Indexed OCR Text

Pages 141-160

٢٤ - كتاب الصيد
(٦) باب
(١٠٤٠) حديث
لكن للجمهور ما وقع من ألفاظ الطهارة بطرق كثيرة، قال الحافظ(١):
يؤخذ من الحديث جواز تخصيص الكتاب بالسنة؛ لأن لفظ القرآن: ﴿حُرِّمَتْ
عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ شامل لجميع أجزائها في كل حال، فخصت السنة ذلك بالأكل،
واستدل به الزهري بجواز الانتفاع مطلقاً دبغ أو لم يدبغ، لكن صح التقييد من
طرق أخرى بالدباغ وهي حجة الجمهور.
وقد أخرج مسلم من حديث ابن عباس رفعه: ((إذا دبغ الإهاب فقد
طهر))، ولفظ الشافعي والترمذي وغيرهما من هذا الوجه. ((أيما أهاب دبغ فقد
طهر))، وأخرج مسلم إسنادها، ولم يسق لفظها، فأخرجه أبو نعيم في
(المستخرج)) من هذا الوجه باللفظ المذكور، وفي لفظ مسلم من هذا الوجه عن
ابن عباس: سألنا رسول الله وَليل عن ذلك، فقال: ((دباغه طهوره))، وفي رواية
للبزار من وجه آخر: ((دباغ الأدیم طهوره)).
وجزم الرافعي وبعض أهل الأصول أن هذا اللفظ ورد في شاة ميمونة،
ولكن لم أقف على ذلك صريحاً مع قوة الاحتمال فيه، لكون الجميع من رواية
ابن عباس، وقد تمسك بعضهم بخصوص هذا السبب، فقصر الجواز على
المأكول؛ لورود الخبر في الشاة، ويتقوى ذلك من حيث النظر بأن الدباغ لا
يزيد في التطهير على الذكاة، وغير المأكول لو ذكي لم يطهر بالذكاة عند الأكثر
فكذلك الدباغ، وأجاب من عَمَّمَ بالتمسك بعموم اللفظ، فهو أولى من
خصوص السبب ويعموم الإذن بالمنفعة، ولأن الحيوان طاهر ينتفع به قبل
الموت، فكان الدباغ بعد الموت قائم مقام الحياة، انتهى.
وأخرج مسلم(٢) عن ابن وعلة قال: سألت ابن عباس قلت: إنا نكون
(١) ((فتح الباري)) (٣٥٨/٩).
(٢) أخرجه مسلم (٣٦٦).
١٤١

٢٤ - كتاب الصيد
(٦) باب
(١٠٤٠) حديث
بالمغرب فيأتينا المجوس بالأسقية فيها الماء والودك، فقال: اشْرَبْ، فقلت:
أَرَأْيُ تراه؟ فقال ابن عباس: سمعت رسول الله وَله يقول: ((دباغه طهوره))، قال
النووي(١): فيه دليل لمذهب الأكثرين أنه يطهر ظاهره وباطنه، فيجوز استعماله
في المائعات، فإن جلود ما ذكاه المجوس نجسة، وقد نص على طهارتها
بالدباغ واستعمالها في الماء، انتهى.
قال الشوكاني(٢): روي في ذلك - أعني تطهير الدباغ للأديم - خمسة
عشر حديثاً، عن ابن عباس حديثان، وعن أم سلمة ثلاثة أحاديث، وعن أنس
حديثان، وعن سلمة بن المحبق، وعائشة، والمغيرة، وأبي أمامة، وابن
مسعود، وشيبان، وثابت، وجابر، وأثران عن سودة، وابن مسعود، انتهى.
قال الحافظ(٣): وذهب قوم إلى أنه لا ينتفع من الميتة بشيء، سواء دبغ
الجلد أو لم يدبغ، وتمسكُوا بحديث عبد الله بن عكيم قال: أتانا كتاب
رسول الله ﴿ قبل موته: ((أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب))، أخرجه
الشافعي، وأحمد، والأربعة، وصححه ابن حبان، وحسنه الترمذي، وفي رواية
للشافعي وأحمد، وأبي داود ((قبل موته))، قال الترمذي: كان أحمد يذهب إليه،
ويقول: هذا آخر الأمر ثم تركه لما اضطربوا في إسناده، وكذا قال الخلّال
نحوه.
وردّ ابن حبان على من ادّعى فيه الاضطراب، وقال: سمع ابن عكيم
الكتاب يقرأ، وسمعه من مشايخ جهينة عن النبي صَ ل﴿ فلا اضطراب، وأعلّه
بعضهم بالانقطاع، وهو مردود، وبعضهم بكونه كتاباً، وليس بعلة قادحة،
(١) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٥٤/٤/٢).
(٢) «نيل الأوطار)) (١/ ١١٤).
(٣) «فتح الباري)) (٦٥٩/٩).
١٤٢

