Indexed OCR Text

Pages 641-660

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٧) باب
(١٠٠٩) حديث
التعدي بما زاد على الثلث، بل اختص بالجميع، فوجب أن يرد الجميع؛ لأنها
ممنوعة منه لحق الغير مع بقاء المال على ملكها كالمفلس، وهذا فارق
الوصية، فإن الموصي يمنع من الزيادة على الثلث مع خروج المال عن ملكه
فلذلك ردّ إلى الثلث.
وجه القول الثاني: كل من له التصرف في ثلثه، فإنه يردُّ ما زاد عليه
كالموصي، وهو أكيس وأجرى على الأصول، وإذا قلنا: إن للزوج الرد، أو
الإجازة فهل ذلك موقوف على الإجازة أو الرد؟ قال أصبغ: هو على الإجازة
حتى يرده، قال مطرف وابن الماجشون: هو مردود حتى يجيزه الزوج، وإذا
حلفت بأكثر من الثلث، ولا زوج لها، ثم تزوجت، ثم حنثت، فللزوج رد
ذلك قاله ابن المواز، ورواه ابن حبيب عن أصحاب مالك، ووجه ذلك: أن
الاعتبار بحال الحنث دون اليمين.
وأما ما يتعلق بجسدها كالصلاة والصيام، فإنه على ضربين: أحدهما: أن
يضر بالزوج ككثير الصيام والحج. والثاني: لا يضر به كصلاة ركعتين، وصيام
يوم، فإن كان ذلك يضر بالزوج منعها منه؛ لأن حقه تعلق بالاستمتاع بها،
فليس لها أن تأتي بما يمنع منه، ولكن ذلك يبقى بذمتها حتى تجد إلى أدائه
السبيل، وإن كان ذلك مما لا يضر بالزوج كان لها تعجيل فعله، ولم يكن
للزوج منعها منه، انتهى.
قال الخطابي تحت حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً :
((لا يجوز لامرأة أمرٌ في مالها إذا ملك زوجها عصمتها)»، أخرجه أبو داود:
هذا عند أكثر العلماء على معنى حسن العشرة، واستطابة نفس الزوج بذلك،
إلا أن مالك بن أنس - رضي الله عنه - قال: يرد ما فعلت من ذلك حتى يأذن
الزوج، قال الشيخ: وقد يحتمل أن يكون ذلك في غير الرشيدة، وقد ثبت
عنه وَّ أنه قال للنساء: ((تصدّقن))، فجعل المرأة تُلْقي القرطَ، والخاتمَ، وبلال
٦٤١

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٨) باب
(١٠١٠) حديث
(٨) باب العمل في كفارة اليمين
١٠١٠/ ١٢ - حدّثني يَحْيَى، عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَنْ حَلَفَ بِيَمِينٍ فَوَكَّدَهَا،
يتلقاها بكسائه، وهذه عطية بغير إذن الزوج، كذا في ((البذل))(١).
(٨) العمل في كفارة الأيمان
يعني: ماذا يعمل إذا أراد أداء الكفارة.
١٢/١٠١٠ - (مالك، عن نافع عن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما -
(أنه كان يقول: من حلف بيمين فوكَّدها) بتشديد الكاف من التوكيد، زاد
الزرقاني وصاحب ((المحلى)): قال أيوب: قلت لنافع: ما توكيدها؟ قال: تِرْدادٌ
الأيمان في الشيء الواحد. انتهى.
قلت: وأثر أيوب هذا، أخرجه ابن أبي شيبة في ((مصنفه))(٢) حدثنا
ابن علية، عن أيوب، عن نافع كان ابن عمر إذا حلف أطعم مداً، وإن أكّد
أعتق، قال: فقلت لنافع: ما التوكيد؟ قال: يردد اليمين في الشيء الواحد،
انتهى .
وقال الباجي(٣): يحتمل أن يريد بتأكيدها تكرار وصف الله تعالى بصفاته
مثل أن يقول: بالله الذي لا إله إلا هو الرحمن السميع العليم، ويحتمل أن
يريد به تأكيدها بتكرارها مراراً، انتهى.
قلت: وما تقدم من زيادة أيوب يُعَيِّنُ الاحتمال الثاني، وتقدم الكلام على
التوكيد بهذا المعنى مبسوطاً، وأما التوكيد بالصفات، فتقدم هناك أيضاً من
(١) انظر: ((بذل المجهود)) (٢٢٨/١٥).
(٢) ((المصنف)) (٩٥/٢).
(٣) ((المنتقى)) (٢٤٩/٣).
٦٤٢

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٨) باب
(١٠١٠) حديث
ثُمَّ حَنِثَ، فَعَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ، أَوْ كِسْوَةُ عَشَرَةٍ مَسَاكِينَ، وَمَنْ حَلَفَ
بِيَمِينِ فَلَمْ يُؤَكِّدْهَا، ثُمَّ حَنِثَ، فَعَلَيْهِ إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ
مِسْكِينِ مُدَّ مِنْ حِنْطَةِ،
كلام الباجي من قال في يمينه: بالله الذي لا إله إلا هو الرحمن العزيز العالم،
عالم الغيب والشهادة، ثم حنث، لم يجب عليه إلا كفارة واحدة، انتهى.
وكذلك عند أحمد كما تقدم هناك عن كلام الموفق، وكذلك عند الحنفية
كما تقدم عن نصوص الحنفية مبسوطاً .
(ثم حنث) في يمينه (فعليه) في الكفارة (عتق رقبة) بالإضافة (أو كسوة
عشرة مساكين) ولا يكفي عنده في التوكيد الإطعام، كما يدل عليه التقسيم
(ومن حلف بيمين فلم يؤكدها) أي لم يؤكد اليمين، ولم يكررها (فحنث) في
يمينه (فعليه إطعام عشرة مساكين) بالتفصيل الآتي وهو (لكل مسكين) خبر مقدم
(مُدَّ مُدٌّ) بالتكرار في النسخ الهندية، وبدونه في النسخ المصرية، وعلى كل فهو
بالرفع مبتدأ مؤخر (من حنطة)، وما في معناها .
قال صاحب ((المحلى))(١): قوله: ((من حنطة)) وكذا غيره من الطعام من
غالب قوت البلد، وهو المأثور عن ابن عباس، وزيد بن ثابت، والقاسم،
وعطاء، والحسن، وإليه ذهب مالك، والشافعي، وقال أحمد: يطعم لكل
مسكين مُداً من البر، أو نصف صاع من غيره من الشعير والتمر، وقال
أبو حنيفة: صاعاً من شعير، أو تمر، أو نصفه من بر.
وروى ابن أبي شيبة (٢) عن علي قال: كفارة اليمين إطعام عشرة مساكين،
لكل مسكين نصف صاع، وعن عائشة قالت: إنا نطعم نصف صاع من بر، أو
صاعاً من تمر في كفارة اليمين، وعن يرفأ قال لي عمر - رضي الله عنه -: إني
(١) (٧٣/٨).
(٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٨/ ٥٠٧).
٦٤٣

