Indexed OCR Text

Pages 1-20

أوْجَ المَالِك
إِلى
موظأ مالك
الجُزْءُ الْعَاشِرُ
تَأْلِيفُ
الإِمَامِ المُحدِّثُ
محمّد زكريًّا الكان حلوي المدني
المتوَفِى سَنَة ١٤٠٢ هـ
اعتَنَى بِهِ وَعَلَّقَعَلَيْهِ
الأستاذ الدكتور في الذي النّونيّ
دار القلم
دمشق

د
0-

إِذ ◌َر السَالِكَ
إلى
موظا مالك

الطَّبْعَةُ الْأَوْلِى
مُحَقّقَةٌ وَمُنَقّحَةٌ
١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م
حُقُوقُ الطَّبْعِ مِحَفُوظَةٌ لِلْمُحَقِّقِ
SHEIKH ABUL HASAN NADWI CENTER
مركز الشيخ أبي الحسن الندوي
للبحوث والدراسات الإسلامية
For Research & Islamic Studies.
مظفرفور - أعظم جراه يوبي (الهند).
MOZAFFAR PUR, AZAMGARH, U.P. (INDIA).
Tel: 0091 54622 70104
0091 54622 70317
Fax: 0091 54622 70786

٢٣ - كتاب الذبائح
٢٣ - كتاب الذبائح
(٢٣) كتاب الذكاة
(كتاب) اختلف نسخ ((الموطأ)) في ترتيب الكتب هاهنا جداً، ففي أكثر
النسخ الهندية، واقتفينا أثرها كتاب الذكاة، ثم كتاب الصيد، ثم العقيقة، ثم
الضحايا، ثم النكاح، وذكر الشيخ الباجي هاهنا كتاب النكاح، وذكر بعد كتاب
الحج الضحايا، ثم العقيقة، ثم الذبائح، ثم الصيد، ثم كتاب الأشربة، ثم
الجهاد، وذكر العلامة الزرقاني هاهنا كتاب الضحايا، ثم الذبائح، ثم الصيد،
ثم العقيقة، ثم الفرائض، ثم النكاح، وهكذا رتبها السيوطي في ((التنوير)).
(الذكاة) هكذا ترجم الكتاب في النسخ الهندية، وترجم في النسخ
المصرية (١) بكتاب الذبائح، وهو جمع ذبيحة، بمعنى مذبوحة، والذكاة:
الذبح، وقال المجد: التذكية: الذبح كالذكاء، والذكاة، وكَغَنِيّ: الذبيح،
انتهى. وقال الدسوقي: الذكاة: اسم مصدر بمعنى المصدر، انتهى، وقال
الراغب: حقيقة التذكية: إخراج الحرارة الغريزية، لكن خص في الشرع بإبطال
الحياة على وجه دون وجه، انتهى.
قال الدردير (٢): الذكاة أربعة أنواع: ذبح، ونحر، وعقر، وما يموت به
نحو الجراد، انتهى.
بسم الله الرحمن الرحيم
هكذا في جميع النسخ التسمية بعد الكتاب، إلا في نسخة ((المنتقى))،
فالتسمية مقدمة على الكتاب.
(١) كذا في ((الاستذكار)) (٢١٠/١٥).
(٢) ((الشرح الكبير)) (٩٩/٢).

٢٣ - كتاب الذبائح
(١) باب
(١) باب ما جاء في التسمية على الذبيحة
(١) التسمية على الذبيحة
وفي النسخ المصرية: ما جاء في التسمية على الذبيحة، قال العيني(١):
اختلف العلماء في التسمية على الصيد والذبيحة، فروي عن محمد بن سيرين،
ونافع مولى عبد الله، والشعبي: أنها فريضة فمن تركها عامداً، أو ساهياً، لم
يؤكل ما ذبحه، وهو قول أبي ثور والظاهرية، وذهب مالك، والثوري،
وأبو حنيفة، وأصحابهم إلى أنه إن تركها عامداً لم يؤكل، وإن تركها ساهياً
أكلت، قال ابن المنذر: وهو قول ابن عباس، وأبي هريرة، وابن المسيب،
والحسن بن صالح، وطاووس، وعطاء، والحسن بن أبي الحسن النخعي،
وعبد الرحمن بن أبي ليلى، والحكم، وربيعة، وقال الشافعي: يؤكل الصيد
والذبيحة في الوجهين جميعاً، تعمّد ذلك أو نسيه، وروي ذلك عن أبي هريرة،
وابن عباس، وعطاء، انتهى.
وقال الحافظ(٢): اختلفوا في كونها شرطاً في حل الأكل، فذهب
الشافعي وطائفة، وهي رواية عن مالك، وأحمد أنها سنة، فمن تركها عمداً أو
سهواً لم يقدح في حل الأكل، وذهب أحمد في الراجح عنه، وأبو ثور،
وطائفة إلى أنها واجبة؛ لجعلها شرطاً في حديث عدي، وذهب أبو حنيفة،
والثوري، ومالك، وجماهير العلماء إلى الجواز لمن تركها ساهياً لا عمداً،
لكن اختلف عن المالكية هل تحرم أو تكره؟ وعند الحنفية تحرم، وعند
الشافعية في العمد ثلاثة أوجهٍ، أصحها يكره الأكل، وقيل: خلاف الأولى،
وقيل: يأثم بالترك، ولا يحرم الأكل، والمشهور عن أحمد التفرقة بين الصيد
والذبيحة، انتهى.
(١) ((عمدة القاري)) (١٤ /٤٧٦).
(٢) ((فتح الباري)) (٩/ ٦٠١).
٦

