Indexed OCR Text
Pages 421-440
٢٧ - كتاب النكاح (١٠) باب وَذُلِكَ أَنَّهُ أَصَابَهَا حَرَاماً. وَإِنَّمَا الَّذِي حَرَّمَ اللَّهُ، مَا أُصِيبَ بِالْحَلَالِ أَوْ عَلَى وَجْهِ الشُّبْهَةِ بِالنِّكَاحِ. قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَلَا شَكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ (وذلك) أي وجه الجواز (أنه أصابها حراماً) والحرام المحض لا ينشر المحرمية عند الإمام مالك على رواية ((الموطأ)) كما تقدم في الباب (وإنما الذي حَرَّم الله) عز وجل (ما أصيب بالحلال) أي بالنكاح الصحيح (أو على وجه الشبهة بالنكاح) وهو النكاح المكروه. قال الباجي: يريد أن ما كان من الوطء على هذا الوجه فهو الذي يقع به التحريم من جهة المصاهرة دون ما يكون من لفظ الحرام، ويقتضي قوله ذلك أن الوطء في شبهة النكاح حلال، ولذلك قال: ما أصيب بالحلال على وجه شبهة النكاح، ومعنى ذلك أنه حلال من جهة القصد، اهـ. (قال مالك: قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا نَنْكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَبَآؤُكُمْ مِنَ اٌلِسَآءِ﴾) والزنا المحض لا يدخل في ﴿مَا نَكَحَ ءَابَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ أصلاً، وقد عرفت أن هذا مبني على رواية ((الموطأ)) المرجحة عند المالكية من أن الزنا لا يوجب الحرمة، بخلاف رواية ((المدونة)) كما تقدم في الباب السابق. قال الباجي(١): فإذا قلنا بالإباحة يعني على رواية ((الموطأ)) وكانت البنت مخلوقة من مائه مثل أن يكون زنى بها، فحملت منه، وولدت جارية، فأراد أن يتزوجها. فقد حكى القاضي أبو الحسن أن ذلك جائز له، وبه قال الشافعي، وقال به من أصحابنا المتقدمين ابن الماجشون، والمشهور من المذهب أن ذلك غير جائز، وقال أبو حنيفة: يحرم، قال سحنون: في قول ابن الماجشون هذا خطأ صراح، وما علمت من قاله من أصحابنا معه، وقال ابن المواز: لا يتزوج ابنته من الزنا، وأباه أصبغ وابن عبد الحكم في ظني، ومكروهه بَيِّنٌ، اهـ. (١) ((المنتقى)) (٣٠٨/٣). ٤٢١ ٢٧ - كتاب النكاح (١٠) باب قَالَ مَالِكٌ: فَلَوْ أَنَّ رَجُلاً نَكَحَ امْرَأَةٌ فِي عِدَّتِهَا نِكَاحاً قال الدردير(١): حرم على الشخص أصولُه وفصوله، ولو خلقت الفصول من مائه المجرد عن العقد وما يقوم مقامه، فمن زنى بامرأة فحملت منه بنتاً، فإنها تحرم عليه وعلى أصوله وفروعه. قال الموفق(٢): يحرم على الرجل نكاح بنته من الزنا وأخته وبنت ابنه، وهو قول عامة الفقهاء، وقال مالك والشافعي في المشهور من مذهبه: يجوز ذلك كله لأنها أجنبية منه، ولا تنسب إليه شرعاً ولا يجري التوارث بينهما، ولا تعتق عليه إذا ملكها، ولا تلزمه نفقتها، فلم تحرم عليه كسائر الأجانب. ولنا قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَثُّكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾(٣) الآية، وهذه بنته فإنها أثنى مخلوقة من مائه، هذه حقيقة، لا تختلف بالحل والحرمة، ويدل على ذلك قول النبي ◌َّ في امرأة هلال بن أمية: ((انظروه يعني ولدها، فإن جاءت به على صفة كذا فهو لشريك بن سحماء)) (٤) يعني الزاني، ولأنها مخلوقة من مائه، وهذه حقيقة لا تختلف بالحل والحرمة، فأشبهت المخلوقة بشبهته، ولأنها بضعة منه، فلم تحل له كبنته من النكاح، وتَخَلَّفُ بَعْضٍ الأحكام لا ينفي كونها بنتاً كما لو تخلف لِرقّ أو اختلاف دين. إذا ثبت هذا فلا فرق بين علمه بكونها منه، مثل أن يطأ امرأة في طهر لم يُصبها فيه غيره، ثم يحفظها حتى تضع، أو مثل أن يشترك جماعة في وطء امرأة، فتأتي بولد لا يعلم هل هو منه أو من غيره؟ فتحرم على جميعهم، اهـ. (قال مالك: فلو أن رجلاً نكح امرأة في عدتها) من رجل آخر (نكاحاً ( (١) ((الشرح الكبير)) (٢/ ٢٥٠). : (٢) ((المغني)) (٥٢٩/٩). (٣) سورة النساء: الآية ٢٣. (٤) أخرجه البخاري (٢٣٣/٣) ح (٤٧٤٧). ٤٢٢ ٢٧ - كتاب النكاح (١٠) باب حَلَالاً. فَأَصَابَهَا. حَرُمَتْ عَلَى ابْنِهِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا. وَذُلِكَ أَنَّ أَبَاهُ نَكَحَهَا عَلَى وَجْهِ الْحَلَالِ، لَا يُقَامُ عَلَيْهِ فِيهِ الْحَدُّ. وَيُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ الَّذِي يُولَدُ فِيهِ، بِأَبِيهِ. وَكَمَا حَرُمَتْ عَلَى ابْنِهِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، حِينَ تَزَوَّجَهَا أَبُوهُ فِي عِدَّتِهَا، وَأَصَابَهَا، فَكَذَلِكَ يَحْرُمُ عَلَى الْأَبِ ابْنَتُهَا إِذَا هُوَ أَصَابَ أُمَّهَا . حلالاً) أي على طريق النكاح المشروع من الإيجاب والقبول والمهر وغير ذلك من شروط الصحة، وإن لم يكن مباحاً في نفسه من جهة العدة (فأصابها) أي جامعها بهذا النكاح (حرمت على ابنه أن يتزوجها) أي حرمت المنكوحة الموطوءة على ابن الناكح الواطئ (وذلك) أي وجه الحرمة (أن أباه نكحها على وجه الحلال) أي الطريق المشروع (لا يقام عليه فيه الحد) لشبه النكاح. (ويلحق به) أي بسبب هذا النكاح (الولد الذي يولد فيه) أي في هذا النكاح (بأبيه) يتعلق بيلحق أي بالناكح الواطئ (وكما حرمت على ابنه) أي ابن الواطئ (أن يتزوجها، حين تزوجها أبوه في عدتها وأصابها) أي في الصورة المذكورة أعادها للتنظير. (فكذلك يحرم على الأب) أي الناكح الواطئ المذكور (ابنتها) أي ابنة الموطوءة (إذا هو أصاب أمها) بالنكاح في العدة، قال الباجي (١): يريد أن أحكام النكاح الصحيح ثابتة في هذا النكاح إذا أصيب به، وإن كان فاسداً لمصادفة زمن العدة وتحريم المصاهرة من أحكام النكاح الصحيح، فوجب أن يثبت بالإصابة فيه، وإنما يريد أنه غير عالم بالعدة، أو غير عالم بالتحريم، أما إذا كانا عالمين بالتحريم، فإن حكمه عندي يحتمل من الخلاف ما ذكر قبل هذا، اهـ. ولا يذهب عليك أن النكاح ليس بمسقطٍ عند المالكية الحدَّ مطلقاً، بل بمواضع خاصة. (١) ((المنتقى)) (٣٠٩/٣). ٤٢٣ ٢٧ - كتاب النكاح (١٠) باب فقد عدّ الدردير(١) في موجبات الحد: إتيان محرمة بصهر مؤبد بنكاح كمن تزوج امرأة بعد العقد على بنتها، قال الدسوقي: ومن باب أولى وطء المحرمة بنسب أو رضاع بنكاح لأنهما لا يكونان إلا مؤبدين بخلاف الصهر. فاقتصر عليه لأجل تقييده بمؤبد، اهـ. ثم قال الدردير: وواطئ معتدة من غيره في عدتها بنكاح أو ملك يؤدب ولا يُحَدُّ، والراجح أنه يُحَدُّ لصدق حد الزنا عليه، اهـ. وتقدم في كلام ((المغني)) أن الوطء ثلاثة أنواع، والثاني منها الوطء بالشبهة، وهو في نكاح فاسد أو شراء فاسد يتعلق به التحريم إجماعاً، وقد عرفت أن حرمة المصاهرة تثبت عند الحنفية بالزنا أيضاً، فبالوطء بالنكاح ولو فاسداً أولى. وأما الحد، فقال الموفق(٢): لا حد في وطء النكاح الفاسد سواء اعتقد حلّه أو حرمته، وعن أحمد ما يدل على أنه يجب الحد بالوطء في النكاح بلا ولي إذا اعتقد حرمته، ولنا أن هذا مختلف في إباحته، فلم يجب به الحد كالنكاح بغير شهود، وأما الأنكحة الباطلة كنكاح المرأة المزوجة أو المعتدة أو شبهه، فإذا علما الحل والتحريم، فهما زانيان، وعليهما الحد، ولا يلحق النسب فيه، اهـ. وفي ((الدر المختار))(٣): لا حدّ بشبهة العقد عند الإمام كوطء مَجْرم نكحها، وقالا: إن علم الحرمة حدّ، وبسط ابن عابدين في الأمثلة، وصرح بأن لا حدَّ اتفاقاً في المعتدة. (١) ((الشرح الكبير)) (٣١٤/٤ - ٣١٦). (٢) ((المغني)) (٩/ ٣٥٣). (٣) (٣٦/٦). ٤٢٤ ٢٧ - كتاب النكاح (١١) باب (١٠٨٧) حديث (١١) باب جامع ما لا يجوز من النكاح ٢٤/١٠٨٧ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَهَ نَهِى عَنِ الشِّغَارِ. وَالشِّغَارُ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ، عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الآخَرُ ابْنَتَهُ. لَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ. أخرجه البخاريّ في: ٦٧ - كتاب النكاح، ٢٨ - باب الشغار. ومسلم في: ١٦ - كتاب النكاح، ٦ - باب تحريم نكاح الشغار وبطلانه، حديث ٥٧. (١١) جامع ما لا يجوز من النكاح أي بيان الأنكحة الغير المشروعة. ٢٤/١٠٨٧ - (مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - (أنّ رسول الله وَّ نهى عن الشغار) هكذا لأكثر الرواة عن مالك، وفي رواية ابن وهب عن مالك هي عن نكاح الشغار، ذكره ابن عبد البر، وهو مراد من حذفه، قاله الحافظ، وهو بمعجمتين أولاهما مكسورة، مصدر شاغر يشاغر مشاغرة وشغاراً. قال النووي(١): أصله في اللغة الرفع، يقال: شغر الكلب إذا رفع رجله ليبول كأنه قال: لا ترفع رِجل بنتي حتى أرفع رجل بنتك، وقيل هو: من شغر البلد إذا خلى أي عن السلطان لخلوه عن الصداق، ويقال: شغرت المرأة إذا رفعت رجلها عند الجماع، وكان الشغار من نكاح الجاهلية، وأجمع العلماء على أنه منهيٍّ عنه، لكن اختلفوا هل هو نهيٌّ يقتضي إبطال النكاح أم لا؟ اهـ. (والشغار) أي تفسيره شرعاً (أن يزوج الرجل ابنته) أو أخته وغيرهما (على) شرط (أن يزوجه الآخر ابنته) أو وليته (ليس بينهما صداق) غير نكاح الأخرى، وفي الحديث عدة أبحاث: (١) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٢٠٠/٩/٥). ٤٢٥ ٢٧ - كتاب النكاح (١١) باب (١٠٨٧) حديث الأول: في أن تفسير الشغار هذا من كلام النبي ◌َّ أو غيره من الرواة، قال صاحب ((المحلى)): قال الخطيب وغيره: هذا التفسير من قول مالك، بَيَّنَ ذلك ابن المهدي والقعنبي فيما أخرجه أحمد، وقال الحافظ(١): إنه من قول نافع، بَيَّنَ ذلك يحيى القطان عن عبيد الله بن عمر. قلت لنافع: ما الشغار؟ فذكره، وقال الباجي: هو من جملة الحديث، اهـ، وبسط الحافظ الكلام فيه في ((الفتح))، وأكثر رواة مالك لم ينسبوا التفسير لأحد، ولذا قال الشافعي فيما حكاه البيهقي في ((المعرفة)): لا أدري التفسير عن النبي وَلّ أو عن ابن عمر أو عن نافع أو عن مالك، ونسبه محرز بن عون وغيره لمالك، وبه جزم الخطيب، وأخرج الدارقطني بسنده عن مالك قال: سمعت أن الشغار إلخ، وهذا دالٌّ على أن التفسير من منقول مالك، لا من مقوله، ووقع في حيل البخارى التفسير عن نافع. وقال الباجي(٢): الظاهر أنه من جملة الحديث حتى يتبين أنه من قول الراوي، وهو نافع، قال الحافظ(٣): وقد تبين ذلك، قال الزرقاني: ففي مسلم ههنا والبخاري في ترك الحيل عن عبيد الله، قلت لنافع ما الشغار؟ فذكره، ولذا قال الحافظ: الذي تحرر أنه من قول نافع، اهـ. الثاني: في علة النهي، قال الحافظ(٤): قد اختلف الفقهاء هل يعتبرُ في الشغار الممنوع ظاهرُ الحديث في تفسيره؟ فإن فيه وصفين: أحدهما: تزويج كل من الوليين وليّتَه للآخر بشرط أن يزوّجه وليته، والثاني: خلوُّ كل منهما من الصداق، فمنهم من اعتبرهما معاً حتى لا يمنع مثلاً إذا زوّج كل واحد منهما (١) ((فتح الباري)) (٩/ ١٦٢). (٢) ((المنتقى)) (٣٠٩/٣). (٣) ((فتح الباري)) (٩/ ١٦٢). (٤) ((فتح الباري)) (١٦٣/٩). ٤٢٦ ٢٧ - كتاب النكاح (١١) باب (١٠٨٧) حدیث الآخر بغير شرط، وإن لم يذكر الصداق، أو زوّج كل منهما الآخر بالشرط، وذكر الصداق، وذهب أكثر الشافعية إلى أن علة النهي الاشتراك في البضع، لأن بضع كل واحد منهم يصير مورد العقد، وجعل البضع صداقاً مخالف لإيراد عقد النكاح، وليس المقتضى للبطلان ترك ذكر الصداق، لأن النكاح يصحّ بدون تسمية الصداق. واختلفوا فيما إذا لم يصرحا بذكر البضع، فالأصح عندهم الصحة، ولكن وجد نص الشافعي على خلافه، ولفظه: إذا زوج الرجل ابنته لآخر على أن صداق كل واحد منهما بضع الأخرى أو على أن ينكحه الأخرى، ولم يسم لواحدة منهما صداقاً، فهذا الشغار الذي نهى عنه رسول الله وَلّ، وهو منسوخ، هكذا ساقه البيهقي بإسناده الصحيح عن الشافعي. واختلف نص الشافعي فيما إذا سمّى مع ذلك مهراً، فنص في ((الإملاء)) على البطلان، وظاهر نصه في ((المختصر)) الصحة، وعلى ذلك اقتصر في النقل عنه من ينقل الخلاف من أهل المذاهب، وقال القفال: العلة في البطلان التعليق، فكأنه يقول: لا ينعقد نكاح بنتي حتى ينعقد لي نكاح بنتك، وقال الخطابي: كان ابن أبي هريرة يشبهه برجل تزوّج امرأة، ويستثني عضواً من أعضائها، وهو مما لا خلاف في فساده، وتقريره أنه يزوج وليته، ويستثني بضعها حتى يجعله صداقاً للأخرى. ونقل الخرقي أن أحمد نصّ على أن علة البطلان ترك ذكر المهر، ورجّح ابن تيمية في ((المحرر)) أن العلة التشريك في البضع، وقال ابن دقيق العيد: ما نص عليه أحمد، هو ظاهر التفسير المذكور في الحديث أن لا صداق بينهما، فإنه يشعر بأن جهة الفساد ذلك، وإن كان يحتمل أن يكون ذلك ذكر لملازمته لجهة الفساد، اهـ. الثالث: في حكمه عند الفقهاء، قال ابن عبد البر: أجمعوا على أن نكاح ٤٢٧ ٢٧ - كتاب النكاح (١١) باب (١٠٨٧) حديث الشغار لا يجوز، ولكن اختلفوا في صحته، فالجمهور على البطلان، وفي رواية عن مالك يفسخ قبل الدخول لا بعده، وحكاه ابن المنذر عن الأوزاعي، وذهب الحنفية إلى صحته ووجوب مهر المثل، وهو قول الزهري ومكحول والثوري والليث، ورواية عن أحمد وإسحاق وأبي ثور، وهو قول على مذهب الشافعي لاختلاف الجهة، كذا في ((الفتح))(١). وقال الباجي(٢): النهي عن نكاح الشغار يقتضي تحريمه وفساده، فيجب إن وقع أن يفسخ، قال أبو الحسن: إنما اختلف قول مالك في الشغار، لاختلاف الناس في معناه، لأن المتفق عليه