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٨) باب
(١٠١١) حديث
فَمَنْ لَمْ يَجِدْ، فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ .
١٣/١٠١١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن
عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِهِ بِإِطْعَامِ عَشَرَةٍ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ
مُدٌّ مِنْ حِنْطَةٍ، وَكَانَ يَعْتِقُ الْمِرَارَ إِذَا وَكَّدَ الْيَمِينَ.
أحلف لا أعطي أقواماً، ثم يبدو لي فأعطيهم، فإذا فعلت ذلك فأطعم عني
عشرة مساكين، بين كل مسكينين صاع من بر، أو صاع من تمر لكل مسكين،
انتهى. (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام)، وسيأتي الكلام على أنواع الكفارة هذه
قريباً .
١٣/١٠١١ - (مالك، عن نافع عن عبد الله بن عمر، أنه كان يكفر) بصيغة
المضارع من التكفير (عن يمينه) يعني إذا لم يؤكدها (بإطعام عشرة مساكين لكل
مسكين مد من حنطة، وكان يعتق الرقبة المرار) أي الرقاب المتعددة، وفي
نسخة مراراً بالتنكير، قاله الزرقاني(١)، قال الباجي: هذا يقتضي أن ذلك كان
یتکرر، وهذا جائز.
وفي ((موطأ محمد)): الجوار بالجيم والواو بدل المرار، ولفظه: ((وكان
يعتق الجوار إذا أكد اليمين))، وهو: جمع جارية، وهكذا في ((المحلى)) على
((موطأ يحيى)) ولفظه: ((كان يَعْتِقُ الجواري إذا أكد اليمين)) (إذا وكد اليمين)
على وفق مذهبه.
وهذا الأثر يوجد ههنا في أكثر النسخ المصرية، وفي جميع النسخ الهندية
يوجد في آخر هذا الباب، واقتفينا النسخ المصرية ليتصل أثرا ابن عمر
- رضي الله عنهما - ومؤداهما واحد، هو تنويع الكفارة بتنويع الأيمان.
وفي (التعليق الممجد))(٢): الأصل فيه قوله عز اسمه: ﴿فَكَفَّرَتُهُ، إِطْعَامُ
(١) ((شرح الزرقاني)) (٦٦/٣).
(٢) (١٥٥/٣).
٦٤٤
----

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٨) باب
(١٠١١) حديث
عَشَرَةِ مَسَلِكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَو كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَّحْرِيُرُ رَقَبَّةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ
فَصِيَامُ ثَثَةِ أَيَّامٍ﴾(١) فخيّر الله تعالى بين الإطعام، والكسوة، والتحرير،
وأوجب على العاجز منها الصيام، وهذا هو مذهب الجمهور.
وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - يفصل بأن من حلف مؤكداً، ثم حنث
فعليه عتق رقبة، أو كسوة العشرة، ومن لم يؤكد فعليه الإطعام، فإن عجز،
فالصيام لكونه التحرير. والكسوة أكثر مؤنة، وأعظم قيمة، فيناسب الأعظم
بالأعظم جرماً، والأخف بالأخف، ولعل هذا التحكم منه إرشادي مبنيٌّ على
مصلحة شرعية، وإلا فظاهر الكتاب التخيير بين الثلاثة مطلقاً، انتهى.
وقال الباجي(٢): لعل ابن عمر - رضي الله عنهما - كان يعتقد الأمرين
جميعاً، فكان يرى في تأكيدها أن يأخذ ذلك بأرفع الكفارات، وهو العتق، أو
يرفع عن أدنى الكفارات الذي هو الإطعام إلى ما هو أرفع وهو الكسوة، وإنما
ذلك من عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - على وجه الاستحباب، انتهى.
وقال شيخ مشايخنا في ((المسوّى))(٣): ذهب ابن عمر - رضي الله عنهما -
إلى أنّ أو، ههنا للتقسيم، لا للتخيير، وتعقبه عامة أهل العلم بالقياس الجلي
على فدية الحلق في الإحرام، فقالوا: يتخير الرجل بين هذه الثلاثة، فإن عجز
عنها صام، انتهى.
قال الموفق(٤): أجمع أهل العلم على أن الحانث في يمينه بالخيار، إن
شاء أطعم، وإن شاء كسا، وإن شاء أعتق، أي ذلك فعل أجزأ؛ لأن الله تعالى
(١) سورة المائدة: الآية ٨٩.
(٢) ((المنتقى)) (٢٥٤/٣).
(٣) (٤٠٨/٢).
(٤) (المغني)) (١٣ /٥٠٦).
٦٤٥

