فيه إلى غيره، وإن لم يتفرقا سقط اختيارها إلى بقائهما، أي التخيير والتمليك بيدها، ولو تفرقا ما لم توقف عند حاكم، أو توطأ أو تمكن من ذلك، وأخذ ابن القاسم بسقوط خيارها بانقضاء المجلس أو الخروج عنه لكلام آخر، والراجح هو الذي أخذ به ابن القاسم، بل رجع إليه الإمام ثانياً، وبقي عليه حتى مات، فالوجه الاقتصار عليه، اهـ. وعُلِمَ منه أن الراجح في مذهب الإمام مالك أيضاً التقييد بالمجلس، وفي (١) ((المنتقى)) (٢٥/٤). (٢) ((الشرح الكبير)) (٢/ ٤١٢). ٧٢ ٢٨ - كتاب الطلاق (٥) باب (١١٣٦) حديث ((المحلى)): وبه قال أبو حنيفة: إن لها أن تطلق نفسها ما دامت في المجلس، قال في ((الهداية)): فإن قامت منه وأخذت في عمل آخر خرج الأمر من يدها؛ لأن المخيرة لها المجلس بإجماع الصحابة، وقال الزهري وقتادة ومالك في رواية والشافعي في القديم: لا يتقيد بالمجلس. وقال أحمد: لا يتقيد الأمر باليد بالمجلس، ويشهد لما قال به أبو حنيفة ومالك في ((الموطأ)) ما رواه عبد الرزاق عن ابن مسعود أنه قال: إذا ملكها أمرها فتفرقا قبل أن يقضى شيء فلا أمر لها، وما روى أيضاً عن جابر أنه قال: إذا خيّر الرجل امرأته، فلم تُخَيِّر في مجلسها ذلك، فلا خيار لها، وما روى أيضاً هو وابن أبي شيبة عن عمر وعثمان أنهما قالا: أيما رجل ملك امرأته أمرها، وخيرها، ثم افترقا من ذلك المجلس، فليس لها خيار وأمرها إلى زوجها . زاد في ((التعليق الممجد))(١): وفي الباب عن عبد الله بن عمرو بن العاص أخرجه ابن أبي شيبة، ونحوه أخرجه عن مجاهد وجابر بن زيد والشعبي والنخعي وطاووس وعطاء، قال البيهقي: وقد تعلق بعض من يجعل لها الخيار، ولو قامت من المجلس بحديث عائشة - رضي الله عنها - في ((الصحيحين)) قال رسول الله وَله: ((إني ذاكر لك أمراً فلا عليك أن لا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك))، الحديث، وهذا غير ظاهر؛ لأنه وَّ لم يخيرها في إيقاع الطلاق بنفسها، وإنما خَيَّرَها على أنها إن اختارت نفسها أخذت لها طلاقاً، كذا في ((تخريج الزيلعي)) (٢)، اهـ. وأجاب الموفق(٣) عن الحديث بأن النبي و1 جعل لها الخيار على (١) (٥٢٨/٢). (٢) ((نصب الراية)) (٢٣٠/٢). (٣) ((المغني)) (٣٨٨/١٠). ٧٣ ٢٨ - كتاب الطلاق (٦) باب (٦) باب الإيلاء التراخي، وقال ابن الهمام(١): التمسك به ضعيف، لأنه وّلو لم يكن تخييره ذلك هذا التخيير المتكلم فيه، وهي أن توقع بنفسها بل على أنها إن اختارت نفسها طلقها، ألا ترى إلى قوله تعالى في الآية التي هي سبب التخيير منه وله ﴿إِن كُتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعَكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَامًا ◌َيلًا﴾(٢)، اهـ. وقال الماوردي: اختلف هل كان التخيير بين الدنيا والآخرة أو بين الطلاق والإقامة عنده على قولين للعلماء، وأشبههما بقول الشافعي الثاني، ثم قال: إنه الصحيح، وكذا قال القرطبي، اختلف في التخيير، هل كان في البقاء والطلاق أو كان بين الدنيا والآخرة؟ قال الحافظ(٣): والذي يظهر الجمع بين القولين؛ لأن أحد الأمرين ملزوم للآخر، وكأنهن خيرن بين الدنيا فيطلقهن، وبين الآخرة فيمسكهن، ثم ظهر لي أن محل القولين هل فوض إليهن الطلاق أم لا؟ ولذا أخرج أحمد عن علي قال: لم يخير رسول الله وَالر نساءه إلا بين الدنيا والآخرة، اهـ. (٦) الإيلاء قال الراغب (٤): ألوت في الأمر: قصرت فيه، وما ألوته جهداً، أي ما أوليته تقصيراً بحسب الجهد، فجهداً تمييز، وحقيقة الإيلاء والألية: الحلف المقتضي لتقصيره في الأمر الذي يحلف عليه، وجعل الإيلاء في الشرع للحلف المانع من جماع المرأة، انتهى. (١) انظر: ((فتح القدير)) (٤١٥/٣). (٢) سورة الأحزاب: الآية ٢٨. (٣) ((فتح الباري)) (٨/ ٥٢١). (٤) ((مفردات القرآن)) (ص ٨٣). ٧٤ ٢٨ - كتاب الطلاق (٦) باب وقال عياض في ((الإكمال)): الإيلاء الحلف، وأصله الامتناع من الشيء، يقال: آلى يولي إيلاء وتألّى تأليّاً، وائتلى ائتلاء. وقال في ((تنبيهاته)): الإيلاء لغةً: الامتناع، ثم استعمل فيما إذا كان الامتناع منه لأجل اليمين، فنسبوا اليمين إليه، فصار الإيلاء الحلف، وهو في عرف الفقهاء الحلف على ترك وطء الزوجة، وشَذَّ ابن سيرين، فقال: هو الحلف على ما في تركه مساءة لها وطأً كان أو غيره كحلفه لا يكلمها . قال الزرقاني(١): وقال ابن الماجشون: الإيلاء اليمين، فمن حلف فقد آلى، قال الباجي: وهذا كما قال: إن الإيلاء في اللغة اليمين، وقال أبو إسحاق الزجاج: يقال: آليت أولى إيلاء وألِيّةً، وقال المفضل: الإيلاء اليمين، يقال: آلى يولي إيلاء، والاسم الألية، انتهى. وفي ((المحلى)): الأصل فيه قوله تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَآئِهِمْ﴾(٢) الآية، وكان طلاقاً في الجاهلية، فَغَيَّر الشارع حكمه بما ذكر في الآية، وهو حرام للإيذاء، قال الشافعي: سمعت أهل العلم بالقرآن يقول: كان أهل الجاهلية يطلقون بثلاث تطليقات الإيلاء والظهار والطلاق، فأقرّ الله تعالى الطلاق طلاقاً، وحكم في الإيلاء والظهار بما في القرآن، انتهى. قال الموفق(٣): الإيلاء في اللغة الحلف، وفي الشرع الحَلِفُ على ترك وطء المرأة، وشروط الإيلاء أربعة: أحدها: أن يحلف بالله، أو بصفة من صفاته، ولا خلاف بين أهل العلم في أن الحلف بذلك إيلاء، فإن حلف على ترك الوطء بغير هذا، مثل إن حلف بطلاق أو عتاق أو صدقة أو حج أو (١) (١٧٣/٣). (٢) سورة البقرة: الآية ٢٢٦. (٣) ((المغني)) (٥/١١ - ٦). ٧٥ ٢٨ - كتاب الطلاق (٦) باب ظهار، ففيه روايتان: إحداهما: لا يكون مولياً، وهو قول الشافعي القديم، والثانية: هو مُؤْلٍ، وروي عن ابن عباس: كل يمين منعت جماعاً فهو إيلاء، وبذلك قال الشعبي والنخعي ومالك