من لفظ الحديث النهي، وباقي الحديث يجعلونه من تفسير نافع، قال أبو عمر: لا خلاف في المنع من العقد، إنما الخلاف في فسخه، لاختلافهم في أن النهي يقتضي فساد المنهي عنه، وبقول مالك قال عطاء والشافعي، والدليل عليه من جهة القياس أن هذا مَلَّكَ بضع ابنته شخصين الناكح وبنته، وذلك يوجب فساد العقد كما لو زوج ابنته من رجلين. وإذا قلنا: إنه يفسخ إن وقع، ففي ((المدونة))(٣)، عن ابن القاسم: يفسخ قبل البناء وبعده، وإن ولدت الأولاد، قال: وقال مالك: يفسخ على كل حال، وروى ابن زياد عن مالك في غير ((المدونة)) يفسخ قبل البناء لا بعده، وهذا كله إذا لم يكن في الجنبتين ذكر مهر، فإن كان فيهما ذكر مهر مثل أن يقول: أُزَوِّجك بنتي بمائة على أن تزوجني بنتك بمائة، فالمشهور في المذهب أنه لا يجوز، وفي ((المدنية)) لا بأس بذلك، اهـ. (١) ((فتح الباري)) (٩/ ١٦٣). (٢) ((المنتقى)) (٣٠٩/٣). (٣) (١٣٩/٢). ٤٢٨ ٢٧ - كتاب النكاح (١١) باب (١٠٨٧) حديث وقال الدردير(١) فيمن قال: زوجني أختك مثلاً بمائة على أن أزوجك أختي بمائة، هو وجه الشغار، ويفسخ قبل البناء، ويثبت بعده بالأكثر من المسمى وصداق المثل، ولو لم يقع على وجه الشرط، بل على وجه المكافأة من غير توقف إحداهما على الأخرى لجاز، وإن لم يسم الصداق لواحدة منهما فصريح الشغار، وفسخ النكاح فيه أبداً، وفيه بعد البناء صداق المثل. قال الدسوقي: قوله: وجه الشغار، سُمّي هذا وجهاً لأنه شغار من وجهٍ دون وجه، فمن حيث إنه سمى لكل منهما صداقاً، فليس بشغار لعدم خلو العقد عن الصداق، ومن حيث الشرط شغار، وتسمية القسم الثاني صريحاً واضح، وقدم المصنف وجه الشغار اعتناءً برد من أجازه كالإمام أحمد، اهـ. وقال الخرقي: إذا زوج وليته على أن يزوجه الآخر وليته، فلا نكاح بينهما، وإن سموا مع ذلك صداقاً، قال الموفق(٢): لا تختلف الرواية عن الإمام أحمد، أن نكاح الشغار فاسد، رواه عنه جماعة، قال أحمد: روي عن عمر وزيد بن ثابت أنهما فرقا فيه، وحكي عن عطاء وعمرو بن دينار ومكحول والزهري والثوري أنه يصح، وتفسد التسمية، ويجب مهر المثل، لأن الفساد من قبل المهر لا يوجب فساد العقد. ولنا أحاديث الباب، وقولهم: إن فساده من قبل التسمية، قلنا: لا، بل فساده من جهة أنه وقفه على شرط فاسد، أو لأنه شرط تمليك البضع لغير الزوج، فأما إن سموا مع ذلك صداقاً فالمنصوص عن أحمد فيما وقفنا عليه صحته، وهو قول الشافعي، وقال الخرقي: لا يصح. ثم في الصداق وجهان: أحدهما: تفسد التسمية، ويجب مهر المثل، (١) ((الشرح الكبير)) (٣٠٧/٢). (٢) ((المغني)) (٤٢/١٠). ٤٢٩ ٢٧ - كتاب النكاح (١١) باب (١٠٨٨) حديث ٢٥/١٠٨٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ ٠٠ وهو قول الشافعي، لأن كل واحد منهما لم يرض بالمسمى إلا بشرط أن يزوج وليه صاحبه فينقص المهر لهذا الشرط، وهو باطل، فإذا احتجنا إلى ضمان النقص صار المسمى مجهولاً، فبطل، والوجه الثاني: يجب المسمى لأنه ذكر قدراً معلوماً، يصح أن يكون مهراً فصح، اهـ. الرابع: هل يختص الشغار بالبنت أو يعم غيره أيضاً؟ قال الحافظ(١): ذكر البنت في التفسير مثال، ووقع في رواية أخرى ذكر الأخت، قال النووي(٢): أجمعوا على أن غير البنات من الأخوات وبنات الأخ وغيرهن كالبنات في ذلك، اهـ. وتعقبه الأبي (٣) بأن مذهب مالك اختصاص ذلك بذوات الجبر، وهو في غيرهن بمنزلة من تزوج على أن لا صداق، فيمضي بالدخول، قال: ولا حجة فيما وقع عند مسلم في حديث أبي هريرة: ((نهى رسول الله ﴿ عن الشغار))، زاد ابن نمير، والشغار أن يقول: زوجني ابنتك وأزوجك ابنتي، وزوجني أختك وأزوجك أختي)) لأنه ليس من لفظه وَخير، اهـ. وقال الباجي(٤): الشغار في الأختين كالشغار في البنتين، وهو ظاهر (المدونة))، وقال بعض الناس: إن ذلك يختص بالابنتين البكرين، وهما من لا يعتبر برضاه في النكاح، ويجبر عليه، وأما من يعتبر رضاه فلا يدخله الشغار، وإنما هي كالتي تتزوج بغير صداق، اهـ. ٢٥/١٠٨٨ - (مالك عن عبد الرحمن) هكذا في جميع النسخ المصرية من المتون والشروح، وكذا في ((المحلى)) وبعض النسخ الهندية، وهكذا في غير ((الموطأ)) في البخاري وغيره من كتب الحديث، فما في بعض النسخ الهندية (١) (فتح الباري)) (١٦٤/٩). (٢) ((شرح صحيح مسلم للنووي)) (٢٠١/٩/٥). (٣) ((إكمال إكمال المعلم)) (٢٥/٤). (٤) ((المنتقى)) (٣١٠/٣). ٤٣٠ ٢٧ - كتاب النكاح (١١) باب (١٠٨٨) حديث