٢٤ - كتاب الصيد
(٦) باب
(١٠٤٠) حدیث
وبعضهم بأن ابن أبي ليلى راويه عن ابن عكيم لم يسمعه منه؛ لما وقع عند أبي
داود عنه («أنه انطلق، وناس معه إلى عبد الله بن عكيم، قال: فدخلوا، وقعدت
على الباب فخرجوا إليّ، فأخبروني))، فهذا يقتضي أن في السند من لم يُسَمَّ،
ولكن صح تصريح عبد الرحمن بن أبي ليلى بسماعه من ابن عكيم، فلا أثر
لهذه العلة أيضاً.
وأقوى ما تمسك به من لم يأخذ بظاهره معارضة الأحاديث الصحيحة له،
وأنها عن سماع، وهذا عن كتابة، وأنها أصح مخارج، وأقوى من ذلك الجمع
بين الحديثين بحمل الإهاب، على الجلد قبل الدباغ، وأنه بعد الدباغ لا يسمى
إهاباً، إنما يسمى قِرْبة. وغير ذلك، وقد نقل ذلك عن أئمة اللغة، وهذه طريقة
ابن شاهين، وابن عبد البر، والبيهقي، وأبعد من جمع بينهما بحمل النهي على
جلد الكلب والخنزير لكونهما لا يدبغان، وكذا من حمل النهي على باطن
الجلد والإذن على ظاهره، انتهى.
وبسط الموفق في الاستدلال من حديث عبد الله بن عكيم، وقال: قال
الإمام أحمد: إسناد جيد، وفي لفظ: ((أتانا كتابه و ﴿ قبل وفاته بشهر أو
شهرين))، وهو ناسخ لما قبله؛ لأنه في آخر عمره وَ لّ، ولفظه دالّ على سبق
الترخيص لقوله: ((كنت رخصت لكم في جلود الميتة))، وإنما يؤخذ بالآخر،
فالآخر من أمر رسول الله بَ له. انتهى، وأجاب عنه يعني بأنه ليس بنص في
الآخر لاحتمال أن يكون الإباحة قبل وفاته بجمعة.
قلت: وأيضاً قوله وَلّه: ((كنت رخصتُ لكم)) يومئ إلى أن الرخصة
كانت لهم خاصة، فلعلها لاحتياجهم كما أنه 8* رخص لغالب بن أبجر
الحمر الأهلية، فرخص لهم خاصة لاحتياجهم الانتفاع بالإهاب، ثم منعهم
قبل وفاته بشهرين، وأكد المنع بعد ذلك، فهذا محمل الاختلاف في
التعيين .
١٤٣

٢٤ - كتاب الصيد
(٦) باب
(١٠٤١) حديث
١٧/١٠٤١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنِ
ابْنِ وَعْلَةَ الْمِصْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهُ
قَالَ: ((إِذَا دُبِغَ
وقال الشوكاني(١) تبعاً للحافظ في ((التلخيص الحبير)) (٢): محصل الأجوبة
عن هذا الحديث الإرسال لعدم سماع عبد الله بن عكيم من النبي ◌َّر، ثم
الانقطاع لعدم سماع ابن أبي ليلى من عبد الله بن عكيم، ثم الاضطراب في
سنده، فإنه تارة قال: عن كتاب النبي ◌َّل، وتارة عن مشيخة من جهينة، وتارة
عمن قرأ الكتاب، ثم الاضطراب في متنه، فرواه الأكثر من غير تقييد، ومنهم
من رواه بتقييد شهر أو شهرين أو أربعين يوماً أو ثلاثة أيام، ثم الترجيح
بالمعارضة بأن أحاديث الدباغ أصح، ثم القول بموجبه بأن الإهاب اسم للجلد
قبل الدباغ، ثم الجمع بينه وبين أحاديث الدبغ بأن هذا عام وتلك خاصة،
انتهى.
١٧/١٠٤١ - (مالك، عن زيد بن أسلم عن) عبد الرحمن (بن وعلة) بفتح
الواو وسكون العين المهملة وفتح اللام، ويقال: ابن أسميقع بن وعلة بضم
الهمزة وسكون السين المهملة وفتح الميم والقاف بينهما تحتانية ساكنة وآخره
عين مهملة (المصري) السبائي بفتح السين المهملة وموحدة نسبته إلى سبأ بن
يشحب بن يعرب بن قحطان من رواة مسلم، والأربعة، قال في ((التقريب))(٣).
صدوق، وفي ((التهذيب))(٤): قال ابن معين، والعجلي، والنسائي: ثقة، وذكره
ابن حبان في ((الثقات))، وضعّفه أحمد في حديث الدباغ.
(عن عبد الله بن عباس) رضي الله عنه (أن رسول الله وَلي قال: إذا دبغ)
(١) ((نيل الأوطار)) (١١٩/١).
(٢) (٤٨/١).
(٣) (٥٠٢/١).
(٤) (٦/ ٢٩٣).
١٤٤

٢٤ - كتاب الصيد
(٦) باب
(١٠٤١) حديث
الْإِهَابُ فَقَدْ طَهَرَ)).
أخرجه مسلم في: ٣ - كتاب الحيض، ٢٧ - باب طهارة جلود الميتة بالدباغ،
حديث ١٠٥.
ببناء المجهول، وسيأتي في الحديث الآتي معناه (الإهاب) بكسر الهمزة وخفة
الهاء ويجمع على أهب بفتحتين، ويجوز بضمتين، هو الجلد قبل أن يدبغ،
وقيل: هو الجلد دُبغ أو لم يدبغ، كذا في ((الفتح))(١) .
قال أبو داود: قال النضر بن شميل: يسمى إهاباً ما لم يدبغ، فإذا دبغ لا
يقال له إهاب، إنما يسمى شنّا وقربة. انتهى، وحكى الترمذي عن النضر بن
شُميل: إنما يقال إهاب لجلد ما يؤكل لحمه، انتهى.
قال الشوكاني(٢): رواية أبي داود عنه أرجح؛ لموافقتها ما ذكره أهل
اللغة كصاحب ((القاموس))، و(الصحاح))، و((النهاية))، ولم نجد في شيء من
كتب اللغة ما يدل على تخصيص الإهاب بإهاب مأكول اللحم، انتهى.
(فقد طهر) بفتح الهاء وضمها طهارة لغوية عند مالك ومن وافقه، أي:
نظف، فينتفع به في الماء واليابس، قاله الزرقاني(٣).
وقال الباجي(٤): قوله: ((طهر)) تصريح بطهارته بعد الدبغ، والطهارة على
ضربين: طهارة ترفع النجاسة جملة، وتعيد العين طاهرة كتخلل الخمر، وطهارة
تبيح الانتفاع بالعين، وإن لم ترفع حكم النجاسة كتطهير الدباغ جلد الميتة على
المشهور من المذهب، ويجري ذلك مجرى الوضوء والتيمم في استباحة الصلاة
مع بقاء الحدث، فأما تطهير الدباغ جلد الميتة بمعنى الانتفاع به مع بقاء
(١) ((فتح الباري)) (٦٥٨/٩).
(٢) ((نيل الأوطار)) (١١٧/١).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٩٤/٣).
(٤) ((المنتقى)) (١٣٤/٣).
١٤٥

