Indexed OCR Text

Pages 581-600

٢٧ - كتاب النكاح
(٢١) باب
(١١١٠) حديث
والمزعفر في البيوت، وكرهه في المحافل، وقال ابن بطال: أجاز مالك
وجماعة لباس الثوب المزعفر للحلال، وقالوا: إنما وقع النهي عنه للمحرم
خاصة، وحمله الشافعي والكوفيون على المحرم وغير المحرم، اهـ.
وقال العيني(١): قال ابن بطال وابن التين: النهي عن تزعفر الرجل خاص
بالجسد، ومحمول على الكراهية؛ لأن تزعفر الجسد من الرفاهية التي نهى
الشارع عنها بقوله: ((البذاذة من الإيمان»، والدليل على كون النهي محمولاً
على الكراهية دون التحريم حديث أنس في قصة عبد الرحمن بن عوف، فلم
ينكر عليه النبي ﴿ ولا أمره بغسلها، فدل على أن نهيه عنه لمن لم يكن
عروساً، إنما هو محمول على الكراهة.
قال الحافظ(٢): استدل به على جواز التزعفر للعروس، وخص به عموم
النهي عن التزعفر للرجال، وتُعُقِّب باحتمال أن تكون في ثيابه دون جسده،
وهذا الجواب للمالكية على طريقتهم في جوازه في الثوب دون البدن، وفيه
حديث أبي موسى رفعه: ((لا يقبل الله صلاة رجل في جسده شيء من خلوق))،
أخرجه أبو داود، فإن مفهومه أن ما عدا الجسد لا يتناوله الوعيد، ومنع من
ذلك أبو حنيفة والشافعي ومن تبعهما في الثوب أيضاً، وتمسكوا بالأحاديث
الواردة في ذلك وهي صحيحة.
٠.
وعلى هذا فأجيب عن قصة عبد الرحمن بأجوبة:
أحدهما: أن ذلك كان قبل النهي، وهذا يحتاج إلى تاريخ، ويؤيده أن
سياق هذه القصة يشعر بأنها كانت في أوائل الهجرة، وأكثر من روى النهي
ممن تأخرت هجرته.
(١) ((عمدة القاري)) (١٥/ ٥٧).
(٢) ((فتح الباري)) (٢٣٥/٩).
٥٨١

٢٧ - كتاب النكاح
(٢١) باب
(١١١٠) حديث
ثانيهما: أن أثر الصفرة التي كانت على عبد الرحمن تعلقت به من جهة
زوجته، فكان ذلك غير مقصود له، ورجحه النووي، وعزاه للمحققين، وجعله
البيضاوي أصلاً، رد إليه أحد الاحتمالين أبداهما في قوله: ((مهيم)) فقال: معناه
ما السبب في الذي أراه عليك؟ فلذلك أجاب بأنه تزوج، قال: ويحتمل أن
يكون استفهام إنكار؛ لما تقدم من النهي عن التفتح بالخلوق، فأجاب بقوله:
تزوجت، أي فتعلق بي منها، ولم أقصد إليه.
ثالثها: أنه احتاج إلى التطيب للدخول على أهله، فلم يجد من طيب
الرجال حينئذ شيئاً، فتطيّب من طيب المرأة، وصادف أنه كان فيه صفرة،
فاستباح القليل منه عند عدم غيره جمعاً بين الدليلين، وقد ورد الأمر في
التطيب للجمعة ولو من طيب المرأة.
رابعها: كان يسيراً ولم يبق إلا أثره، فلذلك لم ينكر.
خامسها: وبه جزم الباجي أن الذي يكره من ذلك ما كان من زعفران
وغيره من أنواع الطيب، وأما ما كان ليس بطيب فهو جائز.
سادسها: أن النهي عن التزعفر للرجال ليس على التحريم بدلالة تقريره
لعبد الرحمن في هذا الحديث.
سابعها: أن العروس يستثنى من ذلك ولا سيما إذا كان شاباً، ذكر ذلك
أبو عبيد، قال: وكانوا يرخصون للشاب في ذلك أيام عرسه، قال: وقيل: كان
في أول الإسلام من تزوّج لبس ثوباً مصبوغاً علامة لزواجه ليعان على وليمة
عرسه، قال: وهذا غير معروف، هكذا في ((الفتح)).
وقال الزرقاني(١): قيل: كان من ينكح أول الإسلام يلبس ثوباً مصبوغاً
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٥٩/٣).
٥٨٢

٢٧ - كتاب النكاح
(٢١) باب
(١١١٠) حديث
فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ.
بصفرة علامة للسرور، وهذا غير معروف على أن بعضهم جعله أولى ما
قیل، اهـ.
قال الحافظ(١): وفي استفهام النبي ◌ّ﴾ له عن ذلك دلالة على أنه لا
يختص بالتزويج لكن وقع في بعض طرقه عند أبي عوانة بلفظ: فأتيت النبي ولقد
فرأى عليّ بشاشةَ العرس، فقال: أتزوجتَ؟ قلت: تزوجتُ امرأة من الأنصار،
فقد يتمسك بهذا السياق للمدعى، ولكن القصة واحدة، وفي أكثر الروايات أنه
قال له: ((مهيم)) أو ((ما هذا)) فهو المعتمد، وبشاشة العرس: حسنه، أو فرحه،
وسروره، اهـ.
قال الباجي(٢): فإن كان أثر الصفرة التي كانت لعبد الرحمن أثر صفرة
صباغ بالزعفران، فقد تقدم حكمه، وإن كان بغير ذلك من ألوان الصبغ التي لا
تعلق لها بالطيب ولا ينتفض على الجسد، كالصفرة المصبوغة بالصفر أو غير
ذلك من الأصبغة، فلا خلاف في جواز ذلك، اهـ.
(فسأله رسول الله وَ *) قال الحافظ: وفي رواية: فقال له النبي ◌َلو:
(مهيم))، ومعناه ما شأنك؟ أو ما هذا؟ وهي كلمة استفهام مبنية على السكون.
وهل هي بسيطة أو مركبة؟ قولان لأهل اللغة، وقال ابن مالك: هي اسم فعل
بمعنى أخبر، وفي رواية الطبراني: فقال له: ((مهيم))، وكانت كلمته إذا أراد أن
يسأل عن الشيء، اهـ.
قال الباجي: يحتمل أنه سأله لما رأى عليه من التجمل للعرس، ليعلم ما
سبب ذلك، وقد روي أنه رأى عليه بشاشة العرس، ويحتمل أن يرى به من
الصفرة أو الطيب على جسده ما يتعلق به المنع، إلا في عرس أو ما جرى
(١) ((فتح الباري)) (٢٣٦/٩).
(٢) ((المنتقى)) (٣٤٧/٣).
٥٨٣