ابْنِ الْقَاسِمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ وَمُجَمِّعٍ القديمة بدلها عبد الله تحريف من الناسخ (ابن القاسم) بن محمد بن أبي بكر الصديق -رضي الله عنه - (عن أبيه) القاسم بن محمد أحد الفقهاء (عن عبد الرحمن)(١) أبو محمد بن يزيد بن جارية الأنصاري المدني أخو عاصم بن عمر بن الخطاب لأمه، ولد في عهد النبي وََّ، ورُوِي عنه قصة خنساء، وقيل: عنه عن خنساء، له في البخاري هذا الواحد، قال ابن سعد: كان قديماً، وولي القضاء لعمر بن عبد العزيز، وكان ثقة قليل الحديث، مات بالمدينة سنة ٩٣ هـ. (ومجمّع) بضم الميم وفتح الجيم وتشديد الميم الثانية المكسورة آخره عين مهملة، هكذا ضبطه عامة المحدثين، وفي ((المحلى)): بفتح الميم الأولى والثانية، بينهما جيم ساكنة، وروي على زنة فاعل التجميع، اهـ. أخو عبد الرحمن المذكور من كبار التابعين، وهو ابن أخي مجمع بن جارية الصحابي الذي جمع القرآن في عهده وَّر، ووهم من زعم أنهما واحد، ومنه قيل: إن له صحبة، وليس كذلك، وإنما الصحبة لعمه مجمع بن جارية، واختلف أهل الرجال ورواة الحديث في بيان أنسابهم، وما ظهر لي من أنسابهم على ما علقته على هامش ((تهذيب التهذيب)) للحافظ مفصلاً، والمختصر منه هكذا : جارية بن عامر بن مجمع بن يزيد بن جارية بن مجمع بن العطاف بن ضبيعة بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن مالك بن الأوس المدني. صحابي جمع القرآن مجمع یزید زید - يعقوب عمر عبد الله عبيد الله إن صح ما في جامع الأصول بحیی مجمع عبد الرحمن ولد في عهده كله يعقوب إسماعيل مجمع محمد إبراهيم (١) انظر ترجمته في ((تهذيب التهذيب)) (٢٨٨/٦)، و(«أسد الغابة)) (٣٥٧/٣). ٤٣١ ٢٧ - كتاب النكاح (١١) باب (١٠٨٨) حدیث ابْنَيْ يَزِيدَ بْنِ جَارِيَةَ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ خَنْسَاءَ بِنْتِ خِدَامِ الْأَنْصَارِيَّةِ؛ أَنَّ أَبَاهَا (ابني) بلفظ التثنية يعني عبد الرحمن ومجمع كلاهما ابنا (يزيد) بتحتية فزاي (ابن جارية) بالجيم والراء والتحتية، قال صاحب ((المحلى)): وصحّحه بعضهم بالحاء المهملة والثاء المثلثة. (الأنصاري) الأوسي، ذكره الحافظ في القسم الأول من ((الإصابة)) (١)، وحكى عن غير واحد أنه ذكره في الصحابة، وقال: قال ابن منده: يزيد بن جارية، وقيل: زيد، جعلهما واحداً، والصواب أنهما أخوان، اهـ. وفي ((التجريد)): يزيد بن جارية، ويقال: زيد، والصحيح أنهما أخوان لمجمع، شهد يزيد حجة الوداع. (عن خنساء) بفتح الخاء المعجمة وإسكان النون وسين مهملة مهموز ممدود (بنت خدام) بالخاء المعجمة المكسورة والدال المهملة كما في ((الفتح)) و((التقريب))(٢) وبه جزم السيوطي، وصحّح الكرماني وغيره الذال المعجمة كما في ((المرقاة)) وقال: كذا في النسخ الصحيحة أي من ((المشكاة))، وفي المعجمة ذكره في ((الإصابة))، وكذا حكاه في ((المحلى)) عن ((جامع الأصول)) وبها ضبطه العيني . وحكى عن ((التوضيح)) خنساء اسمها زينب بنت خدام، وفي رواية اسمها ربعة بدل خنساء، واستغربه، وفي أخرى أم ربعة، ولعلها كنيتها. اهـ. (الأنصارية) الأوسية صحابية معروفة. (أن أباها) خداماً الصحابي، قيل: اسم أبيه وديعة، والصحيح أن اسم أبيه خالد، ووديعة اسم جده فيما أحسب، وكنية خدام أبو وديعة، كناه (١) (٤٦/٦). (٢) ((تقريب التهذيب)) (٥٩٦/٣). ٤٣٢ ٢٧ - كتاب النكاح (١١) باب (١٠٨٨) حديث زَوَّجَهَا وَهِيَ ثَيِّبٌ، أبو نعيم، وقد وقع ذلك عند عبد الرزاق من حديث ابن عباس أن خداماً أبا وديعة أنكح ابنته رجلاً، الحديث، كذا في ((الفتح))(١). (زَوَّجَها وهي ثيب) قال الحافظ: ووقع في رواية الثوري، ((قالت: أنكحني أبي وأنا كارهة وأنا بِكْر)» والأول أرجح. وفي رواية الإسماعيلي من طريق قاسم، ((قالت: وأنا أريد أن أتزوج عم ولدي))، وكذا أخرج عبد الرزاق بسنده عن أبي بكر بن محمد أن رجلاً من الأنصار تزوّج خنساء بنت خدام، فقتل عنها يوم أحد، فأنكحها أبوها رجلاً، فأتت النبي وَّر، فقالت: ((إن أبي أنكحني، وإن عمَّ ولدي أحبُّ إلي)). فهذا يدل على أنها كانت ولدت من زوجها الأول، واستفدنا من هذه الرواية نسبة زوجها الأول، واسمه أنيس بن قتادة، سماه الواقدي في روايته من وجه آخر عن خنساء، ووقع في ((المبهمات)) للقطب القسطلاني أن اسمه أسير، وأنه استشهد ببدر، ولم یذکر له مستنداً. وأما الثاني الذي كرهته، فلم أقف على