Indexed OCR Text
Pages 581-600
٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٤) باب (١٠٠٥) حدیث يَقُولُ: أَتَتِ امْرَأَةٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَتْ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَنْحَرَ ابْنِي. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: لَا تَنْحَرِي ابْنَكِ، وَكَفِّرِي عَنْ يَمِينِكِ. عبد الرحيم عن يحيى بن سعيد عن القاسم، قال: كنت عند ابن عباس فجاءته امرأة ... الحديث (يقول: أتت امرأة) لم تُسَمَّ (إلى عبد الله بن عباس) حِبْر الأمة (فقالت: إني نذرت أن أنحر) أي أذبح (ابني) لعلها فَهِمَتْ فيه التقرب لله تعالى (فقال ابن عباس: لا تنحري ابنك) لأنه معصيةٌ (وكَفَّرِي عن يمينك). قال الباجي(١): سمّاه يميناً لوجهين: أحدهما: لما كانت كفارته عنده كفارة يمين سماه لذلك يميناً، والثاني: أنه لعله فهم منها أنها أتت بذلك على وجه اليمين، مثل أن تقول: إن دخلت الدار فللّه علي أن أنحر ابني، انتهى. واختلفت الروايات عن ابن عباس - رضي الله عنه - في الكفارة الواجبة عند ذلك النذر، وأخرج ابن أبي شيبة(٢) برواية عامر قال: سأل رجل ابن عباس عن رجل نذر أن ينحر ابنه، قال: ينحر مائة من الإبل كما فدى بها عبد المطلب ابنه، قال: وقال غيره: كبشاً كما فدى به إبراهيم ابنه، فسألت مسروقاً فقال: هذا من خطوات الشيطان(٣) لا كفارة فيه. وأخرج برواية عكرمة عن ابن عباس في الرجل يقول: هو ينحر ابنه قال: كبش كما فدى بها إبراهيم ابنه، وبرواية الحكم عن ابن عباس في الرجل يقول: هو ينحر ابنه، قال: يهدي ديته أو كبشاً. وقال الزرقاني(٤): قوله: كَفِّري عن يمينك، أي بكفارة يمين، وروي عن ابن عباس: ينحر مائة من الإبل ديته، وروي عنه أيضاً ينحر كبشاً، كما فدى به (١) ((المنتقى)) (٢٤١/٣). (٢) ((المصنف)) (٥٠٢/٣). (٣) هكذا في ((الاستذكار)) (٥٤/١٥) ولكن جاء في ((المصنف)»: خطرات الشيطان. (٤) ((شرح الزرقاني)) (٦١/٣). ٥٨١ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٤) باب (١٠٠٥) حديث فَقَالَ شَيْخُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَكَيْفَ يَكُونُ فِي هُذَا كَفَّارَةٌ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: و﴿ الَّذِينَ وروي قوله الأول عن عثمان، إبراهيم، وتلا: ﴿وَفَدَيْنَهُ بِذِيْجِ عَظِيمٍ وابن عمر، وحجته حديث: ((لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين))، وهو حديث معلول، وروي الأخيران عن علي، قاله ابن عبد البر(١)، انتهى. (فقال شيخٌ) لم يسم، كان (عند ابن عباس: وكيف يكون في هذا كفارة؟) وهو: نذر معصية، لا يجوز الوفاء به فضلاً عن الوجوب الموجب للكفارة، قال الباجي(٢): قاله استفهاماً؛ ليبين له وجوب الكفارة في يمين، أو نذر، قد قيد بفعل، وذلك يكون على وجهين: أحدهما: أن يكون ابن عباس قد أراد كفارة اليمين، فقال له الشيخ: كيف تجب كفارة اليمين في النذر بفعل معين ليس بيمين الله، ولا نذر مبهم، فتجب فيه كفارة يمين، والثاني: أن يكون ابن عباس إنما أوجب فيه كفارة، ولم يعينها، فقال له الشيخ: كيف يجب في مثل هذا كفارة وإنما نذرت معصية؟ انتهى. (فقال ابن عباس) لا منافاة بين المعصية، ووجوب الكفارة (إن الله تعالى : قال: ﴿وَالَّذِينَ﴾) هكذا في جميع النسخ الهندية، والمصرية بالواو في أوله، والظاهر أنه سهو من الناسخ، ليست الواو في التنزيل في الآية الأولى، وهي المراد ههنا بدليل قوله ﴿مِنكُمْ﴾، فإنه ليس في الآية الثانية، وبدليل أنه ذكر الكفارة وهي في الآية الثانية بلفظ ثم، فلو كان المراد الآية الثانية لما ذكر الكفارة بلفظ التأخير، وبدليل أن غرضه بذلك الاستدلال على قبح الظهار شرعاً، وهو في الآية الأولى إذ قال الله تعالى فيها: إنه منكر وزور. وتمام التنزيل هكذا ﴿الَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِنكُم مِّن نِسَآئِهِم ◌َّا هُنَ أُمَّهَتِهِمَّ إِنْ (١) انظر: ((الاستذكار)) (٥٤/١٥). (٢) ((المنتقى)) (٢٤٢/٣). ٥٨٢ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٤) باب (١٠٠٥) حدیث يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِمْ﴾ ثُمَّ جَعَلَ فِيهِ مِن الْكِفَّارَةِ مَا رَأَيْتَ. أُمَّهَتُهُمْ إِلَّا الَّتِى وَلَدْنَهُمَّ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًّا مِّنَ اُلْقَوَّلِ وَزُورًاً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُؤُ غَفُورٌ ﴿ وَالَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِن نِسَآِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَأَ ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ، وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴿ فَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِينَ مِسْكِينَاً﴾(١). (﴿يُظَهِرُونَ مِنْكُمْ﴾) هكذا في جميع النسخ الهندية، وكذا في ((الزرقاني)) و(المنتقى))، وأما في غيرهما من المتون المصرية فبلفظ: ﴿يظَّهَّرُون منكم﴾، وهما قراءتان سبعيتان، وفيه ثلاثة قراءات، كلها سبعية، قال القرطبي: قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف: يَظَّاهرون بفتح الياء وتشديد الظاء وألف، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: يظَّهَّرون بفتح الياء وتشديد الظاء والهاء، وقرأ أبو العالية وعاصم وحسين: يُظَاهِرُون بضم الياء وتخفيف الظاء وألف وكسر الهاء، وكذا في ((الجمل)). وأصل القراءة الأولى: يتظاهرون، وأصل القراءة الثانية: يتظهرون (﴿مِن نِسَائِهِمْ﴾). قال القرطبي: حقيقة الظهار تشبيه ظهر حلال بظهر محرم، ولذا أجمع الفقهاء على أن من قال لزوجته: أنت علي كظهر أمي، أنه مظاهر، كذا في ((الجمل)). والمقصود: أنه عز اسمه فَبّح في هذه الآية الظهار، وجعله منكراً وزوراً . (ثم جعل فيه) أي في الظهار (من الكفارة ما رأيت) وفي المصرية: ((ما قد رأيت))، والمراد ما في الآية الثانية من الآيتين المذكورتين، قال الباجي(٢): يحتمل أن يريد ابن عباس بذلك أن الكفارة قد تجب في نذر ويمين يتعلق بالمحظور على وجهٍ ما، وذلك أن الظهار محظور، ولذا قال تعالى: ﴿مُنكَرًا مِنَ الْقَوَّلِ وَزُورًا﴾، ثم أوجب في ذلك الكفارة، فكذلك التي علقت يمينها بنحر ابنها، أتت بمحظور من القول، وتجب عليها في ذلك كفارة، ويحتمل أن يريد (١) سورة المجادلة: الآية ٢ - ٤. (٢) ((المنتقى)) (٢٤٢/٣). ٥٨٣ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور ... (٤) باب (١٠٠٥) حديث به أنه عليه كفارة يمين، وإن كان قولها: ((أنخَرُ ابني)) ليس من باب النذر، ولا من باب اليمين، كما تجب الكفارة على المظاهر، وإن لم يكن ما أتى به من باب النذر، ولا الیمین، انتهى. وأورد على الأثر ابن عبد البر(١) فقال: لا معنى للاعتبار في ذلك بكفارة الظهار؛ لأن الظهار ليس بنذر، ونذر المعصية جاء فيه نص النبي بَّر، قولاً في الحديث الآتي، وفعلاً في حديث جابر السابق قبل أثر ابن عباس، انتهى. وتَعَقَّبَ كلام ابن عبد البر صاحبُ ((التعليق الممجد(٢)) إذ قال: غرضه أن لا تنافي بين المعصية ووجوب الكفارة، فإن الظهار أمر قبيح عرفاً وشرعاً، وقد قال عز اسمه في حق المظاهرين: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ اُلْقَوْلِ وَزُورًاً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوُّ غَفُورٌ﴾، ثم جعل فيه الكفارة في الآية التالية. فكذلك نذر المعصية، وإن كان ممنوعاً شرعاً يلزم فيه كفارة اليمين، وبه ظهر الجواب عن كلام ابن عبد البر حيث قال: لا معنى للاعتبار في ذلك؛ بكفارة الظهار، وذلك؛ لأن الظهار، وإن لم يكن نذراً، لكنه متشارك به في كونه معصية، فإذا جاز وجوب الكفارة في الظهار، جاز في النذر بالمعصية، وهما متساويان في ورود النهي عنه صراحة أو إشارة، انتهى. واختلفت الأئمة في الواجب على من نذر نحر ابنه أو غيره، قال الباجي(٣): قال مالك في من قال لابنه، أو الأجنبي في يمين: لله عليّ أن أنحرك فحنث، فإنه على ضربين: أحدهما: أن يعلق ذلك مكان النحر مثل أن يقول: أنحرك عند مقام إبراهيم، أو عند البيت، أو المسجد، أو بمنى، أو (١) انظر: ((الاستذكار)) (٥٣/١٥). (٢) (١٧٢/٣). (٣) ((المنتقى)) (٢٤١/٣). ٥٨٤ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٤) باب (١٠٠٥) حديث بمكة، والثاني: أن يذكر موضعاً لم يشرع فيه النحر، مثل أن يقول: بالبصرة، أو بالكوفة . فأما الأول: وهو أن يعلّق نحره بموضع النحر، فقد روى ابن حبيب عن مالك: عليه الهدي، ووجه ذلك: أنه لما أخرجه مخرج النذر، وعلق ذلك بموضع النذر، علم أنه أراد به القربة، ولذا تعلق بالقربة على وجه البدل، لما ورد في ذلك من فعل إبراهيم - عليه السلام -، وما آل إليه حكمه في نحر ابنه، فلزمه في ذلك الهدي؛ لأن نحر ابنه لا يحل، فلا يتعلق به النذر، وإنما يتعلق في ذلك بما ورد به الشرع من الهدي. وأما إذا لم يسم شيئاً، فلا يخلو أن يكون له نية أو لا؟ فإن كان نوى الهدي، لزمه، وإن لم ينو الهدي، فعن مالك في ذلك روايتان: إحداهما: لا شيء عليه، والثانية: عليه كفارة يمين، وبه قال أصبغ. وجه الرواية الأولى؛ أنه نذر معصية لم يقرن بها ما يصرفها عن المعصية، فلم ينعقد نذره، كما لو نذر قتله، ووجه الرواية الثانية؛ أن هذا النذر له جهة من القربة، فإذا لم يكن مفسراً كان كالنذر المبهم، فلزمه به كفارة يمين، انتهى. وقال الدردير(١): في عليّ نَحْرُ فلانٍ، لا يلزمه شيء، ولو كان فلان قريباً له، كولده، إن لم يلفظ في نذره، أو تعليقه بالهدي، فإن لفظ به: كعلي هدي فلان، أو نحره هدياً، فعليه الهدي، أو لم ينو الهدي، فإن نواه فهو كلفظه، أو لم يذكر مقام إبراهيم، أو ينوه، أو يذكر مكاناً من الأمكنة التي يذبح فيها كمنى، أو موضع من مكة، وأو في قول المصنف: أو لم ينوه، أو لم يذكر مقام إبراهيم، بمعنى الواو، فلا يبرّ به من لزوم الهدي، إلا نفي الثلاثة، ولزوم الهدي عند وجود أحد منها، والأحب حينئذٍ، أي حين لفظ بالهدي، أو نواه، (١) ((الشرح الكبير)) (١٧١/٢). ٥٨٥ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٤) باب (١٠٠٥) حدیث أو ذكر مقام إبراهيم، أو نواه بدنة، ثم عند فقدها بقرةٌ، فإن عجز فشاة، والأحبّيّةُ منصبّةٌ على الترتيب، وإلا فالهدي في نفسه واجب، انتهى بزيادة من ((الدسوقي)). وعُلم من ذلك أن عند المالكية في ذلك تفصيلاً، فمن نقل عنهم من نقلة المذاهب عدم لزوم الكفارة في ذلك مطلقاً ليس بصحيح. وقال الموفق(١): اختلفت الرواية عن الإمام أحمد، فيمن حلف بنحر ولده، نحو أن يقول: إن فعلت كذا، فللّه علي أن أذبح ولدي، أو نذر ذبح ولده مطلقاً غير معلّق بشرط، فعن أحمد عليه كفارة يمين، وهذا قياس المذهب؛ لأن هذا نذر معصية، أو نذر لجاج، وكلاهما يُوجب الكفارة، وهو قول ابن عباس، فإنه روي عنه: في امرأة نذرت أن تذبح ابنها: لا تنحري، وكَفِّري عن يمينك، والرواية الثانية: كفارته ذبح كبش، ويطعمه المساكين، وهو قول أبي حنيفة، ويروى ذلك عن ابن عباس أيضاً؛ لأن نذر ذبح الولد جعل في الشرع، كنذر ذبح شاة، بدليل أن الله تعالى أمر إبراهيم - على نبينا وعليه الصلاة والسلام - بذبح ولده، وكان أمراً بذبح شاة، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يثبت نسخه. ودليل أنه أمر بذبح شاة أن الله لا يأمر بالفحشاء ولا بالمعاصي، وذبح الولد من كبائر المعاصي، قال تعالى: ﴿وَلَ نَفْتُلُواْ أَوْلَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَقٍ﴾(٢) وقال النبي ◌ّلـ: ((أكبر الكبائر أن تجعل الله نِداً))، قيل: ثم أيّ؟ قال: ((أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك))، وقال الشافعي: ليس هذا بشيء، ولا يجب به شيء؛ لأنه نذر معصية لا يجب الوفاء به، ولا يجوز، ولا تجب به كفارة. (١) («المغني)) (١٣ /٤٧٦). (٢) سورة الإسراء: الآية ٣١. ٥٨٦ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٤) باب (١٠٠٥) حديث ولنا: قوله ◌َ﴾: ((لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين))(١)، ولأن النذر حكمه حكم اليمين بدليل قوله وعمله: ((النذر حلفة، وكفارته كفارة يمين))، فيكون بمنزلة من حلف ليذبحن ولده، وقولهم: إن النذر لذبح الولد كناية عن ذبح كبش لا يصح؛ لأن إبراهيم عليه السلام لو كان مأموراً بذبح كبش، لم يكن الكبش فداءً، ولا كان مصدقاً للرؤيا قبل ذبح الكبش، وإنما أمر بذبح ابنه ابتلاء، ثم فدى بذبح الكبش، وهذا أمر اختصّ بإبراهيم عليه السلام لا يتعدّاه إلى غيره لحكمة علمها الله تعالى فيه، وإن نذر ذبح نفسه أو أجنبي، ففيه أيضاً عن أحمد روايتان ذبح شاة، وكفارة يمين، اهـ. وفي ((شرح المهذب)): إذا نذر ذبح ابنه، أو بنته، أو نفسه، أو أجنبي لم ينعقد نذره، ولا شيء عليه، وبهذا قال داود وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وقال مالك: إذا نذر ذبح ابنه في يمين، أو على وجه القربة لزمه الهدي. وقال أبو حنيفة وأحمد في أصح الروايتين عنه: ينعقد نذره، ويلزمه ذبح شاة للمساکین، اهـ. وفي ((الدر المختار))(٢): نذر أن يذبح ولده فعليه شاة، لقصة الخليل - عليه السلام -، وألغاه الثاني، والشافعي كنذره بقتله، ولغا لو كان بذبح نفسه أو عبده، وأوجب محمد الشاة، ولو بذبح أبيه أو جده أو أمه لغا إجماعاً؛ لأنهم ليسوا كسبه . قال ابن عابدين: قوله: ((نذر أن يذبح ولده)): المسألة منصوصة في (كافي