Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦ - کتاب الضحايا (٥) باب (١٠٥٩) حديث ٩/١٠٥٩ - حدّثني يَحْيَىُ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِيِ الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَله عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ. أخرجه مسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٦٢ - باب الاشتراك في الهدي، حديث ٣٥٠. بالكسر، ولا عن المشرك بالفتح، والظاهر من كلام («المدونة»، والباجي، واللخمي، وغيرهم أن السكنى معه شرط مطلقاً، انتهى، يعني سواء ينفق تبرعاً أو وجوباً، وخالف ابن بشير فجعل المساكنة لغواً، انظر ((بن)). قال الباجي: يذبحها عنهم فيسقط بذلك عنهم حكم الأضحية، لكن لحم الشاة باقٍ على ملكه، حتى يعطي من شاء منهم ما يريد، ولو أراد أن يتصدق بجميعه لم يكن لهم منعه من ذلك. ٩/١٠٥٩ - (مالك، عن أبي الزبير المكي) محمد بن مسلم (عن جابر بن عبد الله أنه قال: نحرنا) وقد كنا (مع رسول الله (َّير عام الحديبية) بضم الحاء وفتح الدال المهملتين، كما تقدم ضبطها في أبواب الاستسقاء (البدنة) أي: البعير (عن سبعة والبقرة عن سبعة) بمعنى أنهم اشتركوا فيهما عند الجمهور، منهم الأئمة الثلاثة، خلافاً للإمام مالك، فأولته المالكية بوجوه. منها: ما قال الزرقاني(١): على معنى أنهم اشتركوهم في الأجر، ووجهه أن المحصر بعدو لا يجب عليه هدي عند مالك، خلافاً لأشهب، وأبي حنيفة، والشافعي، فكان الهدي الذي نحروه تطوعاً، فلم ير الاشتراك، في الهدي الواجب، ولا في الضحية، واختلف قول مالك في هدي التطوع، فقال في (الموازية)) و((الواضحة)): يجوز الاشتراك، وحمل عليه حديث الباب، وإليه أشار في ((الموطأ)) بقوله الآتي: وإنما سمعنا الحديث ..... إلخ، وروى (١) ((شرح الزرقاني)) (٧٧/٣). ٢٦١ ٢٦ - كتاب الضحايا (٥) باب (١٠٥٩) حدیث ابن القاسم عنه: لا يشترك في هدي واجب، ولا تطوع، وهو المشهور، انتھی. ومنها ما قال الباجي(١): الجواب: أن القاضي أبا حسن قد أجاب عن هذا، بأن حديث أبي الزبير وَهْمٌ لذكره البقرةَ عن سبعة، وجوابه(٢)، هو والشيخ أبو بكر بجواب ثان، أنه يحتمل أن يكون النبيو 8 هو الذي نحر عنهم، وكان الهدي جميعه له، وإنما نحن نمنع الاشتراك في رقبة الهدي والأضحية، قالا: وهذا كما روي أن النبي وَل ضحّى، وقال: هذا عنيٍّ وعمن لم يُضَحِّ من أمتي، قال القاضي أبو إسحاق: فكان هذا - والله أعلم - كما يذبح الرجل عنه، وعن أهله؛ لأن المسلمين كلهم أهل النبي ◌َّ، هو أبٌ لهم وأزواجه أمهاتهم، قال: وأحسب أن الذي روى من اشتراكهم يوم الحديبية في البدن من هذا الجنس، ولعل النبي 488 ساقها، وأشرك بينهم فيها، ولم يخرج كل واحد جزءاً من ثمنها، وعلى هذا التأويل يجوز للإمام أن يدخل غيره من رعيته في أضحیته. وأجاب عن الحديث بجواب آخر، أنه إن كان صحّ هذا الحديث، فلا يمتنع أن يكونوا قد ساقوا ذلك، وقلَّدوه تطوعاً، والذي أدّى الثمن واحد، وقد أشرك معه قوماً، ولم يأخذ منهم ثمناً، وجواب ابن المواز فيما احتجّ به عليه من أن النبي ◌َّلي قال: ((ليشترك النفر منكم في الهدي)) يوشك أن ذلك كله كان من النبي وقليل لأمته، لأنهم كلهم عياله، فيخرج عنهم، أو يدفع إلى كل نفر منهم مثل ما لو فعل ذلك رجل بمن تلزمه نفقته، فإن قيل: فأنتم لا تجيزون أن تذبح الأضحية والهدي عن عدد من الناس إلا أن يكون أهل بيت واحد، والذي ذبح يوم الحديبية سبعون بدنة، ولا يتفق أن يكون كل سبعة منهم أهل بيت. (١) ((المنتقى)) (٩٦/٣). (٢) كذا في الأصل، اهـ. ((ش)). ٢٦٢ ٢٦ - كتاب الضحايا (٥) باب (١٠٦٠) حديث ١٠/١٠٦٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ يَسَارٍ؛ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ، قَالَ: كُنَّا نُضَحِّي بِالشَّاةِ الْوَاحِدَةِ، يَذْبَحُهَا الرَّجُلُ عَنْهُ، وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، ثُمَّ تَبَاهَى النَّاسُ بَعْدُ، فَصَارَتْ مُبَاهَاةً. فالجواب عن ذلك من وجوهٍ، إما على تجويز الاشتراك في هدي التطوع فلا يراعي ذلك، ويسقط هذا السؤال جملة، وإما على منعنا ذلك في هدي التطوع وغيره، فعنه جوابان، أحدهما: أن جميع المسلمين كانوا للنبي وَل بمنزلةٍ أهل بيته، كما روي أنه ذبح عنه، وعن جميع من لم يضحّ من أمته، فشرك بينهم في أضحيته. وجوابٌ ثانٍ: هو أنه يحتمل أن يكون