٢٧ - كتاب النكاح
(٢١) باب
(١١١٠) حديث
فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ .
مجراه، فسأله عن ذلك ليعلم إن كان استباحه بوجه صحيح، فيُقِرّه عليه أو
استباحه بغير وجه، فيعلمه حكمه.
(فأخبره أنه تزوج) جزم الحافظ في ((الفتح)) بأنه مات عن أربع نسوة، وفي
(الإصابة))(١): بعثه النبي ◌َله إلى دومة الجندل وأذن له أن يتزوج بنت ملكهم
الأصبغ بن ثعلبة الكلبي، ففتح عليه، فتزوجها، وهي تماضر أم ابنه أبي سلمة،
اهـ. (امرأة من الأنصار) هكذا في النسخ الهندية. وليس هذا في النسخ
المصرية، بل عزاه الزرقاني إلى رواية فقال: زاد في رواية: امرأة من الأنصار.
قال الحافظ(٢): وهذه المرأة، أي التي في حديث الباب جزم الزبير بن
بكّار في كتاب ((النسب)) أنها بنت أبي الحيسر أنس(٣) بن رافع بن امرئ
القيس، وفي ترجمة عبد الرحمن بن عوف من طبقات ابن سعد: أنها بنت أبي
الحشاش، وساق نسبه، وأظنهما ثنتين، فإن في رواية الزبير قال: ولدت
لعبد الرحمن: القاسم وعبد الله، وفي رواية ابن سعد: ولدت له: إسماعيل
وعبد الله، وذكر ابن القداح في نسب الأوس أنها أم إياس بنت أبي الحيسر
بفتح المهملتين بينهما تحتانية ساكنة وآخره راء، اسمه أنس بن رافع
الأوسي، اهـ ..
وجزم العيني(٤) بمواضع من شرحه بأنها بنت أبي الحيسر أنس بن رافع بن
امرئ القيس الأوسي، وترجم في ((الإصابة)»(٥) أم إياس بنت أنس بن رافع بن
(١) (٣٣/٨/٤).
(٢) ((فتح الباري)) (٢٣٤/٩).
(٣) وفي ((الاستذكار)) (٣٤٠/١٦) هي بنت أنيس بن رافع إلخ.
(٤) انظر: ((عمدة القاري)) (٢٩٨/٨).
(٥) (٢١٢/٨/٤).
٥٨٤

٢٧ - كتاب النكاح
(٢١) باب
(١١١٠) حديث
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((كَمْ سُقْتَ إِلَيْهَا؟». فَقَالَ: زِنَةَ نَوَاةٍ مِنْ
ذَهَب.
امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل الأنصارية الأشهلية، وحكى فيها عن ابن
سعد: كانت زوج أبي سعد بن طلحة بن أبي طلحة، من بني عبد الدار، ثم
ترجم لأم إياس بنت أبي الحيسر الأنصارية، فقال: زوج عبد الرحمن بن عوف
التي تزوجها، فقيل له: أولم بشاة، سماها ابن القداح في أنساب الأوس، اهـ.
(فقال) له (رسول الله وَ ليقول: ((كم سقت إليها))) مهراً، وفي رواية: ((على
كم؟)) وفي أخرى: ((ما سقت إليها؟))، قال الباجي(١): يحتمل أنه سأله لما كان
المهر مقدراً عنده، فيعلم إن كان عبد الرحمن بن عوف قد بلغ المقدار، فيقرّه
عليه، أو قصر عنه، فيأمره بتصحيح ذلك، إما بإكماله أو بما يراه، ويؤيد صحة
هذا التأويل أنه سأله عن المقدار، فقال: كم سقت إليها؟ ولم يسأله عن
الجنس، اهـ. قلت: هذا على المشهور من الرواية، وإلا فقد عرفت رواية ((ما
سقت)) .
(فقال: زنة) بكسر الزاي، أي وزن (نواة) قال الحافظ: بنصب النون على
تقدير فعل أي أصدقتها، ويجوز الرفع على تقدير مبتدأ، أي الذي أصدقتها هو
(من ذهب) هكذا في أكثر الروايات، كما بسطت في ((الفتح))، وروي ((على نواةٍ
من ذهبٍ))، ورجحه الداودي، واستنكر رواية من روی ((وزن نواة)).
قال الحافظ(٢): واستنكاره هو المنكر؛ لأن الذين جزموا بذلك أئمة
حفاظ، قال عياض: لا وهم في الرواية؛ لأنها إن كانت نواة تمر أو غيره، أو
كان للنواة قدر معلوم صلح أن يقال في كل ذلك: وزن نواة.
واختلف في المراد بقوله: (نواة))، فقيل: المراد واحدة تمر، كما يوزن
(١) ((المنتقى)) (٣٤٧/٣).
(٢) ((فتح الباري)) (٢٣٤/٩).
٥٨٥