الشهيد))، وغيره، وفي ((شرح المجمع)) و((شرح الدرر)): أنه يجب به ذبح كبش في الحرم، أو في أيام النحر في غير الحرم، وأنه يشترط لصحة النذر به (١) أخرجه أبو داود (٣٢٩٠). (٢) (٤٣/٤). ٥٨٧ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٤) باب (١٠٠٥) حديث في عامة الروايات أن يقول في النذر: عند مقام إبراهيم، أو بمكة، وفي رواية عنه: لا يشترط ذلك، وفي ((الاختيار)): لو نذر ذبح ولده، أو نحره لزمه ذبح شاة عند أبي حنيفة ومحمد. وكذا النذر بذبح نفسه، أو عبده عند محمد. وفي الوالد والوالدة عن أبي حنيفة روايتان. الأصح: عدم الصحة؛ وقال أبو يوسف وزفر: لا يصح شيء من ذلك؛ لأنه معصية، فلا يصح، ولهما في الولد مذهب جماعة من الصحابة كعلي وابن عباس، وغيرهما، ومثله لا يعرف قياساً، فيكون سماعاً؛ ولأن إيجاب ذبح الولد عبارة عن إيجاب ذبح الشاة حتى لو نذر ذبحه بمكة يجب عليه ذبح الشاة بالحرم. بيانه قصة الذبيح، فإن الله أوجب على الخليل ذبح ولده، وأمره بذبح الشاة حيث قال: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَاً﴾(١) فيكون كذلك في شريعتنا، إما لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ أَنَّبِعْ مِلَّةَ إِنْزَهِيمَ حَنِيفًا﴾(٢) أو لأن شريعة من قبلنا تلزمنا حتى يثبت النسخ، وله نظائر، وإذا كان نذر ذبح الولد عبارة عن ذبح الشاة، لا يكون معصية بل قربة، حتى قال الأسبيجابي، وغيره من المشايخ: إن أراد عين الذبح، وعرف أنه معصية لا يصح، ولمحمد في النفس، والعبد أن ولايته عليهما فوق ولايته على عبده، ولأبي حنيفة أن وجوب الشاة على خلاف القياس عرفناه بقصة الخليل، وإنما وردت في الولد فيقتصر عليه. ولو نذر بلفظ القتل لا يلزمه شيء بالإجماع؛ لأن النص ورد بلفظ الذبح، والنحر مثله، ولا كذلك القتل، ولأن الذبح والنحر وَرَدَا في القرآن على وجه القُربة والتعبد، والقتل لم يرد إلا على وجه العقوبة، والانتقام، والنهي، ولأنه لو نذر ذبح الشاة بلفظ القتل، لم يصح فهذا أولى، اهـ. (١) سورة الصافات: الآية ١٠٥. (٢) سورة النحل: الآية ١٢٣. ٥٨٨ ...- ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٤) باب (١٠٠٦) حديث ٨/١٠٠٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأَيْلِيِّ، عَنِ الْقَاسِم بْنِ مُحَمَّدِ ابْنِ الصِّدِّيقِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ قَالَ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ. ٨/١٠٠٦ - (مالك) توجد هذه الرواية في جميع النسخ المصرية من المتون والشروح، ولا توجد في شيء من النسخ الهندية، والأولى حذفها؛ لأنها ليست من رواية يحيى بن يحيى صاحب النسخة، قال ابن عبد البر: ليس عند يحيى هذا الحديث مسنداً، وقد رواه القعنبي، وأبو مصعب، وابن بكير، وسائر رواة ((الموطأ)). فقالوا: عن مالك عن طلحة إلى آخره، وما أظنه سقط عن أحد من الرواة إلا عن يحيى بن يحيى، فإني رأيته لأكثرهم، كذا في ((التنوير))(١). قال الزرقاني: قال ابن عبد البر: وما أظنه سقط عند أحد من رواة ((الموطأ)) إلا عند يحيى الأندلسي فلم يسنده، وإنما قال يحيى: سمعت مالكاً يقول: معنى قول رسول الله وَل﴿ل إلى آخره. قلت: ويوجد الحديث المسند في رواية محمد(٢) أيضاً، ولعل الباعث على ذكره من ذكر من أصحاب المتون المصرية أن كلام الإمام مالك الآتي من قوله: معنى قول رسول الله وَ ه إلى آخره مرتب على هذا المسند، لكنه لما لم يكن في رواية يحيى فكان الأولى حذفه، وذكرناه في الشرح تكميلاً للفائدة، وأسقطناه من المتن اتباعاً للنسخة . (عن طلحة بن عبد الملك الأيلي) بفتح الهمزة بعدها ياء تحتية ساكنة. من رواه البخاري والأربعة، قال الحافظ في ((التهذيب)): له عندهم حديث واحد في النذر، وفي ((التنوير)): ثقة مرضيّ حجةٌ (عن القاسم بن محمد بن) أبي بكر (الصديق عن) عمته (عائشة أن رسول الله ﴿). قال: من نذر أن يطيع الله تعالى) كنذر صلاة، وصوم، وصدقة، وحج، وغير ذلك (فليطعه) بالجزم، أي يجب (١) (ص٣٩٨). (٢) انظر: ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (١٧٠/٣). ٥٨٩ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٤) باب (١٠٠٦) حديث وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلا يَعْصِهِ)) . أخرجه البخاريّ في: ٨٣ - كتاب الأيمان والنذور، ٢٨ - باب النذر في الطاعة . قَالَ يَحْبَى: وَسَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: مَعْنَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ وَلَ: ((مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلاَ يَعْصِهِ))، أَنْ يَنْذِرَ الرَّجُلُ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى الشَّامِ، أَوْ إِلَى مِصْرَ، أَوْ إِلَى الرَّبَدَةِ، عليه وفاؤه لوجوب وفاء النذر بالكتاب، والسنة، والإجماع. (ومن نذر أن يعصي الله) كنذر الزنا، وشرب الخمر، ونحو ذلك (فلا يعصه) بصيغة النهي لحرمة ذلك، وتقدم في أول هذا الباب: لا يجوز نذر المعصية، ولا يحلّ الوفاء به إجماعاً، مع اختلافهم في موجب ذلك من الكفارة وغيرها . قال الباجي(١): ليس في الحديث إباحة النذر للمعصية، بل ذلك محظورٌ؛ وإنما بَيَّن حكم من فعل ذلك وتورّط في نذرها، فنهاه وَلّ عن المعصية؛ وإن كان قد نذرها؛ لأن النذر لا يتعلق بها، إذ النذر قربة، ولا يتقرب بالمعصية بل يتاب منها؛ وذلك مثل أن ينذر أن يشرب خمراً، أو يأكل خنزيراً، اهـ. (قال مالك) وفي النسخ المصرية: ((قال يحيى: وسمعت مالكاً - رضي الله عنه - يقول)): (معنى قول رسول الله (وَ ل38) المذكور قبل وهو (من نذر أن يعصي الله فلا يعصه: أن ينذر الرجل) وكذا المرأة (أن يمشي إلى الشام) مثلاً، والشام: إقليم معروف يُذكر ويؤنّث، اختلفت في وجه تسميتها بذلك أقوال ليست ههنا محلها (أو إلى مصر) مثلاً بمنع الصرف: البلد المعروف (أو إلى الربذة) بالراء المهملة فالموحدة، فالذال المعجمة المفتوحات كلها: قرية بقرب (١) ((المنتقى)) (٢٤٢/٣). ٥٩٠ ---. . -- ---- ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٤) باب (١٠٠٦) حديث أَوْ مَا أَشْبَهَ ذُلِكَ. مِمَّا لَيْسَ لِلَّهِ بِطَاعَةٍ. إِنْ كَلَّمَ فُلَاناً، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذُلِكَ. فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. شَيْءٌ، إِنْ هُوَ كَلَّمَهُ، أَوْ حَنِثَ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ طَاعَةٌ، المدينة المنورة، تقدم ذكرها في ((أبواب الصيد)) من ((كتاب الحج))، ثم اللفظ هكذا في جميع النسخ الهندية والمصرية من المتون والشروح إلا في شرح الباجي؛ فذكر موضع الربذة: المدينة. وقال في ((شرحه))(١): ما ليس لله بطاعة ينقسم قسمين: محظور كالمعصية؛ ومباح كالمشي إلى الشام وغيرها؛ ومثل ذلك بالمشي إلى المدينة؛ ويحتمل وجهين: أحدهما: أن يريد به مدينة من المدن، فحكمها حكم الشام؛ والثاني: أن يريد به مدينة النبي و له، فهذا إذا علق مشيه بالمدينة لا يتعلق به النذر إلا أن ينوي المسجد للصلاة (أو ما أشبه ذلك) من المدن (مما ليس) المشي إليها (الله بطاعة) احتراز عما فيه طاعة كمكة المكرمة إجماعاً، والمدينة المنورة، والبيت المقدس عند القائلين بصحة نذر المشي إلى مسجديهما. (إن كلّم فلاناً) شرط قوله في المذكور: أن يمشي (أو ما أشبه ذلك) يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون الإشارة إلى الشرط المذكور، فيكون المعنى، أو ما أشبه ذلك الشرط مثل أن يقول: إن دخلت الدار فعليّ المشي إلى مصر. وثانيهما : أن يكون الإشارة إلى الكلام المذكور قبل كله فيكون المعنى: أو ما أشبه هذا النذر، مثل أن يقول: إن دخلت الدار فللَّه عليّ أن ألبس هذا الثوب (فليس عليه) أي: على الناذر (في شيء من ذلك) المذكور من أنواع النذر (شيء) بالرفع اسم ليس، أي: لا يجب عليه شيء (إن هو كلّمه) في مسألة الكلام (أو حنث بما حلف عليه) في غير الكلام (لأنه) الضمير للشأن (ليس لله في هذه الأشياء) أي: الأمثلة المذكورة (طاعة) اسم ليس، وما كان كذلك لا يجوز نذره. (١) ((المنتقى)) (٢٤٢/٣). ٥٩١ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٥) باب وَإِنَّمَا يُوَفَّى لِلَّهِ بِمَا لَهُ فِيهِ طَاعَةٌ . (٥) باب اللغو في اليمين (وإنما يوفى الله) هكذا في النسخ المصرية بزيادة اللام على اسم الجلالة، وفي النسخ الهندية: ((وإنما يوفّى الله)) بحذف اللام، والمعنى أنه يجب الوفاء لله تعالى (بما له) أي: لله عز اسمه (فيه) أي: في المنذور (طاعة) لما في صدر الحديث من قوله ومثل: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه)). قال الباجي(١): فسر الإمام مالك المعصية بمعانٍ ليست بمعاصٍ في أنفسها، وإنما هي مباحة، لكن سماها معصية؛ لأن نذرها عنده معصية، أو لأن حكمها إذا عُلِّقَتْ بالنذر حكم المعصية؛ لأنه لا يصح أن ينذر كما لا يصح أن تنذر المعصية، ولذلك بَيَّن ذلك بعد هذا، فقال: مما ليس لله بطاعة، وما ليس لله بطاعة ينقسم قسمين: محظورٌ كالمعصية، ومباحٌ كالمشي إلى الشام وغيرها، واليمين والنذر إذا علّقهما بمباح لم ينعقد شيء منهما، انتهى. (٥) اللغو في اليمين الوارد في قوله عز اسمه: ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِيَّ أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (٢) واختلفوا في المراد بلغو اليمين على أقوال: الأول: أن تحلف على شيءٍ وأنت غضبان، أخرجه سعيد بن منصور، وغيره عن ابن عباس. الثاني: هو الحلف على المعصية، مثل: ألاّ يصلي ولا يصنع الخير، أخرجه عبد الرزاق، وغيره عن سعيد بن جبير. الثالث: أن تُحَرِّمَ ما أحلَّ الله لك، أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس. (١) ((المنتقى)) (٢٤٢/٣). (٢) سورة البقرة: الآية ٢٢٥. ٥٩٢ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٥) باب الرابع: أن تحلف على الشيء، ثم تنسى، فلا يؤاخذ الله فيه، ولكن تجِب الكفارة إذا تذكر. أخرجه عبد الرزاق، وغيره عن النخعي. الخامس: أن تحلف على شيءٍ ظاناً أنه صادقٌ، وهو في الواقع كاذب، فلا مؤاخذة فيه لا إثماً ولا كفارة، وهو المروي عن إبراهيم، أخرجه عبد بن حميد، وعن ابن عباس أخرجه ابن جرير، وعن عائشة، أخرجه البيهقي وغيره، وعن أبي هريرة، أخرجه ابن جرير. السادس: هو كلام الرجل في بيته، وفي المزاح، والهزل: لا والله، بلى والله من غير قصد اليمين. أخرجه وكيع، والشافعي، وغيرهما عن عائشة، وسعيد بن منصور، والبيهقي عن ابن عباس، وأبو الشيخ عن ابن عمر، وروي نحوه مرفوعاً من حديث عائشة أخرجه ابن حبان، وغيره، والآثار مبسوطة في (الدر المنثور))(١)، كذا في ((التعليق الممجد))(٢) وفي ((المغني))(٣) لابن قدامة. قال سعيد بن جبير: اللغو أن يحلف الرجل فيما لا ينبغي له، يعني: فلا كفارة عليه في الحنث، انتهى. وفي ((المحلى)): قال زيد بن أسلم: هو دعاء الرجل على نفسه بقوله: أعمى الله بصري إن لم أفعل كذا، أو هو كافر إن فعل كذا، فهذا لغو اليمين، لا يؤاخذ الله به، ولو يؤاخذ به لعجّل لهم العقوبة، انتهى. وقال الحافظ في ((الفتح)) (٤): نقل إسماعيل القاضي عن طاووس لغو اليمين: أن يحلف وهو غضبان، وذكر أقوالاً أخرى عن بعض التابعين، وجملة ما يتحصَّل من ذلك ثمانية أقوال، انتهى. (١) (٦٠٨/١). (٢) (١٧٨/٣). (٣) («المغني)) (٤٤٥/١٣). (٤) ((فتح الباري)) (٥٤٨/١١). ٥٩٣ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٥) باب قال الرازي في ((التفسير الكبير))(١): اللغو: الساقط الذي لا يعتدُّ به سواء كان كلاماً أو غيره، وقال الفرّاء: اللغا مصدر للغيت، واللغو مصدر للغوت، هذا ما يتعلق باللغة، وأما المفسرون فذكروا وجوهاً: الأول: قول الشافعي: إنه قول العرب: لا والله، بلى والله، مما يؤكدون به كلامهم، ولا يخطر ببالهم الحلف، ولو قيل لواحدٍ منهم: سمعُتك اليوم تحلف في المسجد ألف مرة لأنكر ذلك، ولعله قال: لا والله ألف مرة. الثاني: قول أبي حنيفة: إن اللغو أن يحلف على شيء يعتقد أنه كذلك، ثم بان أنه لم يكن كذا، فهذا هو اللغو، وفائدة الخلاف: أن الشافعي لا يوجب الكفارة في الأول، ويوجبها في الثاني، وأبو حنيفة يحكم بضد ذلك. الثالث: أنه إذا حلف على ترك طاعة، أو فعل معصية، فهذا هو اللغو، فبين تعالى أنه لا يؤاخذ بترك هذه الأيمان، لكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم، أي: بإقامتكم على ذلك الذي حلفتم عليه من ترك الطاعة، أو فعل المعصية. الرابع: أنها اليمين المكفرة، سميت لغواً؛ لأن الكفارة أسقطت الإثم، وهذا قول الضحاك. الخامس: قول القاضي: إن المراد به ما يقع سهواً غير مقصود، انتهى. وقال الصاوي(٢): اختلف العلماء في معنى اللغو، فقال الشافعي: هو ما سبق إليه اللسان من غير قصد عقد اليمين، وقال أبو حنيفة ومالك: هو أن يحلف على ما يعتقد فتبين خلافه، انتهى، وسيأتي في كلام الموفق أن كليهما داخل في اللغو عند الإمام أحمد، وجعل ابن الهمام مذهب أحمد موافقاً للحنفية، ورواية له أخرى موافقة للشافعي، وما سيأتي عن الموفق أوجه؛ لأنه قول الإمام أحمد بنفسه. (١) ((التفسير الكبير)) (٧٦/٦). (٢) ((تفسير الصاوي)) (٤٥/١). ٥٩٤ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٥) باب (١٠٠٧) حديث ٩/١٠٠٧ - حدّثني يَحْيَى، عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ؛ أَنَّها كَانَتْ تَقُولُ: لَغْوُ الْيَمِينِ قَوْلُ الْإِنْسَانِ: (لَا، وَاللَّهِ.). وَ(بَلَى. وَاللَّهِ.). ٩/١٠٠٧ - (مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين أنها كانت تقول: لغو اليمين) الوارد في قوله عز اسمه: ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِلَّغْوِ فِيَّ أَيْمَنِكُمْ﴾ (قول الإنسان) في جملة كلامه (لا والله، وبلى والله) اختلفت النسخ في ذكر هذا اللفظ اختلافاً كثيراً، وأظن بعضه تصحيفاً، وما اخترته هو ما عليه جميع النسخ الهندية، وهكذا في متن ((المنتقى)) وفي ((شرحه)): لا والله، بلى والله بدون واو العطف، وفي أكثر النسخ المصرية: والله، لا والله بدون لفظ بلى، وفي نسخة الزرقاني: لا والله، لا والله بتكرار اللفظ الواحد، وأظنه تصحيفاً، والصواب: لا والله، بلى والله بدون الواو، إذ قال الزرقاني بعد ذلك: وفي رواية يحيى بن بكير: وبلى والله، قال الماوردي: أي: كل واحدة منهما، إذا قالها مفردة لغوٌ، فلو قالها معاً فالأولى لغو، والثانية منعقدة؛ لأنها استدراك مقصود، انتهى . وفي البخاري برواية يحيى عن هشام أخبرني أبي عن عائشة: ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِالَّغْوِ فِيَّ أَيْمَنِكُمْ﴾ نزلت في قوله: لا والله، وبلى والله. قال الحافظ(١): قال ابن عبد البر: تفرد يحيى القطان عن هشام بذكر السبب في نزول الآية، قال الحافظ: وقد صرح بعضهم برفعه عن عائشة، أخرجه أبو داود من رواية إبراهيم الصائغ عن عطاء، وأشار أبو داود إلى أنه اختلف على عطاء، وعلى إبراهيم في رفعه ووقفه، وأخرج ابن أبي عاصم من طريق الزبيدي، وابن وهب في ((جامعه)) عن يونس، وعبد الرزاق في ((مصنفه)) عن معمر كلهم، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: لغو اليمين: ما كان في (١) ((فتح الباري)) (١١/ ٥٤٧). ٥٩٥ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٥) باب (١٠٠٧) حديث المِراءِ والهزلِ والمراجعة في الحديث الذي كان يَعْقَدُ عليه القلب، وهذا: موقوف، ورواية يونس تقارب الزبيدي، ولفظ معمر: أنه القوم يتدارؤن، يقول أحدهم: لا والله، وبلى والله، وكلّا والله، ولا يقصد الحلف، وليس مخالفاً للأول، وهو المعتمد. وأخرج ابن وهب، عن الثقة، عن الزهري بهذا السند: هو الذي يحلف على الشيء لا يريد به إلا الصدق، فيكون على غير ما حلف عليه، وهذا يوافق القول الثاني، وهو قول الحنفية، لكنه ضعيف؛ من أجل هذا المبهم، شاذٌ لمخالفة من هو أوثق منه، وأكثر عدداً، انتهى. قلت: لكنه مؤيد بما رواه الطبري في ((تفسيره)) (١) حدثني يعقوب بن إبراهيم، ثنا هشيم، ثنا ابن أبي ليلى، عن عطاء قال: قالت عائشة: لغو اليمين ما لم يعقد الحالف عليه قلبُه، وقال البيهقي في ((المعرفة)): روى عمر بن قيس، عن عطاء، عن عائشة في هذه الآية قالت: هو حلف الرجل على علمه، ثم لا تجده كذلك، فليس فيه كفارة، وعمر بن قيس ضعيف، انتهى. كذا في ((نصب الراية))(٢). --..- وأخرج ابن كثير في ((تفسيره)) بسنده إلى شيبان، عن جابر، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة قالت: هو قوله: لا والله، بلى والله، وهو يرى أنه صادق، ولا يكون كذلك. أخرج محمد في (كتاب الآثار)): أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، عن عائشة أم المؤمنين في اللغو قالت: هو كل شيء يصل به الرجل كلامه، لا يريد يميناً، لا والله، وبلى والله، وما لا يعقد عليه قلبه. (١) (تفسير الطبري)) (٢٤٠/٢). (٢) (٢٩٣/٣). ٥٩٦ ---- ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٥) باب (١٠٠٧) حديث وقال الباجي(١): قول عائشة - رضي الله عنها -: إن لغو اليمين: قول الرجل: لا والله، بلى والله، يحتمل وجوهاً: أحدها: أن لغو اليمين لا يكون إلا في هذا اليمين، وهي: اليمين بالله تعالى، أما اليمين بغير ذلك، مثل: اليمين بالمشي إلى الكعبة، أو الطلاق، أو العتاق؛ فإنه لا لغو فيه، وقد قال مالك ذلك في ((العتبية)) وغيرها، وقد قال مالك: إن اليمين بغير الله محظورٌ، فلم يعف عن الحالف بها على وجهٍ من الوجوه، بل شدَّد عليه بإلزامه ما التزم على أي وجه التزمه، أما اليمين بالله فمباحة، فلذلك دخلها التخفيف، والعفو عن لغوها، انتهى. قلت: وروي هذا المعنى عن الإمام محمد أيضاً، كما سيأتي عن ابن عابدين؛ إذ قال: روى ابن رستم عن محمد: لا يكون اللغو إلا في اليمين بالله تعالى، ثم قال الباجي (٢): ويحتمل أن يريد به أن اللغو قول الرجل: لا والله، وبلى والله، فيما يعتقد صحته، وإن كان الأمر على