منهم أهل بيت من خمسة، وأهل بيت من سبعة، وقوم ليسوا أهل بيت، فنحر الهدي عن سبعة، وعن خمسة، وعن واحد، وقصد الراوي إلى الإخبار عن أكثر عدد نحرت عنهم بدنة أو بقرة، فأخبر بذلك، ولم يقصد الإخبار عن آحاد الناس، بدليل أن النبي وَا نحر عن نفسه بدنة، ولم يخبر بذلك جابر في حديثه، انتهى. ١٠/١٠٦٠ - (مالك، عن عمارة) بضم العين المهملة وتخفيف الميم (ابن) عبد الله بن (صياد) بصاد مهملة وتشديد مثناة، كما في النسخ الهندية وأكثر المصرية، فما في بعض النسخ المصرية ((ابن يسار)) سهو من الناسخ، وابن صياد هذا هو المعروف الذي خُيِّلَ أنه الدجال (أن عطاء بن يسار) بتحتية وخفة سين مهملة (أخبره أن أبا أيوب الأنصاري) الصحابي خالد بن زيد (أخبره) أي: عطاء (قال: كنا نضخّي بالشاة الواحدة يذبحها الرجل عنه) أي: عن نفسه (وعن أهل بيته) جميعاً (ثم تباهى) أي: تفاخر (الناس بعدُ) بالبناء على الضم (فصارت) الأضحية (مباهاة) أي: مفاخرة يتفاخرون بكثرتها . قال الزرقاني(١): فإنما عاب ذلك للمباهاة، ولا يمنع أن يفعله على وجه (١) ((شرح الزرقاني)) (٧٨/٣). ٢٦٣ ٢٦ - كتاب الضحايا (٥) باب (١٠٦٠) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَأَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي الْبَدَنَةِ، وَالْبَقَرَةِ، وَالشَّاةِ الْوَاحِدَةِ، أَنَّ الرَّجُلَ يَنْحَرُ عَنْهُ، وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ الْبَدَنَةَ، القربة إلى الله تعالى، وهو الذي استحبه ابن عمر - رضي الله عنهما - أن يضحي عن كل من في البيت بشاة شاة، انتهى. والحديث من مستدلات الإمام مالك في جواز الشاة الواحدة عن أهل البيت. ولذا قال الباجي: يريد أن الرجل كان يتناول إخراجها من ماله، ولذا أضاف ذبحها إليه، ولكنه كان يشرك أهل بيته في ثوابها، ويسقط عنهم بذلك ما تعين عليهم من الأضحية، وفي الحديث حجة على ذلك؛ لأن قول أبي أيوب: (كنا نفعل)) إنما يريد بذلك زمن النبي ◌َّطاهر، وأتى بلفظ يقتضي التكرار، ومثل هذا مع تكراره، لا يخفى في الأغلب على النبي وَّة، فإذا لم يمنع عنه دل ذلك على جوازه، اهـ. وقال محمد في ((موطئه))(١) بعد أثر الباب: قال محمد: كان الرجل محتاجاً، فيذبح الشاة الواحدة يضحي بها عن نفسه، فيأكل ويطعم أهله، فأما شاة واحدة تذبح عن اثنين وثلاثة فهذه لا يجزئ، ولا يجوز شاة إلا عن واحدة، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، انتهى. وفي ((المحلى)): وإلى المنع ذهب ابن المبارك، وادّعوا نسخ هذا الخبر ونحوه، اهـ. وأجاب الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢) عما احتج به من قال: بالاشتراك باحتمال أنه منسوخ أو مخصوص، وبسط في ذلك. (قال يحيى: قال مالك: أحسن ما سمعت) من الأقوال المختلفة (في) الاشتراك وعدمه في الأضحية من (البدنة والبقرة والشاة الواحدة) وليس لفظ الواحدة في المصرية (أن الرجل ينحر عنه) أي: عن نفسه (وعن أهل بيته البدنة) (١) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٦٢٤/٢). (٢) (١٧٦/٤) باب البدنة عن كم تجزئ في الضحايا والهدايا. ٢٦٤ ٢٦ - كتاب الضحايا (٥) باب (١٠٦٠) حديث وَيَذْبَحُ الْبَقَرَةَ، وَالشَّاةَ الْوَاحِدَةَ، هُوَ يَمْلِكُهَا، وَيَذْبَحُهَا عَنْهُمْ، وَيَشْرَكُهُمْ فِيهَا، فَأَمَّا أَنْ يَشْتَرِيَ النَّفَرُ الْبَدَنَةَ أَوِ الْبَقَرَةَ أَوِ الشَّاةَ، يَشْتَرِكُونَ فِيهَا فِي النُّسُكِ، وَالضَّحَايَا، فَيُخْرِجُ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ حِصَّةً مِنْ ثَمَنِهَا، وَيَكُونُ لَهُ حِصَّةٌ مِنْ لَحْمِهَا، فَإِنَّ ذُلِكَ يُكْرَهُ. وَإِنَّمَا سَمِعْنَا الْحَدِيثَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَكُ فِي النُّسُكِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ عَنْ أَهْلِ الْبَيْتِ الْوَاحِدِ . الواحدة (ويذبح البقرة) الواحدة (والشاة الواحدة هو) أي: المضحي (يملكها) برأسها، ولا يشركونه في ملكها (ويذبحها) عنه و(عنهم ويشركهم) في الأجر (فيها) فهذا جائز. (فأمّا أن يشتري) زاد في النسخ المصرية (النفر) وليس هذا في الهندية، وهو بفتح النون والفاء، أي: الجماعة (البدنة أو البقرة أو الشاة) بالنصب في الثلث على المفعولية (يشتركون فيها) في الملك والثمن، ومن حيث ذلك يشتركون (في النسك) الهدايا (والضحايا فيخرج) أي: يعطي (كل إنسان منهم) أي: الشركاء (حصة) مفعول يخرج (من ثمنها، ويكون له) أي: للشريك (حصة من لحمها) بقدر الثمن (فإن ذلك يكره) كراهة منع بمعنى أن ذلك لا يجزئ ضحيته عن واحد منهم، كما صرح به الزرقاني، وهكذا في متون المالكية (وإنما سمعنا الحديث) بمعنى (أنه لا يشترك) ببناء المجهول (في النسك) ملكاً. (وإنما يكون) الحيوان الواحد (عن أهل البيت الواحد) صفة للبيت، يعني يكون الشركة بحيث أن يذبحه المضحي ويشركهم في الأجر لا الملك والثمن، ثم ظاهر كلام العلامة الزرقاني، أن المراد بالحديث في كلامه، وهو حديث جابر المذكور في أول الباب؛ إذ قال: وإنما سمعنا الحديث المذكور عن جابر، على أن معناه أنه لا يشترك في النسك ملكاً، وإنما يكون عن أهل البيت الواحد يُذَكِّيه صاحبه، ويُشْرِك أهله في أجره، اهـ. وفي ((المحلى)): وإنما سمعنا الحديث أنه لا يشترك في النسك وإنما ٢٦٥ ٢٦ - كتاب الضحايا (٥) باب (١٠٦٠) حديث يكون عن أهل البيت الواحد؛ لقوله ﴿ يوم عرفة: ((على كل أهل بيت في كل عام أضحاة وعتيرة)). رواه أحمد، اهـ. والظاهر عندي أن المراد بالحديث، في كلام الإمام مالك - رحمه الله - ما سمعه في هذا المعنى خاصة، يعني أنه - رحمه الله - سمع الحديث الدالّ على عدم الاشتراك بمعنى أنه يضحي الرجل عن سائر أهل البيت، وقد أخرج ابن ماجه(١) عن عطاء بن يسار قال: سألت أبا أيوب الأنصاري كيف كانت الضحايا فيكم على عهد رسول الله وَر؟ قال: كان الرجل في عهد النبي وَل يضحِّي بالشاة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون ويطعمون، ثم تباهى الناس فصار كما ترى، وعن أبي سريجة قال: حملني أهلي على الجفاء بعد ما علمت من السنة كان أهل البيت يضحون بالشاة والشاتين، والآن يبخلنا جيراننا. وفي ((مجمع الزوائد)) (٢) عن عبد الله بن هشام، وقد أدرك النبي وَير: أن أمه أتت به النبي بَّرَ، فمسح برأسه ودعا له، وكان يضحي بالشاة الواحدة عن جميع أهله. رواه الطبراني في ((الكبير))، ورجاله رجال الصحيح. قلت: وأخرجه أحمد في («مسنده)(٣). وعن أبي رافع قال: ضخّى رسول الله وَلّ بكبشين أملحين، فقال: ((أحدهما عمن شهد بالتوحيد، ولِي بالبلاغ، والآخر عنه وعن أهل بيته))، رواه أحمد وإسناده حسن، وعنه بلفظ: فإذا صلى وخطب، أتي بأحدهما وهو في مصلاه فذبحه، ثم قال: ((اللَّهم هذا عن أمتي جميعاً، من شهد لك بالتوحيد، وشهد لي بالبلاغ»، ثم يؤتى بالآخر فيذبحه، ثم يقول: (١) أخرجه ابن ماجه (٣١٤٧). (٢) (٢١/٤ - ٢٣). (٣) أخرجه أحمد (٨/٦). ٢٦٦ ٢٦ - كتاب الضحايا (٥) باب (١٠٦٠) حدیث ((اللَّهم هذا عن محمد وآل محمد) ..... ، الحديث، رواه البزار وأحمد بنحوه(١) . وعن أبي سعيد أن رسول الله وس# أتي يوم النحر بكبشين فقرِّب أحدهما فقال: ((بسم الله منك ولك، هذا عن محمد وأهل بيته)) ..... ، الحديث، رواه أبو يعلى، والروايات في هذا المعنى عديدة، فسمع الإمام مالك - رضي الله عنه - هذه الروايات، وإليها أشار بقوله: أحسن ما سمعت، ..... إلى آخره، والله أعلم. وحجة الجمهور في اشتراك السبعة في البعير والبقرة ما روي من الأحاديث المشهورة في هذا الباب وفيها كثرة، وتقدم في أول الباب عن جابر مرفوعاً، وأخرج أحمد بطرقٍ عن حذيفة: أنه وَلّ أشرك بين المسلمين البقرة عن سبعة، وعن عبد الله بن مسعود عن النبي وَ لاري قال: ((البقرة عن سبعة، والجزور عن سبعة في الأضاحي))، رواه الطبراني في الثلاثة، وفيه حفص بن جمیع، وهو ضعيف. وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: أشرك رسول الله وَله بين أصحابه يوم الحديبية سبعة في بقرة. رواه البزار، وفيه ليث بن أبي سليم، وهو ثقة لكنه مدلس. وعنه - رضي الله عنه - أنه ﴿ أَلّف بين نسائه في بقرة في الأضحى، رواه الطبراني(٢). وفيه ابن لهيعة، وفيه كلام، وحديثه حسن. وعن أبي الأسد(٣) السلمي قال: كنت سابع سبعة مع رسول الله وَل (١) انظر: ((مسند البزار)) (١٢٠٨) وأحمد (٣٩١/٦ - ٣٩٢). (٢) انظر: ((المعجم الكبير)) (١١٥١١) و(«مجمع الزوائد» (١٥/٤). (٣) كذا في ((الأصل)) يعني بالسين المهملة، وفي ((مسند أحمد)) بالشين المعجمة، وكذا في ((التعجيل)) (ص٤٦٤)، وفي ((الإكمال)): قال ابن ماكولا: الصحيح بالمعجمة، وتشديد الدال، اهـ. ((ش)). ٢٦٧ ٢٦ - كتاب الضحايا (٥) باب (١٠٦٠) حديث قال: فأمرنا فجمع لكل منا درهم، فاشترينا أضحية بسبعة الدراهم، فقلنا : يا رسول الله لقد أغلينا