Indexed OCR Text

Pages 561-580

٢٧ - كتاب النكاح
(٢٠) باب
(١١٠٨) حديث
النبي ◌َّ رَدّ زينب ابنته إلى أبي العاص بنكاح جديد، وقد روي هذا عن غيره،
وهذا أقرب وأشبه، ولو ثبت ما روي عن ابن عباس أنه رَدَّها عليه بالنكاح
الأول لاحتمل أن يُراد به على مثل الصداق الأول، وقال الزهري: كان ذلك
قبل أن تنزل الفرائض، وقال قتادة: كان ذلك قبل أن تنزل سورة براءة بقطع
العهود بين المشركين والمسلمين.
ويحتمل أنها لم تكن استكملت ثلاث حيض، ويحتمل أن يكون حكمها
منسوخاً، وثبت النسخ بالإجماع على أنها إذا انقضت عدتها، فقد بانت منه، اهـ.
قال الحافظ(١): وممن نقل الإجماع على ذلك ابن عبد البر، وأشار إلى
أن بعض أهل الظاهر قال بجوازه، وردّه بالإجماع المذكور، وتعقب بثبوت
الخلاف فيه قديماً، وهو منقول عن علي وعن إبراهيم النخعي، أخرجه ابن أبي
شيبة عنهما بطرق قوية، وبه أفتى حماد شيخ أبي حنيفة، وأجاب الخطابي عن
الإشكال بأن بقاء العدة في تلك المدة ممكن وإن لم تجر العادة به، لا سيما
إذا كانت المدة هي سنتان وأشهر، فإن الحيض قد يُبْطئ عن ذوات الأقراء
لعارض علة أحياناً، وبحاصل هذا أجاب البيهقي، وهو أولى ما يعتمد به في
ذلك.
وحكى الترمذي في (العلل المفرد)) عن البخاري أن حديث ابن عباس
أصح من حديث عمرو بن شعيب، وعلته تدليس حجاج بن أرطاة، وله علة
أشدّ من ذلك، وهي ما ذكره أبو عبيد في كتاب النكاح عن يحيى القطان، أن
حجّاجاً لم يسمعه من عمرو بن شعيب، وإنما حمله عن العزرمي، والعزرمي
ضعيف جداً، وكذا قال أحمد بعد تخريجه قال: والعزرمي لا يساوي شيئاً،
قال: والصحيح أنهما أُقرّا على النكاح الأول إلى آخر ما بسطه الحافظ.
(١) ((فتح الباري)) (٤٢٣/٩).
٥٦١

٢٧ - كتاب النكاح
(٢٠) باب
(١١٠٨) حديث
وأما تباين الدارين، ففي ((الهداية))(١): إذا خرج أحد الزوجين إلينا من
دار الحرب مسلماً وقعت البينونة بينهما، وقال الشافعي: لا تقع، ولو سبي
أحد الزوجين وقعت البينونة بينهما، وإن سبيا معاً لم تقع، وقال الشافعي:
وقعت، والحاصل أن السبب هو التباين دون السبي عندنا، وهو يقول بعكسه.
قال ابن الهمام(٢): وقوله قول مالك وأحمد ويتفرع عليه أربع صور:
وفاقيتان، وهما: لو خرج الزوجان إلينا معاً ذميين أو مسلمين أو مستأمنين لا
تقع الفرقة اتفاقاً، ولو سبي أحدهما تقع الفرقة عنده للسبي، وعندنا للتباين،
وخلافيتان: إحداهما: ما إذا خرج أحدهما إلينا مسلماً أو ذمياً أو مستأمناً، ثم
أسلم عندنا تقع، وعنده لا تقع الفرقة بينه وبين زوجته التي في دار الحرب، إلا
في المرأة تخرج مراغمة لزوجها، أي بقصد الاستيلاء على حقه، فتبين عنده
بالمراغمة، والأخرى: ما إذا سبي الزوجان معاً، فعنده تقع الفرقة، وللسابي
أن يطأها بعد الاستبراء.
وعندنا لا تقع لعدم تباين الدارين، واستدل له بأن أبا سفيان أسلم في
معسكر رسول الله وَ ﴿ بمَرِّ الظهران حين أتى به العباس وزوجته هند بمكة،
وهي دار حرب إذ ذاك، ولم يأمرهما رسول الله و 18 بتجديد نكاحهما، ولما
فتحت مكة هرب عكرمة بن أبي جهل وحكيم بن حزام حتى أسلمت امرأةٌ كلٍ
منهما، وأخذت الأمان لزوجها، وذهبت فجاءت به، ولم يجدد نكاحهما،
وتباين الدار بين أبي العاص وزوجته زينب بنت رسول الله وَ لقد أظهر وأشهر،
فإنها هاجرت إلى المدينة، وتركته بمكة على شركه، ثم جاء وأسلم بعد سنتين،
وقيل: ثلاث، وقيل: ست، وقيل: ثمان، فردّها عليه بالنكاح الأول، اهـ.
(١) (٢١٤/١) .
(٢) ((فتح القدير)) (٢٩١/٣).
٥٦٢

٢٧ - كتاب النكاح
(٢٠) باب
(١١٠٨) حديث
وبنحو ذلك استدل الإمام الشافعي - رحمه الله - في ((الأم))، كما في
((المحلى)) أنه أسلم أبو سفيان بمرو (١)، وهي دار لخزاعة، وهي دار الإسلام
وامرأته هند كافرة بمكة، ثم أسلمت هند في العدة، ثم أسلم أهل مكة وصار
دار الإسلام وأسلمت امرأة صفوان وامرأة عكرمة، وهما في دار الإسلام،
وهرب زوجاهما إلى ناحية البحر واليمن، وهي دار الكفر، ثم رجعا
وأزواجهما في العدة، فأقرهم النبي ◌َّر على النكاح الأول، اهـ.
وأجاب عنه ابن الهمام(٢) بأن ما استدل به من قصة أبي سفيان، فالحق
أن أبا سفيان لم يكن حسن الإسلام يومئذ، بل ولا بعد الفتح، وهو شاهد
حنيناً على ما تفيده السير الصحيحة من قوله: حين انهزم المسلمون، لا ترجع
هزيمتهم إلى البحر، وما نقل أن الأزلام حينئذ كانت معه، وغير ذلك مما
يشهد بما ذكرنا مما نقل من كلامه بمكة قبل الخروج إلى هوزان بحنين، وإنما
حسن إسلامه بعد ذلك.
وأما عكرمة وحكيم، فإنما هربا إلى الساحل، وهو من حدود مكة، فلم
تتباين دارهم، قلت: وكذلك صفوان بن أمية أدركه وهب، وهو يريد أن يركب
البحر، كما تقدم، قال: وأما أبو العاص، فإنما ردها عليه بَلّ بنكاح جديد،
والجمع إذا أمكن أولى من إهدار أحدهما، وهو بحمل قوله على النكاح الأول
على معنى بسببه مراعاة لحرمته، وهو تأويل حسن، وما ذكرناه مثبت، وعلى
النكاح الأول نافٍ؛ لأنه مبقٍ على الأصل.
وأيضاً يقطع بأن الفرقة وقعت بين زينب وبين أبي العاص بمدة تزيد على
عشر سنين، فإنها أسلمت بمكة في ابتداء الدعوة حين دعا ◌َ﴿ زوجته خديجة
(١) هكذا في الأصل والظاهر بمرِّ الظهران كما في ((فتح القدير)) (٢٩٢/٣).
(٢) انظر: ((فتح القدير)) (٢٩٣/٣).
٥٦٣

٢٧ - كتاب النكاح
(٢٠) باب
(١١٠٨) حديث
وبناته، ولقد انقضت المدة التي تبين بها في دار الحرب مراراً وولدت، وروي
أنها كانت حاملاً، فأسقطت حين خرجت مهاجرة إلى المدينة، وروعها هبار بن
الأسود بالرمح، واستمرّ أبو العاص على شركه إلى ما قبيل الفتح، فخرج تاجراً
إلى الشام، فأخذت سرية المسلمين ماله، وأعجزهم هرباً، فدخل بليلٍ على
زينب فأجارته، ثم كلم رسولُ اللهَ وَّ السرية، فردّوا إليه ماله، فاحتمل إلى
مكة فأدى الودائع، فأسلم وخرج حتى قدم على رسول الله وله.
وما ذكر في الروايات من قولهم: وذلك بعد ست سنين أو ثمان أو
ثلاث، فإنما ذلك من حين فارقته بالأبدان، وذلك بعد غزوة بدر، وأما
البينونة، فقبل ذلك بكثير؛ لأنها إن وقعت من حين آمنت، فهو قريب من
عشرين سنة، وإن وقعت من حين نزلت ﴿وَلَا تُنْكِحُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ الآية، وهي
مكية، فأكثر من عشر، اهـ.
وفي ((المحلى)): لا يصح الاستدلال بهذه القصة لواحد من الفريقين، فإنه
كان قدوم أبي العاص بعد انقضاء العدة بلا خلاف.
وفي ((البذل))(١): قال شمس الأئمة في ((المبسوط)): قال الزهري: إن دار
الإسلام إنما تميزت من دار الحرب بعد فتح مكة، فلم توجد تباين الدارين
يومئذ، اهـ. وبسط الكلام على حديث ابن عباس صاحب ((الجوهر النقي))،
وحكى عن صاحب ((التمهيد)» أن حديث ابن عباس إن صح فهو متروك منسوخ
عند الجميع؛ لأنهم لا يجيزون الرجوع بعد العدة، وإسلام زينب كان قبل أن
ينزل كثير من الفرائض (٢).
واستدل الجصاص(٣) لوقوع الفرقة باختلاف الدارين بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ
(١) ((بذل المجهود)) (٣٧٤/١٠).
(٢) انظر: ((الاستذكار)) (٣٢٦/١٦).
(٣) ((أحكام القرآن)) (٤٣٨/٣).
٥٦٤

٢٧ - كتاب النكاح
(٢٠) باب
(١١٠٩) حديث
٤٦/١١٠٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ أُمَّ
حَكِيمٍ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامِ،
عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَتٍ فَلَ نَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ الآية، فقال: في الآية ضروب من الدلالة
لذلك من قوله: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُغَارِ﴾ ولو كانت الزوجية باقية، لكان الزوج
أولى بها، بأن يكون معه حيث أراد، ويدل أيضاً قوله: ﴿لَا هُنَّ ◌ِلٌّ لَّمْ وَلَ هُمْ
يَحِلُونَ لَهُنَّ﴾ وقوله: ﴿وَءَاثُوهُم مَّا أَنْفَقُواْ﴾ يدل عليه أيضاً؛ لأنه أمر بردّ مهرها على
الزوج، ولو كانت الزوجية باقية لما استحق الزوج ردّ المهر، ويدل عليه أيضاً
قوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ﴾ ولو كان النكاح الأول باقياً لما جاز لها أن
يتزوج، اهـ.
واستدل لذلك صاحب ((المحلى)) بما روي أنها جاءت سبيعة الأسلمية
بعد الفراغ من الكتاب بالحديبية، فأقبل زوجها السائب المخزومي أو صيفي بن
راهب، وكان كافراً، فقال: يا محمد! اردد علي امرأتي، فإنك شرطت لنا أن
تردّ علينا من أتاك منّا، وهذه طينة الكتاب لم تجفّ بعد. فأنزل الله تبارك
وتعالى بياناً لكون هذا الشرط في الرجال، فأعطى النبي وَلّ زوجها ما أنفق
عليها من المهر، وتزوجها عمر، اهـ.
٤٦/١١٠٩ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (أن أم حكيم بنت الحارث بن
هشام) بن المغيرة المخزومية حضرت يوم أحد كافرة، ثم أسلمت في الفتح،
وزوجها عكرمة فَرَّ إلى اليمن، فتوجهت إليه بإذن من النبي بَّ فحضر معها
وأسلم، ثم خرجت معه إلى غزوة الروم، فاستشهد، فتزوجها خالد بن سعد بن
العاص، فلما أراد خالد أن يدخل بها، قالت: لو تأخرت حتى يهزم الله هذه
الجموع؟ فقال: إن نفسي تحدثني أني أقتل، قالت: فدونك، فأعرس بها عند
القنطرة، فعُرِفَتْ بقنطرة أم الحكيم، ثم أصبح فأولموا عليها، فما فرغ من
الطعام حتى وافتهم الروم، ووقع القتال، فاستشهد خالد، وشدّت أم حكيم
عليها ثيابها، وتَبَدّت وعليها أثر الخلوق، فاقتتلوا على النهر، فقتلت أم حكيم
يومئذ بعمود الفسطاط الذي أعرس بها خالد فيه سبعة من الروم.
٥٦٥