٢٣ - كتاب الذبائح
(١) باب
قال الخرقي: من ترك التسمية على الصيد عامداً، أو ساهياً لم يؤكل،
وإن ترك على الذبيحة عامداً لم تؤكل، وإن تركها ساهياً أكلت، قال
الموفق(١): أما الصيد فالشرط أن يسمي عند إرسال الجارح، فإن ترك التسمية
عمداً أو سهواً لم يُبَحْ، هذا تحقيق المذهب، ونقل حنبل عن أحمد إن نسي
التسمية على الذبيحة والكلب، أبيح، قال الخلال: سها حنبل في نقله، وعن
أحمد أن التسمية تشترط على إرسال الكلب في العمد والنسيان، ولا يلزم ذلك
في إرسال السهم إليه، فهو بمنزلة السكين بخلاف الحيوان فإنه يفعل باختياره،
وأما الذبيحة فالمشهور من مذهب أحمد أنها شرط مع الذكر، وتسقط بالسهو،
وعن أحمد أنها مستحبة، غير واجبة في عمد ولا سهو، وبه قال الشافعي.
ولنا: قول ابن عباس: من نسي التسمية فلا بأس به، وروى سعيد بن
منصور بإسناده عن راشد بن ربيعة قال: قال رسول الله وَّل: ((ذبيحة المسلم
حلال وإن لم يسم ما لم يتعمد))، انتهى.
قال الدردير (٢): وجب تسميته عند التذكية، وعند الإرسال في العقر، إن
ذكر وقدر، فلا تجب على ناسٍ، ولا أخرس، ولا مكره، انتهى.
قال الباجي(٣): اختلف أهل العلم في تأثير التسمية، فروى ابن القاسم
عن مالك في ((المدونة)) فيمن تعمد ترك التسمية: لن تؤكل ذبيحته، وإن تركها
ناسياً أكلت، وإلى هذا ذهب الشيخ أبو بكر، والقاضي أبو محمد، وقال
أشهب: تؤكل إلا أن يترك ذلك مستخفاً، وقال أبو بكر بن الجهم، والقاضي
أبو الحسن: إن تركها عامداً كُرِه أكل تلك الذبيحة، ولا تحرم، ودليلنا على
(١) («المغني)) (٢٥٨/١٣).
(٢) ((الشرح الكبير)) (١٠٦/٢).
(٣) ((المنتقى)) (١٠٤/٣).
٧

٢٣ - كتاب الذبائح
(١) باب
وجوب التسمية، وأنها شرط في صحة الذبيحة مع الذكر قوله عز اسمه: ﴿وَلَا
تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾(١) ودليلنا من جهة القياس أنه معنى ورد
الشرع بأنه فسق، فوجب أن يكون حراماً، أصل ذلك سائر الفسوق من الزنا
وشرب الخمر.
وإذا ثبت ذلك، فالذي يستعمل من التسمية، قال ابن المواز: يقول:
((بسم الله والله أكبر)) قال ابن حبيب: ولو قال: بسم الله، أو الله أكبر فقط، أو
لا إله إلا الله، أو سبحان الله، أو لا حول ولا قوة إلا بالله من غير تسمية
أجزأه، وكذلك كل اسم الله تعالى، وكره مالك أن يقال: اللَّهم منك وإليك،
وعابه وشدّد الكراهية فیه، انتھی.
قال الدردير (٢): المراد بالتسمية ذكر الله من حيث هو، لا خصوص
باسم الله، لكنه الأفضل، وكذا زيادة: والله أكبر، انتهى.
وقال الموفق(٣): التسمية المعتبرة قوله: بسم الله؛ لأن إطلاق التسمية
ينصرف إلى ذلك، وقد ثبت أن رسول الله -18- إذا ذبح قال: ((بسم الله والله
أكبر))، وكان ابن عمر - رضي الله عنه - يقوله، ولا خلاف في أن ((بسم الله))
يجزئه، وإن قال: اللّهم اغفر لي لم يَكْفٍ؛ لأن ذلك طلب حاجة، وإن هلّل،
أو سبّح، أو كبّر، أو حمد الله احتمل الإجزاء؛ لأنه ذكر اسم الله تعالى على
وجه التعظيم، واحتمل المنع لأن إطلاق اسم التسمية لا يتناوله، وإن ذكر
اسم الله تعالى بغير العربية أجزأه. وإن أحسن العربية؛ لأن المقصود ذكر
اسم الله، وهو يحصل بجميع اللغات بخلاف التكبير في الصلاة؛ فإن المقصود
لفظه، انتھی.
(١) سورة الأنعام: الآية ١٢١.
(٢) ((الشرح الكبير)) (٢/ ١٠٧).
(٣) («المغني)) (٢٦٠/١٣).
٨