٢٧ - كتاب النكاح
(٢١) باب
(١١١٠) حديث
بنوى الخروب، وأن القيمة عنها يومئذٍ كانت خمسة دراهم، وقيل: كان قيمتها
ربع دينار، ورُدَّ بأن نوى التمر يختلف في الوزن، فكيف يجعل معياراً لما يوزن
به، وقيل: لفظ النواة من ذهب عبارة عما قيمته خمسة دراهم من الورق،
وجزم به الخطابي، واختاره الأزهري، ونقله عياض عن أكثر العلماء.
ويؤيده ما في رواية للبيهقي: ((وزن نواة من ذهب قُوِّمَت خمس دراهم))،
وقيل: وزنها من الذهب خمسة دراهم، حكاه ابن قتيبة وجزم به ابن فارس،
وجعله البيضاوي الظاهر، واستبعد، لأنه يستلزم أن يكون ثلاثة مثاقيل ونصفاً،
وفي رواية للبيهقي: ((قُوِّمَت ثلاثة دراهم وثلثاً))، وإسناده ضعيف، لكن جزم به
أحمد، وقيل: ثلاثة ونصف، وقيل: ثلاثة وربع، وعن بعض المالكية النواة
عند أهل المدينة ربع دينار.
ويؤيده ما في ((أوسط الطبراني)) في آخر حديث، قال أنس: جاء وزنها
ربع دينار، وقال الشافعي: النواة ربع النش، والنش نصف أوقية، والأوقية
أربعون درهماً، وكذا قال أبو عبيد: إن عبد الرحمن بن عوف دفع خمسة
دراهم، وهي تسمى نواة، كما تسمى الأربعون أوقية، وبه جزم أبو عوانة
وآخرون، اهـ.
قال الزواوي: قوله: ((من ذهب)) يبعد أن تكون خمسة دراهم فضة إلا أن
يكون التقدير صرف زنة نواة من ذهب، ويكون زنتها حينئذ من الذهب صرفها
خمسة دراهم، وذلك غير بعيد، فإن الصرف كان في زمانهم عشرة دراهم
بدينار، ويصح حمل الحديث على ظاهره بأنه أصدقها ذهباً زنته نواة، والنواة
وزن معروف، هو خمسة دراهم فضة، وذلك ثمن أوقية، لأنها أربعون درهماً،
ولا مانع من ذلك مع أنه ظاهر الحديث، ولا يحتاج إلى ذكر الصرف ولا
التأويل.
٥٨٦

٢٧ - كتاب النكاح
(٢١) باب
(١١١٠) حديث
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَه:
قال الزرقاني(١): وهو حسن، وقال الطيبي وابن دقيق العيد: في المعنى
قولان: أحدهما: أن الصداق ذهب وزنه خمسة دراهم، فيكون ثلاثة مثاقيل
ونصف، والثاني: أنه دراهم خمسة بوزن نواة من ذهب، قال الطيبي: وهذا
بعيد من اللفظ، اهـ.
قال ابن التركماني: ذكر الخطابي (٢) أن النواة اسم لِقَدْرٍ معروف عندهم،
وفسروها بخمسة دراهم من ذهب، وقال عياض: كذا فسرها أكثر العلماء،
وقال النووي(٣): هو الصحيح.
وفي ((الاستذكار))(٤): أكثر أهل العلم يقولون: وزنها خمسة دراهم،
فظاهره أنه تزوج بأكثر من ثلاثة مثاقيل من ذهب، وأخرج البيهقي عن حجّاج
عن قتادة عن أنس، قال: قُوِّمَتْ يعني النواة بثلاثة دراهم وثلث. وحجاج بن
أرطاة ضعيف، وقتادة مدلس وقد عنعن، ولذا قال أبو عمر: هذا حديث لا
تقوم به حجة لضعف إسناده، وعن أحمد بن حنبل قال: وزن النواة ثلاثة دراهم
وثلث، فعلى هذا إن كان الحديث ثابتاً يحتمل أن يراد قطعة ذهب زنتها ثلاثة
دراهم وثلث.
وقال النووي: أنكر القاضي عياض على من احتجّ به على أقل المهر،
قال: لأنه قال: من ذهب، وذلك يزيد على دينارين، وحكى الهروي عن أبي
عبيد أنه أنكر على من يقول: لم يكن ثم ذهب، اهـ.
(فقال له رسول الله وَطير:) زاد في رواية: ((بارك الله لك)) قبل قوله:
(١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (١٦٠/٣).
(٢) انظر: ((معالم السنن)) (١٦٣/٢).
(٣) ((شرح مسلم للنووي)) (٢١٦/٩/٥).
(٤) (١٦/ ٣٤٠).
٥٨٧

٢٧ - كتاب النكاح
(٢١) باب
(١١١٠) حديث
((أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ)).
أخرجه البخاريّ في: ٦٧ - كتاب النكاح، ٥٤ - باب الصفرة للمتزوج.
ومسلم في: ١٦ - كتاب النكاح، ١٢ - باب الصداق وكونه تعليم قرآن وخاتم
حديد، حديث ٧٩ - ٨٣.
((أولم)) زاد في بعض الروايات في آخر الحديث، قال عبد الرحمن: فلقد رأيتني
لو رفعت حجراً لرجوت أن أصيب ذهباً أو فضة، فكأنه قال ذلك إشارة إلى
إجابة الدعوة النبوية بأن يبارك الله له (أولم) بالوجوب عند الظاهرية وغيرهم،
والندب عند الجمهور، كما تقدم (ولو بشاة) قال الحافظ: ليست لو هذه
الامتناعية، وإنما هي التي للتقليل.
قال الباجي(١): قوله: ولو بشاة، وإن كان يقتضي التقليل، إلا أنه ليس
بحدِّ لأقل الوليمة، فإنه لا حدّ لأقلها، وإنما ذلك على حسب الوجود، ولعل
ذلك كان أقل ما رآه* في حال عبد الرحمن بن عوف، وفي مثل ذلك
الوقت .
قلت: وذلك لكثرة مال عبد الرحمن بن عوف، فإنه - رضي الله عنه -
تصدّق على عهد رسول الله وَ له بشطر ماله، ثم تصدق بعدُ بأربعين ألف دينار،
ثم حمل على خمسمائة فرس في سبيل الله وخمسمائة راحلة، كما في
((الإصابة)).
قال الحافظ في ((الفتح))(٢): مات عن أربع نسوة، وقسم لكل امرأة من
نسائه بعد موته مائة ألف، فيكون جميع تركته ثلاثة آلاف ألف ومائتي ألف
(٣.٢٠٠.٠٠٠) وهذا بالنسبة لتركة الزبير التي في فرض الخمس من ((البخاري))
قليل جداً، فيحتمل أن تكون هذه دنانير، وتلك دراهم، لأن كثرة مال
عبد الرحمن بن عوف مشهورة جداً، اهـ.
(١) ((المنتقى)) (٣٤٨/٣).
(٢) «فتح الباري)) (٢٣٥/٩).
٥٨٨