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٨) باب
(١٠١١) حديث
وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ
يَسَارِ، أَنَّهُ قَالَ: أَدْرَكْتُ النَّاسَ وَهُمْ إِذَا أَعْطَوْا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ،
أَعْطَوْا مُدَّا مِنْ حِنْطَةٍ بِالْمُدِّ الْأَصْغَرِ، وَرَأَوْا ذُلِكَ مُجْزِئَاً عَنْهُمْ.
عطف بعض هذه الخصال على بعض بحرف أو، وهو للتخيير، وقال
ابن عباس: ما كان في كتاب الله أو فهو مخيّر، وما كان من لم يجد فالأول
الأول، ذكره الإمام أحمد في ((التفسير))، انتهى.
قلت: وروى ذلك عن ابن عباس غير واحد كما في ((الدر المنثور)(١)
وغيره، ولعله لم يذكر خلاف ابن عمر المذكور لحمله على الإرشاد والأولوية،
كما تقدم في كلام الباجي وغيره.
(مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن سليمان بن يسار) بتحتية
ومهملة خفيفة أحد الفقهاء (أنه قال: أدركت الناس) قال الباجي(٢): يحتمل أن
يريد بالمدينة؛ لأنها داره، وبها كان علماء الصحابة الذين أدركهم، وأشار
إليهم بقوله: أدركت الناس (وهم إذا أعطوا) طعاماً (في كفارة اليمين أعطوا)
جزاء الشرط (مداً من الحنطة بالمد الأصغر) يريد مد النبي وَلّ؛ لأنه أصغر من
مد هشام، وكان المعروف في الحجاز مُدَّين: مد النبي ◌َّرَ، وهو أصغرهما،
ومُدّ هشام، وهو أكبرهما، قاله الباجي، وتقدم ذلك مبسوطاً في ((أبواب
الفطر))، وتقدم فيه قول مالك أنه قال: الكفارات كلها، وزكاة الفطر، وزكاة
العشور كل ذلك بالمد الأصغر مُدِّ النبي ◌َّ إلا الظهار، فإن الكفارة فيه بالمد
الأعظم مُدِّ هشام، انتهى.
(ورأوا ذلك) أي الأداء بالمد الأصغر (مجزئاً عنهم) قال الباجي:
والإطعام في كفارة اليمين مد بمد النبي ◌َّ، وهذا في المدينة لضِيْق أقوات
(١) ((الدر المنثور)) (١٤٠/٣).
(٢) ((المنتقى)) (٢٥٦/٣).
٦٤٦

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٨) باب
(١٠١١) حديث
قَالَ مَالِكٌ: أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي الَّذِي يُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِهِ
بِالْكِسْوَةِ، أَنَّهُ إِنْ كَسَا الرِّجَالَ، كَسَاهُمْ ثَوْباً ثَوْباً، وَإِنْ كَسَا النِّسَاء
كَسَاهُنَّ ثَوْبَيْنِ ثَوْبَيْنِ: دِرْعاً
أهلها، واختار أشهب بمصر مداً وثلثاً، واختار ابن وهب مداً ونصفاً، لكل
مسكين لسعة الأقوات بها، ولو أخرج مداً أجزأه، انتهى. وسيأتي كلام الباجي
في إطعام الحنطة قريباً .
(قال مالك: أحسن ما سمعت في الذي يُكفّرُ عن يمينه بالكسوة) أي يختار
التكفير بالكسوة؛ فيعطيهم ما يكفيهم لصلاتهم وتفصيله (أنه إن كسا الرجال) أي
أعطى الكسوة الذكور (كساهم ثوباً ثوباً) بالتكرير، أي يعطي كل واحد من
العشرة ثوباً ثوباً .
قال الباجي(١): وذلك يكون على ضربين: أحدهما القميص الذي يستر
العورة والجسد، وهذا يشتمل على فرض لباس الصلاة وفضله، وإن أعطاه
إزاراً، فقد قال ابن حبيب: إن شاء أعطاه إزاراً يبلغه أن يلتحف به مشتملاً،
وهذا على معنى القميص أيضاً، وأما الإزار الذي يمكن (٢) الاشتمال به، لكن
يمكن الاتّزار، فلم أر فيه نصاً لأصحابنا .
والأظهر عندي: أنه لا يجزئ؛ لأنه لا ينطلق عليه اسم كسوة، وإن كسا
صبياً صغيراً، فقد قال ابن حبيب: يعطي كل صغير مثل كسوة الكبير، وقاله
ابن المواز، وروى ابن المواز عن ابن القاسم: أنه لم يعجبه كسوة الأصاغر
بحالٍ، وكان يقول: من أخذ منهم بالصلاة، فله أن يكسوه قيمصاً مما يجزيه،
فعلى هذا يعطي الصغير، الذي بلغ هذا الحد قميصاً دون قميص الرجل، انتهى
مختصراً .
(وإن كسا النساء كساهن ثوبين ثوبين) لكل واحدة منهن (درعاً) أي قميصاً
(١) ((المنتقى)) (٢٥٨/٣).
(٢) كذا في الأصل، والصواب عندي ((الذي لا يمكن)) اهـ، ((ش)).
٦٤٧