٢٣ - كتاب الذبائح
(١) باب
(١٠١٦) حديث
١/١٠١٦ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ،
عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ وَ
١/١٠١٦ - (مالك، عن هشام بن عروة) وفي نسخة: حدثني هشام، وفي
((موطأ محمد)): (١) أخبرنا هشام بن عروة (عن أبيه أنه) أي: عروة (قال: سئل)
ببناء المجهول (رسول الله وَلي) قال الزرقاني: لم يختلف على مالك في
إرساله، قال العيني: قال في ((غرائب الموطأ)): تفرد به عبد الوهاب عن مالك
متصلاً، وغيره يرويه عن مالك، عن هشام، عن أبيه مرسلاً، وادعى أبو عمر:
لم يختلف عن مالك في إرساله، انتهى.
وأخرجه البخاري (٢) في ((الأيمان والنذور)) برواية أسامة بن حفص، عن
هشام، عن أبيه، عن عائشة - رضي الله عنها - متصلاً، ثم قال: تابعه عن عليّ
الدراوردي وتابعه أبو خالد، والطّفاوي، انتهى. يعنى الثلاثة عن هشام، قال
الحافظ: حديث الدراوردي أخرجه الإسماعيلي، ورواية أبي خالد سليمان بن
حيان وصلها عنه البخاري في ((كتاب التوحيد))(٣)، وقال عقبه: تابعه محمد بن
عبد الرحمن، والدراوردي، وأسامة بن حفص، ورواية الطفاوي وصلها
البخاري في ((البيوع))، وخالفهم مالك فرواه عن هشام، عن أبيه مرسلاً ليس فيه
عائشة، قال الدارقطني في ((العلل)): رواه عبد الرحيم بن سليمان، ومحاضر،
والنضر، وآخرون عن هشام موصولاً، ورواه مالك مرسلاً. ووافق مالكاً على
إرساله الحمادان، وابن عيينة، والقطان عن هشام، وهو أشبه بالصواب.
قال الحافظ: يؤخذ من صنيع البخاري أن الحديث إذا اختلف في وصله
وإرساله حكم للواصل بشرطين؛ أحدهما: أن يزيد عدد من وصله على من
أرسله، والآخر: أن يحتفّ بقرينة تقوي الرواية الموصولة؛ لأن عروة معروف
(١) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٦٥٢/٢).
(٢) (٥٥٠٧) ((فتح الباري)) (٦٣٤/٩).
(٣) رقم الحديث (٧٣٩٨) و((فتح الباري)) (٣٧٩/١٣).
٩

٢٣ - كتاب الذبائح
(١) باب
(١٠١٦) حديث
فَقِيلَ لَّهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ نَاساً مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ يَأْتُونَنَا بِلُحْمَانٍ.
بالرواية عن عائشة، ففي ذلك إشعار بحفظ من وصله عن هشام دون من
أرسله، ويؤخذ من صنيعه أيضاً أنه وإن اشترط في ((الصحيح)) أن يكون راويه
من أهل الضبط والإتقان أنه إن كان في الراوي قصور عن ذلك، ووافقه على
رواية ذلك الخبر من هو مثله انجبر القصور بذلك، وصح الحديث على شرطه،
انتھی .
(فقيل له) وَ لي) وهذا بيان السؤال، ولفظ البخاري: أن قوماً قالوا للنبي بَليه
(يا رسول الله، إن ناساً من أهل البادية) وللنسائي: ((إن ناساً من الأعراب))،
وترجم البخاري على الحديث ((باب ذبيحة الأعراب ونحوهم))، قال العيني(١):
الأعراب هم ساكنو البادية من العرب الذين لا يقيمون في الأمصار، ولا
يدخلون المدن إلا لحاجة (يأتونا) بالإدغام في النسخ الهندية، وبفكه بلفظ
((يأتوننا)) في المصرية، وبكليهما ضبطه العيني؛ إذ قال: بالإدغام وفكه
(بلحمان) بضم اللام جمع، ويجمع أيضاً على لحوم ولحام، زاد البخاري في
آخر الحديث: قالت عائشة رضي الله عنها: وكانوا حديثي عهد بالكفر.
قال الزرقاني(٢) تبعاً للقسطلاني والعيني: كانوا، أي القوم السائلون.
انتهى. وليس بوجيه عندي، بل الظاهر أن الضمير لقوم آتية باللحمان، ويظهر
ذلك من كلام الحافظ إذ قال: هي جملة اسمية قدم خبرها، ووقعت صفة
لقوله: ((قوماً))، ويحتمل أن يكون خبراً ثانياً بعد الخبر الأول وهو قوله:
((يأتوننا بلحم))، انتهى.
ووجه الظهور ظاهر، أن منشأ سؤالهم كون الأعراب حديثي عهد
بالإسلام، فلا ندري هل يعلمون المسائل أم لا؟ وأما كون السائلين حديثي
(١) ((عمدة القاري)) (٥٠٩/١٤).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٨١/٣).
١٠