٢٧ - كتاب النكاح
(٢١) باب
(١١١١) حديث
٤٨/١١١١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّهُ
قَالَ: لَقَدْ بَلَغَنِى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ كَانَ يُولِمُ بِالْوَلِيمَةِ،
قلت: وهو المتعين عندي لتصريح الدراهم في بعض روايات تركة الزبير،
وقد أوصى عبد الرحمن بن عوف لكل من شهد بدراً بأربعمائة دينار، فكأنه
مائة رجل، كذا في ((الإصابة))، وهذا القدر من الوصية لا يمكن أن يخرج من
تركته إذا كانت دراهم.
قال الحافظ (١): واستدل به على أن الشاة أقل ما تجزئ عن الموسر،
ولولا ثبوت أنه وهو أولم على بعض نسائه بأقل من الشاة لكان يمكن أن يستدل
به على أن الشاة أقل ما تجزئ في الوليمة، ومع ذلك فلا بد من تقييده بالقادر
عليها، ويستفاد من السياق طلب تكثير الوليمة لمن يقدر، قال عياض:
وأجمعوا على أن لا حدَّ لأكثرها، وأما أقلها فكذلك، ومهما تيسر أجزأ،
والمستحب أنها على قدر حال الزوج، اهـ.
وقال الموفق(٢): يستحب أن يولم بشاة إن أمكنه ذلك لحديث الباب،
وقال أنس: ما أولم النبي ◌َّ على شيء من نسائه ما أولم على زينب، أولم
بشاة، لفظ البخاري، فإن أولم بغير هذا جاز، فقد أولم النبي وَلّ على صفية
بحيس، وأولم على بعض نسائه بمدين من شعير، رواه البخاري، اهـ.
٤٨/١١١١ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (أنه قال: لقد بلغني)
وصله النسائي وقاسم بن أصبغ من طريق سعيد بن عفير، عن سليمان بن بلال،
عن يحيى بن سعيد، عن حميد، عن أنس، وزاد: قلت: بأيّ شيء يا أبا
حمزة؟ قال: تمر وسويق، كذا في ((التنوير))(٣) (أن رسول الله وَلّ كان يولم
بالوليمة) أي على بعض نسائه، والظاهر عندي أنها وليمة صفية - رضي الله
(١) ((فتح الباري)) (٢٣٥/٩).
(٢) («المغني)) (١٩٢/١٠).
(٣) ((تنوير الحوالك)) (ص٤٣٩).
٥٨٩

٢٧ - كتاب النكاح
(٢١) باب
(١١١١) حديث
مَا فِيهَا خُبْزٌ وَلَا لَحْمٌ.
عنها - كما سيأتي من روايات البيهقي (ما فيها خبز ولا لحم) لفظ ((ما)) نافية أي
لم يكن فيها شيء من الخبز واللحم، بل يولم بالتمر والسويق ونحوهما.
وأخرج البيهقي(١) بسنده إلى محمد بن جعفر عن حميد عن أنس يقول:
أقام رسول الله وَله بين خيبر والمدينة ثلاث ليال يبني عليه بصفية، فدعوت
المسلمين إلى وليمة رسول الله و ﴿ ما كان فيها خبز ولا لحم، وما كان إلا أن
أمر بالأنطاع فبُسِطَتْ، وألقى عليها التمر والأقط والسمن، الحديث، رواه
البخاري في ((الصحيح)) عن سعيد بن أبي مريم، وأخرجاه من حديث
عبد العزيز بن صهيب عن أنس كذلك في التمر والأقط والسمن، وقال:
((فحاسوا حيساً))، وكذلك في رواية حماد عن ثابت عن أنس، وفي رواية
سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس السويق بدل الأقط.
ثم أخرج من طريق عبد العزيز عن أنس في هذه القصة في شأن صفية،
وفيها: فأصبح النبي وَ ل﴿ عروساً، فقال: ((من كان عنده شيء فليجئ به))، قال:
وبسط نطعاً، فجعل الرجل يجيء بالأقط، وجعل الرجل يجيء بالتمر، وجعل
الرجل يجيء بالسمن، فحاسوا حيساً، وكانت وليمة رسول الله وَلقوله، رواه
الشيخان عن إسماعيل بن علية.
ثم أخرج بطريق آخر عن ثابت عن أنس في هذه القصة بلفظ: فقال من
كان عنده فضلُ زاد فليأتِنا به، قال: فجعل الرجل يجيء بفضل التمر وفضل
السويق وفضل السمن، حتى جعلوا سواد حيس، فجعلوا يأكلون ويشربون من
ماء السماء إلى جنبهم، قال: وكانت تلك وليمة النبي وَلر على صفية، وكان
أنس يقول: لقد رأينا لرسول الله وَ ل وليمة ليس فيها خبز ولا لحم، ثم يذكر
هذا الحديث، رواه مسلم في ((الصحيح))(٢).
(١) ((السنن الكبرى)) (٢٥٩/٧).
(٢) ((صحيح مسلم)) (١٣٦٥).
٥٩٠