٢٤ - كتاب الصيد
(٦) باب
(١٠٤١) حديث
نجاسته فممّا لا خلاف فيه نعلمه في المذهب، قال الشيخ أبو القاسم: جلد
الميتة قبل الدباغ نجس، وبعده طاهر طهارة مخصوصة يجوز بها استعماله في
اليابسات، وفي الماء وحده من المائعات.
وأما تطهيره إياه بمعنى رفع نجاسته جملة وإعادة طهارته، فقد اختلف
العلماء فيه، فروي عن مالك أنه لا يطهر، يعني الطهارة التي ترفع النجاسة،
وروى شيوخنا العراقيون عن مالك رواية أخرى: أنها تطهر بالدباغ إلا جلد
الخنزير، وهو قول ابن وهب، وابن حنبل، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي،
واستدل أصحابنا في ذلك برواية عبد الله بن عكيم، وهذا الحديث لا يصح
احتجاجنا به؛ لأنا لا نمنع الانتفاع به بعد الدبغ، فإن قلنا: إن الدباغ لا يدفع
حكم نجاسته، فإنه يستمتع به ويصرف في الجامدات، ولا يصلى عليه ولا به،
وقال ابن حنبل: لا ينتفع به ولا يستعمل في جامد ولا غيره، انتهى.
قلت: وتقدمت المذاهب في ذلك في أول الباب، وإنما ذكرت كلام
الباجي مختصراً لما فيه نوع تفصيل لمذهب مالك، وهذا الحديث أخرجه مسلم
برواية سليمان بن بلال، وغيره، عن زيد بن أسلم، مثل ما أخرجه يحيى في
((الموطأ)).
وأخرج مسلم (١) أيضاً برواية أبي الخير قال: رأيت على ابن وعلة السَيَاِيِّ
فَرْواً فمسسته، فقال: مالك تمسُّه؟ قد سألت ابن عباس، قلت: إنا نكون
بالمغرب ومعنا البربر والمجوس نُؤْتَى بالكبش قد ذبحوه، ونحن لا نأكل
ذبائحهم ويأتوننا بالسقاء يجعلون فيه الودك، فقال ابن عباس: قد سألنا
رسول الله وَ ر عن ذلك فقال: ((دباغه طهوره)).
وأخرج أيضاً برواية أبي الخير عن ابن وعلة السَّبَإِيِّ قال: سألت
(١) أخرجه مسلم (٣٦٦).
١٤٦

٢٤ - كتاب الصيد
(٦) باب
(١٠٤٢) حديث
١٨/١٠٤٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْن
قُسَيْطِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ أَمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ
زَوْجِ النَّبِيِّ نَّهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ أَمَرَ
عبد الله بن عباس، قلت: إنا نكون بالمغرب فيأتينا المجوس بالأسقية فيها
الماء والودك، فقال: اشرب، فقلت: أرأيٌ تراه؟ فقال ابن عباس: سمعت
رسول الله مَ﴿ يقول: ((دباغه طهوره)).
١٨/١٠٤٢ - (مالك، عن يزيد) بتحتية قبل الزاي كما في جميع النسخ
المصرية وأكثر الهندية، فما في بعضها من لفظ زيد بدون الياء تحريف من
الناسخ، وهكذا بالياء في ((موطأ محمد))(١) وقال محشيه: في كثير من النسخ
زيد، وليس بصواب. انتهى، ولم أجد ترجمة زيد هذا في ((التهذيب))، ولا
((التعجيل))، ولا ((الإسعاف)) وغيرها، ويزيد هذا معروف من رواة الستة (ابن
عبد الله بن قسيط) بقافٍ ومهملتين مصغراً (الليثي، عن محمد بن عبد الرحمن بن
ثوبان) بمثلثة (عن أمه) قال الحافظ في ((التقريب)»: أم محمد: والدة محمد بن
عبد الرحمن بن ثوبان مقبولة من الثالثة، وقال في ((تهذيبه)): ذكرها ابن حبان
في ((الثقات))، قال الزرقاني: لا يعرف اسمها، وفي ((البذل)): قال المنذري: لم
تنسب ولم تسم.
(عن عائشة) أم المؤمنين (زوج النبيّ وَّه، أن رسول الله وَال أمر) أمر
إباحة، كما في ((البذل))(٢) وهو الظاهر.
وقال الباجي(٣): أمره هاهنا يصح أن يحمل على الوجوب والمنع من
إتلاف ما يمكن الانتفاع به، أو ما يصلح أن يتملك، كما أنه وَلّ نهى عن
(١) ((التعليق الممجد)) (٥١٧/٣)، و((الاستذكار)) (٣٣٨/١٥).
(٢) ((بذل المجهود)) (٦/١٧).
(٣) ((المنتقى)) (١٣٧/٣).
١٤٧

٢٤ - كتاب الصيد
(٦) باب
(١٠٤٢) حديث
أَنْ يُسْتَمْتَعَ بِجُلُودِ الْمَيَْةِ إِذَا دُبِغَتْ.
أخرجه أبو داود في: ٣١ - كتاب اللباس، ٣٨ - باب في أُهُب الميتة.
والترمذيّ في: ٢٢ - كتاب اللباس، ٧ - باب ما جاء في جلود الميتة إذا
دبغت .
والنسائيّ في: ٤١ - كتاب الفرع والعتيرة، ٦ - باب الرخصة في الاستمتاع
بجلود الميتة إذا دبغت.
وابن ماجه في: ٣٢ - كتاب اللباس، ٢٥ - باب لبس جلود الميتة إذا دبغت.
إضاعة المال، ويحتمل أن يحمل على الوجوب، فمنع تحريم ترك الانتفاع به
تحريم له؛ لأن تحريم ما أحل الله محرم، ويصح أن يحمل على الندب، وهو
أقل ما يحمل عليه على الصحيح من المذهب، وهو قول أكثر شيوخنا، وقال
القاضي أبو الفرج من أصحابنا: إن الإباحة أمر، فعلى هذا يجوز أن يريد به
إباحة الاستعمال لها بعد الدبغ، والأول أظهر؛ لأن الأمر بالفعل اقتضاء له،
انتھی .
(أن يستمتع) ببناء المجهول (بجلود الميتة) جمع جلد (إذا دبغت) ببناء
المجهول، وهو شرط الاستمتاع، فلا يجوز قبل الدبغ، والحديث رواه أبو
داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وكلهم من طريق مالك.
وفي ((التعليق الممجد)) (١): الدباغ بكسر الدال المهملة عبارة عن إزالة
الرائحة الكريهة والرطوبات النجسة باستعمال الأدوية وغيرها، وأخرج محمد
في (كتاب الآثار))(٢): عن أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم قال: كل شيء
یمنع الجلد من الفساد فهو دباغ، انتھی.
وقال الموفق(٣): ويفتقر ما يدبغ به إلى أن يكون مُنَشِّقاً للرطوبة مُنَقِّياً
(١) (٥١٧/٣).
(٢) (ص١٨٨).
(٣) ((المغني)) (٩٥/١).
١٤٨