وأهل الحجاز والثوري وأبو حنيفة وأهل العراق والشافعي وأبو ثور وأبو عبيد وغيرهم؛ لأنها يمين منعت جماعها، فكان كالحلف بالله. وقال أبو بكر: كل يمين من حرام أو غيرها يجب بها كفارة يكون الحالف بها مولياً، وأما الطلاق والعتاق فليس الحَلِفُ به إيلاء، لأنه يتعلق به حق آدمي، وما أوجب به كفارة تعلق به حق الله تعالى، والرواية الأولى هي المشهورة، والتعليق بشرط ليس بقسم، ولذا لا يؤتى فيه بحرف القسم، ولا يجاب بجوابه، ولا يذكره أهل العربية في باب القسم، فلا يكون إيلاء، وإنما يسمى حَلِفاً تجوزاً لمشاركة القسم في المعنى المشهور في القسم، وهو الحث على الفعل أو المنع منه أو توكيد الخبر، والكلام عند إطلاقه لحقيقته. ولا خلاف في أن القسم بغير الله وصفاته لا يكون إيلاء؛ لأنه لا يوجب كفارة ولا شيئاً يمنع من الوطء. الشرط الثاني: أن يحلف على ترك الوطء أكثر من أربعة أشهر، وهذا قول ابن عباس وطاووس وسعيد بن جبير ومالك والأوزاعي والشافعي وأبي ثور وأبي عبيد، وقال عطاء والثوري وأصحاب الرأي: إذا حلف على أربعة أشهر، فما زاد كان مولياً، وحكى ذلك أبو الحسين رواية عن أحمد؛ لأنه ممتنع من الوطء باليمين أربعة أشهر، وقال النخعي وقتادة وحماد وابن أبي ليلى وإسحاق: من حلف على ترك الوطء في قليل من الأوقات أو كثير، وتركها أربعة أشهر، فهو مولٍ؛ لقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسَآِهِمْ﴾ الآية، وهذا مولٍ؛ لأن الإيلاء الحلف، وهذا حالف، وزاد الباجي فيمن قال بذلك الحسن وابن سيرين . ٧٦ ٢٨ - كتاب الطلاق (٦) باب وحكى الموفق(١) عن ابن عباس أن المولي من يحلف على ترك الوطء أبداً ومطلقاً لأنه إذا حلف على ما دون ذلك أمكنه التخلص بغير حنث، ولنا، أن الأربعة الأشهر مدة تضرر المرأة بتأخير الوطء عنها، فإذا حلف على أكثر منهما كان مولياً كالأبد، وحكى الزرقاني ذلك القول عن ابن عمر - رضي الله عنهما - فقال: قال ابن عمر: كل من وقت في يمينه وقتاً، وإن طال فليس بمولٍ، إنما المولي من حلف على ترك الوطء للأبد، اهـ. قال الموفق: ودليل الوصف ما رُوي أن عمر - رضي الله عنه - كان يطوف ليلة في المدينة فسمع امرأةً تقولُ: وليس إلى جَنْبِي خَلِيلٌ أُلاعِبُه تَطاوَلَ هذا اللَّيلُ وازْوَرَّ جانِبُه لَزُعْزِعَ من هذَا السَّريرِ جوانِبُه فواللَّهِ لولا اللَّهُ لا شَيْءَ غيرُه وأُكْرِمُ بَعْلي أن تُنَال مراكِبُه مخافةُ ربِّي والحياءُ يَكُفُّنِي فسأل عمر - رضي الله عنه - نساءً: كم تصبر المرأة عن الزوج؟ فقلن: شهرين، وفي الثالث يقلُّ الصبرُ، وفي الرابع يَنفذُ، فكتب إلى أمراء الأجناد أن لا تحبِسُوا رجلاً عن امرأته أكثر من أربعة أشهر. الشرط الثالث: أن يحلف على ترك الوطء في الفَرْج، فلو قال: والله لا وَطِئْتُكِ دون الفرج لم يكن مولياً؛ لأنه لم يحلف على الوطء الذي يطالب به في الفيئة، ولا ضرر على المرأة في تركه. الرابع: أن يكون المحلوف عليها امرأته لقوله تعالى: ﴿مِنْ نِسَابِهِمْ﴾ فإن حلف على ترك وطء أمته، لم يكن مولياً، وإن حلف على ترك وطء أجنبية، ثم نكحها، لم يكن مولياً لذلك. وبه قال الشافعي وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر. وقال مالك: يصير مولياً إذا بقي من مدة يمينه أكثر من أربعة أشهر؛ لأنه ممتنع (١) ((المغني)) (٨/١١). ٧٧ ٢٨ - كتاب الطلاق (٦) باب من وطء امرأته بحكم يمينه مدة الإيلاء، فكان مولياً، كما لو حلف في الزوجية، وحكي عن أصحاب الرأي إن حلف أن لا يقربها، ثم تزوجها، لم يكن مولياً، وإن قال: إن تزوجت فلانة فوالله لا قَرَبْتُها صار مولياً؛ لأنه أضاف اليمين إلى حال الزوجية، فأشبه ما لو حلف بعد تزويجها . ويصح الإيلاء من كل زوجة مسلمة كانت أو ذمية، حرة كانت أو أمة، لعموم الآية، ويصح الإيلاء قبل الدخول وبعده، وبهذا قال النخعي ومالك والأوزاعي والشافعي، وقال عطاء والزهري والثوري: إنما يصح الإيلاء بعد الدخول . ولنا، عموم الآية، ويصح الإيلاء من كل زوج مكلف قادر على الوطء، وأما الصبي والمجنون فلا يصح إيلاؤهما؛ لأن القلم مرفوع عنهما، ويصح إيلاءُ الذميّ، ويلزمه ما يلزم المسلم إذا تقاضوا إلينا، وقال أبو حنيفة والشافعي وأبو ثور: وإن أسلم لم ينقطع حكم إيلائه، وقال مالك: إن أسلم سقط حكم يمينه، وقال أبو يوسف ومحمد: إن حلف بالله لم يكن مولياً؛ لأنه لا يحنث إذا جامع لكونه غير مكلف. وإن كانت يمينه بطلاق أو عتاق فهو مولٍ؛ لأنه يصحّ عتقه وطلاقه، ولا يُشترط في الإيلاء الغضب ولا قصد الإضرار. روي ذلك عن ابن مسعود، وبه قال الثوري والشافعي وأهل العراق وابن المنذر، ورُوي عن علي - رضي الله عنه - ليس في إصلاح إيلاءٌ، وعن ابن عباس(١): إنما الإيلاء في الغضب، ونحو ذلك عن الحسن والنخعي وقتادة، وقال مالك والأوزاعي وأبو عبيد: من حلف لا يطأ زوجته حتى تفطم ولده، لا يكون إيلاء، إذا أراد الإصلاح لولده، اهـ ملخصاً . (١) أخرجه البيهقي في باب الإيلاء في الغضب (٣٨١/٧). ٧٨ ٢٨ - كتاب الطلاق (٦) باب (١١٣٧) حديث ١٧/١١٣٧ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِذَا أَى الرَّجُلُ مِنِ امْرَأَتِهِ، وقال الدردير(١): الإيلاء يمين زوج مسلم ولو عبداً، والمراد باليمين ما يشمل الحلف بالله أو بصفة من صفاته، أو التزام نحو عتق أو صدقة، أو نذر ولو مبهماً، مكلفٍ لا صبي ومجنون، فلا ينعقد لهما إيلاء كالكافر يتصور وقاعه، وإن مريضاً على ترك وطء زوجته غير المرضعة، أما هي فلا إيلاء عليه فيها إن قصد مصلحة الولد، أو لا قصد شيئاً أكثر من أربعة أشهر، أو أكثر من شهرين للعبد، انتهى. وفي ((الدر المختار)) (٢): هو الحلف على ترك قربانها مدته ولو ذمياً، وشرط محلية المرأة