Indexed OCR Text

Pages 401-420

٢٧ - كتاب النكاح
(٧) باب
(١٠٨١) حديث
١٨/١٠٨١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ
الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِّ وََّ؛ أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ رَجُلْ
طَلَّقَ امْرَأَتَهُ الْبَنَّةَ. فَتَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ رَجُلٌ آخَرُ. فَطَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا
هَلْ يَصْلُحُ لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَا. حَتَّى
يَذُوقَ عُسَيْلَتَهَا .
قلت: ومنها، أن داود الظاهري استدل بهذا الحديث على أن العِنِّيْن لا
يؤجل له السنة، ولا خيار لزوجته لأنه ◌َ* لم يؤجل لابن الزبير، ورُدَّ بالإجماع
على ذلك من الصحابة والأئمة الأربعة كما سيأتي بيانه في أجل العنين،
وسيأتي هناك الجواب عن استدلاله.
١٨/١٠٨١ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن القاسم بن
محمد) ابن أبي بكر الصديق (عن) عمته (عائشة زوج النبي ◌َّالقول أنها سئلت) ببناء
المجهول (عن رجل طلق امرأته البتة) ظاهره أنه قال لها: أنت طالق البتة، لكن
المراد هنا المطلقة ثلاثاً من البتّ، وهو القطع أي طلقها طلاقاً حصل به قطع
عصمتها منه، قال الحافظ: المبتوتة من قيل لها: أنت طالق البتة، وتطلق على
من أُبِيْنَتْ بالثلاث (فتزوجها بعده) بعد طلاق الأول وليس لفظ بعده في النسخ
الهندية، ولا ضیر فیه.
(رجل آخر فطلقها) الزوج الثاني (قبل أن يَمسَّها) أي قبل أن يُجَامعها
(هل يصلح لزوجها الأول) الذي طلقها ثلاثاً (أن يتزوجها؟) حينئذ (فقالت
عائشة: لا) تصلح أي لا يحلّ لزوجها الأول نكاحها (حتى يذوق) الزوج الثاني
(عسيلتها) فأفتت بما روته مرفوعاً في هذه المسألة، فإنها - رضي الله عنها -
رويت عنها مرفوعاً بطرق في قصة امرأة رفاعة، ورويت عنها في غيرها أيضاً.
قال الحافظ(١): روى حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن
(١) ((فتح الباري)) (٤٦٩/٩).
٤٠١

٢٧ - كتاب النكاح
(٧) باب
(١٠٨٢) حدیث
١٩/١٠٨٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ
مُحَمَّدٍ، سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ الْبَنَّةَ. ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ رَجُلٌ
آخَرُ. فَمَاتَ عَنْهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا. هَلْ يَحِلُّ لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ أَنْ
یُرَاجِعَهَا؟
فَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: لَا يَحِلُّ لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ أَنْ يُرَاجِعَهَا .
عائشة أن عمرو بن حزم طلق الغميصاء، فنكحها رجل فطلقها قبل أن يمسها،
فسألت النبي وسلم فقال: ((لا، حتى يذوق الآخر عسيلتها وتذوق عسيلته))،
أخرجه الطبراني، ورواته ثقات، فإن كان حماد بن سلمة حفظه. فهو حديث
آخر لعائشة في قصة أخرى غير قصة رفاعة، اهـ.
وأخرج البخاري من طريق الزهري، عن عروة عن عائشة قصة رفاعة، ثم
أخرج من طريق العمري عن القاسم بن محمد عن عائشة أن رجلاً طلق امرأته
ثلاثاً، فتزوجت فطلق فسئل النبي والتر أتحل للأول؟ الحديث، قال الحافظ:
هذا الحديث مختصر من قصة رفاعة أو كان في أخرى.
١٩/١٠٨٢ - (مالك، أنه بلغه أن القاسم بن محمد سئل) ببناء المجهول
(عن رجل طلّق امرأته البتة) أي ثلاثاً (ثم تزوجها بعده) أي بعد طلاقه (رجل
آخر فمات) الزوج الثاني (عنها) أي عن المرأة (قبل أن يمسها) أي قبل أن
يجامعها (هل يحل لزوجها الأول أن يراجعها) أي يتزوجها ثانياً (فقال القاسم بن
محمد: لا يحل لزوجها الأول أن يراجعها) لأن الزوج الثاني لم يذق عسيلتها
والمدار عليه .
قال الباجي(١): لأن الإحلال لا يكون بالعقد، وإنما يكون بالوطء، وإن
كانت وفاة الزوج يقع بها كمال المهر، لكن لا يقع بها الإحلال ولا
الإحصان، والفرق بينهما أن المهر إنما يكون في مقابلة استباحة العضو
(١) ((المنتقى)) (٢٩٩/٣).
٤٠٢

٢٧ - كتاب النكاح
(٨) باب
(١٠٨٣) حديث
قَالَ مَالِكٌ، فِي الْمُحَلِّلِ: إِنَّهُ لَا يُقِيمُ عَلَى نِكَاحِهِ ذُلِكَ، حَتَّى
يَسْتَقْبِلَ نِكَاحاً جَدِيداً. فَإِنْ أَصَابَهَا فِي ذَلِكَ، فَلَهَا مَهْرُهَا .
(٨) باب ما لا يجمع بينه من النساء
٢٠/١٠٨٣ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ،
والمواصلة مدة العمر، فإذا وجد موت أحدهما فقد انقضت مدة المواصلة،
فوجب جميع المهر، وأما الإحلال، فإنه يحصل بالوطء، وليس في موت
الزوج الثاني معنى من معاني الوطء، ولا خلاف في ذلك، اهـ.
(قال مالك في المحلل) أي في الذي نكح بنية التحليل (إنه لا يقيم على
نكاحه) المذكور لأن نكاح التحليل عند الإمام مالك ومن وافقه فاسد، قال
الباجي: فيحكم عليه بالفرقة قبل البناء وبعده رواه ابن المواز عن أشهب عن
مالك، قال ابن المواز: يفسخ نكاحه بطلقة بائنة إن ثبت ذلك بإقراره (حتى
يستقبل نكاحاً جديداً) أي بدون نية التحليل (فإن أصابها) في هذا النكاح الفاسد
(فلها مهرها).
قال الباجي(١): هكذا رواه يحيى بن يحيى، وروى ابن بكير ((فلها مهر
مثلها))، وتابعه على ذلك القعنبي، ورواية يحيى أظهر، لأنه نكاح فسد لعقده،
فيجب بالدخول المهر المسمى، وروى ابن عبد الحكم عن مالك ((لها مهر
مثلها))، وهو مذهب الشافعي، وقال ابن المواز: بل لها المهر المسمى وهو
قول مالك وهو الأظهر، اهـ.
(٨) ما لا يجمع بينه من النساء
(ما لا يجمع) ببناء المجهول (بينه) الضمير لما (من النساء) بيان لما يعني
بيان النساء اللاتي لا يجوز أن يجمع بينهن في النكاح.
٢٠/١٠٨٣ - (مالك، عن أبي الزناد) بكسر الزاي وخفة النون عبد الله بن
(١) ((المنتقى)) (٣٠٠/٣).
٤٠٣