٢٣ - كتاب الذبائح
(١) باب
(١٠١٦) حديث
وَلَا نَدْرِي هَلْ سَمَّوا اللَّهَ عَلَيْهَا أَمْ لَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَه :
((سَمُّوا اللَّهَ عَلَيْهَا، ثُمَّ كُلُوهَا)).
وصله البخاريّ عن عائشة في: ٩٧ - كتاب التوحيد، ١٣ - باب السؤال
بأسماء الله تعالى، والاستعاذة بها .
عهد بالكفر لا يُجْدي فائدة جديدة، وللطحاوي في ((المشكل)): ((سأل ناس من
الصحابة رسول الله وسلم فقالوا: أعاريب يأتوننا بلُحمان وجبن وسمن ما ندري
ماكنه إسلامهم؟)) الحديث، ثم رأيت الباجي جزم بذلك كما يأتي تحت قول
مالك، ولفظ أبي داود نص في الباب؛ إذ فيه عن عائشة - رضي الله عنها -
أنهم قالوا: يا رسول الله إن قوماً حديثو عهد بجاهلية يأتون بلحمان، الحديث.
وفي ((الدر المنثور)) (١): أخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد عن عروة قال:
كان قوم أسلموا على عهد النبي ◌ّله فقدموا بلحم إلى المدينة يبيعونه، فتحنثت
أنفس أصحاب النبي ◌ّ منه، وقالوا: لعلهم لم يسموا، فسألوا النبي وَلته،
فقال: ((سموا أنتم وكلوا)) (ولا ندري هل سمو الله عليها) عند الذبح (أم لا؟).
قال الباجي(٢): إقرار رسول الله وَلير لهم على هذا السؤال، ومجاوبته
إياهم بما جاوبهم دليل على اعتبار التسمية في الذبح، ولو لم يكن للتسمية في
ذلك حكم لقال لهم: وما عليكم من التسمية سَمُّوا، أو لم يُسَمُّوا، كما أنّ
العجن والطبخ والزراعة لما لم يكن للتسمية تأثير فيها لم يكن للسؤال عما فعل
ذلك، أو تركه وجه، انتھی.
(فقال رسول الله وَله: ((سمّوا الله عليها ثم كلوها))) وبحذف ضمير
المفعول في النسخ المصرية، قال الباجي: يحتمل أن يريد به الأمر بالتسمية
عند الأكل؛ لأن ذلك مما بقي عليهم من التكليف، وأما التسمية على ذبح
(١) (٣١٥/٣).
(٢) ((المنتقى)) (١٠٤/٣).
١١

٢٣ - كتاب الذبائح
(١) باب
(١٠١٦) حديث
تولاه غيرهم من غير علمهم، فلا تكليف عليهم فيه، وإنما يحمل على الصحة
حتى يتبين خلافها، ويحتمل أن يريد به أن سموا الله أنتم الآن، فتستبيحون به
أكل ما لم تعرفوا أذكر اسم الله عليه أم لا، إذا كان الذابح ممن تصح ذبيحته،
انتھی .
قال الزرقاني(١): ليس المراد أن تسميتهم على الأكل قائمة مقام التسمية
على الذبح؛ بل طلب الإتيان بالتسمية على الأكل، قال الطيبي: هذا من
أسلوب الحكيم كأنه قيل لهم: لا تهتموا بذلك، ولا تسألوا عنها، والذي
يهمكم الآن أن تذكروا اسم الله عليه، انتهى.
قال ابن تيمية في ((المنتقى)): الحديث دليل على أن التصرفات والأفعال
تحمل على حال الصحة والسلامة إلى أن يقوم دليل الفساد، انتهى.
قال المهلب(٢): هذا الحديث أصل في أن التسمية على الذبيحة لا
تجب؛ إذ لو كانت واجبة لاشترطت على كل حال، وقد أجمعوا على أن
التسمية على الأكل ليست فرضاً، فلما نابت عن التسمية على الذبيحة دل على
أنها سنة؛ لأن السنة لا تنوب عن الفرض، قال ابن التين: يحتمل أن يراد
بالتسمية هاهنا عند الأكل، وبذلك جزم النووي، قال ابن التين: وأما التسمية
على ذبح تولاه غيرهم من غير علمهم فلا تكليف عليهم فيه، وإنما يحمل على
غير الصحة إذا تبيّن خلافها، ويحتمل أن يريد أن تسميتكم الآن تستبيحون بها
أكل ما لم تعلموا، أذكر اسم الله عليه أم لا، إذا كان الذابح ممن تصح
ذبيحته .
ويستفاد منه أن أكل ما يوجد في أسواق المسلمين محمول على الصحة،
(١) ((شرح الزرقاني)) (٨١/٣).
(٢) انظر: ((فتح الباري)) (٦٣٥/٩).
١٢