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٨) باب
(١٠١١) حديث
وَخِمَاراً. وَذُلِكَ أَدْنَى مَا يُجْزِئ كُلِّ فِي صَلَاتِهِ.
(وخماراً) بكسر الخاء المعجمة، قال الباجي: أما المرأة فنص أصحابنا على أن
يكسوها قميصاً وخماراً؛ لأنه لا تجزئها الصلاة بأقل من ذلك، ومن النساء
الطويلة والقصيرة، فيجزئ بعضهن من القمص في الصلاة لقصرها ما لا يجزئ
بعضهن لطولها، والذي عندي: أنه إنما يُعْطي كل واحدة منهن ما يستر عورتها
في صلاتها .
وإذا كانت المرأة صغيرة، فقد روى عيسى عن ابن القاسم إن كَسَا صغارَ
الإناث فليعطهن درعاً وخماراً، والكفارة واحدة، لا ينقص منها لصغير، ولا
يزاد لكبير، وروى ابن المواز عن أشهب: تُعْطَى الصبية التي لم تبلغ الصلاة
الدرع دون خمار، فإذا بلغت الصلاة أعطيت الدرع والخمار، وقال ابن حبيب:
يُعْطَى صغار الإناث ما يُعطى الرجال قميصاً كبيراً، انتهى.
(وذلك) أي المذكور من الثوب للرجل، والثوبين للمرأة (أدنى ما يجزئ
كلا) منهما (في صلاته).
اعلم أن المصنف - رحمه الله - أجمل الكلام على أنواع الكفارة، وهي
كثيرة الفروع، وطويلة الأذيال، ونذكر منها ما لا بد من معرفتها لطالب
الحديث، والأصل فيه، كما تقدم قوله عز اسمه: ﴿فَكَفَّارَتُهُ، إِطْعَامُ عَشَرَةِ
مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾(١) الآية.
وفيه: عدة أبحاث.
الأول: أي فائدة في تقديم الطعام على العتق، مع أن العتق أفضل لا
محالة؟، وأجيب بوجوه، أحدها: أن المقصود منه التنبيه على أن هذه الكفارة
وجبت على التخيير، لا على الترتيب؛ لأنها لو وجبت على الترتيب لوجبت
البداءة بالأغلظ .
(١) سورة المائدة: الآية ٨٩.
٦٤٨

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٨) باب
(١٠١١) حديث
وثانيها: قدم الإطعام؛ لأنه أسهل؛ لكونه أعم وجوداً، والمقصود التنبيه
على أنه تعالى يراعي التخفيف، والتسهيل في التكاليف، وثالثها: أن الإطعام
أفضل؛ لأن الحر الفقير قد لا يجد الطعام، ولا يجد هناك من يعطيه فيقع في
الضرر، وكذا في ((التفسير الكبير)) (١) الرازي، وتقدم قريباً الإجماع على التخيير
في الثلاثة خلافاً لما حكي عن ابن عمر، وقول الموفق: لا نعلم خلافاً في
التخيير .
والثاني: في مقدار الإطعام، قال الخرقي(٢): هو لكل مسكين مد من
حنطة، أو مدان تمراً أو شعيراً، وفي ((التفسير الكبير)): قال الشافعي: نصيب
كل مسكين مد، وهو ثلثا مد، وهو قول ابن عباس، وزيد بن ثابت، والحسن،
والقاسم، وقال أبو حنيفة: الواجب نصف صاع من الحنطة، وصاع من غيرها،
انتھی .
وتقدم ما قال الباجي: إن الإطعام في كفارة اليمين مد بمد النبي ◌َّ في
المدينة، واختار أشهب بمصر مداً وثلثاً، واختار ابن وهب مداً ونصفاً، انتهى.
وقال الدردير(٣): لكل واحد مُدُّ مما يخرج في زكاة الفطر، ونُدِب بغير
المدينة زيادة ثلثه، قاله أشهب، أو نصفه، قاله ابن وهب، وعند الإمام الزيادة
بالاجتهاد، لا بحد، وهو الوجه، قال الدسوقي: لكن ظاهر ((المدونة)) أن مالكاً
- رضي الله عنه - يقول بوجوب الزيادة، وقوله: ((لغير المدينة))، أما أهل
المدينة فلا يندب لهم الزيادة، انتهى.
والثالث: في أنواع الأطعمة، وتقدم عن الدردير: أنهُ مدٌ مما يخرج في
(١) (١٢/ ٧٣ - ٧٨).
(٢) انظر: ((المغني)) (٥٠٩/١٣).
(٣) ((الشرح الكبير)) (١٣٢/٢).
٦٤٩

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٨) باب
(١٠١١) حديث
زكاة الفطر، قال الدسوقي: وهي الأنواع التسعة: القمح، والشعير، والسلت،
والزبيب، والدخن، والذرة، والأرز، والعلس(١)، والتمر، وهذه طريقة
لبعضهم. والطريقة الثانية: أن المد إنما يعتبر إذا أخرج من البر، وأما إذا
أخرج من الشعير، أو التمر، أو غير ذلك، فليخرج وسط الشبع، انتهى. وذكر
محشيه: أن الصواب بدل العلس الأقط، انتهى.
وفي ((الروض المربع))(٢): في كفارة الظهار: يجزئ التكفير بما يجزئ في
فطرة من بر، وشعير، وتمر، وزبيب، وأقط، ولا يجزئ غيرها، ولو قوت
بلده، انتھی.
وقال الموفق(٣) في كفارة اليمين: أما مقدار ما يعطى كل مسكين وجنسه
فقد ذكرناه في ((باب الظهار))، ونص الخرقي على أنه يجزئ الدقيق، والخبز،
ونص عليه أحمد أيضاً، وروي عنه: لا يجزئ الخبز، هو قول مالك
والشافعي .
ولنا: ما روى الإمام في (تفسيره)) عن ابن عمر ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ
أَهْلِيكُمْ﴾، قال: الخبز، واللبن، وفي رواية عنه قال: الخبز، والتمر، والخبز،
والزيت، والخبز، والسمن، انتهى.
وقال الباجي(٤) في ذيل القول السابق: قوله: ((أعطوا مُدّاً من حنطة)) نص
على تجويز إخراج الحنطة، ولا خلاف فيه، والذي يخرج في ذلك من الطعام،
ما يقتاته الناس غالباً، ولا يستعمل غالباً إلّا على وجه القوت، كالقمح،
والشعير، وغيرهما، أما القمح فمن أخرجه أجزأه؛ لأنه أفضل ما يتقوّت، وأما
(١) قوله: العلس الصواب إبداله بالإقط .
(٢) ((الروض المربع)) (١٩٩/٣).
(٣) ((المغني)) (٥٠٩/١٣).
(٤) ((المنتقى)) (٢٥٧/٣).
٦٥٠
--