٢٧ - كتاب النكاح
(٨) باب
(١٠٨٣) حديث
عَنِ الْأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ: (لَا يُجْمَعُ
بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا .
أخرجه البخاريّ في: ٦٧ - كتاب النكاح، ٢٧ - باب لا تنكح المرأة على
عمتها .
ومسلم في: ١٦ - كتاب النكاح، ٣ - باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها
أو خالتها في النكاح، حديث ٣٣.
ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) - رضي الله عنه -
(أن رسول الله وَلقر قال: ((لا يجمع) ببناء المجهول، قال الحافظ(١): لا يجمع
ولا ينكح كلها في الروايات بالرفع على الخبر عن المشروعية، وهو يتضمن
النهي، قاله القرطبي. وقال الباجي: ((لا يُجْمع)) يقتضي العموم من جهة اللفظ
غير أن التحريم إذا علّق على النساء، فإن المفهوم منه الوطء، اهـ.
(بين المرأة وعمتها) في نكاح ولا وطء بملك يمين، فإن النكاح لما كان
مقصوده الوطء منع الجمع فيه مطلقاً، وأما ملك اليمين فالمقصود منه التموّل لا
حلة البضع أصالةً حرم الجمع في الوطء لا ملك اليمين.
(ولا بين المرأة وخالتها) سواء كانتا عمة وخالة حقيقية أو مجازية، وهي
أخت الجد وإن علا، وكذا أخت الجدة، وإن علت، كلهن حرام إجماعاً،
ويحرم الجمع بينهما نكاحاً ووطئاً بملك يمين، فلو نكحهما معاً بطل نكاحهما،
إذ ليس تخصيص إحداهما بالبطلان أولى من الأخرى، وإن نكحهما مرتباً بطل
نكاح الثانية، وإن اشتراهما معاً أو مرتباً يجوز.
قال الموفق(٢): يجوز الجمع بين الأختين في الملك بغير خلاف بين أهل
العلم، وكذلك بينها وبين عمتها وخالتها، ولو اشترى جارية فوطئها حَلَّ له
(١) ((فتح الباري)) (١٦٠/٩).
(٢) («المغني)) (٥٣٧/٩).
٤٠٤

٢٧ - كتاب النكاح
(٨) باب
(١٠٨٣) حديث
شراء أختها وعمتها وخالتها لأن الملك يقصد به التمول دون الاستمتاع، ولا
يجوز الجمع بينهما في الوطء، نص عليه أحمد في رواية الجماعة، وممن قال
بتحريمه مالك والأوزاعي وأبو حنيفة والشافعي، وروي عن ابن عباس أنه قال:
أحلَّثْهما آية، وحَرَّمَتْهما آية ولم أكن لأفعله.
ويروى ذلك عن علي أيضاً يريد بالمحرمة قوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ
اُلْأُخْتَيْنِ﴾ وبالْمُحَلِّلةِ قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَهُمْ﴾
وروى ابن منصور عن أحمد أنه سأله عن الجمع بين الأختين المملوكتين أحرام
هو؟ قال: لا أقول: حرام، ولكن ننهى عنه، وظاهر هذا أنه مكروه غير محرم،
وقال داود وأهل الظاهر: لا يحرم استدلالاً بالآية المُحَلِّلة، لأن حكم الحرائر
في الوطء مخالف لحكم الإماء، والمذهب تحريمه للآية المحرمة.
فإذا كان في ملكه أختان، فله وطء إحداهما في قول أكثر أهل العلم،
وقال الحكم وحماد: لا يقرب واحدة منهما، وروي ذلك عن النخعي وذكره
أبو الخطاب مذهباً لأحمد.
ولنا أنه ليس يجمع بينهما في الفراش، فإذا وطئ إحداهما فليس له وطء
الأخرى قبل تحريم الموطوءة على نفسه بإخراجها عن ملكه أو تزويجها،
انتھی .
وقال الحافظ(١) بعد ما بسط الروايات في معنى حديث الباب: قال
الشافعي: تحريم الجمع بين من ذكر هو قول من لقيته من المفتين، لا اختلاف
بينهم في ذلك، وقال الترمذي بعد تخريجه: العمل على هذا عند عامة أهل
العلم، لا نعلم بينهم اختلافاً أنه لا يحل للرجل أن يجمع بين المرأة وعمتها أو
خالتها .
(١) ((فتح الباري)) (١٦١/٩).
٤٠٥