٢٣ - كتاب الذبائح
(١) باب
(١٠١٦) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَذُلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ.
وكذا ما ذبحه أعراب المسلمين؛ لأن الغالب أنهم عرفوا التسمية، وبهذا
الأخير جزم ابن عبد البر، فقال: فيه أن ما ذبحه المسلم يؤكل، ويحمل على
أنه سمى؛ لأن المسلم لا يظن به في كل شيء إلا الخير حتى يتبين الخلاف،
وعكس هذا الخطابي، فقال: فيه دليل على أن التسمية غير شرط على الذبيحة؛
لأنها لو كانت شرطاً لم تستبح الذبيحة بالأمر المشكوك فيه، انتهى.
قلت: وفيه أن الشك المعتبر في الشرع ما كان عن مستند، وإذ لم يكن
كذلك فهو منهي عنه، فقد روي عن قبيصة بن هلب عن أبيه قال: سألت
النبي ◌ّ﴾ عن طعام النصارى، وفي رواية: سأله رجل فقال: إن من الطعام
طعاماً أتحرج منه، فقال: ((لا يتخلجن في صدرك شيء ضارعت فيه النصرانية))
كذا في ((المشكاة)) برواية الترمذي، وأبي داود.
وفيه أيضاً عن أبي هريرة قال: قال النبي وَله: ((إذا دخل أحدكم على
أخيه المسلم فليأكل من طعامه ولا يسأل، وليشرب من شرابه ولا يسأل))، رواه
البيهقي في ((الشعب)) وقال: هذا إن صح فلأن الظاهر أن المسلم لا يطعمه ولا
يسقیه إلا ما هو حلال عنده، انتهى.
والمعروف عنه وَ لّ ((الحلال بَيِّن والحرام بَيِّنٌ، وما سكتَ عنه فهو عَفْوٌ))
ولأجل هذا المعنى ترجم البخاري على حديث(١) الباب في كتاب البيوع ((باب
من لم ير الوساوس، ونحوها من الشُبُهات)) وأمره وَليل بالتسمية في حديث
الباب لبيان الأدب، كما ورد في حديث عمر بن أبي سلمة قال: كنت غلاماً
في حجر رسول الله وّيه وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله وقلقه :
(سَمِّ الله، وكُلْ بيمينك)) كذا في ((المشكاة)) برواية الشيخين.
(قال مالك: وذلك في أول الإسلام) قال الحافظ: قد تعلق بهذا قوم،
(١) (٢٠٥٧) ((فتح الباري)) (٢٩٤/٤).
١٣

٢٣ - كتاب الذبائح
(١) باب
(١٠١٦) حديث
فزعموا أن هذا الجواب كان قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ
أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾(١) قال ابن عبد البر(٢): وهو تعلق ضعيف، وفي الحديث نفسه
ما يردُّه؛ لأنه أمرهم فيه بالتسمية عند الأكل، فدل على أن الآية كانت نزلت
بالأمر بالتسمية، وأيضاً فقد اتفقوا على أن الآية مكية، وأن هذه القصة جرت
بالمدينة، والأعراب المشار إليهم في الحديث هم بادية أهل المدينة، انتهى.
قلت: وأيضاً لو لم تنزل الآية فكيف قولهم: لا ندري هل سَمُّوا الله
عليها أم لا؟ فهذا التردد والسؤال نصٌّ في أن أمر التسمية كان معروفاً عندهم،
ومنشأ التردد قلة شيوع العلم في البوادي.
وقال الباجي(٣): قول مالك هذا لما روي في حديث عائشة - رضي الله
عنها - في هذا الحديث، أن الذابحين كانوا حديثي عهد بالإسلام ما يصح أن
لا يعلموا مثل هذا، ولم يبلغ بعد إليهم شرع النبي ◌َّ، أو ممن يكثر منهم
النسيان لمثل هذا، أو الغفلة عنه لما لم تجر لهم به عادة، وأما الآن فقد جرت
به العادة حتى لا يكاد ذابح يترك ذلك، ولا نجد أحداً لا يعلم أن التسمية
مشروعة عند الذبح، انتهى.
وترجم محمد - رحمه الله - في ((موطئه)) (٤) على حديث الباب: الرجل
يشتري اللحم فلا يدري أذكيٌّ هو أم غير ذكيٍّ؟ وقال في آخر الحديث: قال
محمد: وبهذا نأخذ، وهو قول أبي حنيفة إذا كان الذي يأتي به مسلماً، أو من
أهل الكتاب، فإن أتى به مجوسي، وذكر أن مسلماً ذبحه، أو رجلاً من أهل
الكتاب لم يُصَدَّقُ، ولم يؤكل بقوله، انتهى.
(١) سورة الأنعام: الآية ١٢١.
(٢) انظر: ((التمهيد)) (٢٢ - ٢٩٩ -٢٠٠).
(٣) ((المنتقى)) (١٠٥/٣).
(٤) انظر: ((التعليق الممجد)) (٦٥٢/٢).
١٤