٢٧ - كتاب النكاح
(٢٠) باب
(١١٠٩) حدیث
وَكَانَتْ تَحْتَ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ. فَأَسْلَمَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ. وَهَرَبَ
زَوْجُهَا عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ مِنَ الْإِسْلَامِ. حَتَّى قَدِمَّ الْيَمَنَ.
فَارْتَحَلَتْ أُمُّ حَكِيمٍ.
(وكانت تحت) ابن عمها (عكرمة (١) بن أبي جهل) عمرو بن هشام بن
المغيرة القرشي المخزومي كان كأبيه من أشد الناس على رسول الله وَ له، ولما
كان يوم الفتح آمن رسول الله وَ ﴿ الناس إلا نفراً من الرجال والنساء، منهم
عكرمة، فهرب وركب البحر، فأصابهم عاصف، فقال أصحاب السفينة:
أخلصوا فإن آلهتكم لا تُغني عنكم ههنا شيئاً، فقال عكرمة: والله لئن لم ينجني
في البحر إلا الإخلاص لا ينجيني في البر غيره، اللّهم إن لك علي عهداً إن
عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمداً حتى أضع يدي في يده، فلأجدنه عفواً
كريماً، قال: فجاء وأسلم، أخرجه ابن مردويه والدارقطني والحاكم(٢) عن
سعد بن أبي وقاص.
وروي عن أم سلمة قالت: قال رسول الله وَ له: ((رأيت لأبي جهل عذقاً
في الجنة))، فلما أسلم عكرمة، قال: ((يا أم سلمة هذا هو))، ثم خرج إلى
المدينة، فقال النبي وَله يوم مجيئه: ((مرحباً بالراكب المهاجر))، ثم خرج إلى
قتال أهل الردة، ووجّهه أبو بكر الصديق إلى جيش نعمان، فظهر عليهم، ثم
إلى اليمن، ثم رجع، فخرج إلى الجهاد عام وفاته، فاستشهد بالشام في خلافة
الصديق على الصحيح كما في ((التقريب))(٣).
(فأسلمت يوم الفتح، وهرب زوجها عكرمة بن أبي جهل من الإسلام)
إصراراً منه على الكفر (حتى قدم اليمن) فيه تجوُّز، فإنه لم يصل إليها، بل
ركب البحر لقصد اليمن، كما سيأتي (فارتحلت أم حكيم) بعد استئمانها عن
(١) انظر: ((تاريخ الخميس)) (٩١/٢).
(٢) ((المستدرك)) (٢٤٢/٣).
(٣) (ص٣٩٦).
٥٦٦

٢٧ - كتاب النكاح
(٢٠) باب
(١١٠٩) حديث
حَتَّى قَدِمَتْ عَلَيْهِ بِالْيَمَنِ. فَدَعَتْهُ إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ. وَقَدِمَ عَلَى
رَسُولِ اللَّهِ وَ لَ عَامَ الْفَتْحِ. فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ وَثَبَ إِلَيْهِ فَرِحَاً.
وَمَا عَلَيْهِ رِدَاءٌ.
رسول الله ◌َ﴾ عليه (حتى قدمت عليه باليمن) أي بناحيتها (فدعته إلى الإسلام)
بعد ما دعته إلى الرجوع إلى رسول الله وَ ليل (فأسلم) عكرمة (وقدم) مع زوجته
(على رسول الله وَ ط#) وهو بمكة (عام الفتح).
وروى البيهقي عن الزهري والواقدي عن شيوخه أن امرأته قالت: يا
رسول الله، قد ذهب عنك عكرمة إلى اليمن، وخاف أن تقتله فآمِنْه، قال:
هو آمن، فخرجت في طلبه، فأدركته، وركب سفينة، ونوتي(١) يقول له:
أخلص أخلص، قال: ما أقول؟ قال: قل: لا إله إلا الله، قال: ما هربت
إلا من هذا، وإن هذا أمر تعرفه العرب والعجم، حتى النواتي، ما الدين
إلا ما جاء به محمد، غَيَّر اللَّهُ ما في قلبي. وجاءت أم حكيم تقول: يا
ابن عم، جئتك من عند أبرِّ الناس وأوصل الناس وخير الناس، لا تهلك
نفسك، إني قد استأمنت لك رسول الله وَل﴾، فرجع معها وجعل يطلب
جماعها، فتأبي وتقول: أنت كافر وأنا مسلمة، فقال: إن أمراً منعك مني
لأمر كبير، فلما وافى مكة قال ◌َله لأصحابه: ((يأتيكم عكرمة مؤمناً فلا
تسبوا أباه، فإن سب الميت يؤذي الحي)).
وعند البيهقي عن الزهري: فوقف بين يديه ومعه زوجته متنقبة، فقال: إن
هذه أخبرتني أنك آمنتني، فقال ◌َّه: ((صدقت فأنت آمن))، قال: إلام تدعو؟
قال: ((أدعو إلى أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي
الزكاة)) وكذا حتى عَدّ خصال الإسلام، الحديث، وفيه: فأسلم (فلما رآه
رسول الله (بَل#) مقبلاً (وثب إليه) بمثلثة فموحدة، قام بسرعة (فرحاً) بقدومه بفتح
الراء وكسرها (وما عليه رداء) أي سقط رداؤه وَله لاستعجاله بالقيام حين رآه.
(١) نوتي: الملاح في البحر، جمعه نواتي.
٥٦٧