٢٧ - كتاب النكاح
(٨) باب
(١٠٨٤) حديث
٢١/١٠٨٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّب؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: يُنْهِى أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى
عَمَّتِهَا. أَوْ عَلَى خَالَتِهَا .
وَأَنْ يَطَأَّ الرَّجُلُ وَلِيدَةً. وَفِي بَطْنِهَا جَنِينٌ لِغَيْرِهِ.
قال ابن المنذر: لست أعلم في منع ذلك اختلافاً اليوم، وإنما قال
بالجواز فرقة من الخوارج، وكذا نقل الإجماع ابن عبد البر وابن حزم
والنووي، ولكن استثنى ابن حزم عثمان البتيّ، وهو أحد الفقهاء من البصرة،
واستثنى النووي طائفة من الخوارج والشيعة، انتهى.
٢١/١٠٨٤ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن سعيد بن
المسيب أنه كان يقول: يُنْهَى) ببناء المجهول (أن تُنْكَحَ المرأة على عمتها أو على
خالتها) وكذا العمة أو الخالة على بنت الأخ وبنت الأخت لرواية أبي داود
والترمذي، وقال: حسن صحيح، عن أبي هريرة مرفوعاً: ((لا تنكح المرأة على
عمتها ولا العمة على ابنة أخيها، ولا المرأة على خالتها، ولا الخالة على بنت
أختها لا تُنْكح الصغرى على الكبرى، ولا الكبرى على الصغرى)) وتقدم قريباً
أن من نكح بإحداهن بطَلَ نكاحُ الأخرى، وكذلك من وطئ بإحداهما بملك
الیمین لا یحِلُّ له وطء الأخرى.
(وأن يطأ الرجل) أي يُنْهَى من وطء الرجل (وليدة) أي أمة (وفي بطنها
جنين لغيره) قال محمد في ((موطئه)): وبهذا نأخذ، وهو قول أبي حنيفة والعامة
من فقهائنا، وفي ((التعليق الممجد))(١): لئلا يسقِيَ بمائه زرع غيره سواء كان من
حلال أو حرام، قاله القاري، انتهى.
وقد أخرج أبو داود(٢) عن رُويفع بن ثابت الأنصاري قال: قام فينا يعني
(١) (٤٥٦/٢).
(٢) ((سنن أبي داود)) (٢١٥٨).
٤٠٦

٢٧ - كتاب النكاح
(٩) باب
(٩) باب ما لا يجوز من نكاح الرجل أم امرأته
رويفع خطيباً، قال: أما إني لا أقول لكم إلا ما سمعت رسول الله وَليه يقول
يوم حنين قال: ((لا يحلّ لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع
غيره)) الحديث.
قال الخطابي(١): شَبَّهَ النبي وَلَّ الولد إذا علق بالرحم بالزرع إذا ثبت
ورسخ في الأرض، وفيه كراهة وطء الحبلى إذا كان الحبل من غير الواطئ
على الوجوه كلها، انتهى.
قال الشوكاني(٢): حديث رويفع رواه أحمد والترمذي وأبو داود وابن أبي
شيبة والطبراني والبيهقي وابن حبان وصححه، والبزار وحسنه، وفي الباب عن
أبي هريرة مرفوعاً: ((لا يقعَنَّ رجل على امرأة، وحملُها لغيره)) رواه أحمد(٣)
والطبراني.
(٩) ما لا يجوز من نكاح الرجل أم امرأته
أي بيان التفاريع في ذلك، والأصل فيه قوله تعالى في آية المحرمات:
﴿وَأُمَّهَتُ نِسَآَبِكُمْ﴾ وقال الموفق(٤): القسم الثاني أي من أنواع المحرمات
تحريم المصاهرة، والمنصوص عليه أربع؛ أمهات النساء فمن تزوج امرأة حُرِّمَ
عليه كل أم لها من نسب أو رضاع قريبة أو بعيدة، بمجرد العقد، نص عليه
أحمد، وهو قول أكثر أهل العلم، منهم ابن مسعود، وابن عمر، وجابر،
وعمران بن حصين، وكثير من التابعين، وبه يقول مالك والشافعي وأصحاب
الرأي، وحكي عن علي - رضي الله عنه - أنها لا تحرم إلا بالدخول بابنتها كما
لا تحرم ابنتها إلا بالدخول.
(١) ((معالم السنن)) (١٨٣/٢).
(٢) («نيل الأوطار)) (٢٩٥٥) (٣٦٣/٦/٣)، و((بذل المجهود)) (٢٠٥/١٠).
(٣) ((مسند أحمد)) (٣٦٨/٢).
(٤) («المغني)) (٥١٥/٩).
٤٠٧

٢٧ - كتاب النكاح
(٩) باب
(١٠٨٥) حدیث
١٠٨٥/ ٢٢ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛
أَنَّهُ قَالَ: سُئِلَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ عَنْ رَجُلِ تَزَوَّجَ امْرْأَةً، ثُمَّ فَارَقَهَا قَبْلَ
أَنْ يُصِيبَهَا. هَلْ تَحِلُّ لَهُ أُمُّهَا؟ فَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: لَا، الْأُمُّ مُبْهَمَةٌ.
لَيْسَ فِيهَا شَرْطٌ .
ولنا قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَتُ نِسَآَبِكُمْ﴾ والمعقود عليها من نسائه، فتدخل
في عموم الآية، وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً: ((من تزوج
امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها فلا بأس أن يتزوج ربيبته، ولا يحل له أن
يتزوج أمها))، رواه أبو حفص بإسناده (١)، وقال زيد: تحرم بالدخول أو بالموت
لأنه يقوم مقام الدخول، وقد ذكرنا ما يوجب التحريم مطلقاً سواء وجد الدخول
أو الموت أو لا، انتهى. وروي عن زید بخلافه كما سيأتي.
وقال الرازي: مذهب الأكثرين من الصحابة والتابعين أن من تزوج امرأةً
حُرِّمَتْ عليه أمها، سواء دخل بها أو لم يدخل، وزعم جمعٌ من الصحابة أن
الأم إنما تُحَرَّمُ بالدخول على البنت، كما أن الربيبة إنما تُحَرَّمُ بالدخول بالأم،
وهو قول علي وزيد وابن عمر وابن الزبير وجابر، وأظهر الروايات عن
ابن عباس.
٢٢/١٠٨٥ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (أنه قال: سُئل)
ببناء المجهول (زيد بن ثابت) أخرجه البيهقي في ((سننه))، وقال: هذا منقطع
(عن رجل تزوَّج امرأة) أي عقد عليها (ثم فارقها) أي طلقها (قبل أن يصيبها)
أي يُجامعها (هل تحل له) لهذا الرجل (أمها؟) أي أم غير المدخولة بها (فقال
زيد بن ثابت: لا) تحِلّ له لأن لفظ (الأم مبهمة) أي مطلقة في القرآن الكريم
(ليس فيها شرط) الدخول.
وحكى الموفق(٢) عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: أبهموا ما
(١) أخرجه البيهقي في ((سننه)) (١٦٠/٧)، وعبد الرزاق في ((مصنفه)) (٢٧٦/٦).
(٢) ((المغني)) (٥١٥/٩).
٤٠٨

