Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٦ - كتاب الضحايا (٤) باب (١٠٥٦) حديث عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامِ، على أن نسخه كان حين كان علي - رضي الله عنه - في السفر عند الأضحى، وقد كان معه ◌َّ في حجة الوداع (عن أكل لحوم) جمع لحم (الضحايا) جميع ضحية . قال الحافظ: حكى البيهقي، عن الشافعي: أن النهي عن أكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث كان في الأصل للتنزيه، وهو كالأمر في قوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْقَائِعَ﴾ وحكاه الرافعي عن أبي علي الطبري احتمالاً، وقال المهلب: إنه الصحيح لقول عائشة - رضي الله عنها -، وليس بعزيمة، انتهى. والمراد بقول عائشة ما أخرجه البخاري(١) عنها قالت: ((الضحية كنا نُملِّحُ منه فَنَقْدمُ به إلى النبي ◌َ لهَ بالمدينة فقال: لا تأكلوا إلا ثلاثة أيام، وليست بعزيمة ولكن أراد أن نطعم منه)). (بعد ثلاثة أيام) قال القرطبي: اختلف في أول الثلاث كان الإدخار فيها جائزاً. فقيل: أولها يوم النحر، فمن ضخّى فيه جاز أن يمسك يومين بعده، ومن ضحّى بعده أمسك ما بقي له من الثلاثة، وقيل: أولها يوم يضحي، فلو ضحّى في آخر أيام النحر جاز له أن يمسك ثلاثاً بعدها، ويحتمل أن يؤخذ من قوله: ((بعد ثلاثة))، أن لا يحسب اليوم الذي يقع فيه النحر من الثلاث، وتعتبر الليلة التي تليه. قال الحافظ في ((الفتح)) (٢): يؤيده ما في حديث جابر: ((كنا لا نأكل من لحوم بدننا فوق ثلاث منى))، فإن ثلاث منى تتناول يوماً بعد يوم النحر لأهل النفر الثاني، انتهى، وكذا ذكر الباجي الاحتمالين المذكورين في المراد بثلاثة أيام، أي: من يوم النحر، أو من يوم الذبح، وفي ((المحلى)) عن القاضي عياض: الظاهر هو الثاني. (١) ح (٥٥٧٠) ((فتح الباري)) (٢٤/١٠). (٢) ((فتح الباري)) (٢٨/١٠). ٢٤١ ٢٦ - كتاب الضحايا (٤) باب (١٠٥٦) حديث ثُمَّ قَالَ، بَعْدْ (كُلُوا، وَتَصَدَّقُوا، وَتَزَوَّدُوا، وَادَّخِرُوا)). أخرجه مسلم في: ٣٥ - كتاب الأضاحيّ، ٥ - باب ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحيّ بعد ثلاث، حديث ٢٩. (ثم قال) وَّر (بعد ذلك) وفي النسخ المصرية بعد بالبناء على الضم، أي: بعد النهي، يعني في العام القابل، كما ورد في الروايات (كلوا) بصيغة الأمر من الأكل (وتصدقوا) ليس هذا اللفظ في النسخ الهندية (وتزوّدوا وادخروا) بتشديد الدال بصيغة الأمر من الادخار، والأوامر للإباحة عند الجمهور، قال محمد في ((موطئه))(١) بعد حديث الباب: وبهذا نأخذ، لا بأس أن يأكل الرجل من أضحيته، ويَدّخر ويتصدق، وما نحب له أن يتصدق بأقل من الثلث، وإن تصدق بأقل من ذلك جاز، انتهى. وقال ابن كثير في ((تفسيره)): قال بعض السلف: قوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا﴾(٢) أمر إباحة، وقال مالك: يستحب ذلك، وقال غيره: يجب، وهو وجه لبعض الشافعية، انتهى. وقال ابن حزم في ((المحلى))(٣): فرض على كل مضح أن يأكل من أضحيته ولا بد ولو لقمة، وفرض عليه أن يتصدق أيضاً منها بما شاء قل أو كثر، ولا بد، ومباح له أن يطعم منها الغني والكافر، وأن يهدي منها إن شاء ذلك، اهـ. قال الخطابي: استدل بإطلاق الأحاديث على أنه لا تقييد في القدر الذي يجزئ من الإطعام، ويستحب للمضحي أن يأكل من الأضحية شيئاً، ويطعم الباقي صدقة وهدية، وعن الشافعي: يستحب قسمتها أثلاثاً، لقوله وَلهو: ((كلوا (١) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٦٢٠/٢). (٢) سورة الحج: الآية ٣٦. (٣) انظر: ((المحلى)) (٢٤٦/٦). ٢٤٢ ٢٦ - كتاب الضحايا (٤) باب (١٠٥٦) حديث وتصدقوا وأطعموا)) قال ابن عبد البر: وكان غيره يقول: يستحب أن يأكل النصف ويطعم النصف، وقد أخرج أبو الشيخ من طريق عطاء، عن أبي هريرة رفعه: ((من ضحى فليأكل من أضحيته))، ورجاله ثقات، لكن قال أبو حاتم الرازي: الصواب عن عطاء مرسل. قال النووي: مذهب الجمهور أنه لا يجب الأكل من الأضحية، وإنما الأمر فيه للإذن، وذهب بعض السلف إلى الأخذ بظاهر الأمر، وحكاه الماوردي عن أبي الطيب بن سلمة من الشافعية. وأما الصدقة منها، فالصحيح أنه يجب التصدق من الأضحية بما يقع عليه الاسم، والأكمل أن يتصدق بمعظمها، كذا في ((الفتح)) (١). قال ابن كثير: فإن أكل الكل فقيل: لا يتضمن شيئاً، وبه قال ابن سريج من الشافعية، وقال بعضهم: يضمنها كلها بمثلها أو قيمتها، وقيل: يضمن نصفها، وقيل: ثلثها، وقيل: أدنى جزء منها، وهو المشهور من مذهب الشافعي، انتھی. قال الرازي في ((التفسير الكبير)) (٢): مذهب الشافعي أن الأكل مستحب، والإطعام واجب، فإن أطعم جميعها أجزأه، وإن أكل جميعها لم يجزئه، هذا فيما كان تطوعاً، أما الواجبات كالنذور والكفارات، فلا يأكل منها، انتهى. قال الموفق(٣): قال أحمد: نذهب إلى حديث عبد الله: يأكل هو الثُلُثَ، ويُطْعِمُ من أراد الثلث، ويتصدق على المساكين بالثلث، قال علقمة: بعث معي عبد الله بهدية فأمرني أن آكل ثلثاً، وأن أرسل إلى أهل أخيه عتبة بثلث، وأن (١) ((فتح الباري)) (١٠/ ٢٧). (٢) (٢٨/٢٣). (٣) ((المغني)) (٣٧٩/١٣). ٢٤٣ ٢٦ - كتاب الضحايا (٤) باب (١٠٥٦) حديث أتصدق بثلث، وعن ابن عمر قال: الضحايا والهدايا ثلث لك، وثلث لأهلك، وثلث للمساكين، وهذا قول إسحاق وأحد قولي الشافعي. وقال في الآخر: يجعلها نصفين: يأكل نصفاً، ويتصدق بنصف؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْبَآِسَ الْفَقِيَرَ﴾(١) وقال أصحاب الرأي: ما كثر من الصدقة فهو أفضل؛ لأنه ◌َّله أهدى مائة بدنة، وأمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قدر، فأكل هو وعليٍّ من لحمها، وحَسِيا من مرقها، ونحر خمس بدنات أو ست بدنات، وقال: ((من شاء فليقتطع)) ولم يأكل منهن شيئاً. ولنا، ما روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - في صفة أضحيته وَل قال: ويطعم أهل بيته الثلث، ويطعم فقراء جيرانه الثلث، ويتصدق على السُّؤَال بالثلث، رواه الحافظ أبو موسى الأصفهاني في ((الوظائف))، وقال: حديث حسن، ولأنه قول ابن مسعود، وابن عمر - رضي الله عنهما - ولم نعرف لهما مخالفاً في الصحابة فكان إجماعاً، ولأنه تعالى قال: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْقَائِعَ وَالْمُعْتَّرَّ﴾ (٢) والقانع السائل. يقال: قنع قنوعاً إذا سأل، وقنع قناعة إذا رضي. والمعتر: الذي يعتريك. أي يتعرض لك لتطعمه ولا يسأل، فذكر ثلاثة أصناف، فينبغي أن يقسم بينهم، والأمر في هذا واسع، فلو تصدق بها كلها أو بأكثرها جاز، وإن أكلها كلها إلا أوقية تصدق بها جاز، وقال أصحاب الشافعي: يجوز أكلها كلها، ولنا، قوله تعالى: ﴿ وَأَطْعِمُواْ الْقَائِعَ وَاُلْمُعْتَّرَ﴾ [وقال:] ﴿وَأَطْعِمُواْ الْبَآيِسَ الْفَقِيرَ﴾ والأمر يقتضي الوجوب، وقال بعض أهل العلم: يجب الأكل منها ولا تجوز الصدقة بجميعها للأمر بأكلها، انتهى مختصراً . (١) سورة الحج: الآية ٢٨. (٢) سورة الحج: الآية ٣٦. ٢٤٤ ٢٦ - كتاب الضحايا (٤) باب (١٠٥٦) حديث قال الباجي(١): لفظة ((كلوا)) قد روي ما يقتضي أن معناه الإباحة، روى ابن المواز، عن مالك: لا بأس على الرجل إن لم يأكل من بدنته، وروى عنه في ((النوادر)) أنه قال: وإن تصدق بلحم أضحيته كله فهو أعظم لأجره، وروى عنه أن هذه اللفظة للندب، وذلك أن ابن حبيب روى عن مالك: لو أراد رجل أن يتصدق بلحم أضحيته كله لاستغنائه عنه، ولا يأكل منه شيئاً كان مخطئاً، وأما قوله: ((فتصدقوا)) فعلى الاستحباب دون الوجوب، قاله القاضي أبو محمد؛ لأنه لا خلاف اليوم بين الفقهاء في ذلك. وقد روي عن مالك: لو أن رجلاً تصدق بأضحيته كلها لاستغنائه عنها، ولم يأكل منها شيئاً كان مخطئاً، كما لو أكلها ولم يطعم منها، وقال ابن المواز: يستحب له أن يتصدق ببعض لحم أضحيته، ولو لم يتصدق بشيء منه ما جاز له، انتهى. وقال ابن رشد في ((البداية))(٢): اختلف مذهب مالك هل يؤمر بالصدقة والأكل معاً، أم هو مخير بين أن يفعل أحد الأمرين؟ فقال مالك: ليس له أن يفعل أحد الأمرين، أعني أن يأكل الكل، أو يتصدق بالكل، وقال ابن المواز: له أن يفعل أحدهما، وقال عبد الوهاب في الأكل: إنه ليس بواجب في المذهب، انتھی. وقال الدردير(٣): ندب جمع بين أكل منها وصدقة وإهداء بلا حد في ذلك بثلث ولا غيره، قال الدسوقي: ظاهره أن الجمع بين الثلاثة أفضل من الصدقة بالكل، وإن كان أشق على النفس، وهو المشهور، وحديث: ((أفضل (١) ((المنتقى)) (٩٤/٣). (٢) ((بداية المجتهد)) (٤٣٨/١). (٣) (١٢٢/٢). ٢٤٥ ٢٦ - كتاب الضحايا (٤) باب (١٠٥٧) حديث ٧/١٠٥٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَاقِدٍ؛ العبادات أحمزها)) ليس كلياً، وقال عج: القول بأن التصدق بجميعها أفضل متجه إذ أفضل العبادات أحمزها، أي: أشق على النفس. انتهى. وفي ((الدر المختار))(١): يأكل من لحم الأضحية، ويؤكل غنياً، ويدّخر، وندب