٢٧ - كتاب النكاح
(٢٠) باب
(١١٠٩) حديث
حَتَّى بَايَعَهُ. فَثَبَتَا عَلَى نِكَاحِهِمَا
وذلك من حرصه مَ لّ على دخول الناس في الإسلام، لا سيما من كان
من عظماء الناس وأعيانهم كعكرمة في قومه، فإنه كان من سروات بني مخزوم
وعظمائهم، وبهذا وصف الله عز وجل نبيه، فقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ
أَنْفُسِكُمْ﴾(١) الآية، ولم يحمله عداوته وعداوة أبيه على أن لا ينتقم منه.
وروى الترمذي والحاكم عن عكرمة قال: قال لي النبي 3 18 يوم جئت
مهاجراً: ((مرحباً بالراكب المهاجر، مرحباً بالراكب المهاجر)) (حتى بايعه) وَل ـ
وأخرج الحاكم(٢)، قال عكرمة: لما انتهيت إلى رسول الله وَ ل﴿ قلتُ: يا
محمد! إن هذه أخبرتني أنك آمنتني، فقال رسول الله وَلّ: ((أنت آمن))، فقلت:
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنت عبد الله ورسوله، وأنت أبر
الناس، وأصدق الناس، وأوفى الناس، قال عكرمة: أقول ذلك وإني لمطأطئ
رأسي استحياءً منه.
ثم قلت: يا رسول الله: استغفر لي كل عداوة، عاديتكها، أو موكب
أوضعت فيه أريد فيه إظهار الشرك، فقال رسول الله وَله: ((اللّهم اغفر لعكرمة
كل عداوة، عادانيها، أو موكب أوضع فيه يريد أن يصد عن سبيلك))، قلت: يا
رسول الله: مرني بخير ما تعلم، فأعلمه، ((قل: أشهد أن لا إله إلا الله وأن
محمداً عبده ورسوله، وتجاهد في سبيله))، قال عكرمة: أما والله يا رسول الله!
لا أدع نفقة كنت أنفقتها في الصد عن سبيل الله إلا أنفقت ضعفها في سبيل الله،
ولا قاتلت قتالاً في الصدّ عن سبيل الله إلا أبليت ضَعفه في سبيل الله، ثم
اجتهد في القتال حتى قُتِلَ يوم أجنادين شهيداً في خلافة أبي بكر.
(فثبتا) أي عكرمة وزوجته أم حكيم (على نكاحهما) بتثنية الضمير في
(١) سورة التوبة: الآية ١٢٨.
(٢) ((المستدرك)) (٢٤٢/٣).
٥٦٨

٢٧ - كتاب النكاح
(٢٠) باب
(١١٠٩) حديث
ذلِكَ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا أَسْلَمَ الرَّجُلُ قَبْلَ امْرَأَتِهِ. وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ
بَيْنَهُمَا .
النسخ المصرية، وهو أوجه من لفظ ((نكاحها)) بتأنيث الضمير في النسخ الهندية
(ذلك) لأن زوجها أسلم في العدة، ولم يتحقق تباين داريهما .
قال ابن التركماني (١): وامرأة عكرمة خرجت عقيب خروجه، فأدركته
ببعض الطريق ولم يتيقن بأن ذلك الموضع معدود من دار الكفر، ولو كان من
دار الكفر، فلم يصل إلى هناك حتى فارقت امرأته مكة، اهـ.
وأخرج الحاكم(٢) بسنده إلى عروة، قال: فرّ عكرمة يوم الفتح عامداً إلى
اليمن، وأقبلت أم حكيم وهي يومئذ مسلمة، فاستأذنت رسول الله وَيقول في طلب
زوجها، فأذن لها، فخرجت برومي لها، فراودها عن نفسها، فلم تزل تُمنِّيه
وتقرب له حتى قدمت على أناس من عكة، فاستغاثتهم عليه فأوثقوه، فأدركت
زوجها ببعض تهامة، وقد كان ركب في سفينة، فلما جلس فيها نادى باللات
والعزى، فقال أصحاب السفينة: لا يجوز ههنا أحد يدعو شيئاً إلا الله وحده
مخلصاً، فقال عكرمة: والله لئن كان في البحر وحده إنه في البر وحده، أقسم
بالله لأرجعنّ إلى محمد، فرجع عكرمة مع امرأته، فدخل على رسول الله وَ له،
فبايعه، فقبل منه إلى آخر ما رواه، فعُلِم منه أن امرأته وأخته حيثما يجري فيه
أحكام الإسلام حتى منعه أصحاب السفينة بدعاء اللات والعزى.
(قال مالك: وإذا أسلم الرجل قبل امرأته) وقد بنى بها، كما يأتي في كلام
الباجي (وقعت الفرقة بينهما) إن لم تكن الزوجة كتابية؛ لأنها إن كانت كتابية
يستمر النكاح عند الجمهور منهم الأئمة الأربعة، كما تقدم في البحث الثالث
(١) ((الجوهر النقي)) (١٨٦/٧).
(٢) ((المستدرك)) (٢٤١/٣).
٥٦٩

٢٧ - كتاب النكاح
(٢٠) باب
(١١٠٩) حديث
إِذَا عُرِضَ عَلَيْهَا الْإِسْلَامُ فَلَمْ تُسْلِمْ. لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي
كِتَابِهِ: ﴿وَلَا تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الْكَوَافِ﴾.
في أول الباب (إذا عرض) ببناء المجهول (عليها الإسلام فلم تسلم لأن الله تبارك
وتعالى) نهى عن استدامة نكاحهن لأنه (يقول في كتابه ﴿وَلَا تُمْسِكُواْ بِعِصَمٍ﴾)
جمع عصمة (﴿الْكَوَافِ﴾) جمع كافرة.
قال صاحب ((الجمل)): صورة المسألة أن الزوج أسلم على زوجته
الكافرة، فهذا نهي للمؤمنين عن أن يكون بينهم وبين الزوجات المشركات علقة
من علقة الزوجية أصلاً، حتى لا يمنع من نكاح الخامسة أو نكاح أختها في
العدة، ومحله إذا لم تكن الزوجة كتابية، أما إذا كانت كتابية فإن نكاحها لا
ينقطع؛ لأنه يجوز للمسلم ابتداء نكاحها، فدوامه أولى، وفي ((القرطبي)):
المراد بالكوافر ههنا عبدة الأوثان ممن لا يجوز للمسلم ابتداء نكاحها، فهي
خاصة بالكوافر من غير أهل الكتاب، اهـ.
قال الباجي(١): وهذا على حسب ما قاله: إن الكافِرَين إذا أسلم الزوج
قبل الزوجة فلا يخلو أن تكون كتابية أو غيرها، فإن كانا كتابيَين، فهما على
نكاحهما، وإن كانت الزوجة غير كتابية، فإن لم يكن بنی بها، فقد روى محمد
عن ابن القاسم عن مالك توقف، فإن أسلمت، قال محمد: يريد مكانها، وإلا
فرق بينهما، وقال أشهب وأصبغ: تنقطع العصمة بينهما، فإن بنى بها ثم
أسلم، فقال مالك: يعرض عليها الإسلام، فإن أسلمت وإلا فسخ نكاحهما،
وبه قال أبو حنيفة، زاد أبو زيد عن ابن القاسم: يعرض عليها الإسلام اليوم
والثلاثة، فقول ابن القاسم مبنيٌّ على أن إسلام الزوج لا يقع به الفرقة، وإنما
يقع بالحكم، أو بالإغفال حتى تطول المدة، ولو وقعت الفرقة بنفس إسلامه
لما عرض عليها الإسلام، وقال الشافعي: حكم ذلك حكم المرأة تسلم قبل
زوجها، يُرَاعى في ذلك إسلام الثاني منهما في العدة، اهـ.
(١) ((المنتقى)) (٣٤٦/٣).
٥٧٠