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٨) باب
(١٠١١) حديث
الشعير، فإن كان يأكل الشعير، وقُوْتُ الناس القمح، فإن كان ذلك لفقرٍ
أجزأه؛ لأنه قُؤْته على الحقيقة، وإن كان ذلك لبخل، وهو يقدر على الحنطة لم
يجزه إلا الحنطة، حكاه ابن حبيب عن أصبغ.
وقال ابن المواز: يخرج مما يأكل، وأما الدقيق، فإنه يجزئ إذا أعطى
منه قدر ريعه، وكذلك الخبز في الكفارات التي يطعم فيها، قاله ابن حبيب عن
أصبغ، انتھی.
والإطعام عند الحنفية كالفطرة قدراً ومصرفاً، أو قيمة ذلك من غير
المنصوص، كما في (الدر المختار))(١).
الرابع: الواجب: التمليك فقط عند الشافعي، وأحمد - رحمهما الله -،
ويجوز الإباحة أيضاً عند مالك، والحنفية، قال الرازي في ((تفسيره)) قال
الشافعي - رحمه الله -: الواجب تمليك الطعام، وقال أبو حنيفة - رضي الله
عنه -: إذا غَدَّى، وعَشّى عشرة مساكين جاز، حجة الشافعي: أن الواجب في
هذه الكفارة أحد الأمور الثلاثة: الإطعام، أو الكسوة، أو الإعتاق، وأجمعنا
على أن الواجب في الكسوة التمليك، فوجب أن يكون في الإطعام أيضاً.
وحجة أبي حنيفة: أن الآية دلت على أن الواجب الإطعام، والتغدية
والتعشية هما إطعام بدليل قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ، مِسْكِينًا وَيَقِيمًا﴾
الآية، وقال: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ وإطعام الأهل يكون بالتمكين، لا
بالتمليك، وفي كفارة الظهار من ((الروض المربع)): إن غَدَّى المساكين، أو
عَشّاهم، لم يُجزئه لعدم التمليك، انتهى.
قال الدردير (٢): أو لكل رطلان خبزاً بإدام ندباً، فيجزئ بلا إدام على
(١) (٥٢٦/٣).
(٢) ((الشرح الكبير)) (١٣٢/٣).
٦٥١

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٨) باب
(١٠١١) حديث
الراجح، والتمر والبقل إدام كشبعهم مرتين، كغداء، وعشاء، أو غدائين، أو
عشاءين، وسواء توالت المرتان أم لا، فصل بينهما بطول أم لا، مجتمعين
العشرة، أو متفرقين متساويين في الأكل أم لا، والمعتبر الشبع الوسط في
المرتين، ولو أكلوا أكثر من العشرة الأمداد في كل مرة، أو لم يبلغ الأمداد
العشرة، انتهى.
وفي (الدر المختار))(١): وإن أراد الإباحة فغدّاهم، وعَشَّاهم، أو غدّاهم
وأعطاهم قيمة العشاء أو عكسه أو أطعمهم غداءين أو عشاءين، أو عشاء
وسحوراً، وأشبعهم جاز بشرط إدام في خبز شعيرٍ وذرة لا بُرِّ، انتهى.
والخامس: ما في ((التفسير الكبير)): قال الشافعي: لا يجزئ إلا إطعام
عشرة، وقال أبو حنيفة - رضي الله عنه -: لو أطعم مسكيناً واحداً عشرة أيام
جاز، انتهى.
وقال الموفق(٢): المُكَفِّرُ لا يخلو من أن يجد المساكين بكمال عددهم،
أو لا يجد، فإن وجدهم لم يجزئه إطعام أقل من عشرة في كفارة يمين، وبهذا
قال الشافعي، وأبو ثور، وأجاز الأوزاعي دفعها إلى واحد، وقال أبو عبيد: إن
خص بها أهل بيت شديدي الحاجة جاز. وقال أصحاب الرأي: يجوز أن
يُرَدِّدَها على مسكين واحد في عشرة أيام، ولا يجوز دفعها إليه في يوم واحد،
وحكاه أبو الخطاب رواية عن أحمد أنه في كل يوم أطعم مسكيناً ما يجب
للمسكين. فأجزأ كما لو أعطى غيره.
والحال الثاني: العاجز عن عدد المساكين كلهم، فإنه يُرَدِّدُ على
الموجودين منهم في كل يوم حتى تتم عشرة، فإن لم يجد إلا واحداً رَدَّد عليه
(١) ((الدر المختار)) (٥٢٦/٣).
(٢) («المغني)) (٥١٣/١٣).
٦٥٢

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٨) باب
(١٠١١) حديث
تتمة عشرة أيام، وإن وجد اثنين ردّد عليه خمسة أيام، ونحو هذا قال الثوري،
وهو اختيار أكثر الأصحاب، وعن أحمد رواية أخرى: لا يجزئه إلا كمال
العدد، وهو مذهب مالك والشافعي، انتهى.
وقال الدردير(١): لا يجزئ مكرر من طعام، أو كسوة لمسكين كخمسة
يطعم كل واحد مدّين، أو يُكْسَى كل واحد ثوبين، قال الدسوقي: قوله:
((مكرر)) أي: تكفير مكرر لمسكين عند الأئمة الثلاثة لوجوب العدد بالتصريح،
وأجاز أبو حنيفة دفعها لواحد؛ لأن المقصود منها: سدُّ الخلة لا محلها، فمتى
سد عشر خلات، ولو في واحد فقد أتى بالمطلوب، انتهى.
قلت: ويجوز عند الحنفية أن يطعم واحداً عشرة أيام كما صرح في
فروعهم سواء وجد غيره أم لا .
السادس: ما في ((المغني))(٢): أن الطفل الذي لم يطعم الطعام لا يجوز
دفع الكفارة إليه في ظاهر كلام الخرقي، والقاضي، وهو ظاهر قول مالك،
وإحدى الروايتين عن أحمد، والأخرى له: يجوز، ويقبض له وليه، وهو الذي
ذكره أبو الخطاب في المذهب، قال: وهو قول أكثر الفقهاء، وهو مذهب
الشافعي، وأصحاب الرأي، انتهى.
وفي ((المنتقى))(٣): قال ابن حبيب: لا يجزئ أن يغدِّي الصغار،
ويُعَشِّيَهم، ولكن إن أعطاهم فليعطهم ما يعطي الكبار، ويجزئه أن يعطى الصغير
من الطعام المصنوع مثل ما يأكل الكبير، قال ابن الموّاز: إذا كان فطيماً،
ومعنى ذلك: أنه إذا كان يرضع لم يتغَذّ الطعام، ولا يتأتى بيعه في الأغلب،
(١) (الشرح الكبير)) (١٣٣/٢).
«المغني)) (٥٠٨/١٣).
(٢)
(٣) (٢٥٧/٣).
٦٥٣