٢٤ - كتاب الصيد
(٧) باب
(٧) باب ما جاء فيمن يضطر إلى أكل الميتة
للخبث كالشَّبِّ(١) والقرظ(٢)، قال ابن عقيل: ويشترط كونه طاهراً، فإن كان
نجساً لم يُطَهِّر الجلد؛ لأنها طهارة من نجاسة فلم يحصل بنجس كالاستجمار،
انتھی .
وفي ((الروض المربع)) (٣): ولا يحصل بتشميس ولا تتريب. انتهى، وقال
النووي(٤): يجوز الدباغ بكل شيء ينشف فضلات الجلد، ويُطَيّبه، ويمنع من
ورود الفساد عليه من الأدوية الطاهرة، ولا يحصل بالتشميس عندنا، وقال
أصحاب أبي حنيفة: يحصل، ولا يحصل عندنا بالتراب والرماد والملح على
الأصح في الجميع.
وهل يحصل بالأدوية النجسة؟ فيه وجهان: أصحهما عند الأصحاب:
حصوله، ويجب غسله بعد الفراغ من الدباغ بلا خلاف، ولو كان دبغه بطاهر
فهل يحتاج إلى غسله بعد الفراغ؟ فیه وجهان، انتهى.
وقال الدردير(٥): يدبغه بما يزيل الريح والرطوبة ويحفظه من الاستحالة،
قال الدسوقي: ولو كان المزيل نجساً.
(٧) ما جاء فيمن يضطر إلى الميتة
اختلف أهل العلم في هذا الباب في عدة مسائل: الاثنان منها ما ذكرهما
الحافظ(٦)، إذ قال: الخلاف في ذلك في موضعين: أحدهما: في الحالة التي
(١) الشب: من الجواهر التي أنبتها الله تعالى في الأرض، يدبغ به، يشبه الزاج (وهو ملح).
(٢) القَرَظ: وَرَق السلم يدبغ به .
(٣) (٣١/١).
(٤) ((شرح صحيح مسلم) للنووي (٥٥/٤/٢).
((الشرح الكبير)) (٥٥/١).
(٥)
(٦) ((فتح الباري)) (٩/ ٦٧٣).
١٤٩

٢٤ - كتاب الصيد
(٧) باب
يصح الوصف بالاضطرار فيها ليباح الأكل. والثاني: في مقدار ما يؤكل، فأما
الأول فهو أن يصل به الجوع إلى حد الهلاك، وإلى مرض يُفضي إليه، هذا
قول الجمهور، وعن بعض المالكية تحديد ذلك بثلاثة أيام.
قال ابن أبي جمرة: الحكمة في ذلك أن في الميتة سميّة شديدة فلو أكلها
ابتداءً لأهلكته، فَشُرع له أن يجوع ليصير في بدنه بالجوع سميّة أشدّ من سمية
الميتة، فإذا أكل منها حينئذ لا يتضرر. انتهى، وهذا، إن ثبت، حسن بالغ في
غاية الحسن انتهى.
وقال الدردير: الضرورة هي الخوف على النفس من الهلاك علماً أو ظناً
انتھی .
وقال الجصاص في ((أحكام القرآن))(١): معنى الضرورة هاهنا هو خوف
الضرر على نفسه، أو بعض أعضائه بتركه الأكل، وقد انطوى تحته معنيان: أن
يحصل في موضع لا يجد غير الميتة، والثانية: أن يكون غيرها موجوداً، ولكنه
أكره على أكلها بوعيد يخاف منه تلف نفسه، أو تلف بعض أعضائه، وكلا
المعنيين مراد بالآية، يعني في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا أَضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ .
وقد روي عن مجاهد أنه تأوّلها على ضرورة الإكراه، ولأنه إذا كان
المعنى في ضرورة الميتة ما يخاف على نفسه من الضرر في ترك تناوله، وذلك
موجود في ضرورة الإكراه وجب أن يكون حكمه حكمه، ولذا قال أصحابنا
فيمن أكره على أكل الميتة فلم يأكل حتى قتل كان عاصياً انتهى.
قال الموفق(٢): الضرورة المبيحة هي التي يخاف التلف بها إن ترك
الأكل، قال أحمد: إذا كان يخشى على نفسه، سواء كان من جوع أو يخاف
إن ترك الأكل عجز عن المشي، وانقطع عن الرفقة فهلك، انتهى.
(١) (١٠٧/١).
(٢) ((المغني)) (٣٣١/١٣).
١٥٠