اسمه، إلا أن الواقدي ذكر بإسناده، أنه من بني مزينة، ووقع في رواية ابن إسحاق أنه من بني عمرو بن عوف. وروى عبد الرزاق بسنده إلى ابن عباس أن خداماً أبا وديعة أنكح ابنته رجلاً، فقال له النبي ◌َله: لا تكرهوهن، فنكحت بعد ذلك أبا لبابة؛ وكانت ثيباً، وروى الطبراني بسند آخر عن ابن عباس، فذكر نحو القصة، وقال فيه: ((فنزعها من زوجها، وكانت ثيباً، فنكحت بعده أبا لبابة)). وروى عبد الرزاق أيضاً بسنده إلى نافع بن جبير قال: ((تأيّمت خنساء، فزوجها أبوها))، الحديث نحوه، وفيه (فردّ نكاحه، ونكحت أبا لبابة))، وهذه أسانيد تقوي بعضُها بعضاً، وكلها دالّةٌ على أنها كانت ثيبة، اهـ (١) ((فتح الباري)) (١٩٥/٩). ٤٣٣ ٢٧ - كتاب النكاح (١١) باب (١٠٨٨) حديث فَكَرِهَتْ ذُلِكَ. فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ، فَرَدَّ نِكَاحَهُ. أخرجه البخاريّ في: ٦٧ - كتاب النكاح، ٤٢ - باب إذا زوج ابنته وهي كارهة فنكاحه مردود. وفي ((الإصابة)): أنيس بن قتادة بن ربيعة الأنصاري الأوسي شهد بدراً، واستشهد بأحد، قال الواقدي بإسناده عن عبد الرحمن بن يزيد بن جارية عن عمه مجمّع بن جارية: إن خنساء بنت خدام كانت تحت أنيس بن قتادة، فقتل عنها يوم أحد، فزوجها أبوها رجلاً من مزينة، فكرهته، وجاءت إلى رسول الله 18 فردّ نكاحه، فتزوجها أبو لبابة، فجاءت بالسائب بن أبي لبابة، قال ابن عبد البر(١): قتل شهيداً يوم أحد، وسماه غير الواقدي أنساً، وأنكره ابن عبد البر، انتهى. وسماه في ((المحلى)) قيس بن عبادة، والظاهر أنه تحريف . (فكرهت ذلك) الرجل الذي أنكحها أبوه، وتقدم في كلام الحافظ أنه لم يعرف اسمه، وأنه عند الواقدي من مزينة، وعند ابن إسحاق أنه من بنى عمرو بن عوف، وبه جزم الباجي، كما يأتي في كلامه (فأتت إلى رسول الله (وَلِّد) فقالت: إن أبي أنكحني رجلاً، وإن عم ولدي أحبُّ إليّ منه، كما تقدم (فرد) رسول الله وَ﴾ (نكاحَه) فتزوجت أبا لبابة، وولدت له السائب، كما تقدم. قال الباجي(٢): زوجها أبوها من رجل من بني عمرو بن عوف، فردّ رسول الله مَّي نكاحها لما كرهته، ونكحت أبا لبابة بن عبد الخدري، اهـ. قلت: قال الحافظ في ((الإصابة)): أبو لبابة بن عبد المنذر الأنصاري مختلف في اسمه، فذكر الاختلاف فيه، وقال: روى عنه ولداه السائب وعبد الرحمن، اهـ. (١) انظر: ((الاستذكار)) (٢١٠/١٦)، و((شرح الزرقاني)) (١٤٤/٣). (٢) ((المنتقى)) (٣١٢/٣). ٤٣٤ ٢٧ - كتاب النكاح (١١) باب (١٠٨٨) حديث والحديث حجة لمن قال: إن الثيب لا إجبار عليها، وهي إجماع إن كانت بالغة، ومختلفة إن كانت غير بالغة كما تقدم الخلاف في ذلك في استثمار البكر والثيب، ولا حجة في الحديث على الحنفية حتى يثبت أنها كانت غير بالغة، وما ورد في بعض طرقه أنها كانت بكراً حجة على غيرهم. قال الشيخ في ((البذل))(١) بعد ما حكى اختلاف الروايات في كونها بكراً أم ثيباً: لا معارضة بينهما، حتى يحتاج إلى الترجيح، فيحتمل أن يكون وقع لها هذه القصة مرتين، مرة وقعت لها حال كونها بكراً، ثم وقعت حال كونها ثيباً، وهذا أهون من أن يُرَدَّ الحديث الصحيح بهذا العذر، مع أن القائل بكونها ثيباً هو ابنا يزيد، والقائلة بكونها بكراً هي خنساء نفسها، فلا يرجح قولهما بمقابلة قولها، اهـ. وترجم البخاري على حديث الباب: ((إذا زوج الرجل ابنته وهي كارهة فنكاحه مردود))، قال الحافظ(٢): رد النكاح إذا كانت ثيباً، فزوجت بغير رضاها إجماع، إلا ما نقل عن الحسن أنه أجازها. واختلفوا إذا وقع العقد بغير رضاها، فقالت الحنفية: إن أجازته جاز، وعن المالكية إن أجازته عن قرب جاز، وإلا فلا، وردّه الباقون مطلقاً، اهـ. وقال العيني(٣): اختلفت الأئمة القائلون بحديث خنساء إن زَوَّجَها بغير إذنها، ثم بلغها، فأجازت، فقال إسماعيل القاضي: أصل قول مالك: أنه لا يجوز وإن أجازته، إلا أن يكون بالقرب كأنه في فور، ويبطل إذا بعُد، وقال الشافعي وأحمد وأبو ثور: إذا زوّجها بغير إذنها، فالنكاح باطل وإن رضيته؛ لأنه وَ ل رد نكاح خنساء، ولم يقل إلا أن تجيزه، واستدل به الشافعي على إبطال النكاح الموقوف على إجازة من له الإجازة، وهو أحد قولي مالك، اهـ. (١) ((بذل المجهود)) (١١١/١٠). (٢) ((فتح الباري)) (١٩٤/٩). (٣) ((عمدة القاري)) (١٤/ ٩٢). ٤٣٥ ٢٧ - كتاب النكاح (١١) باب (١٠٨٩) حديث ٢٦/١٠٨٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ المَكِّيّ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَتِيَ بِنِكَاحِ لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ إِلَّا رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ . وقال الباجي(١): أما النكاح الموقوف فقد حكى القاضي أبو الحسن: أن قول مالك اختلف فيه، فأجازه مرة إذا أجيز بالقرب، وقال مرة: إنه لا يجوز، وقال أبو حنيفة في النكاح الموقوف: ينعقد، ويقف على الإجازة. فإن وجدت الإجازة نفذ، وإلا بطل، وقال الشافعي: لا يجوز النكاح الموقوف بوجه، والدليل على صحته من جهة القياس: أن كون النكاح موقوفاً على إجازة مجيز لا يمنع صحته، أصل ذلك إذا كان موقوفاً على القبول. ثم بسط الباجي الفروع في ذلك من أنواع التوقف وتفاريع القرب، ويمكن أن يستدل على جوازه من المنقول بما أخرجه النسائي عن عائشة ((أن فتاة دخلت عليها، فقالت: إن أبي زوّجني ابن أخيه، ليرفع بي خسيسته وأنا كارهة، فقالت: اجلسي حتى يأتي النبي ◌َّ، فجاء رسول الله وَلته، فأخبرته، فأرسل إلى أبيها، فدعاه، فجعل الأمر إليها، فقالت: يا رسول الله قد أجزتُ ما صنع أبي، ولكن أردت أن أعلم أَلِلنِّسَاء من الأمر شيئاً. ٢٦/١٠٨٩ - (مالك، عن أبي الزبير المكي) محمد بن مسلم (أن عمر بن الخطاب) . -رضي الله عنه وأرضاه - (أتي) ببناء المجهول (بنكاح) ولفظ محمد في (موطئه)) أتي برجل في نكاح (لم يشهد عليه) أي على هذا النكاح (إلا رجل وامرأة) قال الباجي(٢): أما مقارنة الشهادة لعقد النكاح، فلا خلاف أنه الأفضل. لاختلاف الناس في عدِّ ذلك عندنا شرطاً في صحة النكاح، ويجوز عندنا أن ينعقد النكاح بغير شهادة، ثم يقع الإشهاد به بعد ذلك، وبه قال ابن عمر وعروة وعبد الله ابنا الزبير والحسن بن علي، وقال أبو حنيفة: لا بد (١) ((المنتقى)) (٣١٠/٣). (٢) ((المنتقى)) (٣١٢/٣). ٤٣٦ ٢٧ - كتاب النكاح (١١) باب (١٠٨٩) حديث من شاهدين، وإن كانا فاسقين، ويجوز رجل وامرأتان، وقال الشافعي: من شرط الصحة مقارنة الشهادة لعقده، فإن عرا عن الشهادة حين العقد وجب فسخه لفساده، وأقل ذلك شاهدا عدل، وبه قال الأوزاعي والثوري وابن حنبل، وهو قول ابن عباس وسعيد بن المسيب والحسن البصري والنخعي. والدليل على ما نقوله حديث البخاري في قصة نكاح صفية - رضي الله عنها - ووجه الدليل منه أن أصحاب النبي وَّ قالوا: إن حجبها فهي من أمهات المؤمنين، ولو كان أشهد على نكاحها لعلموا ذلك بالإشهاد، ولا يثبت بأقل من شاهدين من الرجال، ولا يثبت بشهادة رجل وامرأتين، لقوله تعالى في الطلاق، وقيل في الرجعة: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ والأمر يقتضي الوجوب، اهـ. وقال الموفق(١): لا ينعقد إلا بشاهدين، هذا المشهور عن أحمد، وروي ذلك عن عمر وعلي، وهو قول ابن عباس، وجابر بن زيد، وقتادة، والثوري والشافعي، وأصحاب الرأي، وغيرهم، وعن أحمد يصح بغير شهود، وفعله ابن عمر، والحسن بن علي، وسالم وحمزة ابنا عمر، وبه قال أبو ثور، وابن المنذر، وغيرهم، وهو قول الزهري، ومالك إذا أعلنوه. قال ابن المنذر: لا يثبت في الشاهدين في النكاح خبر، قال ابن عبد البر: قد روي عن النبي ◌َّلي: ((لا نكاح إلا بولي وشاهدين عدلين))(٢) من حديث ابن عباس وأبي هريرة وابن عمر إلا أن في نقله ذلك ضعيفاً، قال ابن المنذر: ، وقد أعتق النبي وَله صفية، فتزوجها بغير شهود، فاستدلوا على تزويجها بالحجاب، ووجه الأولى ما روي أنه قال وكسل ر: ((لا نكاح إلا بولي مرشد وشاهدي عدل) رواه الخلال بإسناده. (١) «المغني)) (٣٤٧/٩). (٢) حديثا ابن عباس وابن عمر أخرجهما الدار قطني (٢٢١/٣) وحديث أبي هريرة أخرجه البيهقي (١٢٥/٧). ٤٣٧ ٢٧ - كتاب النكاح (١١) باب (١٠٨٩) حدیث فَقَالَ: هَذَا نِكَاحُ السِّرِّ. وَلَا أُجيزُهُ. وروى الدارقطني (١) عن عائشة مرفوعاً: ((لا بد في النكاح من أربعة: الولي، والزوج، والشاهدان)) وأما نكاحه بَ ل* بغير ولي وغير شهود، فمن خصائصه في النكاح، ولا ينعقد إلا بشهادة مسلمين، وأما الفاسقان، ففي الانعقاد بشهادتهما روايتان، إحداهما: لا ينعقد، وهو مذهب الشافعي، والثانية: ينعقد. وهو قول أبي حنيفة، وعلى كلتا الروايتين لا يعتبر حقيقة العدالة، بل ينعقد بشهادة مستوري الحال، لأن النكاح يكون في القرى والبادية، وبين عامة الناس ممن لا يعرف حقيقة العدالة، فاعتبار ذلك يشق فاكتفي بظاهر الحال، اهـ. وقال الدردير(٢): ندب إشهاد