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٨) باب
(١٠١١) حديث
فكان حكمه أن يدفع إليه حنطة يتأتى له بيعها، وانتفاعه بها في غير القوت، أو
ادّخارها إلى أن تضاف إلى مثلها .
وقال الدردير(١): الرضيع كالكبير في الكسوة، والإطعام بنوعيه الأمداد
والخبز بشرط أن يأكل الطعام، وإن لم يستغن به عن اللبن على الأصح،
فيعطى رطلين خبزاً، ولو لم يأكله إلا في مرات، ولا يكفي إشباعه المرتين إلا
إذا استغنى عن اللبن، ويعطى كسوة كبير، انتهى.
وفي ظهار ((الشامي)) عن ((البدائع)): إطعام الصغير عن الكفارة جائز
بطريق التمليك، لا الإباحة، انتهى.
..
والسابع: ما في ((الكبير)): أن الكسوة في اللغة معناها: اللباس، وهو كل
ما يكتسى به، فأما التي تجزئ في الكفارة، فهو أقل ما يقع عليه اسم الكسوة:
إزار، أو رداء، أو قميص، أو سروال، أو عمامة، أو مقنعة ثوب واحد لكل
مسلم، وهو قول ابن عباس، وحسن، ومجاهد، وهو مذهب الشافعي، انتهى.
ساس۔ ۔
وقال الموفق(٢): لا خلاف في أن الكسوة أحد أصناف كفارة اليمين،
ولا تدخل في كفارة غير كفارة اليمين، ولا يجزئه أقل من كسوة عشرة، وتتقدر
الكسوة بما تجزئ الصلاة فيه، فإن كان رجلاً، فثوب تجزئ الصلاة فيه، وإن
كانت امرأة فدرع وخمار، وبهذا قال مالك، وممن قال: لا تجزئ السراويل
الأوزاعي، وأبو يوسف، وقال إبراهيم: ثوب جامع، وقال الحسن: كل
مسكين حُلّة؛ إزار، ورداء، وقال ابن عمر، وعطاء، وطاووس، ومجاهد،
وعكرمة، وأصحاب الرأي: يجزئه ثوب ثوب، ولم يفرقوا بين الرجل والمرأة،
وقال الشافعي: يجزئه أقل ما يقع عليه الاسم من سراويل، أو إزار، أو
عمامة، أو مقنعة، وفي القلنسوة: وجهان، انتهى.
(١) ((الشرح الكبير)) (١٣٢/٢).
(٢) ((المغني)) (٥١٥/١٣).
٦٥٤

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٨) باب
(١٠١١) حديث
وقال الدردير(١): وكسوتهم، أي: العشرة، ويكفي الملبوس الذي فيه
القوة على الظاهر، أي فلا يشترط أن تكون جديدة للرجل ثوب يستر جميع
جسده لا إزار أو عمامة، وللمرأة درع، أي: قميص ساتر، وخمار، ولو كانت
الكسوة غير وسط كسوة أهل بلده بل دون كسوتهم، بخلاف الطعام، فإن
المعتبر فيه عيش أهل البلد، انتهى بزيادة من ((الدسوقي)).
وفي ((الدر المختار)) (٢): أو كسوتهم بما يصلح للأوساط، وينتفع به فوق
ثلاثة أشهر، ويستر عامة البدن، فلم يجز السراويل، قال ابن عابدين: قوله:
(ينتفع به فوق ثلاثة أشهر)) لأنها أكثر نصف مدة الثوب الجديد كما في
((الخلاصة)) فلا يشترط كونه جديداً، وقوله: ((يستر عامة البدن)) أي: أكثره،
كالملاءة، والجبة، والقميص، وهذا بيان لأدناه عندهما، وعند محمد: ما
تجوز فيه الصلاة، وعليه فيجزئ دفع السراويل عنده للرجل، لا للمرأة، وقوله:
((فلم يجز السراويل))؛ لأن لابسه يسمى عرياناً عرفاً، ولا تجزئ العمامة إلا إن
أمكن أن يتخذ منها ثوب مجزء، وأما القلنسوة فلا تجوز بحال، ولا بد للمرأة
من خمار مع الثوب، انتهى.
والثامن: ما في ((المغني))(٣): إذا أطعم بعض المساكين، وكسى الباقين
بحيث يستوفي العدد أجزأه في قول إمامنا، والثوري، وأصحاب الرأي، وقال
الشافعي: لا يجزئه، انتهى. وقال الباجي(٤): إذا كفر بالكسوة، أو الإطعام،
فالمختار أن تكون الكفارة كلها كسوة، أو طعاماً، فإن كسا خمسة، وأطعم
خمسة، فاختلف قول ابن القاسم فيه، فقال: يجزئه، وأظنه قول مالك، وقال:
(١) ((الشرح الكبير)) (١٣٢/٢).
(٢) (٢٨/٤) .
(٣) ((المغني)) (٥٣٦/١٣).
(٤) ((المنتقى)) (٣٥٨/٣).
٦٥٥