أن لا ينقص التصدق عن الثلث، وندب تركه لذي عيال توسعة عليهم، قال ابن عابدين بعد ما ذكر أقوالهم في الأضحية التي تؤكل والتي لا تؤكل: والحاصل أن التي لا يؤكل منها هي المنذورة ابتداء، والتي وجب التصدق بعينها بعد أيام النحر، والتي ضحى بها عن الميت بأمره على المختار، والواجبة على الفقير بالشراء على أحد القولين، والذي ولدته الأضحية، والمشتركة بين سبعة نوى بعضهم بحصته القضاء عن الماضي فهذه كلها سبيلها التصدق، انتهى. وفي (البذل)) (٢) عن ((البدائع)): يستحب أن يأكل من أضحيته، والأفضل أن يتصدق بالثلث، ويتخذ الثلث ضيافة لأقربائه، وأصدقائه، ويدّخر الثلث، وله أن يهبه جميعاً، ولو تصدق بالكل جاز، ولو حبس لنفسه الكل جاز؛ لأن القربة بالدم، والتصدق باللحم تطوع، انتهى ملخصاً . ٧/١٠٥٧ - (مالك، عن عبد الله بن أبي بكر) زاد في النسخ الهندية بعد ذلك (عن محمد بن عمرو بن حزم) وهذا تحريف من الناسخ صَحَّفَ ابن محمد بلفظ: عن محمد، فإن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري معروف في الرواة، واقتصر في النسخ المصرية(٣) على عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الله بن واقد، وهكذا رواه مسلم برواية روح، عن مالك (عن عبد الله بن واقد) بالقاف، ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي المدني، (١) (٦/ ٦٤١). (٢) ((بذل المجهود)) (١٣ /٤٢). (٣) كذا في ((الاستذكار)) (١٦٦/١٥). ٢٤٦ ٢٦ - كتاب الضحايا (٤) باب (١٠٥٧) حدیث أَنَّهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَلَ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ: فَذَكَرْتُ ذْلِكَ لِعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدَ الرَّحْمُنِ، فَقَالَتْ: صَدَقَ، سَمِعْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِّ وَ لَ تَقُولُ: دَفَّ وفي ((رجال الموطأ)) لابن الحذاء: قيل: هو عبد الله بن واقد بن زيد بن عبد الله بن عمر، قال: والأول أصح، تابعي ثقة مات سنة ١١٩هـ، وقيل: مات قديماً في خلافة هشام بن عبد الملك. (أن رسول الله رَّير نهى) هكذا في النسخ الهندية، وفي المصرية أنه قال: (نهى رسول الله وَي)) وعلى كلتا النسختين روي مرسلاً في جميع نسخ ((الموطأ)) ليحيى، وفي ((موطأ محمد))(١) عن عبد الله بن واقد، أن عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - أخبره أن رسول الله وَ له نهى ...... الحديث. وقال الحافظ في (تهذيبه)) في ترجمة ابن واقد: أرسل عن النبي وَّ، وروى عن جده، والحديث أخرجه مسلم من طريق مالك مرسلاً، لكنه روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - النهي بعدة طرق (عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث) هكذا في أكثر النسخ المصرية، وهكذا في ((موطأ محمد))، وفي بعض النسخ المصرية: بعد ثلاثة، وفي الهندية: بعد ثلاثة أيام، وتقدم الاختلاف في أنه من يوم النحر أو من يوم الذبح. (قال عبد الله بن أبي بكر: فذكرت ذلك) أي: ما أخبره ابن واقد (العمرة) بسكون الميم (بنت عبد الرحمن) بن سعد بن زرارة الأنصارية (فقالت: صدق) ابن واقد فيما نقله؛ لأني (سمعت عائشة) أم المؤمنين (زوج النبي ◌َّة تقول: دف) بفتح الدال المهملة وتشديد الفاء، أصل الدف: السير اللين ليس بالشديد، من يدفون دفيفاً، وفي ((شرح الطحاوي)) للعيني: أصله من دفيف (١) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٦١٧/٢). ٢٤٧ ٢٦ - کتاب الضحايا (٤) باب (١٠٥٧) حديث نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ حَضْرَةَ الْأَضْحَى، فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ وَلـ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ له: ((اذَّخِرُوا لِثَلَاثٍ. وَتَصَدَّقُوا بِمَا بَقِيَ)). قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذُلِكَ، الطائر، إذا حَرّك جناحيه ورجلاه في الأرض، اهـ. وفي ((المحلى)): أصل الدف: سير سريع مع تقارب فيه بين الخطى. (ناس من أهل البادية) أي: من المقيمين (١) في الصحراء والبرية بالخيام وغيرها (حضرة الأضحى) بتثليث الحاء والضاد ساكنة فيها كلها، وحكي فتحها وهو ضعيف، وإنما تفتح إذا حذفت الهاء، فيقال: بحضر فلان، قاله النووي، منصوب على الظرفية، أي: في وقت الأضحى، وفي حين الأضحى (في زمان رسول الله (1) سنة خمس أو بعدها، كما تقدم. (فقال رسول الله وَله: ادخروا) بتشديد الدال المهملة الثلاث وتصدقوا بما بقي) من الادخار لثلاث، قال الباجي(٢): يقتضي أن يمسك منه يوم الأضحى ما يكفي لثلاث، ثم يتصدق بما بقي بعد ذلك، وهو الذي يقع به الانتفاع للدافّة يوم الأضحى وفيما بعده (قالت: فلما كان بعد ذلك) أي: في العام المقبل، كما ورد في غير رواية، وقد أخرج البخاري (٣) عن سلمة بن الأكوع قال: قال النبي وَالر: ((من ضحّى منكم، فلا يصبحن بعد ثالثة وفي بيته منه شيء))، فلما كان العام المقبل قالوا: يا رسول الله نفعل كما فعلنا العام الماضي؟ قال: ((كلوا وأطعموا وادّخروا، فإن ذلك العام كان بالناس جهد، فأردت أن تعينوا فيها)). قال ابن المنير: وجه قولهم هل نفعل كما كنا نفعل؟ مع أن النهي يقتضي (١) المراد ههنا: ضعفاء الأعراب للمواساة كما سيأتي. (٢) ((المنتقى)) (٩٤/٣). (٣) ح(٥٥٦٩)، (فتح الباري)) (٢٥/١٠ - ٢٦). ٢٤٨ ٢٦ - کتاب الضحايا (٤) باب (١٠٥٧) حديث قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَلَهُ: لَقَدْ كَانَ النَّاسُ يَنْتَفِعُونَ بِضَحَايَاهُمْ، وَيَجْمُلُونَ مِنْهَا الْوَدَكَ، وَيَتَّخِذُونَ مِنْهَا الْأَسْقِيَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه: ((وَمَا ذُلِكَ؟)) أَوْ كَمَا قَالَ. قَالُوا: نَهَيْتَ عَنْ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ، الاستمرار؛ لأنهم فهموا أن ذلك النهي ورد على سبب خاص، فلما احتمل عندهم عموم النهي أو خصوصه من أجل السبب سألوا، فأرشدهم إلى أنه خاص بذلك العام من أجل السبب المذكور. (قيل لرسول الله (ص18) ولفظ مسلم: فلما كان بعد ذلك قالوا: يا رسول الله (لقد كان الناس ينتفعون بضحاياهم) بأنواع مختلفة ويدّخرون إلى ما شاء (ويجملون) بفتح الياء وسكون الجيم وكسر الميم، كما في ((المحلى)). وفي ((التعليق الممجد))(١): بالضم والجيم، وفي ((المجمع)): جملت الشحم وأجملته: إذا أذبته، واستخرجت دهنه، من ضرب ونصر والإفعال (منها الودك) بفتحتين الشحم (ويتخذون منها الأسقية) جمع سقاء، وهي إداوة الماء، أي: يتخذون من جلودها القرب. (فقال رسول الله وَ له: ((وما ذلك؟))) أي: وما الذي منعهم من الانتفاع (أو كما قال.) شك من الراوي، وليس في مسلم لفظ ((أو كما قال)) (قالوا) زاد في النسخ الهندية بعد ذلك (يا رسول الله) وليس هذا في المصرية (نهيت) في العام الماضي (عن لحوم الأضاحي) وفي النسخ المصرية ((عن لحوم الضحايا)) (بعد ثلاث). قال الباجي: إن كان يريد أنهم امتنعوا لأجل المنع المتقدم، فقد يجب أن يكون المنع بلفظ عام؛ لأن المنع إنما تناول أكل اللحم، وقد روي لفظ يتناول جميع الأضحية وهو ما روي عن سلمة بن الأكوع بلفظ ((فلا يصبحن بعد ثالثة وفي بيته شيء منه)). (١) (٦١٩/٢). ٢٤٩ ٢٦ - كتاب الضحايا (٤) باب (١٠٥٧ - ١٠٥٨) حديث فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ عَلَيْكُمْ، فَكُلُوا، وَتَصَدَّقُوا، وَادَّخِرُوا)). يَعْنِي بِالدَّاقَّةِ، قَوْماً مَسَاكِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ. أخرجه مسلم في: ٣٥ - كتاب الأضاحيّ، ٥ - باب ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحيّ بعد ثلاث، حديث ٢٨. ٨/١٠٥٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ (فقال رسول الله وَله: إنما نهيتكم من أجل الدافة) بالدال المهملة وبعد الألف فاء ثقيلة: جماعة تسير سيراً ليناً، قال النووي(١): قال أهل اللغة: الدافة قوم يسيرون جميعاً سيراً خفيفاً، ودافة الأعراب: من يرد منهم المصر، والمراد ههنا من ضعفاء الأعراب للمواساة (التي دفّت عليكم) أي: قدمت، زاد في النسخ الهندية بعد ذلك (حضرة الأضحى) وليست هذه في المصرية. (فكلوا وتصدّقوا) بتشديد الدال، وتقدم حكم التصدق والأكل (وادخروا) بتشديد الدال وكسر الخاء المعجمة، وسيأتي الكلام على جواز الادخار قريباً (يعني) النبي ◌َّرِ (بالدافة) في قوله: ((إنما نهيتكم من أجل الدافة)) (قوماً مساكين) من الأعراب (قدموا المدينة) تفسير من بعض الرواة، والظاهر من يحيى الراوي عن الإمام مالك، وليس هذا التفسير في ((موطأ محمد)) ولا في (مسلم)) . ٨/١٠٥٨ - (مالك، عن ربيعة) الرأي (ابن أبي عبد الرحمن) فروخ التيمي (عن أبي سعيد الخدري) قال ابن عبد البر: لم يسمع ربيعة من أبي سعيد، والحديث صحيح محفوظ، رواه جماعة عن أبي سعيد؛ منهم: القاسم بن محمد، ومعلومٌ ملازمةُ ربيعة للقاسم حتى كان يغلب على مجلسه، وقد جاء من (١) (شرح صحيح مسلم)) للنووي (١٣٠/١٣/٧). ٢٥٠ ٢٦ - کتاب الضحايا (٤) باب (١٠٥٨) حديث أَنَّهُ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَقَدَّمَ إِلَيْهِ أَهْلُهُ لَحْماً، فَقَالَ: انْظُرُوا أَنْ يَكُونَ هُذَا مِنْ لُحُومِ الْأَصْحِى. فَقَالُوا: هُوَ مِنْهَا، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ وَ سَ نَهِى عَنْهَا؟ فَقَالُوا: إِنَّهُ قَدْ كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَّهه بَعْدَكَ، أَمْرٌ. حديث علي، وبريدة، وجابر، وأنس، وغيرهم، قاله الزرقاني(١). وقد أخرج البخاري من طريق يحيى بن سعيد، عن القاسم: أن ابن خباب أخبره، أنه سمع أبا سعيد يحدث أنه كان غائباً فقدم، ..... الحديث (أنه قدم) بفتح القاف وكسر الدال المخففة (من سفر فقدم) بفتح الدال الثقيلة بصيغة المعلوم (إليه أهله لحماً) أي: قديداً كما في رواية أحمد، ولفظ الطحاوي في هذه القصة عن أبي سعيد: أنه أتى أهله فوجد عندهم قصعة ثريد، ولحم من لحم الأضاحي، فأبى أن يأكله ..... الحديث. (فقال) أبو سعيد : (انظروا أن يكون هذا من لحوم الأضاحي)(٢) قال الباجي: قول أبي سعيد هذا على وجه التحرز والاحتياط لدينه، وقد روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه كان لا يأكل في انصرافه من منى إلا الزيت خوفاً من لحوم الأضاحي التي كان يعتقد استدامة المنع فيها، وكذلك يجب للمتحفظ بدينه أن يسأل ويبحث إن كثر المحظور، فإذا كان شاذاً جاز أن يحمل على الأغلب، انتهى. (فقالوا: هو) أي: اللحم (منها) أي: من الأضاحي، ولفظ البخاري: قالوا: هذا من لحم ضحايانا (فقال أبو سعيد: ألم يكن رسول الله وَلقر نهى عنها؟) أي: عن لحوم الأضاحي، إنكار من أبي سعيد لتقديمها إليه بعد علمهم بأنه مما نهى عنه النبي وَ لجر (قالوا) أي: زوجته وأهله (إنه قد كان) أي: ورد (من رسول الله وَلي فيها) أي: في لحوم الأضاحي (بعدك) أي: بعد ذهابك في السفر (أمر) آخر، وهو الإذن بالادخار. (١) ((شرح الزرقاني)) (٧٦/٣). (٢) ((المنتقى)) (٩٥/٣). ٢٥١ ٢٦ - كتاب الضحايا (٤) باب (١٠٥٨) حديث فَخَرَجَ أَبُو سَعِيدٍ، فَسَأَلَ عَنْ ذُلِكَ. فَأُخْبِرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ: ((نَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضْحَى بَعْدَ ثَلَاثٍ، ولفظ أحمد: ((فقالت له امرأته: إن رسول الله ◌َ﴿ل رخص فيه)) وفي رواية للبخاري: ((فقال: أخّروه لا أذوقه)) وفي أخرى له: ((فقال: ما أنا بآكله حتى أسأل)) ..... الحديث، قال الباجي: يحتمل أن يكونوا فسروا له معنى الأمر، فأراد أن يحتاط في ذلك بقول من سمعه من رسول الله وَالر، أو بقول من هو أفقه وأفهم، انتھی. (فخرج أبو سعيد) - رضي الله عنه - من بيته (فسأل عن ذلك) وفي البخاري في غزوة بدر: فقال: ما أنا بآكله حتى أسأل، فانطلق إلى أخيه لأمه - وكان بدرياً - قتادة بن النعمان فقال: إنه حدث بعدك أمر، نقض مما كانوا ينهون عنه من أكل لحوم الأضحى بعد ثلاثة أيام. قال الحافظ(١) في الأضاحي: وقد أخرج أحمد من رواية محمد بن إسحاق قال: حدثني أبي، ومحمد بن علي بن حسين، عن عبد الله بن خباب مطولاً، ولفظه: عن أبي سعيد كان رسول الله وَ ل# قد نهانا أن نأكل لحوم نسكنا فوق ثلاث، قال: فخرجت في سفر، ثم قدمت على أهلي، وذلك بعد الأضحى بأيام، فأتتني صاحبٍتي بسلق قد جعلت فيه قديداً، فقالت: هذا من ضحايانا، فقلت لها: أو لم ينهنا؟ فقالت: إنه رخص لنا بعد ذلك، فلم أصدّقها حتى بعثت إلى أخي قتادة بن النعمان ..... فذكره، وأخرجه النسائي بوجه آخر، فقلب المتن جعل راوي الحديث أبا سعيد، والممتنع من الأكل قتادة بن النعمان، وما في ((الصحيحين)) أصح. (فأخبر) ببناء المجهول، والمخبر أخوه لأمه قتادة، كما تقدم قريباً (أبو سعيد) نائب الفاعل، وليس هذا في المصرية، فضمير الفعل راجع إليه (أن رسول الله وَير قال: نهيتكم عن ) أكل (لحوم الأضاحي) وإمساكها (بعد ثلاث) من (١) ((فتح الباري)) (٢٥/١٠). ٢٥٢ ٢٦ - كتاب الضحايا (٤) باب (١٠٥٨) حديث فَكُلُوا، وَتَصَدَّقُوا، وَاذَّخِرُوا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ الإِنْتِبَاذِ، فَانْتَبِذُوا، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، الأيام (فكلوا) زاد بريدة: ما بدا لكم، وعند أحمد في مسند فاطمة من حديث عائشة - رضي الله عنها - قوله وهل* لعليّ: ((كُلْها من ذي الحجة إلى ذي الحجة)). (وتصدقوا) قال النووي(١): فيه دليل على وجوب التصدق من الأضحية، وبه قالت الشافعية إذا كانت أضحية تطوع، قالوا: والواجب ما يقع عليه اسم الإطعام والصدقة، ويستحب أن يكون بمعظمها، قالوا: وأدنى الكمال أن يأكل الثلث ويتصدق بالثلث، وفي قول لهم: يأكل النصف، ويتصدق بالنصف، ولهم وجه: أنه لا يجب التصدق بشيء، انتهى. وتقدم الكلام على الأكل، والتصدق في أول الباب. (واذّخروا) بتشديد الدال، وسيأتي الكلام على جواز الادخار في آخر الباب، وهذا الحديث من أدلة نسخ منع الادخار، ونقل النووي عن الجمهور: أن هذا من نسخ السنة بالسنة (ونهيتكم عن الانتباذ) في الأواني المخصوصة، وهي: النقير، والمزفت، والدباء، والحنتم (فانتبذوا) في أي وعاء شئتم، ما لم يكن مسكراً (وكل مكسر حرام) وهذا نص في نسخ الانتباذ في الأواني المخصوصة، وعليه الجمهور خلافاً للإمام مالك - رحمه الله - ولذا لم يذكره في كتاب الأشربة، بل ذكر فيه روايات النهي فقط؛ لأنها هي المرجحة عنده في ذلك. وفي ((مسلم))(٢) عن بريدة مرفوعاً: ((نهيتكم عن الظروف وإن الظروف لا تُحِلُّ شيئاً ولا تُحَرِّمه وكل مسكر حرام))، قالوا: كان سبب النهي أنه يشتد فيها النبيذ فربما يصير مسكراً، وكانوا قريب العهد من تحريم الخمر، فربما يشربوا (١) ((شرح صحيح مسلم)) (١٣١/١٣/٧). (٢) أخرجه مسلم (١٩٩٩). ٢٥٣ ٢٦ - كتاب الضحايا (٤) باب (١٠٥٨) حديث وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا . . ما اشتد، فلما تقرر تحريم الخمر رخّص في الانتباذ في الظروف كلها، وبه أخذ أهل العلم، وذهب مالك، وأحمد إلى أن تحريم الانتباذ في هذه الظروف باقية لم ينسخ، والرخصة في قوله: ((وانتبذوا))، مخصوص بما عدا المذكورة، كذا في ((المحلى)). (ونهيتكم عن زيارة القبور) لحدثان عهدكم بالكفر، وكلامكم بالخناء، وبما يكره فيها، وأما الآن حيث انمحت آثار الجاهلية، واستحكم الإسلام (فزوروها) زاد في حديث ابن مسعود عند ابن ماجه(١) بإسناد صحيح: ((فإنها تُزَهِّد في الدنيا وتُذَكِّر الآخرة))، كذا في ((الزرقاني)»(٢)، وعند أبي داود(٣) من حديث بريدة مرفوعاً: ((نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإن في زيارتها تذكرة))، قيل: الإذن مختص بالرجال لما رويُ أن النبي وَلّر ((لعن زوّارات القبور))، وقيل: إن هذا الحديث قبل الترخيص، فلما رخّص عمت الرخصة لهما وعمت الإباحة، وبه قال مالك، والشافعي، وهو الصحيح من مذهب أبي حنيفة، كما في ((الدر المختار))، وعن أحمد روايتان. ويدل على الإباحة للنساء ما رواه مسلم عن عائشة قالت: كيف أقول يا رسول الله؟ يعني في زيارة القبور قال: ((فقولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين))، كذا في ((المحلى))، وقال الزرقاني: الخطاب للرجال، فلم يدخل فيه النساء، فلا يندب لهن على المختار. وفي ((البذل)) (٤): حكى الحازمي والعبدري اتفاق أهل العلم على أن زيارة (١) أخرجه ابن ماجه (١٥٧١). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٧٧/٣). (٣) أخرجه أبو داود (٣٢٣٥). (٤) ((بذل المجهود)) (١٤ /٢٠٤). ٢٥٤ ٢٦ - كتاب الضحايا (٤) باب (١٠٥٨) حديث وَلَا تَقُولُوا هُجْراً)). يَعْنِي لَا تَقُولُوا سُوءًا . أخرجه البخاريّ في: ٦٤ - كتاب المغازي، ١٢ - باب حدثني خليفة. وفي: ٦٦ - كتاب فضائل القرآن، ١٣ - باب فضل قل هو الله أحد. القبور للرجال جائزة، وذهب ابن حزم إلى أن زيارة القبور واجبة ولو مرة واحدة في العمر لورود الأمر به، انتهى. (ولا تقولوا هجراً) بضم الهاء وسكون الجيم (يعني) أي: يريد بقوله: لا تقولوا هجراً أن (لا تقولوا سوءاً) أي: قبيحاً، قال أبو عبيد الهروي: الهُجر: الفحش، والهجر بفتح الهاء: الهذيان، وقال ابن سحنون في ((شرح الموطأ)): ((لا تقولوا هجراً)) أي: لا تدعوا بالويل والحرب والعويل، أو تقولوا ما يسخط الله، قال محمد في رواية عليّ: لا تقولوا هجراً، لا تقولوا سوءاً، قال محمد: وغيرنا يقرؤها لا تعروا هجراً، كذا في ((المنتقى)(١). وفي أحاديث الباب دليل على جواز ادخار لحوم الأضاحي، ونسخ منع الادخار، وترجم الحازمي في كتاب ((الناسخ والمنسوخ)): باب النهي عن أكل الأضحية بعد ثلاث، وأخرج فيه عن ابن عمر مرفوعاً: ((لا يأكل أحدكم من لحم أضحيته فوق ثلاثة أيام))، وعن أم عطاء قالت: والله، لكأنما أنظر إلى الزبير على بغلة له بيضاء. ثم قال: إن رسول الله وَالر