٢٤ - كتاب الصيد
(٧) باب
وقال ابن رشد (١): النظر في هذا الباب في السبب المحلل، وفي جنس
الشيء المحلل، وفي مقداره، فأما السبب المحلل فهو ضرورة التغذي، أعني
إذا لم يجد شيئاً حلالاً يتغذى به، وهو لا خلاف فيه، والسبب الثاني: طلب
البرء مختلف فيه، فمن أجازه احتج بإباحته ول # الحرير لعبد الرحمن بن عوف
لحكّة به، ومن منع احتجَّ بقوله عليه السلام: ((لم يجعل الله شفاء أمتي فيما
حرم عليها)).
وأما جنس الشيء المستباح، فهو كل محرم مثل الميتة وغيرها؛
والاختلاف في الخمر هو من قبيل التداوي لا من قبيل استعمالها في التغذّي،
ولذا أجازوا للعطشان أن يشربها وللشرق أن يزيل شرقه بها. انتهى. قلت: فيه
أيضاً اختلاف، كما سيأتي في المبحث السابع.
وفي ((الأشباه)) عن ((فتح القدير)): هاهنا خمسة مراتب: ضرورة، وحاجة،
ومنفعة، وزينة، وفضول، فالضرورة: بلوغه حداً إن لم يتناول الممنوع هلك أو
قارب، وهذا يبيح تناول الحرام، والحاجة كالجائع الذي لو لم يجد ما يأكله
لم يهلك غير أنه يكون في جهد ومشقة، وهذا لا يبيح الحرام، والمنفعة كالذي
يشتهي خبز البر، ولحم الغنم، والطعام الدسم، والزينة كالمشتهي بحلوى،
والسكر، والفضول التوسع بأكل الحرام والشبهة انتهى.
وأما الاختلاف الثاني: يعني في مقدار الأكل، فقد قال الموفق(٢): أجمع
العلماء على تحريم الميتة على حال الاختيار، وعلى إباحة الأكل منه في
الاضطرار، وكذلك سائر المحرمات، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ
عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةَ﴾ الآية. ويباح له أكل ما يسدّ الرمق، ويأمن معه الموت
بالإجماع، ويحرم ما زاد على الشبع بالإجماع.
(١) ((بداية المجتهد)) (٤٧٦/١).
(٢) ((المغني)) (٣٣٠/١٣).
١٥١

٢٤ - كتاب الصيد
(٧) باب
وفي الشبع روايتان: أظهرها: لا يباح، وهو قول أبي حنيفة، وإحدى
الروايتين عن مالك، وأحد القولين للشافعي، قال الحسن: يأكل قدر ما يقيمه؛
لأن الآية دلت على تحريم الميتة، واستثنى ما اضطر إليه، فإذا اندفعت الضرورة
لم يحل له الأكل كحالة الابتداء، ولأنه بعد سدّ الرمق غير مضطر، فلم يحل له
الأكل للآية.
والثانية: يباح له الشبع، اختارها أبو بكر لما روى جابر بن سمرة أن
رجلاً نزل الحرة فنفقت عنده ناقة. فقالت له امرأته: اسلُخْها، حتى نُقَدِّدَ
شحمها ولحمها ونأكله، فقال حتى أسأل رسول الله وَله، فسأله، فقال: ((هل
عندك غنى يغنيك؟)) قال لا: قال: ((فكلوها))، رواه أبو داود(١)، ولم يفرق وَله
ولأن ما جاز سد الرمق منه جاز الشبع منه كالمباح، ويحتمل أن يفرق بين ما
إذا كانت الضرورة مستمرة، وبين إذا كانت مرجوة الزوال، فما كانت مستمرة
كحالة الأعرابي الذي سأل رسول الله وَلل جاز الشبع، انتهى.
وقال ابن رشد(٢): أما مقدار ما يؤكل، فإن مالكاً قال: حد ذلك الشبع
والتزود منها حتى يجد غيرها، وقال الشافعي، وأبو حنيفة: لا يؤكل منها إلا
ما يمسك به الرمق، وبه قال بعض أصحاب مالك، انتهى.
وفي ((مختصر الخليل)): المباح للضرورة ما يسد الرمق، قال الدردير(٣):
ظاهره أنه لا يجوز له الشبع، والمعتمد أن له أن يشبع ويتزود من الميتة.
انتهى. وبسط الدسوقي الكلام في ذلك، ونقل الأول رواية لمالك برواية
عبد الوهاب عنه، انتهى.
(١) أخرجه أبو داود (٣٨١٦).
(٢) ((بداية المجتهد)) (٤٧٦/١).
(٣) ((الشرح الكبير)) (١١٥/٢).
١٥٢

٢٤ - كتاب الصيد
(٧) باب
وقال العيني بعد ما ذكر اختلاف الأئمة فيه: وحكى الداودي قولاً: إنه
يأكل ثلاث لقم، وقيل: إن تغذّى لا يتعشّى، وإن تعشّى لا يتغدى. انتهى،
وحكى الرازي عن عبد الله بن الحسن العنبري: يأكل منها ما يسُدُّ جوعه،
انتھی .
قلت: وهذا أقل من الشبع، وأكثر من سد الرمق، ولذا جعله العيني قولاً
مستقلاً.
والثالث: في حكم الأكل عند الاضطرار، هل هو واجب أو مباح؟ قال
الموفق(١): وهل يجب الأكل من الميتة على المضطر؟ فيه وجهان: أحدهما:
يجب، وهو قول مسروق، وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي، سئل أبو عبد الله
عن المضطر يجد الميتة ولم يأكل؟ فذكر قول مسروق: من اضطر فلم يأكل
ولم يشرب، فمات، دخل النار، وهذا اختيار أبي حامد، وذلك لقوله تعالى:
﴿وَلَا تُلْقُواْ بَِدِيَكُمْ إِلَى الَُّلْكَةِ﴾، وترك الأكل مع إمكانه في هذا الحال إلقاءٌ بيده
إلى التهلكة، وقال تعالى: ﴿وَلَا نَقْتُلُوَاْ أَنفُسَكُمْ﴾ الآية، ولأنه قادر على إحياء
نفسه بما أحله الله له، فلزمه، كما لو كان معه طعام حلال.
والثاني: لا يلزمه لما رُوِي عن عبد الله بن حذافة السهمي صاحب
رسول الله # أن طاغية الروم حبسه في بيت، وجعل معه خمراً ممزوجاً بماء،
ولحم خنزير مشوي ثلاثة أيام، فلم يأكل ولم يشرب حتى مال رأسه من الجوع
والعطش، وخشوا موته، فأخرجوه فقال: قد كان الله أحلّه لي لأني مضطر،
ولكني لم أكن لأُشْمِتَك بدين الإسلام، ولأن إباحة الأكل رخصة، فلا تجب
علیه، کسائر الرُّخَص، انتھی.
وفي ((الروض المربع))(٢): من اضطر إلى مُحَرَّم بأن خاف التلف إن لم
(١) ((المغني)) (٣٣١/١٣).
(٢) (٣٤٩/١).
١٥٣