٢٧ - كتاب النكاح
(٢١) باب
(٢١) باب ما جاء في الوليمة
وتقدم اختلاف الأئمة في ذلك في المبحث الثاني والرابع من أبحاث
الباب، وفي ((المحلى)): ذكر الطحاوي وابن العربي أن عمر - رضي الله عنه -
فَرَّق بين نصراني ونصرانية أسلمت بإبائه في الإسلام.
(٢١) ما جاء في الوليمة
مشتقة من الولم وهو الجمع؛ لأن الزوجين يجتمعان، قال الأزهري،
وقال ابن الأعرابي: أصلها من تتميم الشيء واجتماعه، واختصاصه بطعام
العرس، هو قول أهل اللغة فيما نقله عنهم ابن عبد البر، وهو المنقول عن
الخليل وثعلب وغيرهما وجزم به الجوهري وابن الأثير.
وقال صاحب ((المحكم)): الوليمة طعام العرس والإملاك، وقيل: كل
طعام صُنع لعرس وغيره، وقال الشافعي وأصحابه: تقع الوليمة على كل دعوة
تتخذ لسرور حادث من نكاح أو ختان، وغيرهما، لكن الأشهر استعمالها عند
الإطلاق في النكاح، وتقيد في غيره، فيقال: وليمة الختان ونحو ذلك.
وجزم الماوردي، ثم القرطبي بأنها لا تطلق في غير طعام العرس إلا
بقرينة، وأما الدعوة فهي أعم من الوليمة - وهي بفتح الدال على المشهور -،
وذكر النووي تبعاً لعياض أن الولائم ثمانية: الأعذار للختان، والعقيقة للولادة،
والخرس - بضم المعجمة وسكون الراء - لسلامة المرأة من الطلق. وقيل: هو
طعام الولادة، والعقيقة: تختص بيوم السابع، والنقيعة: لقدوم المسافر مشتقة
من النقع وهو الغبار، والوكيرة للسكن المتجدد، والوضيمة بضاد معجمة لما
يُتّخذ عند المصيبة، والمأدبة لما يُتَّخذ بلا سبب ودالها مضمومة، ويجوز فتحها .
قال الحافظ(١): اختلف في النقيعة هل التي يصنعها القادم من السفر أو
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٢٤١/٩).
٥٧١

٢٧ - كتاب النكاح
(٢١) باب
تصنع له؟ وقيل: إن الوليمة خاص بطعام الدخول، وأما طعام الإملاك فيسمى
الشندخ - بضم المعجمة وسكون النون وفتح الدال المهملة وقد تضم - مأخوذ
من قولهم: فرس شندخ، أي يتقدم غيره، سُمِّي طعام الإملاك بذلك؛ لأنه
يتقدم الدخول، وشذّ من سمى وليمة الإملاك نقيعة، والحذاق بكسر المهملة
وتخفيف الذال المعجمة وآخره قاف: الطعام الذي يتخذ عند حذاق الصبي،
ذكره ابن الصبّاغ في ((الشامل))، وقال ابن الرفعة: هو الذي يصنع عند الختم،
أي ختم القرآن، كذا قيده، ويحتمل ختم قدر مقصود منه، ويحتمل أن يطرد
ذلك في حذقه لكل صناعة، وأما المأدبة ففيها تفصيل؛ لأنها إن كانت لقوم
مخصوصين، فهي النقرى بفتح النون، وإن كانت عامة فهي الجفلى.
قال الحافظ(١)، قال ابن بطال: قوله ◌َّل: ((الوليمة حق)) أي ليست بباطل
بل يندب إليها وهي سنة فضيلة، وليس المراد بالحق الوجوب، ثم قال: ولا
أعلم أحداً أوجبها، كذا قال، وغفل عن رواية في مذهبه بوجوبها، نقلها
القرطبي، وقال: إن مشهور المذهب أنها مندوبة، وابن التين عن أحمد، لكن
الذي في ((المغني)) أنها سنة، ووافق ابن بطال في نفي الخلاف بين أهل العلم
في ذلك، وسيأتي كلام الموفق قريباً، وفيه: قال بعض الشافعية: هي واجبة،
قال الحافظ: هو وجه معروف عندهم، وجزم به سليم الرازي وقال: إنه ظاهر
نص الأم، وهو قول أهل الظاهر، كما صرح به ابن حزم، اهـ. وسيأتي في
كلام الدردير.
ونقل ابن عبد البر، ثم عياض، ثم النووي الاتفاق على القول بوجوب
الإجابة لوليمة العرس، وفيه نظر، نعم المشهور من أقوال العلماء الوجوب،
وصرح جمهور الشافعية والحنابلة بأنها فرض عين، ونص عليه مالك، وعن
بعض الحنابلة والشافعية أنها مستحبة، وذكر اللخمي من المالكية أنه المذهب.
(١) ((فتح الباري)) (٢٣٠/٩).
٥٧٢