بها، فقال النبي وَل *: ((إن أفضل الضحايا أغلاها وأسمنها))، فأمر رسول الله وَر، فأخذ رجل برجل، ورجل برجل، ورجل بيد، ورجل بيد، ورجل بقرن، ورجل بقرن، وذبح السابع، وكبرنا جميعاً. رواه أحمد (١)، وأبو الأسد لم أجد من وثقه ولا جرحه، وكذلك أبوه، كذا في ((مجمع الزوائد)). والحديث في ((مسند أحمد)) برواية عثمان بن زفر الجهني قال: حدثني أبو الأسد السلمي، عن أبيه، عن جده قال: كنت سابع سبعة مع رسول الله وَلات، قال: فأمرنا نجمع لكل رجل منا درهماً فاشترينا أضحية ..... الحديث، وأخرج أيضاً عن الشعبي قال: سألت ابن عمر - رضي الله عنهما - قلت: الجزور، والبقرة تجزئ عن سبعة؟ قال: قال يا شعبي! ولها سبعة أنفس؟ قال: قلت: إن أصحاب محمد يزعمون أن رسول الله وَلَ سَنَّ الجزور والبقرة عن سبعة، قال: فقال ابن عمر - رضي الله عنهما لرجل : - أكذلك يا فلان؟ قال: نعم. قال: ما شعرت بهذا، وهذا دليل على أن ما روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - في ذلك مبني على اجتهاده - رضي الله عنه -، وأخرج أيضاً، وسأله رجل عن البقرة؟ فقال: عن سبعة. وفي ((المحلى)): عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: البقرة والجزور عن سبعة، وعن أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، والحسن، قالوا كلهم: البقرة عن سبعة، والجزور عن سبعة يشتركون فيها، وإن كانوا من غير أهل دار واحدة، وعن الشعبي قال: أدركت أصحاب محمد وَالتَ، وهم متوافرون، كانوا يذبحون البقرة، والبعير عن سبعة، وعن إبراهيم قال: كان أصحاب محمد دعَل (١) رواه أحمد (٤٢٤/٣)، والحاكم في ((المستدرك)) (٢٣١/٤). ٢٦٨ ٢٦ - كتاب الضحايا (٥) باب (١٠٦١) حديث ١١/١٠٦١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَاب؛ أَنَّهُ قَالَ: مَا نَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لّهِ عَنْهُ، وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ إِلَّا بَدَنَةً وَاحِدَةً، أَوْ بَقَرَةً وَاحِدَةً . قَالَ مَالِكٌ: لَا أَدْرِي أَيَتَهُمَا قَالَ ابْنُ شِهَابٍ . يقولون: البقرة، والجزور عن سبعة، وعن ابن مسعود: البقرة، والجزور عن سبعة، وعن أبي مسعود قال: البقرة عن سبعة، قال: وممن أجاز الاشتراك في الأضاحي بين الأجنبِيّين، البقرة عن سبعة، والناقة عن سبعة: طاووس، وأبو عثمان النهدي، وعطاء، وجمهور التابعين. وعن الشعبي قال: سألت ابن عمر - رضي الله عنهما - عن البقرة، والبعير تجزئ عن سبعة؟ فقال: كيف أَوَ لها سبعة أنفس؟ قلت: إن أصحاب محمد ◌ّل﴿ الذين بالكوفة أفتوني، فقالوا: نعم، قاله النبي وَّل، وأبو بكر، وعمر - رضي الله عنهم -، فقال ابن عمر: ما شعرتُ، فهذا توقفٌ من ابن عمر - رضي الله عنهما. وعن جبلة بن سحيم، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: البقرة عن سبعة، فهذا يدل على رجوعه، اهـ. ١١/١٠٦١ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (أنه قال: ما نحر رسول الله وَّر عنه) أي: عن نفسه (وعن أهل بيته إلا بدنة واحدة، أو بقرة واحدة، قال مالك: لا أدري أيتهما قال ابن شهاب) يعني شك الإمام مالك في أن شيخه الزهري قال: بدنة واحدة، أو بقرة واحدة، قال أبو عمر: كذا لجميع أصحاب مالك عنه في ((الموطأ))، وغيره، إلا جويرية، فرواه عن مالك، عن الزهري قال: أخبرني من لا أتّهم، فذكره على الشك، ورواه معمر، ويونس، والزبيدي، عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة قالت: ما ذبح رسول الله وَل عن آل محمد في حجة الوداع إلا بقرة واحدة، ورواه ابن أخي الزهري، عن عمه قال: حدثني من لا أتّهم، عن عمرة، عن عائشة، فذكره، قاله الزرقاني(١). (١) ((شرح الزرقاني)) (٧٨/٣). ٢٦٩ ٢٦ - كتاب الضحايا (٦) باب (١٠٦٢) حدیث (٦) باب الضحية عما في بطن المرأة، وذكر أيام الأضحى ١٢/١٠٦٢ - وحدّثني يَحْيَىُ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: الْأَضْحَى يَوْمَانٍ، بَعْدَ يَوْمِ الْأَصْحَى. قال الباجي(١): يحتمل أن يكون النبي ﴿ فعل ذلك في عام ما، لعدم الضحايا أو الهدايا، ويحتمل أن يكون فعل ذلك مع كثرتها ليبين جواز ذلك، اهـ. (٦) الضحية عما في بطن المرأة يعني: عن الذي لم يلد بعد، وزاد في النسخ المصرية بعد ذلك (وذكر أيام الأضحى) وليست هذه الزيادة في الهندية، والمعنى: بيان الأيام التي يجوز فيها التضحية، ففي