٢٤ - كتاب الصيد
(٧) باب
يأكله حلَّ له منه إن لم يكن سفر معصية ما يسُدُّ رمقه. انتهى، وفي ((فتاوى
العالمكيرية)): إذا خاف على نفسه الموت من الجوع، ومع رفيق له طعام، ذكر
في ((الروضة)): أنه جاز أن يأخذ من الطعام قدر ما يدفع جوعه على شرط
الضمان، كذا في ((الخلاصة)) ولو لم يأخذ منه كرهاً بالقيمة، بل صبر حتى
مات جوعاً يثاب، كذا في ((القنية))، انتهى.
وفي ((الدر المختار)(١): الأكل للغذاء والشرب للعطش، ولو من حرام،
أو ميتة، أو مال غيره، وإن ضمنه فرض مقدار ما يدفع الإنسان الهلاك عن
نفسه. انتهى، وبالوجوب جزم الدردير، وفي ((نور الأنوار)) في الأحكام
المشروعة بحثاً أن حرمة الخمر والميتة سقطت في حق المضطر والمكره، فإن
لم يأكلها أو لم يشربها، فمات يموت آئماً، بخلاف الإكراه على كلمة الكفر،
وفي رواية عن أبي يوسف والشافعي: أنه لا تسقط الحرمة، لكن لا يؤاخذ
بها، كما في إكراه على الكفر، لقوله تعالى: ﴿فَلَّ إِثْمَ عَلَيْهُ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
رَّحِيدٌ﴾ دل إطلاق المغفرة على قيام الحرمة، والجواب أن إطلاق المغفرة
باعتبار أن الاضطرار المرخص يكون بالاجتهاد، وعسى أن يقع التناول زائداً
على قدر الحاجة، اهـ.
قلت: وصرح في ((شرح الإقناع)) بوجوب الأكل إذ ذاك، وقال البجيرمي:
هو أصح الوجهين في المسألة. اهـ، قلت: والجواب عن قصة عبد الله بن
حذافة أنه كان لإغاظة الكفار، ولا بأس بذلك، كما في ((إكراه الشامي)).
والرابع: ما قال الموفق(٢): تباح المحرمات عند الاضطرار إليها في
الحضر والسفر جميعاً؛ لأن الآية مطلقة، وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطَرَّ﴾ عام،
(١) (٢٣٨/٥).
(٢) ((المغني)) (٣٣٢/١٣).
١٥٤

٢٤ - كتاب الصيد
(٧) باب
في حق كل مضطر، ولأن الاضطرار يكون في الحضر في سنة المجاعة،
وسبب الإباحة الحاجة إلى حفظ النفس عن الهلاك، وظاهر كلام أحمد أن
الميتة لا تحل لمن يقدر على دفع ضرورته بالمسألة، ورُوي عن أحمد أنه قال:
أكل الميتة يكون في السفر، يعني أنه في الحضر يمكنه السؤال، وهذا منه خَرَجَ
مخرج الغالب؛ إذ الغالب أن الحضر يوجد فيه الطعام الحلال، لكن الضرورة
أمر معتبر بوجود حقيقته لا يكتفى فيه بالمظنة، اهـ.
وقال الباجي(١): العادم للطعام المضطر إلى أكل الميتة أكثر ما يكون
ذلك في السفر والفقر، قاله ابن حبيب، وأما في الحواضر والمدن فليسأل في
ذلك، اهـ.
والخامس: ما قال الموفق(٢): قال أصحابنا: ليس للمضطر في سفر
المعصية الأكل من الميتة كقاطع الطريق والآبق، انتهى.
وقال ابن رشد(٣): اتفق مالك، والشافعي على أنه لا يحل للمضطر أكلها
إذا كان عاصياً بسفره، انتهى. وبسط الجصاص في ((أحكام القرآن)) الاستدلال
على أن آية الاضطرار مطلقة تعم العاصي في سفره وغير المعاصي، قال الرازي
في ((التفسير الكبير)): قال الشافعي: قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْظُرَّ غَيْرَ بَاغِ وَلَا
عَادٍ﴾(٤) معناه أن من كان مضطراً، ولا يكون موصوفاً بصفة البغي ولا بصفة
العدوان البتة، فأكل فلا إثم.
وقال أبو حنيفة: معناه: فمن اضطر فأكل غير باغ ولا عادٍ في الأكل فلا
(١) ((المنتقى)) (١٤٠/٣).
(٢) («المغني)) (٣٣٣/١٣).
(٣) ((بداية المجتهد)) (٤٧٦/١).
(٤) سورة البقرة: الآية ١٧٣.
١٥٥

٢٤ - كتاب الصيد
(٧) باب
إثم عليه، فخصص صفة البغي والعدوان بالأكل، ويتفرع على هذا الاختلاف
في العاصي بسفره، فقال الشافعي: لا يترخص له لأنه موصوف بالعدوان،
وقال أبو حنيفة: يترخص له؛ لأنه مضطر غير باغ ولا عادٍ في الأكل، انتهى.
وبسط في دلائل الفريقين.
والسادس: هل يجوز للمضطر التزود منه؟ قال الموفق (١): هو على
روايتين، أصحهما: له ذلك، وهو قول مالك، والثانية: لا يجوز؛ لأنه توسع
فيما لم يبح إلا للضرورة، فإن استصحبها فلقيه مضطر آخر، لم يجز له بيعه
إياه؛ لأنه إنما أبيح له منها ما يدفع الضرورة، ولا ضرورة إلى البيع، ولأنه لا
يملكه، ويلزمه إعطاء الآخر بغير عوض إذا لم يكن هو بنفسه مضطراً في
الحال؛ لأن ضرورة الذي لقيه موجودة، وحاملها يخاف الضرر في ثاني
الحال، انتهى.
وفي ((الروض المربع)) (٢): وله التزود إن خاف، ويجب تقديم السؤال
على أكله. انتهى. وفي ((شرح الإقناع))(٣): يجوز له التزود من المحرمات، ولو
رجا الوصول إلى الحلال، انتهى.
والسابع: في المضطر إلى شرب الخمر، قال الجصاص في ((أحكام
القرآن))(٤): قد اختلف في ذلك فقال سعيد بن جبير: المضطر إلى شربها
يشربها، وهو قول أصحابنا جميعاً، وإنما يشرب منها مقدار ما يمسك به رمقه
وعطشه، وقال مالك، والشافعي: لا يشرب؛ لأنها لا تزيده إلا عطشاً وجوعاً،
(١) ((المغني)) (١٣/ ٣٣٣).
(٢) (٣٥١/٣).
(٣) (٣٣٢/٤).
(٤) (١٢٩/١).
١٥٦