٢٧ - كتاب النكاح
(٢١) باب
وكلام صاحب ((الهداية)) يقتضي الوجوب مع تصريحه بأنها سنة، فكأنه
أراد أنها وجبت بالسنة، وليست فرضاً، كما عرف عن قاعدتهم، وعن بعض
الشافعية والحنابلة: هي فرض كفاية، وحكى ابن دقيق العيد: أن محل ذلك إذا
عَمَّت الدعوة، أما لو خص كل واحد بالدعوة، فإن الإجابة تتعين.
وشرط وجوبها أن يكون الداعي مكلفاً حراً رشيداً، وأن لا يخص
الأغنياء دون الفقراء. وأن لا يظهر قصد التودد لشخص بعينه لرغبة فيها ورهبة
منه، وأن يكون الداعي مسلماً على الأصح، وأن يختص باليوم الأول على
المشهور، وأن لا يسبق، فمن سبق تعينت الإجابة له دون الثاني، وإن جاءا معاً
قدم الأقرب رحماً على الأقرب جواراً على الأصح، وأن لا يكون من يتأذى
بحضوره من منكر وغيره، وأن لا يكون له عذر. وضبطه الماوردي بما يرخص
به في ترك الجماعة، هذا كله في وليمة العرس.
وأما غير العرس، فقال بعض الشافعية بوجوب الدعوة مطلقاً، عرساً كان
أو غيره، زعم ابن حزم أنه قول جمهور الصحابة والتابعين، ويُعَكِّر عليه ما
رُوي عن عثمان بن أبي العاص، وهو من مشاهير الصحابة أنه قال في وليمة
الختان: لم يكن يدعى لها، لكن يمكن الانفصال عنه بأن ذلك لا يمنع القول
بالوجوب لو دعوا، وجزم بعدم الوجوب في غير وليمة النكاح المالكية
والحنابلة والحنفية وجمهور الشافعية، وبالغ السرخسي منهم، فنقل فيه
الإجماع، ولفظ الشافعي: إتيان دعوة الوليمة حقٌ، والوليمة التي تعرف وليمة
العرس، وكل دعوة دُعي إليها رجل وليمة، فلا أرخص لأحد في تركها، ولو
تركها لم يتبّين لي أنه عاصٍ في تركها كما تبيّن لي في وليمة العرس، كذا في
((الفتح))(١) ..
(١) انظر: (٩/ ٢٤٢).
٥٧٣

٢٧ - كتاب النكاح
(٢١) باب
قال الموفق(١): لا خلاف بين أهل العلم أن الوليمة سنة في العرس
الرواية عبد الرحمن بن عوف وغيره، وليست واجبة في قول أكثر أهل العلم،
وقال بعض أصحاب الشافعي: هي واجبة؛ لأنه هو أمر بها عبد الرحمن بن
عوف، ولأن الإجابة إليها واجبة فكانت واجبة، ولنا، أنه طعام لسرور حادث
فأشبه سائر الأطعمة، والخبر محمول على الاستحباب بدليل ما ذكرنا، وكونه
أمر بشاة، ولا خلاف في أنها لا تجب، وما ذكروه من المعنى لا أصل له، ثم
هو باطل بالسلام، ليس بواجب، وإجابة المسلم واجبة.
ثم قال ابن عبد البر: لا خلاف في وجوب الإجابة إلى الوليمة لمن دعي
إليها، إذا لم يكن فيها لهو، وبه يقول مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه،
ومن أصحاب الشافعي من قال: هي من فروض الكفاية؛ لأن الإجابة إكرام
وموالاة، فهي كرد السلام، ولنا، ما روي عن ابن عمر - رضي الله عنه - أن
رسول الله وَ﴾ قال: ((إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها)) وغير ذلك من
الروايات.
وإنما تجب الإجابة على من عين بالدعوة بأن يدعو رجلاً بعينه أو جماعة
معينين، فإن دعا الجفلى بأن يقول: يا أيها الناس أجيبوا إلى الوليمة لم تجب
ولم تستحب، لأنه لم يعين بالدعوة، فلم تتعين عليه الإجابة، ولا يحصل كسر
قلب الداعي بترك إجابتها، وحكم الدعوة للختان وسائر الوليمة أنها مستحبة
لما فيه من الطعام، والإجابة إليها مستحبة غير واجبة، وهذا قول مالك
والشافعي وأبي حنيفة وأصحابه.
وقال العنبري: تجب إجابة كل دعوة لعموم الأمر به، فإن ابن عمر -
رضي الله عنه -، روى عن النبي وَلو أنه قال: ((إذا دعا أحدكم أخاه فليجب،
(١) ((المغني)) (١٩٢/١٠ - ١٩٣).
٥٧٤

٢٧ - كتاب النكاح
(٢١) باب
عرساً كان أو غير عرس)) أخرجه أبو داود (١)، ولنا: أن الصحيح من السنة إنما
ورد في إجابة الداعي إلى الوليمة وهي الطعام في العرس خاصة، كذلك قال
خليل وغيره من أصحاب اللغة، وقد صرح بذلك في بعض روايات ابن عمر
مرفوعاً: ((إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس فليجب))، رواه ابن ماجه(٢).
وروي أن عثمان بن أبي العاص دعي إلى ختان فأبى أن يجيب، فقيل
له؟ فقال: إنا كنا لا نأتي الختان على عهد رسول الله وَّل ولا نُدعى إليه، رواه
الإمام أحمد بإسناده، ولأن التزويج يُستحبُّ إعلانُه وكثرة الجمع فيه بخلاف
غيره، والأمر بالإجابة إلى غيره محمول على الاستحباب، اهـ
وفي ((المحلى)): اختلفوا في وقت الوليمة أهو قبل الدخول أو بعده؟
فحكى عياض: أن الأصح عند المالكية بعد الدخول، قال الشيخ خليل: هو
ظاهر المذهب، وقد استحبها بعض الشيوخ قبل البناء، وقال اللخمي: واسع
قبله وبعده، وقال ابن يونس: يستحب عند النكاح وعند البناء، وصرح
الماوردي بأنها عند البناء، وقال ابن الملقن: لم يتعرض الأصحاب لوقتها،
وفي (سنن البيهقي)) ما يقتضي أنها قبل الدخول لا بعده، اهـ.
وقال الدردير(٣): الوليمة وهي طعام العرس خاصة مندوبة بعد البناء، فإن
وقعت قبله لم تكن وليمة شرعاً، والمعتمد أن كونها بعد البناء مندوب ثان، فإن
فعلت قبل أجزأت، وتجب إجابة من عين لها بالشخص صريحاً أو ضمناً،
كفلانٍ أو أهل محلة كذا أو أهل العلم أو المدرسين، وهم محصورون.
ولوجوب الإجابة شروط خمسة:
(١) ((سنن أبي داود)) (٣٧٣/٨).
(٢) ((سنن ابن ماجه)) (١٩١٤).
(٣) ((الشرح الكبير)) (٣٣٧/٢).
٥٧٥