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٨) باب
(١٠١١) حديث
لا يجزئه، قال أشهب: ويضيف إلى ما شاء منها تمام العشرة، انتهى.
وقال الدردير(١): لا تجزئ الكفارة ملفقة من نوعين فأكثر: كإطعام مع
كسوة، وأما من صنفي نوع فيجزئ في الطعام، فيجوز تلفيقها من الأمداد،
والأرطال، والشبع، قال الدسوقي: وغير الطعام لا يتأتى فيه أصناف، وجميع
أفراد الكسوة صنف واحد، انتهى.
وقال الخرقي: إن أعتق نصف عبد، وأطعم خمسة مساكين، أو كساهم
لم يجزه. قال الموفق(٢): لا نعلم في هذا خلافاً؛ لأن مقصودهما مختلف
متباين، إذْ كان القصد من العتق تكميل الأحكام، وتخليص المعتوق من الرق،
والقصد من الإطعام والكسوة سد الخلة، وإبقاء النفس بدفع المجاعة في
الطعام، وستر العورة، ودفع ضرر الحر والبرد في الكسوة، فلتقارب معناهما،
واتحاد مصرفهما جَرَيَا مجرى الجنس الواحد، بخلاف العتق، انتهى.
والتاسع: قال الخرقي: لو أعطاهم مكان الطعام أضعاف قيمته ورقاً لم
يجزئه، قال الموفق(٣): لا يجزئ في الكفارة إخراج قيمة الطعام، ولا الكسوة
في قول إمامنا، ومالك، والشافعي، وأجاز الأوزاعي، وأصحاب الرأي،
انتھی .
والعاشر: في مصرف الكفارة، قال الموفق(٤): يعتبر في المدفوع إليهم
أربعة أوصاف: أن يكونوا مساكين، وهم الصنفان اللذان تدفع إليهم الزكاة.
المذكوران في أول أصنافهم في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ﴾
(١) ((الشرح الكبير)) (١٣٣/٢).
(٢) («المغني)) (٥٣٩/١٣).
(٣) (٥١١/١٣).
(٤) (٥٠٦/١٣).
٦٥٦

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٨) باب
(١٠١١) حديث
والفقراء مساكين وزيادة؛ لكون الفقير أشدّ حاجة من المسكين. والثاني: أن
يكونوا أحراراً، فلا يجوز دفعها إلى عبد، ولا مكاتب، ولا أم ولد، وبهذا قال
مالك والشافعي، واختار الشريف أبو جعفر جواز دفعها إلى مكاتب نفسه
وغيره .
وقال أبو الخطاب: يتخرّج جواز دفعها إليه بناء على جواز إعتاقه في
كفارته، والثالث: أن يكونوا مسلمين، فلا يجوز صرفها إلى كافر، ذمياً كان،
أو حربياً، وبذلك قال الحسن، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وإسحاق،
وأبو عبيد، وقال أبو ثور، وأصحاب الرأي: يجوز دفعها إلى الذمي، وروي
هذا عن الشعبي، وخرجه أبو الخطاب وجهاً في المذهب بناء على جواز إعتاقه
في الكفارة، وقال الثوري: يعطيهم إن لم يجد غيرهم.
والرابع: أن يكونوا قد أكلوا الطعام، فإن كان طفلاً لم يطعم، لم يجز،
قلت: تقدم الكلام على الطفل قريباً في ((البحث السادس)).
ثم قال الموفق: ويعطي من أقاربه من يجوز أن يعطيه من زكاة ماله،
وبهذا قال الشافعي، وأبو ثور، ولا نعلم فيه مخالفاً، وكل من يمنع من الزكاة
من الغني، والكافر، والرقيق يمنع أخذ الكفارة، وهل يمنع بنو هاشم؟ فيه
وجهان: أحدهما: يمنعون منها؛ لأنها صدقة واجبة قياساً على الزكاة،
والثاني: لا يمنعون؛ لأنها لم تجب بأصل الشرع، فأشبهت صدقة التطوع،
انتھی .
وقال الدردير(١): إطعام عشرة مساكين، والمراد بالمسكين: ما يعم
الفقير، وشرطه: الحرية، والإسلام، وعدم لزوم نفقته على المخرج، قال
الدسوقي: وحينئذ فلا يجوز أن يدفع منها الرجل لزوجته، أو ولده الفقير،
ويجوز أن تدفع الزوجة منها لزوجها، وولدها الفقيرين، انتهى.
(١) ((الشرح الكبير)) (١٣٢/٢).
٦٥٧

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٨) باب
(١٠١١) حديث
وفي ((الدر المختار))(١): مصرفها مصرف الزكاة، فما لا، فلا، قيل: إلا
الذِّمي خلافاً للثاني، وبقوله: ((يُفتى))، قال ابن عابدين قوله: إلا الذِّمي، فإنه
لا يجوز دفع الزكاة إليه، ويجوز دفع غيره خلافاً للثاني، فعنده: لا استثناء،
انتھی .
وفي زكاة (الدر المختار)) (٢): لا يجوز صرفها إلى من بينهما أولاد أو
بينهما زوجية، وقالا: تدفع هي لزوجها، ولا إلى مملوك المزكي، ولو مكاتباً،
أو مدبراً، ولا إلى بني هاشم، وجازت التطوعات من الصدقات، والأوقاف
لهم، قال ابن عابدين: قيد بها ليخرج بقية الواجبات: كالنذر، والعُشر،
والكفارات، وجزاء الصيد، إلا خمس الركاز، فإنه يجوز صرفه إليهم.
ثم قال: قال الحصكفي: ولا تدفع إلى ذمي، وجاز دفع غيرها، وغير
العشر، والخراج إلى الذمي، ولو واجباً: كنذر، وكفارة، وفطرة خلافاً
للثاني، وبقوله يفتى، وأما الحربي، ولو مستأمناً، فجميع الصدقات لا تجوز
له اتفاقاً .
قال ابن عابدين: قوله ((خلافاً للثاني)): حيث قال: إن دفع سائر
الصدقات الواجبة إليه، لا يجوز اعتباراً بالزكاة، وصرح في ((الهداية))،
وغيرها: أن هذا رواية عن الثاني، وظاهره أن قوله المشهور كقولهما، وقوله:
(به يفتى)) الذي في حاشية ((الخير الرملي)) عن ((الحاوي)) وبقوله نأخذ، لكن
كلام ((الهداية)) وغيرها يفيد ترجيح قولهما، وعليه المتون، انتهى.
والحادي عشر: ما في ((المغني))(٣): إن دفعها إلى من يظنه مسكيناً فبان
(١) ((الدر المختار)) (٣٠/٤).
(٢) (٣٤٤/٣).
(٣) (٥١٤/١٣).
٦٥٨
---
1 ----------- -