٢٧ - كتاب النكاح
(٢١) باب
(١١١٢) حديث
٤٩/١١١٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ
عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ ه قَالَ: ((إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى وَلِيمَةٍ فَلْيَأْتِهَا)).
أخرجه البخاري في: ٦٧ - كتاب النكاح، ٧١ - باب حق إجابة الوليمة
والدعوة.
ومسلم في: ١٦ - كتاب النكاح، ١٥ - باب الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة،
حديث ٩٦.
وقال الحافظ(١): أما ما أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) من طريق شريك
عن حميد عن أنس قال: أولم رسول الله وَليم على أم سلمة بتمر وسمن، فهو
وهم من شريك؛ لأنه كان سيء الحفظ، أو من الراوي عنه، وهو جندل بن
والق، فإن مسلماً ضَعَّفه، وقَوَّاه غيرُه، وإنما المحفوظ من حديث حميد عن
أنس أن ذلك في قصة صفية، كذلك أخرجه النسائي من رواية سليمان وغيره
عن حميد إلى آخر ما قاله، واختار في وليمة أم سلمة ما رواه البخاري عن
صفية بنت شيبة، قالت: أولمَ النبي ◌ّ على بعض نسائه بمدين من شعير،
فقال فيه الحافظ: أقرب ما يفسر به أم سلمة.
٤٩/١١١٢ - (مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما -
(أن رسول الله وَلّر قال: ((إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها))) قال الباجي(٢):
اختلف الرواة في لفظ هذا الحديث، وتابع مالكاً على هذا اللفظ عبيد الله بن
عمر، وروى موسى بن عقبة عن نافع: ((أجيبوا الدعوة إذا دعيتم)) وروى معمر
عن أيوب عن نافع: ((إذا دعا أحدكم أخاه فليجب عرساً كان أو غيره)) وتابعه
الزبيدي عن نافع، قلت: وروى عبيد الله عن نافع عند مسلم: ((إذا دُعي أحدكم
إلى وليمة عرس فليجبه)).
قال: وعلى حسب هذا اختلف الفقهاء في الحكم، فروى ابن القاسم عن
(١) ((فتح الباري)) (٢٤٠/٩).
(٢) ((المنتقى)) (٣٤٩/٣).
٥٩١

٢٧ - كتاب النكاح
(٢١) باب
(١١١٢) حديث
مالك في ((المدنية)): إنما هذا في طعام العرس، وليس طعام الإملاك مثله.
قال الزرقاني(١): والمراد وليمة العرس، كما حمله مالك في ((المدونة))
وغيره؛ لأنها المعهودة عندهم، قال الباجي: والذي عندي أن الإملاك حين
العقد، وأن العرس حين البناء، وهذا الذي يلزم إتيانها لما في وليمة العرس
من إشهاره، وروى ابن المواز عن مالك أنه قال: الوليمة التي يجب أن تؤتى
وليمة النكاح، وما سمعت أنه يجب أن يؤتى غيرها من الأصنعة، وأرى أن
تجاب الدعوة إلا من عذر، هذا المشهور من مذهب مالك وأصحابه، وروى
ابن حبيب عن مالك أنه قال: ليس ذلك عليه حتماً وليس بفريضة، وأحبُّ إليّ
أن يأتي، فإن اشتغل فلا إثم عليه لحمله على الندب.
قال الزرقاني(٢): كره مالك لأهل الفضل الإجابة لكل طعام دُعي إليه،
فتأوّله بعضُهم على غير الوليمة وتأوّله غيره على غير طعام السرور كختان
وإملاك.
قال الباجي(٣): الطعام على ثلاثة أضرب: طعام العرس وهو الذي يجب
إتيانه، والثاني: طعام له سبب معتاد، كالطعام للمولود والختان، وما جرى
مجرى ذلك، فإن ذلك ليس بواجب ولا مكروه، وعلى رأي الشيخ أبي محمد
مكروه، والثالث: الطعام الذي لا سبب له، فهذا الذي يستحب لأهل الفضل
الترفع عن الإجابة إليه؛ ويكره التسرع إليه لأن ذلك إنما هو على وجه التفضل
على من يُدْعی إلیه، اهـ.
وهل يجب أن يأتيها كلما دُعي؟ ظاهر كلامهم أن المأمور المؤكد مرة
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٦١/٣).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (١٦١/٣).
(٣) ((المنتقى)) (٣٤٩/٣).
٥٩٢

٢٧ - كتاب النكاح
(٢١) باب
(١١١٢) حديث
واحدة، قال الموفق(١): إذا صنعت الوليمة أكثر من يوم جاز، فقد روى
الخلال بإسناده عن أُبَيِّ أنه أعرس، ودعا الأنصار ثمانية أيام، وإذا دعي في
اليوم الأول وجبت الإجابة، وفي اليوم الثاني لا تستحب، قال أحمد: الأول
يجب، والثاني إن أحبّ، والثالث لا، وهكذا مذهب الشافعي، وقد روي عن
النبي ◌ّ﴿ أنه قال: ((الوليمة أول يوم حق، والثاني معروف، والثالث رياء
وسمعة))، رواه أبو داود وغيره، ودُعي سعيد إلى وليمة مرتين فأجاب، فدُعي
الثالثة فَحَصبَ الرسول، رواه أبو داود(٢)، اهـ.
قال الباجي(٣): الذي أبيح من الوليمة ما جرت به العادة من غير سرف
ولا سمعة ورياء، والمعتاد منها يوم واحد، وقد أبيح أكثر من يوم، وروي أن
اليوم الثاني فضل، والثالث سمعة، وأجاب الحسن رجلاً دعاه في اليوم الأول
والثاني، ثم دعاه في اليوم الثالث فلم يجبه، وروي عن ابن المسيب مثله، وقد
أولم ابن سيرين ثمانية أيام، ودعا في بعضها أبي بن كعب، وقال ابن حبيب:
فمن وسّع الله عليه فليولم من يوم ابتنائه إلى مثله.
ووجه ذلك أن يريد به الإشهار لنكاحه والتوسعة على الناس، ولا يقصد
به المباهاة والسمعة، وقال ابن حبيب: يكره أن يكون استدامته أياماً، وأما أن
يدعو في اليوم الثالث من لم يكن دعاه أو من دعاه مرة فذلك سائغ، ومعنى
ذلك أنه لم يقصد بتكرار الأيام الاستيعاب، اهـ.
وترجم البخاري في ((صحيحه)): ((باب حق إجابة الوليمة والدعوة ومن
أولم سبعة أيام ونحوه، ولم يوقت النبي ◌ِّر يوماً ولا يومين))، قال الحافظ(٤):
(١) («المغني)) (١٩٤/١٠).
(٢) ((سنن أبي داود)) (٣٧٤٥).
(٣) ((المنتقى)) (٣٤٨/٣).
(٤) ((فتح الباري)) (٢٤٢/٩).
٥٩٣