الباب مسألتان: أولاهما إجماعية، والثانية خلافية سيأتي بیانهما . ١٢/١٠٦٢ - (مالك، عن نافع أن عبد الله بن عمر قال: الأضحى) بفتح الهمزة جمع أضحاة، وهي لغة في الأضحية، والمعنى وقت الأضحى (يومان بعد يوم الأضحى) يعني ثلاثة أيام، أولها يوم النحر ثم يومان بعده، وأن اليوم الرابع ليس من أيام الذبح، وبهذا قال مالك، والثوري، وأبو حنيفة، وقال الشافعي: أيام الذبح أربعة: يوم النحر، وثلاثة أيام التشريق بعده، كذا في ((المنتقى))، وقد عرفت فيما سبق، أنهم اختلفوا في وقت الذبح، في ثلاثة مواضع: في أوله، وآخره، والليالي المتخلّلة، وتقدم الكلام في أول وقت الذبح مفصلاً. وأما آخره فقد قال الموفق(٢): آخره آخر اليوم الثاني من أيام التشريق، فتكون أيام النحر ثلاثة: يوم العيد، ويومان بعده، وهذا قول عمر، وعلي، (١) ((المنتقى)) (٩٩/٣). (٢) ((المغني)) (٣٨٦/١٣). ٢٧٠ ٢٦ - كتاب الضحايا (٦) باب (١٠٦٢) حديث وابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وأنس، قال أحمد: أيام النحر ثلاثة، عن غير واحد من أصحاب رسول الله وَّر، وروي عن علي - رضي الله عنه - آخره آخر أيام التشريق، وهو مذهب الشافعي، وقول عطاء، والحسن، وقال ابن سيرين: لا تجوز إلا في يوم النحر خاصة؛ لأنها وظيفة عيد، فلا تجوز إلا في يوم واحد، كأداء الفطرة يومَ الفطر. وقال سعيد بن جبير وجابر بن زيد، كقول ابن سيرين في أهل الأمصار، وقولنا في أهل منى، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعطاء بن يسار: تجوز التضحية إلى هلال المحرم، وقال أبو أمامة بن سهل بن حنيف: كان الرجل من المسلمين يشتري أضحية فَيُسِّمُها حتى يكون آخر ذي الحجة فيضحي بها . رواه الإمام أحمد بإسناده، وقال: هذا حديث عجيب، اهـ. واختار ابن حزم في ((المحلى))(١) جواز الأضحية إلى هلال المحرم، واستدل لذلك ملزماً لمخالفيه بما روي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار قالا: بلغنا أن رسول الله وَ ال# قال: ((الأضحى إلى هلال المحرم لمن أرادأن يستأنى بذلك)). انتهى. قال الزرقاني(٢): وذهب ابن سيرين، وداود الظاهري، إلى اختصاص الضحية بيوم النحر؛ لقوله وَل﴾ في حجة الوداع: ((أيُّ يوم هذا؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((أليس يوم النحر؟))، الحديث، ووجهه أنه أضاف هذا اليوم إلى جنسه النحر، قال الحافظ(٣): ويمكن أن يستدل لذلك بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص رفعه: ((أمرت بيوم الأضحى عيداً)) ..... (١) انظر: ((المحلّى)) (٤١/٦). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٧٩/٣). (٣) ((فتح الباري)) (٨/١٠). ٢٧١ ٢٦ - كتاب الضحايا (٦) باب (١٠٦٢) حديث الحديث، أخرجه أبو داود(١)، وصححه ابن حبان. والجملة أن في تعيين أيام الأضحية سبعة مذاهب: الأول: يوم النحر فقط، وهو مذهب داود وابن سيرين، الثاني: ثلاثة أيام، وهو مذهب الأئمة الثلاثة وغيرهم، الثالث: أربعة أيام، وهو مذهب الشافعي وغيره، الرابع: يوم النحر، وستة أيام بعده، وهو قول قتادة، الخامس: عشرة أيام، حكاه ابن التين، السادس: إلى آخر ذي الحجة، وهو مذهب ابن حزم، السابع: يوم في الأمصار، وثلاثة في منى، وهو قول سعيد بن جبير، وجابر بن زيد، كذا في ((العيني)» (٢). قال الموفق: ولنا؛ أن النبي ◌َّ # نهى عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، ولا يجوز الذبح في وقت لا يجوز الادّخار إليه،، ولأنه قول من سمينا من الصحابة، ولا مخالف لهم إلا رواية عن علي - رضي الله عنه -، وقد روي عنه مثل مذهبنا، انتهى. وقال الباجي(٣): قد استدل القاضي أبو الحسن في ذلك بقوله تعالى: لِيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَّهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَرِّ﴾(٤) قال: والأيام المعلومات: يوم النحر ويومان بعده، والأيام المعدودات ثلاثة بعد يوم النحر، ودليلنا من جهة السنة الحديث المتقدم أنه ( نهى عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث، ومعلوم أنه أباح الأكل منها في أيام الذبح، فلو كان اليوم الرابع منها لكان قد حرم على من ذبح في ذلك اليوم أن يأكل منها، انتهى. (١) سنن أبي داود (٢٧٨٩). (٢) انظر: ((عمدة القاري)) (٥٥٢/١٤). (٣) ((المنتقى)) (٩٩/٣). (٤) سورة الحج: الآية ٣٤. ٢٧٢ ٢٦ - كتاب الضحايا (٦) باب (١٠٦٣) حديث وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، مِثْلُ ذُلِكَ. ١٣/١٠٦٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ يُضَحِّي عَمَّ فِي بَطْنِ الْمَرْأَةِ. وأما الليالي المتخللة فقد قال الموفق(١): زمن الذبح هو النهار دون الليل. نصّ عليه أحمد في رواية الأثرم، وهو قول مالك، وعن أحمد رواية أخرى: أن الذبح يجوز ليلاً، وهو اختيار أصحابنا المتأخرين، وقول الشافعي، وإسحاق، وأبي حنيفة، وأصحابه. انتهى. قال الباجي: ليس الليل من زمن الذبح في أضحية، ولا هدي، ولا عقيقة، ومن فعل ذلك لم يجزه. انتهى. (مالك، أنه بلغه عن علي بن أبي طالب مثل ذلك) أي: مثل ما قال ابن عمر، قال الزرقاني(٢): أخرجه ابن عبد البر من طريق زر، عن علي قال: الأيام المعدودات: يوم النحر ويومان بعده، اذبح في أيها شئت، وأفضلها أولها، وقال الطحاوي: مثل هذا لا يكون رأياً، فدل أنه توقيف، انتهى، وفي (المحلى))(٣): روينا من طريق ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن زر، عن علي قال: النحر ثلاثة أيام، أولها أفضلها. ١٣/١٠٦٣ - (مالك، عن نافع، أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - (لم يكن يضحي عما في بطن المرأة) يريد أنه ليس له حكم الحي، حتى يستهلّ صارخاً بعد الولادة، ألا ترى أنه لا يرث ولا يورث، والأضحية من أحكام (١) («المغني)) (٣٨٧/٣). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٧٩/٣). (٣) (٤٠/٦). ٢٧٣ ٢٦ - كتاب الضحايا (٦) باب (١٠٦٣) حديث قَالَ مَالِكٌ: الضَّحِيَّةُ سُنَّةٌ وَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ، وَلَا أُحِبُّ لِأَحَدِ مِمَّنْ قَوِيَ عَلَى ثَمَنِهَا، أَنْ يَتْرُكَهَا . الحيّ، وقد روى محمد عن مالك: لا يعجبني أن يضحي الرجل عن أبويه الميتين، كذا في ((المنتقى))(١). وقال الموفق(٢): لا يضحى عما في البطن، روي ذلك عن ابن عمر - رضي الله عنهما -، وبه قال الشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر، ولا نعلم مخالفاً لهم، انتهى، وقال الزرقاني: لأنه ليس بمشروع عند الجمهور، وخلافه شاذ، قاله أبو عمر، انتهى. وفي ((المحلى)): وبه قال الجمهور، لكن يجب عن ولده الصغير في رواية الحسن عن أبي حنيفة، وفي ظاهر الرواية لا، انتهى. (قال مالك: الضحية سنة) مؤكدة على كل مقيم ومسافر إلا الحاج (وليست بواجبة) أي: فرض، زاده تأكيداً لما قبله، وهذا إحدى روايتين عن الإمام مالك، كما تقدم في أوّل الباب (ولا أحب لأحد ممن) وليس في النسخ المصرية لفظ ((ممن)) فيكون الفعل الآتي صفة ((لأحد)) (قوي) أي: قدر (على ثمنها) أي: يستطيع شراءها (أن يتركها). قال الباجي(٣): هذه العبارة يستعملها أصحابنا فيما تأكد استحبابه، وبلغ صفة ما من تأكيده الاستحباب وإن لم يجب فعله، وقد قال ابن القاسم في ((المدونة)): من تركها أثم، وهذا معنى الوجوب، وقال ابن المواز في كتابه: هي سنة موجبة، وقال ابن حبيب: هي من واجبات السنن وتركها خطيئة، قال القاضي أبو محمد: أطلق بعض أصحابنا عليها أنها واجبة، وإنما يريدون بذلك أنها سنة مؤكدة، وهذا محتمل من الأقوال غير قول ابن القاسم وابن حبيب الذين يؤثمان تاركها، فإنها لا تحتمل إلا الوجوب، والأول أشهر في المذهب. (١) (١٠٠/٣). (٢) («المغني)) (٣٩٢/١٣). (٣) ((المنتقى)) (١٠٠/٣). ٢٧٤ ٢٦ - كتاب الضحايا (٦) باب (١٠٦٣) حديث وفي ((المبسوط)) عن إسماعيل بن أبي أويس: أن المسافر لا أضحية عليه؛ لأنه ليس عليه صلاة عيد، والمشهور من مذهب مالك ما تقدم، فالأضحية على أهل الآفاق وجميع الناس، قال ابن حبيب: صغيرهم وكبيرهم، ذكورهم وإناثهم، قال ابن المواز: الأحرار من أهل منى وغيرهم والمقيم والمسافر في ذلك سواء، إلا الحاج خاصة في ذلك بمنى، فإنهم لا أضحية عليهم، قال ابن حبيب: وذبيحة الحاج هدي وليست بأضحية، وليس وجوبه كوجوب الضحايا، ووجه ذلك أن الحاج لما كان نسكه شعاراً، وهو التلبية، كان نسكه بالذبح شعاراً، وهو التقليد والإشعار، والأصل في ذلك أن النبي ودالفر قلّد وأشعر ما ساقه في حجه وعمرته، وجعله هدياً، ولمْ يضَحِّ بشيء منها، انتهى. (تم) بصيغة الماضي من التمام (كتاب الضحايا والحمد لله رب العالمين) على تمامه (حق حمده) أي: الحمد الذي يليق بشأنه، مع عجزنا عن أدائه (وصلى الله) تبارك وتعالى (على خيرته) مصدر بمعنى المفعول، والضمير إلى الله عز اسمه، أي: الصلاة على من اختاره الله (من خلقه وصفوته) مصدر أيضاً كخيرته (من بريته) سيدنا ونبينا (محمد عبده ورسوله) بالجر فيهما صفة محمد وَل﴾ (إلى جميع خلقه) يعني رسالته عامة لكافة الناس (وبتمامه) أي بتمام كتاب الضحايا . (تم الجزء الأول من) الكتاب (الموطأ من تجزئة جزءين) هكذا في متون النسخ الهندية، وليست هذه العبارة في الشروح الهندية، ولا في النسخ المصرية، والظاهر أنه إلحاق من بعض النساخ ألحقه تنبيهاً على تمام النصف الأول من ((الموطأ)). وقد وقع الفراغ من تسويد هذا الجزء في السابع والعشرين من أخرى الربيعين سنة إحدى وستين بعد ثلثمائة وألف، فالحمد لله أولاً وأخيراً، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله وصحبه دائماً وسرمداً(١). (١) هذا كلام شيخنا الشارح رحمه الله تعالى. ٢٧٥ ٢٧ - كتاب النكاح ٢٧ - كتاب النكاح (٢٧) كتاب النكاح بسم الله الرحمن الرحيم اختلفت نسخ ((الموطأ)) في ترتيب هذه الكتب، كما نبهت عليه في أول ((كتاب الذكاة))، واقتفيت ترتيب النسخ الهندية لشيوعها في هذه الديار، ثم النكاح(١) اختلف فيه لغةً وشرعاً، أما الأول فقيل: أصله الضمُّ والتداخل، وقيل: لزوم شيء لشيء مستعلياً عليه، ويكون في المحسوسات، وفي المعاني، وقال الداهري: أصل النكاح في كلام العرب: الوطء، وقيل للتزويج نكاح؛ لأنه سببه، وقال الزجاجي: هو في كلام العرب: الوطء، والعقد جميعاً. وفي ((المغرب)): قولهم: النكاح الضم مجاز، وقال القرطبي: اشتهر إطلاقه على العقد، وحقيقته عند الفقهاء على ثلاثة أوجه؛ حكاها القاضي حسين، أصحها: أنه حقيقة في العقد، مجاز في الوطء، وهو الذي صححه أبو الطيب، وبه قطع المتولي وغيره. والثاني: أنه حقيقة في الوطء، مجاز في العقد، وبه قالت الحنفية، وهو وجه للشافعية. والثالث: أنه حقيقة فيهما بالاشتراك، وبه جزم الزجاجي، قال الحافظ : وهذا الذي يترجح في نظري، وفي ((شرح الإقناع))(٢): في موضوعه الشرعي ثلاثة أوجه لأصحابنا، أصحها: أنه حقيقة في العقد، مجاز في الوطء، قال البجيرمي: وقيل: عكسه، وإليه ذهب أبو حنيفة، وقيل: حقيقة فيهما، ويظهر الخلاف بيننا وبين أبي حنيفة في أن الوطء بالزنا هل يحرم ما يحرمه النكاح أو (١) انظر: ((فتح الباري)) (١٠٣/٩)، ((وبذل المجهود)) (٣/١٠) و((التعليق الممجد)) (٢٪ ٤٤٧) . (٢) (٣٥٦/٣). ٢٧٦ ٢٧ - كتاب النكاح لا؟ عندنا لا يُحَرِّمه وعند الحنفي يُحَرِّمه، وإذا علق الطلاق على النكاح عندنا يُحمل على العقد، وعنده على الوطء، انتهى. قلت: في هذا يتعلق عندنا أيضاً بالعقد، كما صرح به ابن عابدين إذا قال: لو قال لزوجته: إن نكحتك فأنت طالق، تعلّق بالوطء بخلاف الأجنبية فيتعلق بالعقد، لأن وطأها لما حرم عليه شرعاً كانت الحقيقة مهجورة، فتعين المجاز، انتهى. وفي ((الدر المختار))(١): هو عند الفقهاء: عقد يفيد ملك المتعة، وعند أهل الأصول واللغة: حقيقة في الوطء؛ مجاز في العقد، انتهى. وقال الموفق(٢): النكاح في الشرع: عقد التزويج، فعند إطلاقه ينصرف إليه ما لم يصرفه عنه دليل، وقال القاضي: الأشبه في أصلنا: أنه حقيقة في العقد والوطء جميعاً؛ لقولنا بتحريم موطوءة الأب من غير تزويج، لدخوله في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَبَاؤُكُم مِّنَ الْنِسَآءِ﴾ وقيل: حقيقة في الوطء، مجاز في العقد، والصحيح ما قلنا؛ لأن الأشهر استعماله بإزاء العقد في الكتاب والسنة، وما ذكره القاضي يفضي إلى كون اللفظ مشتركاً؛ وهو على خلاف الأصل، وما ذكره الآخرون يدل على الاستعمال في الجملة، والاستعمال فيما قلنا أكثر وأشهر، انتهى. وفي (الدر المختار))(٣): ليس لنا عبادة شرعت من عهد آدم إلى الآن، ثم تستمر في الجنة إلا النكاح والإيمان، وتعقبه ابن عابدين أولاً بأن كونه عبادة في الدنيا، إنما هو لكونه سبباً لكثر المسلمين؛ ولما فيه من الإعفاف ونحوه، (١) (٣/٣). (٢) («المغني)) (٣٣٩/٩). (٣) (٤٠٣/٣). ٢٧٧ ٢٧ - كتاب النكاح وهذا مفقود في الجنة، وثانياً بأن الذكر والشكر في الجنة أكثر منهما في الدنيا، لأن حال العبد يصير كحال الملائكة الذين يُسَبِّحون الليل والنهار لا يَفْتُرون، ثم أجاب عنهما، وتمامه في ((حاشية الحموي على الأشباه)). واختلف في حكم النكاح. قال الشيخ في ((البذل))(١) عن ((البدائع)): لا خلاف أن النكاح فرض حالة التوقان، حتى إن من تاقت نفسه إلى النساء، بحيث لا يمكنه الصبر عنهن، وهو قادر على المهر والنفقة، ولم