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٨) باب
(١٠١١) حديث
غنياً، ففي ذلك وجهان بناءً على الروايتين في دفع الزكاة إليه، أحدهما: لا
يجزئه، وهو قول الشافعي، وأبي يوسف، وأبي ثور، وابن المنذر؛ لأنه لم
يطعم المساكين، فلم يجزئه كما لو علم، والثاني: يجزئه، وهو قول أبي حنيفة،
ومحمد؛ لأنه دفعها إلى من يظنه مسكيناً، وظاهره المسكنة، فأجزأه كما لو لم
يعلم حاله، وهذا لأن الفقر يخفى، وتشق معرفة حقيقته، قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَآءِ
الَّذِينَ أُحْصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ
الْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَقُّفِ﴾(١) فوجب أن يكتفي بظهوره وظنه.
وكذلك لما سأل الرجلان من النبي و 18 الصدقة، قال: ((إن شئتما
أعطيتكما منها، ولاحظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب))(٢)، وإن بان كافراً، أو
عبداً، لم يجزئه وجهاً واحداً، كقولنا في الزكاة؛ لأن ذلك لا يكاد يخفى،
وليس هو في مظنة الخفاء، انتهى.
وفي زكاة ((الدر المختار)): دَفَعَ بتحرِّ لمن يظنه مصرفاً، فبان أنه عبده، أو
مكاتبه، أو حربي أعادها، وإن بان غناه، أو كونه ذمياً، أو أنه أبوه، أو ابنه،
أو امرأته، أو هاشمي لا يعيد، انتهى.
والثاني عشر: ما في ((المغنى))(٣): أن إعتاق الرقبة أحد خصال الكفارة
بغير خلاف لنص الله تعالى، ويعتبر فيها ثلاث أوصاف: أحدها: أن تكون
مؤمنة في ظاهر المذهب، وهو قول مالك، والشافعي، وأبي عبيد، وعن أحمد
رواية أخرى أن الذمية تجزئ، وهو قول عطاء، وأبي ثور، وأصحاب الرأي؛
لقوله تعالى: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وهذا مطلق فتدخل فيها الكافرة.
(١) سورة البقرة: الآية ٢٧٣.
(٢) أخرجه أبو داود (١٦٣٣)، والنسائي (٢٥٩٧).
(٣) (٥١٧/١٣).
٦٥٩

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٨) باب
(١٠١١) حديث
ولنا: أنه تحرير في كفارة، فلا تجزئ فيها كافرة ككفارة القتل، انتهى.
وفي ((الهداية)) (١): كفارة اليمين: عتق رقبة يجزئ فيها ما يجزئ في
الظهار، قال ابن الهمام: وتقدم المجزئ في الظهار من أنها المسلمة،
والكافرة، والذكر، والأنثى، والصغيرة، ولا يجزئ فائت جنس المنفعة بخلاف
غيره، انتھی.
والثالث عشر: ما قال الموفق: الوصف الثاني: أن تكون قد صامت
وصلت، وهذا قول الشعبي، ومالك، وإسحاق، وقال القاضي: لا يجوز من له
دون السبع؛ لأنه لا تصح منه العبادات في ظاهر كلام أحمد، وظاهر كلام
الخرقي المعتبر: الفعل دون السِنِّ، فمن صلى، وصام ممن له عقل يَعْرِفُ
الصلاة، والصيام، ويتحقق منه الإتيان بنيته، وأركانه، فإنه يجزئ في الكفارة،
وإن كان صغيراً، ومن لم يوجد منه، لم يجزئ في الكفارة، وإن كان كبيراً.
وقال أبو بكر، وغيره من أصحابنا: يجوز إعتاق الطفل في الكفارة، وهو
قول الحسن، وعطاء، والزهري، والشافعي، وابن المنذر؛ لأن المراد بالإيمان
هاهنا: الإسلام بدليل إعتاق الفاسق، قال الثوري: المسلمون كلهم مؤمنون
عندنا في الأحكام، ولا ندري ما هم عند الله، ولذا تعلق حكم القتل بكل
مسلم بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَلَلَ مُؤْمِنًا خَطًَا﴾ والصبي محكوم بإسلامه، يرثه
المسلمون ويرثهم، ويدفن في مقابر المسلمين.
وقال القاضي في موضع: يجزئ إعتاق الصغير في جميع الكفارات، إلا
كفارة القتل فإنها على روايتين، وقال إبراهيم النخعي: ما كان في القرآن من
رقبة مؤمنة، فلا يجزئ فيه إلا ما صام وصلى، وما كان من رقبة ليست بمؤمنة،
فالصبي يجزئ، ونحوه قول الحسن، وقال مجاهد، وعطاء في قوله تعالى:
(١) (٣١٩/١).
٦٦٠