٢٧ - كتاب النكاح
(٢١) باب
(١١١٢) حديث
أشار إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق حفصة بنت سيرين قالت: لما تزوج
أبي دعا الصحابة سبعة أيام. فلما كان يوم الأنصار دعا أبي بن كعب وزيد بن
ثابت وغيرهما، فكان أبي صائماً (١)، الحديث.
وأخرجه البيهقي من وجه آخر أتم سياقاً منه، وأخرجه عبد الرزاق من
وجه آخر إلى حفصة، وقال فيه ثمانية أيام، وإليه أشار المصنف بقوله: ونحوه؛
لأن القصة واحدة، وهذا وإن لم يذكره المصنف، لكنه جنح إلى ترجيحه
لإطلاق الأمر بإجابة الدعوة بغير تقييد.
وأفصح بمراده في ((تاريخه)) فإنه أورد في ترجمة زهير بن عثمان الحديث
الذي رواه أبو داود والنسائي من قوله وسلم: ((الوليمة أول يوم حق، والثاني
معروف، والثالث رياء وسمعة))، قال البخاري: لا يصح إسناده، ولا يصح له
صحبة يعني لزهير، وقال ابن عمر وغيره عن النبي ◌َّ: ((إذا دُعي أحدكم إلى
الوليمة فليجب)) ولم يخص ثلاثة أيام وغيرها، وهذا أصح، اهـ.
وأخرج أبو يعلى بسند حسن عن أنس قال: تزوج النبي ◌َّ صفية وجعل
الوليمة ثلاثة أيام، الحديث، وقد وجدنا لحديث زهير بن عثمان شواهد
فذكرها، ثم قال: وهذه الأحاديث وإن كان كل منها لا يخلو عن مقال،
فمجموعها يدل على أن للحديث أصلاً، وفي أبي داود والدارمي في آخر
حديث زهير عن ابن المسيب، أنه أجاب أول يوم وثاني يوم ولم يجب ثالث
يوم، وقال: أهل رياء وسمعة، فكأنه بلغه الحديث، فعمل بظاهره إن ثبت،
وقد عمل به الشافعية والحنابلة.
قال النووي(٢): إذا أولم ثلاثاً، فالإجابة في اليوم الثالث مكروهة، وفي
(١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٤٠٣/٣).
(٢) انظر: ((شرح صحيح مسلم)) (٢٣٤/٩/٥).
٥٩٤

٢٧ - كتاب النكاح
(٢١) باب
(١١١٣) حدیث
٥٠/١١١٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ
الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ:
الثاني لا تجب قطعاً، ولا يكون استحبابها فيه كاستحبابها في اليوم الأول،
وحكى صاحب ((التعجيز)) في وجوبها في اليوم الثاني وجهين، وقال في
((شرحه)): وأصحها الوجوب، وبه قطع الجرجاني بوصفه أنه معروف وسنة،
واعتبر الحنابلة الوجوب في اليوم الأول، وأما الثاني فقالوا: سنة تمسكاً بظاهر
لفظ حديث ابن مسعود، وفيه بحث.
وأما الكراهة في اليوم الثالث، فأطلقه بعضهم لظاهر الخبر، وقال
العمراني: إنما تكره إذا كان المدعو في الثالث هو المدعو في الأول، وكذا
صوره الروياني. واستبعده بعض المتأخرين، وليس ببعيد؛ لأن إطلاق كونه رياء
وسمعة يُشعر بأن ذلك صُنِعَ للمباهاة. وإذا كثر الناس فدعا في كل يوم فرقة لم
يكن في ذلك مباهاة، وإلى ما جنح إليه البخاري ذهب المالكية، قال عياض:
استحب أصحابنا لأهل السعة كونها أسبوعاً، قال: وقال بعضهم: محله إذا دعا
في كل يوم من لم يدع قبله، ولم يكرر عليهم، وهذا شبيه بما تقدم عن
الروياني، اهـ.
٥٠/١١١٣ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن الأعرج عن أبي هريرة
أنه كان يقول) رواه مسلم(١) موقوفاً هكذا ومرفوعاً إلى رسول الله وَالت، وقال
ابن عبد البر: هذا حديث مسند عندهم، يقول أبو هريرة: فقد عصى الله
ورسوله، وجُلُّ رواة مالك لم يصرحوا برفعه، ورواه روح بن القاسم عنه
مصرحاً برفعه، وكذا أخرجه الدارقطني في ((الغرائب)) من طريق آخر عن مالك،
كذا في ((التنوير))(٢).
(١) أخرجه مسلم في النكاح ١١٠ - (١٤٣٢) - باب الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة، والبيهقي
في («السنن الكبرى» (٢٦٢/٧).
(٢) ((تنوير الحوالك)) (ص ٤٤٠).
٥٩٥