٢٣ - كتاب الذبائح
(١) باب
(١٠١٧) حديث
٢/١٠١٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّ
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيَّ أَمَرَ غُلَاماً لَهُ أَنْ يَذْبَحَ
ذَبِيحَةً، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَذْبَحَهَا قَالَ لَهُ: سَمِّ اللَّهَ. فَقَالَ لَّهُ الْغُلَامُ: قَدْ
سَمَّيْتُ. فَقَالَ لَهُ: سَمِّ اللَّهَ، وَيْحَكَ، قَالَ لَهُ: قَدْ سَمَّيْتُ اللَّهَ. فَقَالَ
لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ: وَاللَّهِ. لَا أَطْعَمُهَا أَبَداً.
٢/١٠١٧ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (أن عبد الله بن
عياش) بتحتية مشددة وشين معجمة كما في النسخ المصرية(١)، وهو الصواب،
ووقع التحريف في النسخ الهندية، فوقع فيها عبد الله بن عباس بموحدة
ومهملة، وليس في ((التعجيل)) ولا غيره أحد اسمه عبد الله بن عباس بن أبي
ربيعة، وابن عياش صحابي (٢) مشهور (ابن أبي ربيعة المخزومي) القرشي
الصحابي (أمر غلاماً له) لم يسم (أن يذبح ذبيحة فلما أراد) الغلام (أن يذبحها
قال له: سم الله) بصيغة الأمر (فقال الغلام: قد سميتُ) بصيغة المتكلم.
(فقال له) مرة أخرى (سمَّ الله) بصيغة الأمر (ويحك) ويح: كلمة ترحم
وتوجّع لمن وقع في هلكة لا يستحقها، وقد يقال للمدح والتعجب، وهي منصوبة
على المصدر، وقد ترفع وتضاف، ولا تضاف، فيقال: ويح زيد، وويح له، وفي
((النهاية)): ويلك لمن وقع في هلكة، وويح زجر لمن أشرف على الوقوع في
هلكة، وقال الفراء: هما بمعنى، وقيل: ويح لمن وقع في هلكة لا يستحقها
فيترحم بها عليه، وويل لمن يستحقها، وفي ((شرح جامع الأصول)): ويح لمن
ينكر عليه فعله مع ترحم وترفق، وويل لمن ينكر عليه مع غضب، ووَیْسُ کویح،
كذا في ((المجمع))(٣)، (قال له) الغلام في المرة الثانية أيضاً (قد سميت) الله عز
وجل، ولم يمتثل أمره (فقال عبد الله بن عيّاش: والله لا أطعمها أبداً) قال
(١) كذا في ((الاستذكار)) (٢١٥/١٥).
(٢) انظر: ((أسد الغابة)) (٣٦٠/٣).
(٣) انظر: ((مجمع بحار الأنوار)) (١٢٥/٥).
١٥

٢٣ - كتاب الذبائح
(١) باب
(١٠١٧) حديث
الزرقاني(١): لأنه لم يسمعه يسمي، ولم يصدق إخباره؛ لأنه كان بموضع لا
تخفى عليه التسمية لقربه منه، وعلم عناده بقوله: سميت، ولا يسمي، فاعتقد
أنه تركها عمداً إذ لو قال: بسم الله بدل سميتُ لا کتفی بذلك، انتهى.
وقال الباجي(٢): قوله للغلام ((سَمِّ الله)) إذا كان لما خاف أن يغفل عنه
من ذلك وينساه، ولم يقنع بإخبار الغلام له بأنه قد سمى الله، أو أراد أن يسمع
ذلك منه، فلما لم يسمعه الغلام التسمية، واقتصر على إخباره بذلك، وفات
موضع التسمية بإكمال الذبح؛ أقسم أن لا يأكل الذبيحة.
وفي ((المدونة)): قال مالك في تفسير هذا الحديث: لا أرى ذلك على
الناس إذا أخبر الذابح أنه قد سمّى، وروى ابن حبيب، عن مطرِّف، عن مالك
مثله، وعلى هذا يكون فعل ابن عياش على وجه التناهي في الورع، والأخذ في
خاصة نفسه بالأحوط، ولعله قد أباح لغيره أكلها، أو تصدق بها، أو أعطاها
محتاجاً إليها، وأما أن يحرم أكلها فلا يجوز ذلك، ولا يجوز اطراحها؛ لأن
في ذلك إضاعة للمال، وإفساداً للطعام، قال مالك: فمن ورع كما ورع ابن
عیاش فلا بأس به.
قال عبد الملك: وإنما الرخصة فيما لا تهمة فيه مثل حديث هشام بن
عروة المذكور ((إنّ ناساً يأتوننا بلُحمان)) الحديث، وهذا الذي روي عن مالك
خلاف لما ذكره أولاً؛ لأن من اتّهم غيره بتعمد ترك التسمية، وكان عنده ممن
يرضى بذلك، ويقصده مع الإذكار له به، فإن الأحوط اطراح ذبيحته والامتناع
من أكلها، ولا يصدق فيما أخبر به من تسميته، انتهى.
ولم يظهر لي وجه إنكار ابن عياش تورعاً، ولا حمل ترك غلامه التسمية
(١) ((شرح الزرقاني)) (٨١/٣).
(٢) ((المنتقى)) (١٠٥/٣).
١٦