٢٧ - كتاب النكاح
(٩) باب
(١٠٨٥) حديث
وَإِنَّمَا الشَّرْطُ فِي الرَّبَائِبِ.
أبهم القرآن أي عمُّوا حكمها في كل حال، ولا تفصلوا بين المدخول بها وبين
غيرها، انتهى.
وقال السيوطي(١): أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر
وابن أبي حاتم والبيهقي في ((سننه)) عن ابن عباس: ﴿وَأُمَّهَتُ نِسَابِكُمْ﴾ قال:
وهي مبهمة إذا طلّق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها أو ماتت لم تحلّ له أمها،
وروي عنه بخلافه كما سيأتي.
قال الباجي(٢): يريد أن ذكر الأم في آية التحريم مطلق غير مقيد بصفة.
لأنه قال: ﴿وَأُمَّهَتُ نِسَائِكُمْ﴾ فلم يقيد بالبناء ولا غيره، وهذا معنى قوله:
ليس فيه شرط، لأن التقييد بمعنى الشرط، انتهى. (وإنما الشرط في الربائب)
كما قال تعالى: ﴿وَرَبَّبُكُمُ الَّتِ فِىِ حُجُورِكُمْ مِّن نِسَابِكُمُ الَّتِ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن
لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِرَ فَلَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾(٣) والربائب جمع ربيبة، قال
الحافظ (٤): هي بنت امرأة الرجل، قيل لها ذلك لأنها مربوبة، وغلط من قال:
هو من التربية، انتهى. وقال الرازي: معناها مربوبة لأن الرجل هو يربّها، يقال
ربيت فلاناً أربُّه، وربَّيْته أرَبِّيْه بمعنى واحد، انتهى.
قال الباجي(٥): يريد أن التقييد إنما ورد في الربائب، فقيّد تحريمها
بالدخول بالأم، فبقيت غير المدخول بها داخلة تحت عموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ
لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ﴾ وهذا الذي ذهب إليه زيد بن ثابت، هو قول عمران بن
(١) ((الدر المنثور)) (٤٤٢/٢).
(٢) ((المنتقى)) (٣٠٣/٣).
(٣) سورة النساء: الآية ٢٣.
«فتح الباري)) (١٥٨/٩).
(٤)
(٥) ((المنقتى)) (٣٠٣/٣).
٤٠٩

٢٧ - كتاب النكاح
(٩) باب
(١٠٨٦) حديث
٢٣/١٠٨٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ غَيْرٍ وَاحِدٍ؛ أَنَّ
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ
حصين وابن عمر، وروى عبد الرزاق عن ابن عباس أنه قال: يجوز أن يتزوج
الأم إن لم يدخل بالبنت، وبه قال علي بن أبي طالب وابن الزبير ومجاهد.
وروي عن زيد أنه قال: إن طلقها قبل الدخول جاز له أن يتزوج أمها،
وإن ماتت قبل البناء بها لم يجز له ذلك، وقد أنكر هذه الرواية عنه القاضي،
قال: وهي من رواية قتادة عن سعيد بن المسيب عنه، قال: وسمعت علي بن
المديني يضعف حديث قتادة عن سعيد، وقال: أحسب أن بينهما رجلاً لأنه
يخالف أصحاب سعيد، اهـ.
وقال السيوطي في ((الدر)) (١): أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد
وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن زيد بن ثابت أنه كان يقول: إذا ماتت
عنده فأخذ ميراثها كره أن يخلف على أمها. وإذا طلّقها قبل أن يدخل بها، فلا
بأس أن يتزوج أمها، وبسط الجصاص(٢) الكلام على أثر زيد بن ثابت هذا.
٢٣/١٠٨٦ - (مالك، عن غير واحد أن عبد الله بن مسعود) قال السيوطي
في ((الدر)): أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر
والبيهقي في ((سننه)) عن أبي عمرو الشيباني أن رجلاً من بني شمخ تزوّج امرأة
ولم يدخل بها، ثم رأى أمها. فأعجبته، فاستفتى ابن مسعود، فأمره أن يفارقها
ثم يتزوج أمها، ففعل وولدت له أولاداً، ثم أتى ابن مسعود المدينة، فسأل عمر
- رضي الله عنه -، وفي لفظ: فسأل أصحاب النبي وَّر، فقالوا: لا تصلح،
فلما رجع إلى الكوفة قال للرجل: إنها عليك حرام، ففارقها .
وقال الزرقاني(٣): روى عبد الرزاق عن الثوري عن أبي فروة عن
(١) ((الدر المنثور)) (٤٤٣/٢).
(٢) انظر: ((أحكام القرآن)) (١٢٧/٢).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (١٤٠/٣).
٤١٠