٢٧ - كتاب النكاح
(٢١) باب
(١١١٣) حديث
شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ. يُدْعَى لَهَا الْأَغْنِيَاءُ. وَيُتْرَكُ الْمَسَاكِينُ.
وَمَنْ لَمْ يَأْتِ الدَّعْوَةَ
قال الحافظ(١): أخرجه الدارقطني في ((الغرائب)) من طريق إسماعيل بن
مسلمة بن قعنب عن مالك، أي مصرحاً برفعه إلى النبي وَّر، وذكره البخاري
برواية عبد الله بن يوسف عن مالك موقوفاً، قال الحافظ: أوله موقوف، وآخره
يقتضي رفعه، ولذا أدخله الأئمة في مسانيدهم، ثم بسط الكلام على من رفعه
ومن وقفه .
(شر الطعام طعام الوليمة، يُذْعى لها الأغنياء ويُتْرك المساكين) قال
البيضاوي: أي من شر الطعام، فإن من الطعام ما يكون شراً منه وإنما سماه
شراً؛ لقوله: ((يدعى له)) إلخ، فكأنه قال: شر الطعام طعام الوليمة التي من
شأنها هذا، فاللفظ وإن أطلق، فالمراد به التقييد بما ذكر عقيبه، وكيف يريد به
الإطلاق، وقد أمر باتخاذ الوليمة وإجابة الداعي إليها ورتب العصيان على
تر کها .
وقال الطيبي: اللام في الوليمة للعهد الخارجي، وكان من عادتهم مراعاة
الأغنياء فيها، وتخصيصهم بالدعوة وإيثارهم وتطييب الطعام لهم وتقديمهم وغير
ذلك مما هو الغالب في الولائم، وقوله: ((يدعى)) إلخ استئناف بيان لكونها شر
الطعام، وعلى هذا لا يحتاج إلى تقدير، كذا في ((المرقاة))(٢).
قال الزرقاني(٣): ويترك الفقراء حالٌ والعامل يدعى، أي يدعى لها
الأغنياء، والحال أنه يترك الفقراء، اهـ.
(ومن لم يأت) وفي بعض الطرق: ((ومن ترك)) (الدعوة) بفتح الدال على
(١) ((فتح الباري)) (٢٤٤/٩).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٥٣/٦).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (١٦٢/٣).
٥٩٦

٢٧ - كتاب النكاح
(٢١) باب
(١١١٣) حديث
فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
أخرجه البخاريّ في: ٦٧ - كتاب النكاح، ٧٢ - باب من ترك الدعوة فقد
عصى الله ورسوله.
ومسلم في: ١٦ - كتاب النكاح، ١٥ - باب الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة،
حديث ١٠٧.
المشهور، وهي أعمُّ من الوليمة؛ لأنها خاص بالعرس، كما تقدم عن جمهور
أهل اللغة، والمراد ههنا عند الجمهور دعوة الوليمة خاصة لترتب العصيان على
تركها، وهي الواجب عند الجمهور، (فقد عصى الله ورسوله)، وإنما عصى الله
لأن من خالف أمر رسول الله فقد خالف أمر الله، قال القاري: واستدل به من
قال بوجوب الإجابة، والجمهور حملوه على تأكيد الاستحباب، اهـ.
قال الحافظ(١): والذي يظهر أن اللام في الدعوة للعهد من الوليمة
المذكورة أولاً، وقوله: ((ومن ترك الدعوة)) إلى آخره حال، والعامل يدعى أي
يدعى الأغنياء، والحال أن الإجابة واجبة، فيكون دعاؤه سبباً لأكل المدعو شر
الطعام، ويشهد له ما ذكره ابن بطال أن ابن حبيب روى عن أبي هريرة أنه كان .
يقول: أنتم العاصون في الدعوة، تَدْعون من لا يأتي، وتَدَعون من يأتي، يعني
بالأول الأغنياء، وبالثاني الفقراء، قال ابن مسعود: إذا خُصَّ الغني وترك الفقير
أمرنا أن لا نجيب.
وقال ابن بطال: إذا مَيَّز الداعي بين الأغنياء والفقراء فأطعم كلاً على
حدة، لم يكن به بأس وقد فعله ابن عمر - رضي الله عنهما -، اهـ.
وقال الباجي(٢): قوله: شر الطعام إلخ، يريد أنه طعام مخصوص بقصد
مذموم، يقل معه الأجر على كثرة ما فيه من الإنفاق، وذلك إنما يصنع ليدعى
(١) ((فتح الباري)) (٢٤٥/٩).
(٢) ((المنتقى)) (٣٤٩/٣).
٥٩٧

٢٧ - كتاب النكاح
(٢١) باب
(١١١٤) حديث
١١١٤/ ٥١ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْن
أَبي طَلْحَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنِ مَالِكٍ يَقُولُ: إِنَّ خَيَّاطاً دَعَا
رَسُولَ اللَّهِ وَلَّ لِطَعَامِ صَنَعَهُ.
له الأغنياء دون المساكين، فكان ذلك مما يجعله شرَّ الطعام، لأن خير الطعام
وأكثره أجراً ما يُدعى إليه المساكين لحاجتهم إليه، وقد روى ابن حبيب أن ابن
عمر - رضي الله عنهما - دعا في وليمته الأغنياء والفقراء، فقال ابن عمر
للفقراء: لا تفسدوا عليهم ثيابهم، فإنا نطعمكم مما يأكلون، اهـ.
وقال النووي: بَيَّن الحديث وجه كونه شر الطعام، وليس فيه ما يدل على
حرمة الأكل، إذ لم يقل أحد بحرمة الإجابة، وإنما هو من باب ترك الأولى
كخبر: ((خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها))، ولم يقل أحد بحرمة الصلاة
في الصف الأخير، والقصد من الحديث الحث على دعوة الفقير.
وفي ((المحلى)): قال ابن الملك: قوله: شر الطعام يقتضي عدم الأكل،
لا عدم الإجابة، فلا يُنَافي وجوبها، وقال الطيبي: حاصله أن الإجابة واجبة
فيجيب، ويأكل شر الطعام، والذي أطلقه الشافعية عدم الوجوب إذا خص
الأغنياء.
٥١/١١١٤ - (مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع) عمه
أخا أبيه لأمه (أنس بن مالك) - رضي الله عنه - (يقول: إن خياطاً) بفتح الخاء
المعجمة وتشديد التحتية، قال الحافظ: لم أقف على اسمه، لكن في رواية
ثمامة عن أنس أنه كان غلام النبي ◌َّ، وفي لفظ: أن مولى له خيّاطاً (دعا
رسول الله ير لطعام صنعه)، وفي النسخ الهندية (للطعام)) بالتعريف، وكان ذاك
الطعام ثريداً، قاله الحافظ(١).
والأوجه عندي أنه كان فيه مع الثريد خبزاً ومرقاً فيه دباء وقديد، وقد
(١) «فتح الباري)) (٥٢٥/٥).
٥٩٨