٢٣ - كتاب الذبائح
(٢) باب
(١٠١٨) حديث
(٢) باب ما يجوز من الذكاة في حال الضرورة
٣/١٠١٨ - حدّثني يَحْيَى، عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْن أَسْلَمَ،
عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ؛
على العناد، كيف؟ وهو يقول في كل مرة: قد سميت، ولا وجه لحمل إقراره
على الغلط، كيف؟ وقد صرح الإمام مالك أنه لا يرى ذلك على الناس إذا
أخبر الذابح أنه سمى، بل الظاهر عندي أن الغلام قد سمى قبل التذكية وعدّه
كافياً، وابن عياش - رضي الله عنه - يأمره بالتسمية حال الذبح، وقد صرح
الفقهاء بأن من سمى، ثم ذبح إن طال الفصل وقطع الفور حرم، وإلا لا .
واختلفوا في حد الطول، وفي (الدر المختار))(١): حد الطول: ما
يستكثره الناظر، وعلى هذا فلا مانع من أن الفصل بين تسمية الغلام وذبحه
أدخله ابن عياش - رضي الله عنه - في حد الطول دون غلامه، فلا إشكال في
حلف ابن عياش - رضي الله عنه - ولا في قول غلامه: «قد سميتُ)).
(٢) ما يجوز من الذكاة على حال الضرورة
ظاهر الترجمة أن المصنف أراد بيان الذكاة الاضطرارية، وذلك أن الذكاة
نوعان: اختيارية واضطرارية، قال صاحب: ((الهداية)) (٢): هي اختيارية كالجرح
فيما بين اللبة واللحيين، واضطرارية، وهي الجرح في أي موضع كان من
البدن، والثاني كالبدل عن الأول؛ لأنه لا يصار إليه إلا عند العجز عن
الأولى، وهذا آية البدلية، وهذا لأن الأول أعمل في إخراج الدم، والثاني
أقصر فيه، فاكتفى فيه عند العجز عن الأول إذ التكليف بحسب الوسع، انتهى.
٣/١٠١٨ - (مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار) قال أبو
(١) انظر: ((الدر المختار)) (٦١٤/٤).
(٢) (١١٩/٧/٤) ط باكستان.
١٧

٢٣ - كتاب الذبائح
(٢) باب
(١٠١٨) حديث
أَنَّ رَجُلاً مِنَ الْأَنْصَارِ، مِنْ بَنِي حَارِثَةَ، كَانَ يَرْعَى لَقْحَةً لَهُ بِأُحُدٍ،
فَأَصَابَهَا الْمَوْتُ، فَذَكَّاهَا بِشَاظِ.
عمر (١): مرسل عند جميع الرواة، ووصله أبو العباس محمد بن إسحاق السراج
من طريق أيوب، والبزار من طريق جرير بن حازم، كلاهما عن زيد، عن
عطاء، عن أبي سعيد الخدري، انتهى. وقال ابن عبد البر في ((التجريد))(٢): لا
أعلم أحداً أسنده عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد إلا
جرير بن حازم، انتهى.
قلت: وأخرج أبو داود(٣) برواية يعقوب، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن
يسار، عن رجل من الأنصار أنه كان يرعى لقحة بشِعْبٍ من شعاب أُحد،
فأخذها الموت ولم يجد شيئاً ينحرها به، فأخذ وتداً، فوجأ به في لبتها حتى
أهريق دمها، ثم جاء إلى النبي ◌َ ل﴿ فأخبره بذلك فأمره بأكلها، قال المنذري:
وأخرجه النسائي، وابن ماجه، وأخرجه النسائي برواية حبان بن هلال، عن
جرير بن حازم، حدثنا أيوب عن زيد بن أسلم فلقيت زيد بن أسلم فحدثني،
عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: كانت لرجل ناقة ترعى في
قبل أحد، .... الحديث.
(أن رجلاً من الأنصار من بني حارثة) بطن من الأوس (كان يرعى لقحة)
بكسر اللام وفتحها وسكون القاف: ناقة ذات لبن (له بأحد) بضم الهمزة والحاء
الجبل المعروف بالمدينة (فأصابها الموت) أي: أصابها من المرض وغيره ما
تيقن به أنها ستموت (فذكاها) بتشديد الكاف من التذكية (بشظاظ) بكسر الشين
المعجمة وإعجام الظائين بينهما ألف: عود محدَّد الطرف، وفي رواية أيوب:
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٢٣/١٥).
(٢) (ص٥٠).
(٣) أخرجه أبو داود (٢٨٢٣).
١٨