٢٧ - كتاب النكاح
(٩) باب
(١٠٨٦) حديث
اسْتُفْتِيَ وَهُوَ بِالْكُوفَةِ، عَنْ نِكَاحِ الْأُمّ بَعْدَ الإِبْنَةِ، إِذَا لَمْ تَكُنْ الإِبْنَةُ
مُسَّتْ. فَأَرْخَصَ فِي ذَلِكَ. ثُمَّ إِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَدِمَ المدِينَةَ. فَسَأَلَ
عَنْ ذُلِكَ، فَأُخْبِرَ أَنَّهُ لَيْسَ كَمَا قَالَ. وَإِنَّمَا الشَّرْطُ فِي الرَّبَائِبِ.
فَرَجَعَ ابْنُ مَسْعُودٍ إِلَى الْكُوفَةِ، فَلَمْ يَصِلْ إِلَى مَنْزِلِهِ، حَتَّى أَتَى الرَّجُلَ
أبي عمرو الشيباني عن ابن مسعود أن رجلاً من بني فزارة تزوّج امرأة، بمعناه
ثم قال: قال عبد الرزاق: وأخبرني معمر عن يزيد بن أبي زياد أن عمر بن
الخطاب - رضي الله عنه - هو الذي ردّ ابنَ مسعود عن قوله ذلك، وأخرجه
البيهقي(١) بطرق وفي طريق منها: ((أن رجلاً من بني شمخ من فزارة تزوج
امرأة))، الحديث، اهـ.
أنه (استفتي) ببناء المجهول أي طلب منه الفتوى (وهو) أي ابن مسعود
(بالكوفة) قال الباجي(٢): إن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أرسله إلى
الكوفة ليعلمهم العلم ويفتي بينهم (عن نكاح الأم بعد) نكاح (الابنة إذا لم تكن
الابنة مُسَّت) ببناء المجهول أي جومعت، بل طلقت قبل البناء كما في أكثر
الروايات عن ابن مسعود، وفي رواية ((ماتت قبل أن يدخل بها))، ورجح
البيهقي الأول (فأرخص) أي أباح ابن مسعود - رضي الله عنه - (في ذلك) بناء
على أن قيد الدخول يعمها .
(ثم إن ابن مسعود) - رضي الله عنه - (قدم المدينة فسأل عن ذلك) عمر -
رضي الله عنه - وغيره من أصحاب النبي ◌َّر، قال الباجي: يحتمل أن يكون سأل
عن ذلك مع اعتقاده صحة ما أفتى به ليعلم ما عند غيره، ويحتمل أنه شك في
فتواه عند توجهه إلى المدينة (فأخبر) ببناء المجهول (أنه) أي الحكم (ليس كما
قال) ابن مسعود (وإنما الشرط) أي قيد الدخول (في الربائب) فقط (فرجع
ابن مسعود) - رضي الله عنه - (إلى الكوفة فلم يصل إلى منزله حتى أتى) منزل (الرجل
(١) ((السنن الكبرى)) (١٥٩/٧).
(٢) ((المنتقى)) (٣٠٤/٣).
٤١١

٢٧ - كتاب النكاح
(٩) باب
(١٠٨٦) حديث
الَّذِي أَقْتَاهُ بِذَلِكَ. فَأَمَرَهُ أَنْ يُفَارِقَ امْرَأَتَهُ.
قَالَ مَالِكٌ، فِي الرَّجُلِ تَكُونُ تَحْتَهُ الْمَرْأَةُ، ثُمَّ يَنْكِحُ أُمَّهَا
فَيُصِيبُهَا: إِنَّهَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ. وَيُفَارِقُهُمَا جَمِيعاً. وَيَحْرُمَانِ عَلَيْهِ
أَبَداً. إِذَا كَانَ قَدْ أَصَابَ الْأُمَّ. فَإِنْ لَمْ يُصِبِ الْأُمَّ،
الذي) كان (أفتاه بذلك) أولاً (فأمره أن يُفَارِقَ امْرَأَتَه)
قال الباجي(١): يريد تعجيل أمره له بالفراق وتقديمه على الوصول إلى
بيته، وذلك يحتمل وجهين: أحدهما؛ أن يكون ابن مسعود قد ظهر إليه وجه
الصواب في خلاف ما أفتى به، فتعجّل استدراك الأمر في المستقبل، والمبادرة
إلى منعه استدامة النكاح، والثاني: أن يكون ابن مسعود باقياً على مذهبه غير
أن الحكم إنما يجري على رأي الإمام، فلزمه الرجوع إلى قول عمر - رضي الله
عنه - والأخذ به وحمل الناس عليه، اهـ.
ويؤيد الأول ما قال الجصاص(٢): روى إبراهيم عن شريح أن ابن مسعود
كان يقول بقول علي - رضي الله عنه - في أمهات النساء، فحَجّ، فلقي أصحاب
رسول الله ﴾، فذاكرهم ذلك، فكرهوا أن يتزوجها، فلما رجع ابن مسعود
نهى من كان أفتاه بذلك، وكانوا أحياءً من بني فزارة أفتاهم بذلك، وقال: إني
سألت أصحابي فكرهوا ذلك، اهـ. فعُلِم منه أن منعه - رضي الله عنه - لم يكن
لمجرد منع عمر - رضي الله عنه -.
(قال مالك في الرجل يكون تحته) أي في نكاحه (المرأة ثم ينكح) بعده
(أمها فيصيبها) أي فيجامع الأم (إنها تحرم عليه امرأته) السابقة أيضاً، وهي
البنت (ويفارقهما) أي البنت والأم (جميعاً وتحرمان عليه أبداً) أي تحرمان حرمة
مؤبدة (إذا كان قد أصاب) أي جامع (الأم، فإن لم يصب الأم) أي لم يجامعها
(١) ((المنتقى)) (٣٠٤/٣).
(٢) ((أحكام القرآن)) (١١٣/٢).
٤١٢

٢٧ - كتاب النكاح
(٩) باب
(١٠٨٦) حديث
لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ، وَفَارَقَ الْأُمَّ.
وَقَالَ مَالِكٌ، فِي الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ، ثُمَّ يَنْكِحُ أَمَّهَا فَيُصِيبُهَا :
إِنَّهُ لَا تَحِلُّ لَهُ أُمُّهَا أَبَداً .
بعد (لم تحرم عليه امرأته) السابقة، وهي البنت (وفارق الأم) وبقي على البنت،
فإنه يحرم عليه أمهات المرأة مطلقاً، ولا يحرم عليه بناتها حتى يدخل بالأم،
أو يتلذّذ منها بنكاح أو ملك يمين أو شُبُهة نكاح أو ملك، كذا في ((الرسالة))
«محلی)).
وقال الباجي(١): وذلك أن نكاح المرأة على بنتها حرام، فإذا وطئها
حرمت عليه الابنة لوطئه أمها، وحرمت عليه الأم لعقده نكاح ابنتها قبلها،
فحرمتا عليه حرمة مؤبدة، وإن لم يكن أصاب الأم فارقها لأنها حرام عليه
لتقدم نكاح ابنتها، وبقي على نكاح البنت لأنه لم يوجد من وطء الأم والالتذاذ
بها ما يحرمها، اهـ.
لا يقال: إن نكاح الأم لما كان حراماً فكيف يحرم وطء الأم الابنة،
والحرام لا يحرم الجلال على مختار الباجي من قولي الإمام مالك كما سيأتي،
لأن هذا نكاح، والنكاح وإن كان حراماً يخالف حكم الزنا المحض كما
سيأتي.
(وقال مالك في الرجل يتزوج المرأة ثم ينكح أمها) أي يعقد عليها
(فيصيبها: إنه لا تحل له أمها أبداً) قال الباجي: وذلك يحتمل معنيين:
أحدهما، أن يكون الضمير في قوله: ((أمها)) راجعاً إلى البنت، فيكون معنى
ذلك أن تزوّج الأمُّ آخراً، وأصابها لا تحلّ له أبداً، وهذا قد تقدم القول فيه،
لأن عقده على البنت قد حرم عليه الأم على التأييد، فإصابته إياها بالعقد الذي
أحدثه بعد ذلك لا يزيل ما تأبد من التحريم.
(١) ((المنتقى)) (٣٠٥/٣).
٤١٣