٢٧ - كتاب النكاح
(٢١) باب
الأول: إن لم يحضر من يتأذى به المدعو لأمر ديني، كمن شأنهم الوقوع
في أعراض الناس، فإن حضر من ذكر لم تجب الإجابة.
والثاني : إن لم یکن هناك منکر کفرش حریر.
والثالث: إن لم يكن هناك صور على كجدار.
الرابع: أن لا يكون كثرة زحام، فإن وجدت جاز التخلف.
الخامس: أن لا يكون إغلاق باب دونه، فإن علم أن الباب يغلق عند
حضوره ولو لمشاورة جاز التخلف لما في ذلك من الحطة، ويؤخذ منه إباحة
التخلف لمن يلحقه حطة بارتفاع آخر عليه من غير موجب، وبقي من الأعذار
المسقطة لوجوب الإجابة بُعْدُ المكان جداً، ومرض، وشدة وحل أو مطر أو
خوف على مال، وأن لا يكون على رؤوس الآكلين من ينظر إليهم، وأن لا
يفعل لقصد المباهاة.
قال الدسوقي: أما ما عدا الوليمة فحضوره مكروه، إلا العقيقة فمندوب،
كذا في ((الشامل))، والذي لابن رشد في ((المقدمات)): أن حضور كلها مباح إلا
وليمة العرس، فحضورها واجب، وإلا العقيقة فمندوب، والمأدبة إذا فعلت
لإيناس الجار ومودته فمندوب أيضاً، وأما إذا فعلت للفخار فحضورها مكروه،
وغاية وقت الوليمة للسابع بعد البناء، فمن أخر للسابع كانت الإجابة مندوبة لا
واجبة، اهـ.
قال ابن عابدين(١): اختلف في إجابة الدعوة، قال بعضهم: لا يسع
تركها، وقال العامة: هي سنة، والأفضل أن يجيب إذا كانت وليمة، وإلا فهو
مخيّر، والإجابة أفضل؛ لأن فيها إدخال السرور في قلب المؤمن، وإذا أجاب
(١) ((رد المحتار)) (٥٧٤/٩).
٥٧٦

٢٧ - كتاب النكاح
(٢١) باب
(١١١٠) حديث
٤٧/١١١٠ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ حُمَيْدِ الطَّوِيلِ،
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛
فعل ما عليه أكل أو لا، والأفضل أن يأكل لو غير صائم، وفي ((البناية)): إجابة
الدعوة سنة، وليمة أو غيرها. وأما دعوة يقصد بها التطاول، أو إنشاء الحمد،
أو ما أشبهه، فلا ينبغي إجابتها، لا سيما أهل العلم، فقد قيل: ما وضع أحد
يده في قصعة غيره إلا ذل.
وفي ((الاختيار)): وليمة العرس سنة قديمة إن لم يُجِبْها أَثِم؛ لقوله وَلِّ:
((من لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله، فإن كان صائماً أجاب ودعا، وإن
لم يكن صائماً أكل ودعا، وإن لم يأكل ولم يجب أثم وجفا))؛ لأنه استهزاءُ
بالمضيف، ومقتضاه أنها سنة مؤكدة بخلاف غيرها .
وصرح شُرَّاح ((الهداية)) بأنها قريبة من الواجب وفي (التتار خانية)) عن
((الينابيع)): لو دعي إلى دعوة، فالواجب الإجابة إن لم يكن هناك معصية ولا
بدعة، والامتناع أسلم في زماننا، إلا إذا علم يقيناً أن لا بدعة ولا معصية،
اهـ. والظاهر حمله على غير الوليمة.
وفي ((الدر المختار))(١): دعي إلى وليمة وثمة لعب أو غناء قعد وأكل لو
المنكر في المنزل. فلو على المائدة لا ينبغي أن يقعد بل يخرج معرضاً، وعلى
الأول إن قدر على المنع فعل، وإن لا يقدر صبر إن لم يكن ممن يقتدى به،
فإن كان مقتدى ولم يقدر على المنع خرج ولم يقعد؛ لأن فيه شين الدين،
والمحكي عن الإمام كان قبل أن يصير مقتدى به، وإن علم أولاً باللعب لا
يحضر أصلاً، سواء كان ممن يقتدى به أو لا لأن حق الدعوة إنما يلزمه بعد
الحضور لا قبله، اهـ.
٤٧/١١١٠ - (مالك عن حميد الطويل عن أنس بن مالك) قال ابن
(١) ((رد المحتار)) (٥٧٤/٩).
٥٧٧