عدلين بعقده، وهذا هو مصب الندب، وأما الإشهاد عند البناء فواجب شرط، وفسخ النكاح إن دخلا بلا إشهاد بطلقةٍ لصحة العقد بائنةٍ؛ لأنه فسخ جبري من الحاكم، قال الدسوقي: حاصله أن الإشهاد على النكاح واجبٌ، وكونه عند العقد مندوبٌ، فإن لم يحصل عند العقد كان واجباً عند البناء، فالإشهاد ليس شرطاً في صحة العقد عندنا، بل واجب مستقل مخافة أن كل اثنين اجتمعا في خلوة على فساد، يدّعيان سبق عقد بلا إشهاد، اهـ ملخصاً (فقال) عمر - رضي الله عنه -: (هذا) داخل في (نكاح السرِّ ولا أجيزه). قال الباجي(٣): يقتضي أن هذا من جملة النكاح، غير أن تعليله لمنعه بأنه من نكاح السر، فقد اختلف الفقهاء في نكاح السِرِّ، فمنع منه مالك، وقال: إنه يُفْسخ إن وقع، وبه قال الزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري، وقال (١) ((سنن الدار قطني)) (٢٢٥/٣). (٢) ((الشرح الكبير)) (٢١٦/٢). (٣) ((المنتقى)) (٣١٤/٣). ٤٣٨ ٢٧ - كتاب النكاح (١١) باب (١٠٨٩) حديث أبو حنيفة، والشافعي: لا يفسخ، واستدلال أصحابنا في ذلك بما رواه ابن وهب بسنده إلى ابن الزبير مرفوعاً: ((أعلنوا النكاح)) وإذا ثبت ذلك، فالذي يراعى فيه ترك التواطؤ على الكتمان، ومعنى ذلك عقده دون ذكر كتمان ولا إعلان فمتى عقد على هذا فهو عقد صحيح حتى يقترن به التواطؤ على الكتمان . وقد اتفقنا على أنه لا بد من أن يقترن بعقد النكاح أحد أمرين: الإشهاد عند من يخالفنا، أو ترك التواطؤ على الكتمان عندنا، وقول عمر - رضي الله عنه - وما شاع بحضرة الصحابة يقوي المنع من الكتمان، وكل نكاح استكتمه شهوده فهو من نكاح السر، وإن كثر الشهود، رواه ابن حبيب وعمر عن مالك، قال عيسى: سمعت ابن القاسم في المسجد الجامع بمصر يقول: لو شهد عليه من الرجال على هذا المسجد، ثم استكتموا كان نكاح السر، قال أصبغ: وهو الحق، وروى ابن مزين عن يحيى بن يحيى قال: لا يكون نكاح السر إلا في مثل الذي وقع بعهد عمر - رضي الله عنه - رجل وامرأة، فأما أن يشهد فيه رجلان عدلان فصاعداً فهو نكاح حلال، وإن استكتم ذلك الشهود، لأنه إذا علم عدلان فصاعداً فليس بسر، وبه قال الشافعي، اهـ. . وقال الموفق(١): قال أحمد: يُستحب أن يظهر النكاح، ويضرب فيه بالدف، حتى يُشتهر ويُعرف، وقال: لا بأس بالغزل في العُرْس، وقيل له: ما الصوتُ؟ قال: يتكلم ويتحدث ويظهر، والأصل فيه ما روى محمد بن حاطب مرفوعاً: ((فصل ما بين الحلال والحرام الصوتُ والدُّفُ في النكاح))، رواه النسائي(٢)، وقال ◌َّير: ((أعلنوا النكاح))، وكان يحب أن يضرب عليه بالدف، (١) ((المغني)) (٩/ ٤٦٧). (٢) ((سنن النسائي)) (١٠٤/٦). ٤٣٩ ٢٧ - كتاب النكاح (١١) باب (١٠٨٩) حديث وَلَوْ كُنْتُ تَقَدَّمْتُ وفي لفظ ((واضربوا عليه بالغربال))، رواه ابن ماجه (١)، وقال أحمد: لا بأس بالدف في العرس والختان، وأكره الطبل، وهو المنكر، فإن عَقَدَ النكاح بوليٍّ وشاهدين، فأسَرُّوه، أو تواصوا بكتمانه كُرِه ذلك، وصحَّ النكاح، وبه يقول أبو حنيفة والشافعي وابنُ المنذر، وممن كره نكاح السرِّ عمر وعروة والشعبي وغيرهم، وقال أبو بكر عبد العزيز: النكاح باطل، وهذا مذهب مالك، والحجة لهم ما تقدم. ولنا: قوله ◌َّيقول: ((لا نكاح إلا بولي)). الحديث. ومفهومه انعقاده بذلك، وإن لم يوجد الإظهار وأخبار الإعلان، يراد بهما الاستحباب، بدليل أمره فيها بالضرب بالدُّف والصوت، وليس ذلك بواجب، فكيف ما عُطِف عليه، اهـ. قال محمد في ((موطئه))(٢) بعد أثر الباب: وبهذا نأخذ، لأن النكاح لا يجوز في أقل من شاهدين، وإنما شهد على هذا الذي ردّه عمر رجل وامرأة، فهذا نكاح السر، لأن الشهادة لم تكمل، ولو كملت الشهادة برجلين أو رجل وامرأتين كان نكاحاً جائزاً، وإن كان سراً. وإنما يفسد نكاح السر أن يكون بغير شهود، فأما إذا كملت فيه الشهادة، فهو نكاح العلانية، وإن كانوا أَسَرُّوه، ثم أخرج بسنده: أن عمر بن الخطاب أجاز شهادةَ رجلٍ وامرأتين في النكاح والفرقة. قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قول أبي حنيفة - رضي الله عنه -، اهـ. (ولو كنت تقدمت) بفتح التاء والقاف والدال أي سبقت غيري. وفي رواية ابن وضّاح بضم التاء والقاف وكسر الدال بالبناء للمفعول، أي سبقني غيرك، كذا قال الزرقاني(٣). (١) أخرجه ابن ماجه (٦١١/٦)، والترمذي (١٠٨٩). (٢) ((موطأ الإمام محمد)) (ص١٧٩). (٣) ((شرح الزرقاني)) (١٤٥/٣). ٤٤٠