٢٧ - كتاب النكاح
(٩) باب
(١٠٨٦) حديث
وَلَا تَحِلُّ لِأَبِيهِ، وَلَا لإِبْنِهِ. وَلَا تَحِلُّ لَهُ ابْنَتُهَا، وَتَحْرُمُ عَلَيْهِ
امْرَأَتُهُ.
والوجه الثاني: أن يكون الضمير في قوله: ((فأصابها)) راجعاً إلى الأم
المتزوجة آخراً، ويكون المراد بالأم في قوله: ((لا تحل له أمها)) جدة البنت
المتزوجة أولاً، وهذا أيضاً قد ثبت لأم الأم بالعقد على ابنة ابنتها، فلا يزيده
عقده على ابنتها وبناؤه بها إلا تأكيد التحريم، اهـ.
قلت: وإنما احتاج الباجي إلى هذا التأويل لأن هذه المسألة مكررة،
تقدمت قبل هذا القول.
(ولا تحل لأبيه ولا لابنه) لأنها في حق الأب من حلائل الأبناء، وفي
حق الابن في جملة المنهية في قوله تعالى: ﴿وَلَا شَنْكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَآبَاؤُكُمْ مِنَ
اٌلِسَآءِ﴾ (ولا تحل له ابنتها) لأنها داخلة في الربائب (وتحرم عليه امرأته) لأنه
نكح الأم، فجامعها، فصارت البنت بنت الموطوءة بالنكاح.
قال الباجي(١): العقد على ضربين: مباح ومحظور، أما المباح فلا
خلاف أن له تأثيراً في تحريم المصاهرة، وولد الولد وإن سفل وولد البنت وإن
سفل في ذلك بمنزلة الابن، وأبو الأب وأبو الأم وإن علا في ذلك بمنزلة
الأب، والرضاع في ذلك كله بمنزلة النسب في تحريم حلائل الأبناء، وما نكح
الآباء من النساء، وأما العقد المكروه، وهو المختلف في جوازه، فقد قال
ابن القاسم في ((المدونة)): من عقد نكاحاً مختلفاً فيه، ثم فسخ قبل البناء أنه لا
يجوز لا بنه أن يتزوجها .
وقال ابن حبيب عن ابن الماجشون عن مالك: إن النكاح الفاسد على
وجهين: أحدهما؛ ما يفسخ قبل البناء، ويثبت بعده كنكاح الشغار الذي سمى
مهراً، أو النكاح بالصداق المجهول أو إلى أجل غير مسمى، أو النكاح بالخمر
(١) ((المنتقى)) (٣٠٦/٣).
٤١٤

٢٧ - كتاب النكاح
(٩) باب
(١٠٨٦) حديث
قَالَ مَالِكٌ: فَأَمَّا الزِّنَا فَإِنَّهُ لَا يُحَرِّمُ شَيْئاً مِنْ ذُلِكَ. لِأَنَّ اللَّهَ
تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ: ﴿وَأُمَّهَتُ نِسَابِكُمْ﴾ فَإِنَّمَا حَرَّمَ مَا كَانَ تَزْوِيجاً،
وَلَمْ يَذْكُرْ تَحْرِيمَ الزِّنَا .
والخنزير، فهذا كله إذا انعقد به النكاح حرمت الزوجة على أبي الزوج وابنه،
وإن كان محرماً في كتاب الله أو سنة رسوله كنكاح الخامسة، والنكاح في العدة
ونكاح الأخت على الأخت، ونكاح المرأة على عمتها، ونكاح التحليل،
ونكاح السر، فإن المرأة بذلك لا تحرم على أبي الزوج ولا على ابنه.
أما الوطء بالنكاح فإنه ينشر الحرمة على كل حال، حلالاً كان أو حراماً
ولذلك قلنا: إن تزويج الأم على بنتها حرام، لا خلاف فيه بعد البناء، ومع
ذلك فإن أصابت الأم فيه تحرم البنت، والالتذاذ بالمرأة يجري في التحريم
مجرى المسيس، اهـ. هذا في الوطء بالنكاح ولو محرماً، أما الوطء بالزنا
المحض فسيأتي.
(قال مالك: فأما الزنا فإنه لا يحرِّمُ شيئاً من ذلك) المذكور قبل من
المحرمات، فمن زنى بامرأة لا يحرمُ عليه أمها ولا بنتها ونحوهما (لأن الله
تبارك وتعالى قال) في جملة المحرمات: (﴿وَأُمَّهَتُ نِسَابِكُمْ﴾) الآية (فإنما
حرم) الله عز وجل (ما كان) من امرأته (تزويجاً، ولم يذكر) عز اسمه (تحريم
الزنا) أي التحريم لأجل الزنا يعني لم يذكر في المحرمات أمهات المزنية
وغيرها .
قال الباجي(١): يريد مالك - رضي الله عنه - أن لفظ النساء إنما يخرج
في العرف والعادة إلى الزوجات لوجوه؛ منها: أن الاستعمال جارٍ على أن
إضافة المرأة إلى الرجل تقتضي كونها زوجة له، يقال: هذه امرأة فلان أي
زوجته، وقال تعالى: ﴿يَفِسَآءَ النَّيّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ﴾ (٢) الآية. ولذا قال
(١) ((المنتقى)) (٣٠٧/٣).
(٢) سورة الأحزاب: الآية ٣٢.
٤١٥