٢٤ - كتاب الصيد
(٧) باب
(١٠٤٣) حديث
١٩/١٠٤٣ - حدّثني يَحْيَى، عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّ أَحْسَنَ مَا سُمِعَ
فِي الرَّجُلِ، يُضْطَرُّ إِلَى الْمَيْتَةِ: أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْهَا حَتَّى يَشْبَعَ،
وقال الشافعي: ولأنها تذهب العقل، وقال مالك: إنما ذكرت الضرورة في
الميتة، ولم تذكر في الخمر. انتهى. ثم بسط الجصاص في استدلاله.
وقال الدردير(١): المباح للضرورة ما يسد الرمق، والمعتمد: أن له أن
يشبع غير آدمي وخمر إلا لغصة، فيجوز إزالتها به عند عدم ما يسيغها به من
غيره، انتهى، قال ابن عابدين(٢): لو خاف الهلاك عطشاً. وعنده خمر له شربه
قدر ما يدفع العطش، انتهى.
قال الرازي في ((التفسير الكبير)): اختلفوا في المضطر إلى الشرب، إذا
وجد خمراً، أو من غصّ بلقمة، فلم يجد ماء يسيغه، ووجد الخمر فمنهم من
أباحه، وهذا أقرب إلى الظاهر، وهو قول سعيد بن جبير، وأبي حنيفة، وقال
الشافعي: لا يشرب؛ لأنه يزيده عطشاً ويذهب عقله، وأجيب عنه بأن قوله: لا
يزيده إلا عطشاً مكابرة، وقوله: يزيل العقل، فكلامنا في القليل الذي لا يكون
کذلك، انتھی.
والثامن: هل يقدم أكل الميتة أو أكل مال الغير؟ وسيأتي قريباً في قول
الإمام مالك - رضي الله عنه -.
١٩/١٠٤٣ - (مالك، أن أحسن ما سمع) يعني: أحسن الأقوال التي
سمعت في المضطر، وهو ما سيأتي (في الرجل) وصف طردي، والحكم يعم
الرجل والمرأة (يضطر إلى) أكل (الميتة) وتقدم في المسألة الأولى من المسائل
الثمانية، أنه متى يوصف بالاضطرار (أنه) أي: المضطر وخبره يأكل منها،
الجملة خبر أن أحسن ما سمع (يأكل منها) أي: من الميتة (حتى يشبع) بفتح
أوله وثالثه.
(١) ((الشرح الكبير)) (١١٥/٢).
(٢) ((رد المحتار)) (٥٥٩/٩).
١٥٧

٢٤ - كتاب الصيد
(٧) باب
(١٠٤٣) حديث
وَيَتَزَوَّدُ مِنْهَا، فَإِنْ وَجَدَ عَنْهَا غِنِّى طَرَحَهَا .
وَسُئِلَ مَالِكٌ، عَنِ الرَّجُلِ يُضْطَرُّ إِلَى الْمَيْتَةِ، أَيَأْكُلُ مِنْهَا، وَهُوَ
يَجِدُ ثَمَرَ الْقَوْمِ أَوْ زَرْعاً أَوْ غَنَمَاً بِمَكَانِهِ ذُلِكَ؟
وتقدم الخلاف في ذلك في المسألة الثانية من أن له الشبع في المشهور
عن الإمام مالك، وهو إحدى الروايتين عن الشافعي، وأحمد، والمرجح
منهما، وهو مذهب الحنفية: أنه لا يأكل إلا ما يسد الرمق (ويتزود منها) وتقدم
الخلاف في ذلك في المسألة السادسة من أن له التزود عند مالك، والشافعي،
وهو أصح الروايتين عن أحمد، وأخرى له لا يجوز له ذلك (فإذا وجد) كذا في
النسخ المصرية، وفي الهندية ((فإن وجد)) (عنها) أي عن الميتة (غنى) بأن يجد
الحلال (طرحها) أي: ألقى الميتة ورماها .
قال ابن العربي: ودليله أن الضرورة ترفع التحريم فيعود مباحاً، ومقدار
الضرورة إنما هو في حال العدم للقوت إلى حالة وجوده حتى يجد، وغير ذلك
ضعيف، فإنه نص مالك في ((موطئه)) الذي ألفه بنظره، وأملاه على أصحابه،
وقرأه عُمْرَه كله، وقال ابن الماجشون وابن حبيب: يأكل مقدار ما يسُدُّ الرمق؛
لأن الإباحة ضرورة، فيتقدَّر بقدر الضرورة، قال: ومحل الخلاف إذا كانت
المخمصة نادرة، وأما إذا كانت دائمة، فلا خلاف في جواز الشبع منها،
انتهى، قلت: وتقدم ذلك في المسألة الثانية من المسائل الثمانية.
(وسئل) ببناء المجهول الإمام (مالك عن) حكم (الرجل) الذي (يضطر إلى
الميتة أيأكل) بهمزة الاستفهام (منها) أي الميتة (وهو يجد) جملة حالية (ثمر
القوم) بالمثلثة في أكثر النسخ، وفي بعضها تمر القوم بالفوقية (أو زرعاً أو غنماً)
لهم (بمكانِهِ ذلك؟) أي: بمكان الاضطرار والاحتياج.
قال الباجي(١): من اضطر إلى أكل الميتة، فوجدها، ووجد ما لا يمكن
(١) ((المنتقى)) (١٣٨/٣).
١٥٨