٢٧ - كتاب النكاح
(٢١) باب
(١١١٠) حديث
أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمُنِ بْنَ عَوْفٍ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ عَلَه
عبد البر(١): هو من مسند أنس عند جميع رواة ((الموطأ))، ورواه روح بن عبادة
عن مالك عن حميد عن أنس عن عبد الرحمن أنه جاء، فجعله من مسند
عبد الرحمن.
وقال الحافظ في ((الفتح))(٢): قد أورده البخاري بطرق عن حميد، وعن
ثابت، وعن عبد العزيز بن صهيب كلهم عن أنس، وليس في شيء منها أن
أنساً حمله عن عبد الرحمن، إلا ما وقع في رواية لمسلم والنسائي من طريق
عبد العزيز عن أنس فقال: عن عبد الرحمن بن عوف قال: ((رآني رسول الله (وَلَ)
فذكر الحديث، ووقع عند الدارقطني من طريق روح عن مالك عن حميد عن
أنس عن عبد الرحمن أيضاً، وذكر الدارقطني أن روح بن عبادة تفرّد به عن
مالك، والمحفوظ عنه، كما رواه الجماعة.
وقال الحافظ في موضع آخر: أكثر الطرق تجعله من مسند أنس، والذي
يظهر من مجموع الطرق أنه حضر القصة، وإنما نقل عن عبد الرحمن منها ما
لم يقع له عند النبي وَلل، اهـ
(أن عبد الرحمن بن عوف) أحد العشرة المبشرة، (جاء إلى رسول الله وَ ليه)
وأخرج البخاري في ((صحيحه)) عن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن
عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن جده، قال: قال عبد الرحمن بن عوف: لما
قدمنا المدينة آخى رسول الله وَل بيني وبين سعد بن الربيع، فقال سعد بن
الربيع: إني أكثر الأنصار مالاً، فأقسم لك نصف مالي، وانظر أيّ زوجتي
هويت نزلت لك عنها، فإذا حلت تزوجتها، قال: فقال له عبد الرحمن: لا حاجة
لي في ذلك، هل من سوق فيه تجارة؟ قال: سوق بني قينقاع، قال: فغدا إليه
(١) ((الاستذكار)) (٣٤٠/١٦).
(٢) ((فتح الباري)) (٢٢١/٩)، باب الصفرة للمتزوج ح (٥١٥٣).
٥٧٨

٢٧ - كتاب النكاح
(٢١) باب
(١١١٠) حديث
وَبِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ .
عبد الرحمن، فأتى بأقط وسمن. قال: ثم تابع الغدو، فما لبث أن جاء
عبد الرحمن وعليه أثر صفرة، الحديث.
وفي أخرى للبخاري: فخرج إلى السوق فباع واشترى، فأصاب شيئاً من
أقط وسمن فتزوج، قال الحافظ(١): وفي رواية، ((فمكثنا ما شاء الله، ثم جاء
وعليه وضر صفرة))، وفي رواية الثوري: ((فلقيه النبي ◌ِّ))، زاد ابن سعد ((في
سكة من سكك المدينة، وعليه وضر من صفرة))، (وبه) أي بعبد الرحمن (أثر
صفرة) وفي رواية: ((وضر من صفرة)) بفتح الواو والضاد المعجمة آخره راء،
هو في الأصل الأثر، وفي أخرى: ((وعليه ردع زعفران))، والردع بمهملات
مفتوح الأول ساكن الثاني، هو أثر الزعفران، والمراد بالصفرة صفرة الخلوق،
والخلوق طيب يصنع من زعفران وغيره، قاله الحافظ.
قال الباجي (٢): ظاهر هذا اللفظ أن أثر الصفرة كان بجسده، ويحتمل أن
يكون بثيابه على سبيل المجاز، يقال: أصاب فلاناً الطين والمطر، وإنما
أصاب ثيابه، والصفرة يحتمل أن يكون صفرة زعفران أو غيره استعمل على
وجه الصبغ للثياب والجسد، ويحتمل أن يكون صفرة طيب له لون، قد تطيب
به عبد الرحمن، وبقيت من لونه على ثيابه أو جسده، وحديث ردع زعفران بيَّنَ
أن تلك الصفرة صفرة زعفران، وبيَّن أصحاب مالك - رضي الله عنه - لباس
الثياب المصبوغة بالصفرة.
قال يحيى بن عمر في حديث ابن عمر - رضي الله عنهما -: أما الصفرة
فإني رأيت رسول الله وَّل يصبغ بها، كما تقدم في الحج، قال يحيى بن عمر:
يريد يصبغ بها ثيابه لا لحيته، هذا معناه عند أصحاب مالك، قال ابن سفيان
(١) (٥١٦٧) ((فتح الباري)) (٢٣٣/٩).
(٢) ((المنتقى)) (٣٤٧/٣).
٥٧٩

٢٧ - كتاب النكاح
(٢١) باب
(١١١٠) حديث
في الصبغ بالزعفران: هذا جائز عند أصحابنا في الثياب دون الجسد، وكره أبو
حنيفة والشافعي للرجل أن يصبغ ثيابه ولحيته بالزعفران.
ولنا، ما روي أن عمر بن الخطاب كان يصبغ لحيته بالصفرة حتى تمتلئ
ثيابه من الصفرة، فقيل له: ما تصنع بالصفرة؟ فقال: إني رأيت رسول الله وَله
يصبغ بها، اهـ.
وحديث عمر - رضي الله عنه - أخرجه أبو داود، وفي ((المحلى)): لعله
كان يسيراً فلم ينكر، أو تعلق به من زوجته من غير قصد، وإلا فالتزعفر منهيٌ
عنه عند الشافعية والحنفية، وقال مالك: يجوز في الثوب دون البدن، ونقله
مالك عن علماء المدينة، اهـ.
وقال ابن قدامة في ((الشرح الكبير)): يكره للرجل لبس المزعفر
والمعصفر، لما روي أن النبي وَليل نهى الرجال عن التزعفر، متفق عليه، ولا
بأس بلبسه للنساء؛ لأن تخصيص النهي بالرجل دليل على إباحته للنساء، اهـ.
وفي ((الدر المختار)) (١): كره لبس المعصفر، والمزعفر للرجال، مفاده أنه
لا يكره للنساء، اهـ. وترجم البخاري في ((صحيحه)): ((باب النهي عن التزعفر
للرجال))، قال الحافظ(٢): أي في الجسد، لأنه ترجم بعده: ((باب الثوب
المزعفر)) وقيده بالرجل ليخرج المرأة، ثم أخرج فيه البخاري حديث أنس:
((نهى النبي وَلّ أن يتزعفر الرجل)) قال الحافظ: اختلف في النهي عن التزعفر
هل هو لرائحة لكونه من طيب النساء، ولذا جاء الزجر عن الخلوق؟ أو للونه
فيلتحق به كل صفرة ونقل البيهقي عن الشافعي أنه قال: أنهى الرجل الحلال
بكل حال أن يتزعفر، وآمره إذا تزعفر أن يغسله، ورخّص مالك في المعصفر
(١) انظر: ((الدر المختار مع رد المحتار)) (٥٩٠/٩).
(٢) ((فتح الباري)) (٣٠٤/١٠).
٥٨٠