٢٧ - كتاب النكاح
(٩) باب
(١٠٨٦) حديث
فَكُلُّ تَزْوِيج كَانَ عَلَى وَجْهِ الْحَلَالِ يُصِيبُ صَاحِبُهُ امْرَأَتَهُ، فَهُوَ
بِمَنْزِلَةِ التَّزْوِيجِ الْحَلَالِ.
فَهذَا الَّذِي سَمِعْتُ. وَالَّذِي عَلَيْهِ أَمْرُ النَّاسِ عِنْدَنَا.
مالك: إن المراد في الآية تحريم أمهات الزوجات، قال: ولم يذكر تحريم
الزنا، يريد لم يتناوله ذكر التحريم، اهـ.
(فكل تزويج كان على وجه الحلال) أي يكون عقد التزويج على طريق
النكاح المباح وإن لم يكن مباحاً في نفسه (يصيب صاحبُه امرأته) أي يجامعها
بهذا النكاح المحظور (فهو) أي الجماع بهذا النكاح في شمول المحرمات
(بمنزلة التزويج الحلال) قال مالك: (فهذا) هو (الذي سمعت) من أهل العلم
(و) هو (الذي عليه أمر الناس) وعملهم (عندنا) بالمدينة المنورة من النكاح
يكون موجباً للتحريم دون الزنا .
قال الباجي(١): يريد إذا كان التزويج على وجه النكاح المباح، وإن لم
يكن مباحاً في نفسه، لكنه قصد به النكاح، فإن إصابة الزوجة فيه تنشر من
الحرمة ما تنشر الإصابة من التزويج الحلال، وقد قال ابن حبيب: كل وطء
حرام في هذا الباب أو غيره، كان بنكاح شُبْهةٍ أو جهالةٍ فالحد فيه ساقط،
والولد فيه لاحق، وما كان يتعمّد بغير وجه شبهةٍ نكاح ولا ملك، فالحد فيه
واقع، والولد ساقط، اهـ.
وأما الوطء على وجه الزنا، فقد اختلف قول مالك فيه، فقال في
((الموطأ)): إن الزنا لا يحرم شيئاً من ذلك، وبه قال الشافعي، وهو قول
ابن عباس، وعروة، وأبي ثور، وروى ابن القاسم عن مالك فيمن زنى بأم
امرأته أو بابنتها إنه يفارق امرأته، ولا يقيم عليها، قال ابن القاسم: وكذلك
عندي إذا زنى الرجل بامرأة لم ينبغ لأبيه ولا لابنه أن يتزوجها أبداً، وبه قال
أبو حنيفة وعطاء والشعبي والثوري وأحمد، اهـ.
(١) ((المنتقى)) (٣٠٧/٣).
٤١٦

٢٧ - كتاب النكاح
(٩) باب
(١٠٨٦) حديث
وقال الزرقاني(١): القول الأول به قال الجمهور والشافعي وأحمد، وعليه
جُلُّ أصحاب مالك، بل صريح غير واحد من الأشياخ، منهم سحنون بأن
جميعهم عليه، وقوله في ((المدونة)): إن زنا بأم زوجته أو ابنتها فليفارقها،
فحمله الأكثر على الوجوب، واللخمى وابن رشد على الكراهة، أي كراهة
البقاء معها، واستحباب فراقها، وذهب أكثر أهل المذهب إلى ترجيح ما في
((الموطأ)) اهـ.
وما حكى من موافقة الإمام أحمد ليس بصحيح، قال الموفق(٢): وطء
الحرام محرم كما يحرم وطء الحلال والشبهة يعني يثبت به تحريم المصاهرة،
نص أحمد على هذا في رواية جماعة، وروي نحو ذلك عن عمران بن حصين.
وبه قال الحسن وعطاء وطاووس ومجاهد والشعبي والنخعي والثوري وإسحاق
وأصحاب الرأي، وروي عن ابن عباس: أن وطء الحرام لا يحرم، وبه قال
ابن المسيب ويحيى بن يعمر وعروة والزهري ومالك والشافعي وابن المنذر،
ولما روي عن النبي ◌َّ أنه قال: ((لا يُحَرِّمُ الحرامُ الحلالَ» ..
ولنا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَبَاؤُكُم مِّنَ اٌلِسَآءِ﴾ (٣) الآية،
والوطء يسمى نكاحاً، وفي الآية قرينة تصرفه إلى الوطء، وهو قوله سبحانه
وتعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةُ وَمَقْتًا وَسَآءَ سَبِيلًا﴾ وهذا التغليظ إنما يكون في
الوطء، وروي عن النبي ﴿ أنه قال: ((لا ينظر الله عز وجل إلى رجل نظر إلى
فرج امرأة وابنتها)) (٤).
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٤١/٣).
(٢) ((المغني)) (٥٢٦/٩ - ٥٢٧).
(٣) سورة النساء: الآية ٢٢.
(٤) أخرجه الدار قطني (٢٦٩/٣).
٤١٧