٢٤ - كتاب الصيد
(٧) باب
(١٠٤٣) حديث
قَالَ مَالِكٌ: إِنْ ظَنَّ أَنَّ أَهْلَ ذُلِكَ الثَّمَرِ، أَوِ الزَّرْعِ، أَوِ الْغَنَم،
يُصَدِّقونَهُ بِضَرُورَتِهِ، حَتَّى لَا يُعَدُّ سَارِقاً فَتُقْطَعَ يَدُهُ، رَأَيْتُ أَنْ يَأْكُلَ
مِنْ أَيِّ ذَلِكَ وَجَدَ مَا يَرُدُّ جُوعَهُ، وَلَا يَحْمِلُ مِنْهُ شَيْئاً.
الوصول إليه، فلا يخلو أن يكون مما لا قطع فيه كالثمر المعلق، والزرع
القائم، ونحوه، أو يكون مما فيه القطع، إذا أخذ على وجه السرقة كالمال في
الحرز، فإن كان مما لا قطع فيه، فقد قال مالك من رواية محمد عنه: إن خفي
ذلك فليأخذ منه، وأما إن وجد ثمراً، أو زرعاً، أو غنماً لقوم، فظن أن
يصدقوه، ولا يَعُدُّوه سارقاً، فليأكل من ذلك، أحبّ إليّ من الميتة.
فشرط في المسألة الأولى وهو في الثمر المعلق أن يخفى له، ذلك
لمعنيين أحدهما: أن يعلم أنه لا إثم عليه في ذلك، ولا شيء فيما بينه
وبين الله، وإنما يجب أن يحترز في ذلك من المخلوقين لنفسه، فربما أوذي،
أو ضُرب ضرباً عنيفاً، إن علم به، ولم يعذر بما يدّعيه من الضرورة، انتهى.
ولم يذكر المعنى الثاني، ومسألة الكتاب هي الثامنة، ولذا قال: (قال
مالك) في جواب ما سئل (إن ظن) المضطر (أن أهل ذلك الثمر أو الزرع أو
الغنم) أي ملاكهم (يصدقونه بضرورته) أي باضطراره (حتى لا يعد) ببناء
المجهول أي لا يظنونه (سارقاً فتقطع) ببناء المجهول (يده) نائب الفاعل (رأيت
أن يأكل) المضطر (من أي) بتشديد الياء (ذلك) المذكور من الأنواع (وجد ما
يرد) بتشديد الدال (جوعه) أي يأكل بمقدار يسد الجوع (ولا يحمل) المضطر
(منه) أي مما وجد من مال الغير (شيئاً).
قال الباجي: وفرق بين أكله من هذا، وبين أكله من الميتة، إذ قال فيها:
يشبع ويتزود، وقال في هذا: يأكل ما يردّ جوعه، ولا يتزود؛ لأن هذا مال
لغيره، فهو ممنوع منه لحق الله عز وجل، ولحق مالكه، فليس له أن يأخذ منه
إلا بقدر ما يَردُّ به رمقه، وأما الميتة فليست بمال لغيره، وإنما هي ممنوعة
لحق الله تعالى، وحقوق الله تعالى إذا استبيحت للضرورة تجاوزت الرخصة فيها
١٥٩

٢٤ - كتاب الصيد
(٧) باب
(١٠٤٣) حديث
وَذُلِكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ، وَإِنْ هُوَ خَشِيَ أَنْ لَا يُصَدِّقُوهُ،
وَأَنْ يُعَدَّ سَارِقاً بِمَا أَصَابَ مِنْ ذُلِكَ، فَإِنَّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ خَيْرٌ لَّهُ عِنْدِي.
مواضع الضرورة، وحقوق الآدميين لا تتجاوز مواضع الحاجة والضرورة، وهذا
الفرق على رواية ((الموطأ))، وأما على رواية ابن حبيب، وهي الرواية الثانية عن
مالك، فلا فرق بينهما، انتهى.
(وذلك) أي أكل مال الغير عند الاضطرار (أحبّ إلي) بتشديد الياء (من
أن يأكل الميتة) قال الباجي(١): يريد أن ما أكله من الثمر، أو الزرع مباح
العين، وإنما هو ممنوع منه لحق الغير، وإذا بلغت الضرورة منه إلى استباحة
الميتة، فقد لزم صاحب هذا الزرع أن يعطيه منه ما يردّ به رمقَه إن لم يكن عنده
ثمن، أو يبيعه منه، إن كان عنده ثمن، فإذا أخذ بقدر ذلك، فقد بلغ به حقه،
وكان مباحاً له من الوجهين، من جهة أنه مباح في نفسه، ومن جهة أنه قد لزم
صاحبه تسليمه إليه، وأما الميتة، فليست بمباحة في نفسها، فكان أكل هذا
الطعام الذي هو مباح في نفسه أولى، انتهى.
قال الزرقاني(٢): ويضمن القيمة، وقيل لا ضمان عليه. انتهى، وسيأتي
في كلام الباجي، والدردير (وإن) بكسر الهمزة وسكون النون (هو) أي المضطر
(خشي أن لا يصدقوه) في اضطراره (وأن يعدوه) وفي النسخ المصرية: ((وأن
يعد)) ببناء المجهول، أي المضطر (سارقاً بما أصاب من ذلك) أي من مال الغير
(فإن) بتشديد النون (أكل الميتة خير له عندي).
قال الباجي: ولا يحل له أن يتعرض لما يوجب قطع يده، وأضاف ذلك
إلى رأيه وفتواه، إما لأنه لم ير فيه نصاً لغيره، أو لأنه قول اختاره من أقوال
العلماء.
(١) ((المنتقى)) (١٣٩/٣).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٩٥/٣).
١٦٠