يتزوج، يأثم، واختلف فيما إذا لم تَتُقْ نفسه، فقال نفاة القياس، مثل داود بن علي الأصفهاني، وغيره من أصحاب الظواهر: فرض عين بمنزلة الصوم والصلاة وغيرهما، وقال الشافعي: مباح كالبيع والشراء، واختلف أصحابنا فيه، فقال بعضهم: إنه مندوب، ومستحب، وإليه ذهب الكرخي، وقال بعضهم: فرض كفاية بمنزلة الجهاد، وقال بعضهم: واجب. ثم القائلون بالوجوب اختلفوا في كيفية الوجوب، قال بعضهم: واجب كفاية كرد السلام، وقال بعضهم: واجب عيناً عملاً لا اعتقاداً على طريق التعيين كصدقة الفطر والأضحية، انتهى. وفي ((الدر المختار)): يكون واجباً عند التوقان، وسنة مؤكدة حال الاعتدال، ورجَّحَ في ((النهر)) وجوبه للمواظبة عليه والإنكار على من رغب عنه، ومكروهاً لخوف الجور، انتهى. وقال الدردير (٢): الشخص إما أن يكون له رغبة فيه أو لا فالراغب إن خشي على نفسه الزنا وجب عليه، وإن أدّى إلى الإنفاق عليها من حرام، وإن (١) ((بذل المجهود)) (٤/١٠). (٢) ((الشرح الكبير)) (٢١٥/٢). ٢٧٨ ٢٧ - كتاب النكاح لم يخش ندب إلا أن يؤدي إلى حرام فيحرم، وغير الراغب إن أَدَّاه إلى قطع مندوب كره، وإلا أبيح، إلا أن يرجو نسلاً أو خيراً من نفقة على فقيرة، فيندب ما لم يؤد إلى حرام وإلا حُرِّم، والأصل فيه الندب، فلذا اقتصر عليه المصنف، انتهى. أي: ((صاحب مختصر الخليل))، قال الدسوقي: قوله: ((الأصل فيه الندب)) أي: بقية الأحكام فهي عارضة له، انتهى. قال الموفق(١): الناس في النكاح على ثلاثة أضرب: منهم من يخاف على نفسه الوقوع في المحظور إن ترك النكاح، فهذا يجب عليه النكاح في قول عامة الفقهاء، لأنه يلزمه إعفاف نفسه، وصونها عن الحرام، وطريقه النكاح، الثاني: من يستحب له، وهو من له شهوة يأمن معها الوقوع في محظور، فهذا الاشتغال به أولى من التخلي لنوافل العبادة، وهو قول أصحاب الرأي، وهو ظاهر قول الصحابة، قال ابن مسعود: لو لم يبق من أجلي إلا عشرة أيام، وأعلم أني أموت في آخرها يوماً، ولي طَوْلُ النكاح فيهن لتزوّجت مخافةً الفتنة . وقال ابن عباس لسعيد بن جبير: تزوّج، فإن خير هذه الأمة أكثرها نساء، وقال إبراهيم بن ميسرة: قال لي طاووس: لتنكحن أو لأقولن لك ما قال عمر لأبي الزوائد: ما يمنعك عن النكاح إلا عجز أو فجور. وقال الشافعي: التخلي لعبادة الله أفضل؛ لأن الله تعالى مدح يحيى عليه السلام بقوله: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ والحصور الذي لا يأتي النساء، فلو كان النكاح أفضل لما مدح بتركه، وقال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّساءِ﴾ الآية. وهذا في معرض الذم، ولأنه عقد معاوضة، فكان الاشتغال بالعبادة أفضل منه كالبيع. (١) («المغني)) (٣٤١/٩). ٢٧٩ ٢٧ - كتاب النكاح ولنا ما تقدم من أمر الله تعالى به ورسوله وحثهما عليه، وقال وَله : ((ولكني أصوم وأفطر، وأتزوّج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني))، وقال سعد: لقد ردّ النبي ◌َّ على عثمان بن مظعون التبتلَ، ولو أذن له لاختصينا، ٠٠ متفق عليهما (١). وعن أنس قال: كان النبي ﴿ يأمرنا بالباءة، وينهى عن التبتل نهياً شديداً ويقول: ((تزوّجوا الودود الولود)»، الحديث، رواه سعيد(٢)، وهذا حثٌ على النكاح شديدٌ، ووعيدٌ على تركه يُقَرِّبه إلى الوجوب، والتخلي منه إلى التحريم، ولو كان التخلي أفضل لانعكس الأمر، ولأن النبي ◌َّل تزوج وبالغ في العدد، ولأن مصالح النكاح أكثر، فإنه يشتمل على تحصين الدين وإحرازه، وتحصين المرأة وحفظها، والقيام بها، وإيجاد النسل، وتكثير الأمة، وتحقيق مباهاة النبي لة، وغير ذلك من المصالح، الراجح أحدها على نفل العبادة، وبمجموعها أولى. وأما ما ذكر عن يحيى، عليه السلام، فهو شرعه، وشرعنا واردٌ بخلافه فهو أولى، والبيع لا يشتمل على مصالح النكاح، ولا يقاربها . والقسم الثالث: من لا شهوة له، إما لأنه لم يخلق له شهوة كالعَنِّيْن، أو کانت له شهوة فذهبت بِکبرٍ أو مرض أو نحوه فقيه وجهان: أحدهما: يستحب له النكاح لعموم ما ذكرنا، والثاني: التخلي له أفضل؛ لأنه لا يُحَصِّلُ مصالحَ النكاح، ويمنع زوجته من التحصين بغيره، ويُضِرُّ بها بحبسها على نفسه، والأخبار تحمل على من له شهوة لما فيها من القرائن الدالة عليها، وظاهر كلام أحمد أنه لا فرق بين القادر على الإنفاق والعاجز عنه . (١) أخرجه البخاري (٥٠٦٣)، ومسلم ح (١٤٠٢). (٢) ((سنن سعيد بن منصور)) (١٣٩/١). ٢٨٠