قد نهى المسلمين أن يأكلوا من لحوم نسكهم فوق ثلاث فلا تأكليه ..... الحديث، وعن أبي عبيد مولى ابن أزهر قال: شهدت العيد مع علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فسمعته يقول: لا يأكلن أحدكم من نسكه بعد ثلاث، وعن علي أيضاً مرفوعاً: ((لا یأکلن أحدکم من نسکه بعد ثلاث)). ثم قال: هذه الأخبار تدل على منع الادخار بعد ثلاث، وممن ذهب إلى هذا القول: علي بن أبي طالب، والزبير، وعبد الله بن واقد بن عبد الله بن سب (١) (٩٥/٣). ٢٥٥ ٢٦ - كتاب الضحايا (٤) باب (١٠٥٨) حديث عمر - رضي الله عنهم -، وخالفهم في ذلك جماهير العلماء من الصحابة والتابعين، فمن بعدهم من علماء الأمصار، ورأوا جواز ذلك، وتمسكوا في ذلك بأحاديث تدل على نسخ الحكم الأول، ثم ذكر ما يدل على النسخ من حديث جابر وبريدة وعائشة - رضي الله عنهم -. وقال الموفق(١): يجوز الادخار في قول عامة أهل العلم، ولم يجزه علي ولا ابن عمر - رضي الله عنهم - للنهي عن ذلك، ولنا، قوله عليه السلام: ((كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فأمسكوا ما بدا لكم))، رواه مسلم، وقال أحمد: فيه أسانيد صحاح، فأما علي وابن عمر - رضي الله عنهم - فلم يبلغهما ترخيص رسول الله وَ﴾، وقد كانوا سمعوا النهي، فرووا على ما سمعوا، انتهى مختصراً. قال الحافظ في ((الفتح))(٢): لعل علياً - رضي الله عنه - لم يبلغه النسخ، وقال غيره: يحتمل أن يكون الوقت الذي قال فيه علي - رضي الله عنه - ذلك كان بالناس حاجة، كما وقع في عهد النبي ◌َّ، وبذلك جزم ابن حزم، فقال: إنما خطب علي بالمدينة في الوقت الذي کان عثمان - رضي الله عنه - حوصر فيه، وكان أهل البوادي قد ألجأتهم الفتنة إلى المدينة، فأصابهم الجهد، فلذلك قال علي - رضي الله عنه - ما قال، وبنحو ذلك جمع الطحاوي. وكذلك يجاب عما أخرج أحمد من طريق أم سليمان قالت: دخلت على عائشة - رضي الله عنها -، فسألتُها عن لحوم الأضاحي، فقالت: كان النبي نهى عنها، ثم رخص فيها، فقدم عليٍّ من السفر؛ فأتته فاطمة بلحم من ضحاياها، فقال: أو لم نُنه عنه، قالت: إنه قد رخص فيها، فهذا عليٍّ قد (١) («المغني)) (٣٨١/١٣). (٢) ((فتح الباري)) (٢٨/١٠). : ٢٥٦ ٢٦ - كتاب الضحايا (٤) باب (١٠٥٨) حديث اطلّع على الرخصة، ومع ذلك خطب بالمنع، فطريق الجمع ما ذكرته. وقد جزم به الشافعي في ((الرسالة)) في آخر باب العلل في الحديث، فقال ما نصه: فإذا دفّت الدافة ثبت النهي عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث، وإن لم تدفّ دافّة فالرخصة ثابتة بالأكل، والتزود، والادّخار، والصدقة. قال الشافعي: ويحتمل أن يكون النهي عن إمساك لحوم الأضاحي بعد ثلاث منسوخاً في كل حال. قال الحافظ: وبهذا الثاني أخذ المتأخرون من الشافعية، فقال الرافعي: الظاهر أنه لا يحرم اليوم بحال، وتبعه النووي، فقال في ((شرح المهذب)»: الصواب المعروف أنه لا يحرم الادخار بحال، وحكى في ((شرح مسلم))(١) عن جمهور العلماء أنه من نسخ السنة بالسنة، قال: والصحيح نسخ النهي مطلقاً، وأنه لم يبق تحريم ولا كراهة فيباح اليوم الادخار إلى متى شاء، وإنما رجّح ذلك؛ لأنه يلزمه من القول بالتحريم إذا دفّت الدافة إيجاب الإطعام، وقد قامت الأدلة عند الشافعية أنه لا يجب في المال حق سوى الزكاة. ونقل ابن عبد البر ما يوافق النووي، فقال: لا خلاف بين فقهاء المسلمين في إجازة أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث، وأن النهي منسوخ، كذا أطلق، وليس بجيد، فقد قال القرطبي: حديث سلمة وعائشة نص على أن المنع كان لعلة، فلما ارتفعت ارتفع، ويعود الحكم بعود العلة، اهـ مختصراً. وقال ابن حزم في ((المحلى))(٢): فرض على كل مضح أن يأكل من أضحيته، ولا بد، ولو لقمة فصاعداً، وفرض عليه أن يتصدق أيضاً منها بما شاء قلّ أو كثر، ولا بد، فإن نزل بأهل بلد المضحي جهدٌ، أو نزل به طائفة (١) (١٢٩/١٣/٧). (٢) ((المحلى)) (٤٨/٦). ٢٥٧ ٢٦ - كتاب الضحايا (٥) باب (٥) باب الشركة في الضحايا، وعن كم تذبح البقرة والبدنة من المسلمين في جهد، جاز للمضحي أن يأكل من أضحيته من حين يضحي بها إلى انقضاء ثلاث ليال كاملة مستأنفة، يبتدئها بالعدد من بعد تمام التضحية، ثم لا يحل له أن يصبح في منزله منها بعد تمام الثلاث ليال شيء أصلاً لا ما قل ولا ما كثر، فإن ضحّى ليلاً لم يعد تلك الليلة في الثلاث، فإن لم يكن شيء من هذا، فليدّخر منها ما شاء، اهـ. (٥) الشركة