٢٧ - كتاب النكاح
(٢١) باب
(١١١٤) حديث
قَالَ أَنَسٌ: فَذَهَبْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ إِلَى ذَلِكَ الطَّعَامِ.
أفرد البخاري في كتاب الأطعمة لكل واحدة منها ترجمة مستقلة، وهي المرق
والدباء والثريد والقديد، وأورد في باب المرق(١) بلفظ: فقرّب خبز شعير ومرقاً
فيه دباء وقديد، الحدیث.
قال الباجي(٢): أدخل مالك هذا الحديث في باب الوليمة، وليس في
ظاهر هذا الحديث ما يدل على أن الطعام طعام وليمة ولا غيرها، ولكنه لما
احتمل الأمرين، وكان من مذهبه أنه يكره لذي الفضل والهيبة إجابة طعام صُنع
لغير سبب أدخل هذا في الوليمة، إما لأنه ثبت عنده أنه كان في وليمة، أو لأنه
يصح أن يكون طعام وليمة، فيمنع بذلك احتجاج من يوجب إجابة غير طعام
الوليمة بهذا الحديث؛ لأنه إذا احتمل الوجهين لم يجز أن يحتجّ به على
أحدهما، ويحتمل أن يكون فعل ذلك النبي ود لّ لضرورة وحاجة إلى الطعام،
فقد أجاب جماعة من أصحابه كجابر بن عبد الله وأبي طلحة لمثل هذا.
ويحتمل أيضاً أن يكون قد علم من تعظيم الصحابة له، وتبركهم بأكله
طعامهم. ودخوله منازلهم ما علم به أنه إذا امتنع من ذلك شقّ عليهم، فكان
يستألفهم، ويُطَيِّبُ نفوسهم بذلك، وقد روي أن هذا الخياط كان غلامه وَظله
فعلى هذا يرتفع الإشكال؛ لأن طعام غلامه له استباحة بالانتزاع، والأكل وجه
من الانتزاع، اهـ.
(قال أنس: فذهبت مع رسول الله وَ﴿ إلى ذلك الطعام) قال الباجي(٣):
يحتمل أن يكون الخيّاطُ أباح ذلك لأنس أو من شاءه النبي وَّل، ويحتمل أن
يكون ذلك مباحاً لما علم أنه يرضى بذلك، ولا يكرهه، ولو لم يعلم ذلك لردّه
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٩/ ٥٦١ - ٥٦٣).
(٢) (المنتقى)) (٣٥٠/٣).
(٣) ((المنتقى)) (٣٥١/٣).
٥٩٩

٢٧ - كتاب النكاح
(٢١) باب
(١١١٤) حديث
فَقَرَّبَ إِلَيْهِ خُبْزاً مِنْ شَعِيرِ، وَمَرَقاً فِيهِ دُبَّاءُ.
أو استأذنه في أمره، كما روي عنه ◌َ القول أنه قال لرجل دعاه خامس خمسة،
فتبعهم رجل آخر، فقال ◌َ﴿ للذي دعاه: إن هذا تبعنا، فإما أن تأذن له. وإما
أن یرجع، فأذن له، اهـ.
قلت: والحديث أخرجه البخاري بمواضع من كتابه، منها في باب:
((الرجل يدعى إلى طعام فيقول: وهذا معي)) (١) ولعل الباجي احتاج إلى توجيه
ذلك لما روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - مرفوعاً: ((من دخل بغير دعوة
دخل سارقاً وخرج مغيراً)) أخرجه أبو داود(٢)، وهو وإن كان ضعيفاً لكن معناه
مؤيد بالنصوص.
وبسط الحافظ الكلام على من تطفل في الدعوة في شرح باب («الرجل
يتكلف الطعام لإخوانه))(٣) وظاهر حديث الباب أن أنساً ذهب معه وَضئيلة، وقال
الحافظ(٤): ولابن ماجه(٥) بسند صحيح عن حميد عن أنس قال: ((بعثت معي
أم سليم بمكتل فيه رطب إلى رسول الله بَ ل فلم أجده، وخرج قريباً إلى مولى
له، فدعاه فصنع له طعاماً فأتيته وهو يأكل، فدعاني فأكلت معه، قال: وصنع
له ثريدة بلحم وقرع، فإذا هو يعجبه القرع، فجعلت أجمعه فأدنيه منه»
الحديث، ويجمع بين قوله: ((فلم أجده)) وبين حديث الباب بأنه أطلق المعية
باعتبار ما آل إليه الحال، ويحتمل تعدد القصة على بُعْدٍ، اهـ.
(فقرّب) بتشديد الراء أي الخياط (إليه) وَل﴿ر (خبزاً من شعير، ومَرَقاً فيه
دُبَّاء)، قال الحافظ: بضم الدال المهملة وتشديد الموحدة ممدود، ويجوز
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٥٨٣/٩).
(٢) ((سنن أبي داود)) (٣٧٤١).
(٣) انظر: ((فتح الباري)) (٥٥٩/٩).
(٤) (فتح الباري)) (٥٢٥/٩).
(٥) ((سنن ابن ماجه)) (٣٣٠٣).
٦٠٠