بكونها منكوحة وقت تنجيز الإيلاء وأهلية الزوج للطلاق، وعندهما أهلية الكفارة، والمدة أقلها للحرة أربعة أشهر وللأمة شهران، انتهى. ١٧/١١٣٧ - (مالك، عن جعفر) الصادق (ابن محمد) الباقر (عن أبيه) الباقر بن علي بن حسين (عن علي بن أبي طالب) وفيه انقطاع؛ لأن محمد لم يُذْرك علياً - رضي الله عنه -، لكن رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن علي - رضي الله عنه _ (أنه كان يقول: إذا آلى الرجلُ من امرأته) أي حلف أن لا يقربها أربعة أشهر، أو أزيد منها على قولين للعلماء كما تقدم، وظاهر السياق الأول، إذا دار الحكم الآتي على أربعة أشهر. وقال الباجي(٣): المشهور من مذهب علي - رضي الله عنه - أن الإيلاء إنما يكون في الغضب دون الرضاء، وأنه إذا حلف في الرضاء لم يكن مولياً، والذي عليه جمهور الفقهاء أنه يكون مولياً. (١) ((الشرح الكبير)) (٤٢٦/٢). (٢) (٦٦٠/٢). (٣) ((المنتقى)) (٢٦/٤). ٧٩ ٢٨ - كتاب الطلاق (٦) باب (١١٣٧) حديث لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ طَلَاقٌ، وَإِنْ مَضَتِ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ، (لم يقع عليه طلاق) بالإيلاء (وإن مضت) مدة الإيلاء وهي (الأربعة الأشهر). وهو قول الحنفية في مدة الإيلاء، وهو رواية عن أحمد، والأخرى له، وبه قال مالك والشافعي: مدة الإيلاء أكثر من أربعة أشهر، كما تقدم قريباً في كلام الموفق. ثم قال عياض: لا خلاف في أنه لا يقع الطلاق قبل الأربعة أشهر، وأنه يسقط الطلاق إذا حنث نفسه قبل تمامها، فإن مضت فقال الكوفيون: يقع الطلاق، وروي مثله عن مالك، والمشهور عنه، وعن أصحابه، وهو قول الكافة: إنه لا يقع بمضيها، بل حتى يوقفه الحاكم، فيفيء أو يطلق عليه، فتقدير الآية عند الكوفيين: فإن فاءوا فيهن، وعند الجمهور فإن فاءوا بعدها، انتهى. قال الموفق(١): إن المولي يتربص أربعة أشهر، كما أمره الله تعالى، ولا يطالب فيهن، فإذا مضت أربعة أشهر، ورافعته امرأته إلى الحاكم وقفه وأمره بالفيئة، فإن أبى أمره بالطلاق، ولا تطلق زوجته بنفس مضي المدة. قال أحمد في الإيلاء: يوقف، عن الأكابر من أصحاب النبي وَّ؛ عن عمر - رضي الله عنه - شيء يدل على ذلك، وعن عثمان، وعلي - رضي الله عنهما -، وجعل يُثْبِتُ حديثَ علي - رضي الله عنه - وبه قال ابن عمر وعائشة، روي ذلك عن أبي الدرداء، وقال سليمان بن يسار: كان تسعة عشر رجلاً من أصحاب النبيِ وَ لِّ يُوْقِفُون في الإيلاء، وقال سهيل بن أبي صالح: سألت اثْنَى عشر من أصحاب النبي وس﴿، فكلّهم يقول: ليس عليه شيء حتى يمضي أربعة أشهر: فيوقف، فإن فاء وإلا طلّق. وبهذا قال سعيد بن المسيب وعروة ومجاهد وطاووس ومالك والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وابن المنذر. وقال ابن مسعود وابن عباس (١) ((المغني)) (٣٠/١١). ٨٠