٢٣ - كتاب الذبائح
(٢) باب
(١٠١٨) حديث
فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ وَ عَنْ ذُلِكَ. فَقَالَ: ((لَيْسَ بِهَا بَأُسٌ، فَكُلُوهَا)).
فنحرها بوتدٍ فقلت لزيد: وتدٌ من حديد أو من خشب؟ قال: بل من خشب،
وفي رواية يعقوب بن جعفر، عن زيد، عن عطاء: فأخذها الموت، فلم يجد
شيئاً ينحرها به، فأخذ وتداً فوجأها به حتى أهراق دمها، وقال ابن حبيب:
الشظاظ: العود الذي يجمع به بين عروقي الغرارتين على ظهر الدابة، قاله في
((التمهيد))، كذا في الزرقاني(١).
(فسأل) ببناء المعلوم في النسخ الهندية، والمصرية بلفظ: ((فسئل)) ببناء
المجهول (رسول الله وَلّر عن ذلك فقال: ليس بها بأس) أي: صحت ذكاته
(فكلوها) أمر إباحة وذلك لأن الذكاة لا تختص بآلة دون آلة، بل كل ما يعقر
ويجرح يجوز به الذبح.
قال الباجي(٢): أما ما يذكى به، فإنه كل محدَّدٍ يمكن به إنفاذ المقاتل،
وإنهار الدم بالطعن في لبته ما ينحر، والفري في أوداج ما يذبح مما لا يختص
بطائفة من الكفار، قال ابن المواز عن مالك: وقد أجاز رسول الله صل# الذكاة
بالحجارة، والشظاظ، والمروة، وشقة العصا، والقصب، وكل ما أنهر الدم إلا
السن والظفر، قال محمد: وهو مذهب مالك، قال ابن حبيب: ومما يذكي به
الضرار جمع ضرر، وهي: فلقة الحجر، والليطة وهي: فلقة القصب،
والشطير، فلقة العصا، وروى ابن وهب عن مالك في ((المبسوط)): أن كل
شيء يصنع من فخار، أو عظم، أو قرن، أو شيء يفري فإنه جائز، وقال ابن
حبيب: لا بأس أن يذبح بفلقة العظم ذكياً كان، أو غير ذكي إذا بضع اللحم،
وأنهر الدم.
فحصل الخلاف بين رواية ابن المواز، وبين ما أوردنا بعد هذا في الذكاة
(١) ((شرح الزرقاني)) (٨٢/٣).
(٢) ((المنتقى)) (١٠٦/٣).
١٩

٢٣ - كتاب الذبائح
(٢) باب
(١٠١٨) حديث
بالعظم والظفر، وقد اختلف أصحابنا العراقيون في ذلك، فقال القاضي أبو
الحسن في كتابه: الظاهر من مذهب مالك أنه لا يستبيح الذكاة بالسن والظفر،
ثم قال بعد ما حكى اختلاف أصحابهم في ذلك:
فعلى هذا في المسألة ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا تجوز الذكاة بسن، ولا ظفر متصل، ولا منفصل، وهي
رواية أبي الحسن، عن مالك، وهو الظاهر من رواية ابن المواز، وبه قال
الشافعي.
والرواية الثانية: أنه تجوز الذكاة بهما منفصلين، ومتصلين، وهذا الظاهر
من رواية ابن وهب، عن مالك في ((المبسوط))، وهو اختيار القاضي أبي
الحسن، وعلى هذا فالجواب عن أحاديث المنع أنها محمولة على الكراهية،
أو على الظفر والسن الصغيرين الذين لا يصح بهما قطع الأوداج.
والرواية الثالثة: تجوز الذكاة بهما منفصلين، ولا تجوز متصلتين، وهذا
الذي قاله ابن حبيب، وبه قال أبو حنيفة، انتهى مختصراً بتغير.
وقال ابن رشد في ((البداية))(١): أجمع العلماء على أن كل ما أنهر الدم،
وفرى الأوداج، من حديد، أو صخر، أو غيرهما أن التذكية به جائز، واختلفوا
في ثلاثة: في السن، والظفر، والعظم، ولا خلاف في المذهب أن الذكاة
بالعظم جائزة إذا أنهر الدم، واختلف في السن والظفر على الأقاويل الثلاثة
أعني بالمنع مطلقاً، وبالفرق بين الانفصال والاتصال، وبالكراهية لا المنع.
وسبب اختلافهم اختلافهم في مفهوم النهي الوارد في حديث رافع، وفيه
قوله وَله: ((ما أنهر الدم وذُكِر اسمُ الله عليه فكُلْ، ليس السِّنَّ والظُّفرَ))
(١) ((بداية المجتهد)) (٤٤٧/١)، وانظر ((التعليق الممجد) (٦٣٠/٣).
٢٠