٢٧ - كتاب النكاح
(٩) باب
(١٠٨٦) حديث
وروى الجوزجاني بإسناده عن وهب بن منبه قال: ((ملعون من نظر إلى
فرج امرأة وابنتها))(١)، فذكرته لسعيد بن المسيب فأعجبه، ولأن ما تعلق من
التحريم بالوطء المباح تعلق بالمحظور كوطء الحائض، وحديثهم لا نعرف
صحته، وإنما هو من كلام ابن أسوع بعض قضاة العراق، كذلك قال الإمام
أحمد، وقيل: هو من قول ابن عباس.
ثم الوطء ثلاثة أنواع: وطء مباح في نكاح صحيح، أو ملك يمين،
فيتعلق به تحريم المصاهرة بالإجماع.
والوطء بالشبهة، وهو في نكاح فاسد أو شراء فاسد أو وطء امرأة ظنها
امرأته، أو وطئه لأمة مشتركة، وأشباهها، فهذا يتعلق به التحريم، كتعلقه
بالمباح إجماعاً. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من علماء الأمصار
على أن الرجل إذا وطىء امرأة، بنكاح فاسدٍ أو بشراء فاسد أنها تحرم على
أبيه وابنه وأجداده، وهذا مذهب مالك، والأوزاعي، والثوري، والشافعي،
وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، ولأنه وطء يلحق به النسب،
فأثبت التحريم كالوطء المباح.
والوطء الحرام المحض، وهو الزنا، فيثبت به التحريم على الخلاف
الذي ذكرنا، ولا تثبت به المحرمية ولا إباحة النكاح، لأنه إذا لم يثبت بوطء
الشبهة، فالحرام المحض أولى، ولا يثبت به نسب، ولا يجب به المهر إذا
طاوعته فيه .
ولا فرق فيما ذكرنا بين الزنا في القُبل والدبر، فإن تلَوّط بغلام، فقال
بعض أصحابنا: يتعلق به التحريم، فيحرم على اللائط أم الغلام، وابنته وعلى
الغلام أم اللائط، وابنته، قال: ونص عليه أحمد، وهو قول الأوزاعي، وقال
أبو الخطاب: يكون ذلك كالمباشرة فيما دون الفرج، يكون فيه روايتان،
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في (كتاب النكاح)) (١٦٨/٤).
٤١٨

٢٧ - كتاب النكاح
(٩) باب
(١٠٨٦) حديث
.
والصحيح أن هذا لا ينشر الحرمة، اهـ. قال الدسوقي: اللواط بابن زوجته لا
ينشر الحرمة عند الأئمة الثلاثة خلافاً لأحمد، اهـ.
قلت: قال الموفق: إن قوله: ((لا يُحَرِّم الحرامُ الحلالَ)) ليس بحديث،
بل كلام بعض الناس ليس على وجهه، فقد قال الحافظ(١): أخرج الدارقطني
والطبراني من حديث عائشة ((أن النبي وقيل سئل عن الرجل يتبع المرأة حراماً ثم
ينكح ابنتها أو البنت ثم ينكح أمها، قال: لا يحرم الحرام الحلال، إنما يحرم
ما كان بنكاح حلال))، وفي إسنادهما عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي وهو
متروك، وقد أخرج ابن ماجه طرفاً منه من حديث ابن عمر: ((لا يحرم الحرام
الحلال))، وإسناده أصلح من الأول(٢)، اهـ.
قلت: وحديث ابن عمر - رضي الله عنهما - أخرجه البيهقي مرفوعاً.
وبلفظه رواه عن عائشة بطريق آخر ليس فيه عثمان، وبسط الجصاص في
((أحكام القرآن))(٣) الكلام على أصل المسألة أشد البسط، وأكثر البخاري في
((صحيحه) (٤) في الآثار في أن الزنا محرم أم لا، وبسط الحافظ(٥) في
أسانيدهم. وقال: أخرج ابن أبي شيبة من حديث أم هانئ مرفوعاً: ((من نظر
إلى فرج امرأة لم تحل له أمها ولا بنتها))، وإسناده مجهول، قاله البيهقي،
وأخرج ابن أبي شيبة بسنده عن ابن مسعود قال: ((لا ينظر الله إلى رجل نظر
إلى فرج امرأة وبنتها))، اهـ.
(١) ((فتح الباري)) (١٥٦/٩).
(٢) أخرجه ابن ماجه ح (٢٠١٥)، والدار قطني (٢٨٦/٣)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٧)
١٦٨، ١٦٩) .
(٣) (١٢٦/٢).
(٤) ((صحيح الباري)) ((باب ما يحلّ من النساء وما يحرم)) ح (٥١٠٥).
(٥) ((فتح الباري)) (١٥٤/٩ - ١٥٥).
٤١٩

٢٧ - كتاب النكاح
(١٠) باب
(١٠) باب نكاح الرجل أم امرأة قد أصابها على وجه ما يكره
قَالَ مَالِكٌ، فِي الرَّجُلِ يَزْنِي بِالْمَرْأَةِ، فَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِيهَا :
إِنَّهُ يَنْكِحُ ابْنَتها. وَيَنْكِحُهَا ابْنُهُ إِنْ شَاءَ.
وقال العيني(١): روى جرير عن حجاج عن ابن هانئ الخولاني مرفوعاً:
((من نظر إلى فرج امرأة لم تحل له أمها ولا بنتها))، اهـ. وقال البيهقي: رواه
الحجاج بن أرطاة عن أبي هانئ أو أم هانئ عن النبي ◌َّر، وهذا منقطع
ومجهول وضعيف، الحجاج بن أرطاة لا يحتجّ به فيما يسنده، فكيف بما يرسله
عمن لا يعرف، اهـ. قلت: والحجاج بن أرطاة من رواة مسلم، والأربعة علّق
له البخاري متابعة.
(١٠) نكاح الرجل أم امرأة قد أصابها على وجه ما يكره
يعني نكاح الرجل أم امرأة جومعت على طريق غير مشروع من الزنا
والنكاح في العدة.
(قال مالك في الرجل يزني بالمرأة، فيقام عليه الحد فيها) أي أقيم عليه
الحد في هذه الوقعة، قال الزرقاني(٢): وأولى إن لم يقم عليه الحد، فإنما نص
على المتوهم، اهـ.
والأوجه عندي أن كلام الإمام - رحمه الله - احتراز عن الذي لا يقام فيه
الحد، وهو شبه النكاح الذي يأتي، فإن شبه النكاح وإن كان حراماً لا يوجب
الحد كما تقدم في الباب السابق عن الباجي عن ابن حبيب (إنه ينكح ابنتها) أي
يجوز أن ينكح الزاني بنت الزانية، وإن كانت من ماء الزاني مختلف فيه كما
سيأتي (وينكحها ابنُه) أي ينكح مزنية الأب ابنه (إن شاء) نكاحها.
(١) ((عمدة القاري)) (٥٥/١٤).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (١٤٢/٣).
٤٢٠