في الضحايا زاد في النسخ المصرية بعد ذلك (وعن كم تذبح البقرة والبدنة) وليست هذه الزيادة في النسخ الهندية، قال الباجي(١): اختلف الناس في ذلك، ومذهب مالك: أنه لا يجوز في الهدايا الواجبة، ولا في الضحايا أن يشترك جماعة في ثمن الأضحية، أو البدنة، فيشترونها بالثمن المشترك، ثم يذبحونها، فأما هدي التطوع فالمشهور عنه: أن الاشتراك فيه غير جائز، وحكى القاضي أبو الحسن، أنه روي عنه أن ذلك يجوز، ويجوز عند مالك أن تكون الأضحية لرجل واحد، فيذبحها عنه، وعن أهل بيته، ومن في عياله، وإن كانوا أكثر من سبعة . وقال أبو حنيفة: يجوز أن يشترك سبعة في ثمن الهدي والأضحية، ثم يذبحونها إذا كان كل واحد منهم قصد القُرْبة في ذبحه، وإن كانت وجوهها مختلفةً، مثل أن يلزم أحدهم جزاءً صيدٍ، ويلزم الآخر فدية أذىّ، فإن كان منهم من لا يقصد القُرْبة، وإنما يقصد اللحم لم يجزه ذلك، وقال زفر: لا يجزئ حتى تكون وجوه القربة واحدة، وقال الشافعي: إن ذلك يجزئه على كل وجه، واتفقوا على أنه لا يجزئ عن أكثر من سبعة، فالخلاف بيننا وبينهم في فصلين: أحدهما: أنه لا يجوز الاشتراك في الرقبة عندنا، ويجوز عندهم، (١) ((المنتقى)) (٩٥/٣). ٢٥٨ ٢٦ - كتاب الضحايا (٥) باب والثاني: أنه يجوز عندنا أن تنحر البدنة الواحدة عن أكثر من سبعة، وعندهم لا يجوز ذلك، اهـ. وقال أيضاً (١): قال مالك: أستحب قول ابن عمر - رضي الله عنهما - أن يضحّى عن كل إنسان بشاة لمن استطاع ذلك، ووجه ذلك أنه أكثر ثواباً، وأبعد من الاشتراك الذي هنا (٢) في الضحايا، اهـ. وقال الموفق(٣): تجزئ البدنة عن سبعة، وكذلك البقرة، وهذا قول أكثر أهل العلم، روي ذلك عن علي، وابن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وعائشة - رضي الله عنهم -، وبه قال عطاء، وطاووس، وسالم، والحسن، وعمرو بن دينار، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وعن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: لا تجزئ نفس واحدة عن سبعة، ونحوه قول مالك، قال أحمد: ما علمت أحداً إلا يُرخّص في ذلك إلا ابن عمر - رضي الله عنهما -، وعن سعيد بن المسيب، أن الجزور عن عشرة، والبقرة عن سبعة، وبه قال إسحاق لرواية رافع: ((أن النبي وَلير قسم فعدل عشرة من الغنم ببعير)) متفق عليه. ولنا، ما روى جابر ((نحرنا مع النبي ◌ّلو بالحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة))، وأما حديث رافع فهو في القسمة، وإذا ثبت هذا، فسواء كان المشتركون من أهل بيت، أو لم يكونوا، مفترضين، أو متطوعين، أو كان بعضهم يريد القربة، وبعضهم يريد اللحم؛ لأن كل إنسان منهم إنما يجزئ عنه نصيبه، فلا تضره نية غيره في عشرة. (١) ((المنتقى)) (٩٧/٣). (٢) كذا في الأصل والظاهر: الذي ينافي الضحايا، اهـ. ((ش)). (٣) «المغني)) (٣٦٣/١٣). ٢٥٩ ٢٦ - كتاب الضحايا (٥) باب ولا بأس أن يذبح الرجل عن أهل بيته شاة واحدة، أو بقرة، أو بدنة، نص عليه أحمد، وبه قال مالك، والليث، والأوزاعي، وإسحاق، وروي ذلك عن ابن عمر، وأبي هريرة، رضي الله عنهم، انتهى. وفي ((الروض المربع)) (١): تجزئ الشاة عن واحد وأهل بيته وعياله، والبدنة والبقرة عن سبعة، انتهى. وقال الدردير(٢): سُنَّ ضحيّة بجذع ضأن، وثنيّ معز، وبقر، وإبل، بلا شِرك في ثمنها أو لحمها، فإن اشتركوا في الثمن بأن دفع كل واحد جزءاً منه أو في اللحم، بأن كانت مشتركة بينهم، فلا تجزئ عن واحد منهم، إلا الاشتراك في الأجر قبل الذبح فيجزئ، وإن كان المشترك في الأجر أكثر من سبعة بشروط ثلاثة: إن سكن المشرَك، بالفتح، مع المشرِك، بالكسر، في منزل واحد، وهذا إذا كان المشرِك - بالكسر - ينفق عليه تبرعاً، فإن كان ينفق عليه وجوباً لم تعتبر سكناه معه. والثاني: إن قرب له بأي وجه من وجوه القرابة، وله إدخال الأبعد مع وجود الأقرب، ومثل القريب الزوجة، بخلاف الأجير. والثالث: إن أنفق المشرك، بالكسر، على المشرك، بالفتح وجوباً كأبويه، أو تبرعاً كأغنياء من ذكر وكعم وأخ، ومفهوم قولنا: قبل الذبح أنه لو أشرك بعد الذبح لم تسقط عن المشرَك، بالفتح، وتجزئ عن ربها، وهذه الشروط فيما إذا أدخل الغير معه، كما أشرنا، أما إن ذبح ضحيته عن جماعة من غير أن يدخل معهم أجزأت عنهم بلا شرط، كما عند اللخمى، وهذه فائدة جليلة. قال الدسوقي: فإن اختل شرط من هذه الثلاثة، فلا تجزئ عن المشرك (١) (٥٢٩/١). (٢) ((الشرح الكبير)) (١١٨/٢ - ١١٩). ٢٦٠