خلافه على حسب ما ذهب إليه مالك، وقد قال بعض البغداديين وذكر قول مالك في لغو اليمين: إنه حلفه بالله على ما يعتقد صحته، وإن كان الأمر على غير ما حلف به. ثم قال: وقول عائشة هو قول الرجل: لا والله، هو في معناها؛ لأنها لا تعني تَعَمُّد الكذب، ويحتمل وجهاً ثالثاً، وهو: أن تريد ما يجري في تراجع الناس من قولهم: لا والله، وبلى والله من غير اعتقاد يمين، ولا قصد إليه، وإلى هذا ذهب أبو بكر الأبهري، انتهى. قال الموفق(٣): اليمين التي تمر على لسانه في عرض حديثه من غير قصد (١) ((المنتقى)) (٢٤٣/٣)، وانظر ((الاستذكار)) (٦٠/١٥). (٢) ((المنتقى)) (٢٤٣/٣). (٣) ((المغني)) (٤٤٩/١٣). ٥٩٧ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٥) باب (١٠٠٧) حديث إليها، لا كفارة فيها في قول أكثر أهل العلم؛ لأنها من لغو اليمين، نقل أبو عبد الله عن أبيه أنه قال: اللغو عندي: أن يحلف على اليمين يرى أنها كذلك، والرجل يحلف، فلا يعقد قلبه على شيء، وممن قال: إن اللغو اليمين التي لا يعقد عليها قلبه عمر - رضي الله عنه -، وعائشة - رضي الله عنها -، وبه قال عطاء، والقاسم، وعكرمة، والشعبي، والشافعي، لحديث عائشة المذكور، وممن قال: لا كفارة في هذا ابنُ عباس، وأبو هريرة، وأبو مالك، وزرارة بن أوفى، والحسن، والنخعي، ومالك، وهو قول من قال: إنه من لغو اليمين، انتهى. قلت: وينعقد اليمين بهذه الألفاظ عند الحنفية، والمالكية، ويجب الكفارة إذا كان الأمر متعلقاً بالمستقبل، قال صاحب ((المحلى)): وقال أبو حنيفة: ينعقد اليمين به إذا كان في الإنشاء، ويجب الكفارة إن حنث، انتهى. وكذلك عند المالكية، ففي ((الدردير)) (١): يلزمه اليمين بسبق لسانه في اليمين، يعني: غلبة جريانه على لسانه، نحو: لا والله ما فعلتُ كذا، والله ما فعلت كذا، انتهى، وبذلك جزم الزرقاني؛ إذ قال: أمّا لا والله، وبلى والله ففيهما الكفارة، انتهى. ومعنى حديث عائشة عندهما ما تقدم في الاحتمال الثاني من كلام ((الدردير))، وعليه حمل الحديث محمد في ((موطئه))(٢) بعد حديث عائشة - رضي الله عنها - المذكور، قال محمد: وبهذا نأخذ، اللغو ما حلف عليه الرجل، وهو يرى أنه حق، فاستبان له بعد أنه على غير ذلك، فهذا من اللغو عندنا، قلت: وهذا التفسير أولى مما فسرته الشافعية؛ لئلا تتعارض الروايتان عن عائشة، كما تقدم في أول الباب. (١) ((الشرح الكبير)) (١٣٧/٢). (٢) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (١٧٧/٣). ٥٩٨ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٥) باب (١٠٠٧) حديث قَالَ مَالِكٌ: أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي هُذَا: أَنَّ اللَّغْوَ حَلِفُ وقال الجصاص في ((أحكام القرآن)) (١): قالت عائشة - رضي الله عنها -: هو قول الرجل: لا والله، بلى والله، وهو عندنا في اليمين على الماضي، رواه عنها عطاء، أنها قالت: قول الرجل: فعلنا والله كذا، وصنعنا والله كذا. قال الرازي في ((تفسيره)): وحجة أبي حنيفة - رضي الله عنه - من وجوهٍ، الأول: قوله وَلّ: ((من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها، فليأتِ الذي هو خير ثم ليكفرن عن يمينه))، دل الحديث على وجوب الكفارة على الحانث مطلقاً من غير فصل بين المجد والهازل، والحجة الثانية: أن اليمين معنى لا يلحقه الفسخ، فلا يعتبر فيه القصد: كالطلاق، والعتاق، فهاتان الحجتان توجبان الكفارة في قول الناس: لا والله، بلى والله إذا حصل الحنث، انتهى. وفي ((الدر المختار))(٢): لا مؤاخذة في يمين اللغو إلا في ثلاثٍ: طلاق، وعتاق، ونذر، فيقع الطلاق على غالب الظن إذا تبيّن خلافه، وقد اشتهر عن الشافعية خلافه، قال ابن عابدين: قوله: إلا في ثلاث؛ استثناء منقطع؛ لأن الكلام في اليمين بالله تعالى، وهذا في غيره، ولذا قال في ((الاختيار)): وروى ابن رستم عن محمد: لا يكون اللغو إلا في اليمين بالله تعالى، ذلك أن في حلفه بالله تعالى على أمرٍ يظنه كما قال، وليس كذلك لغا المحلوف عليه، وبقي قوله: والله فلا يلزمه شيء، وفي اليمين بغيره تعالى يلغو المحلوف عليه(٣)، ويبقى قوله: امرأته طالق، فيلزمه، انتهى ملخصاً. (قال) الإمام (مالك: أحسن ما سمعت في هذا) أي: في تفسير قوله تعالى: ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِلَّغْوِ فِيَّ أَيْمَنِكُمْ﴾ (أن اللغو) المذكور في الآية (حلف (١) (٣٥٥/١). (٢) (٤ / ٧). (٣) كذا في الأصل، والظاهر المحلوف به، اهـ. ((ش)). ٥٩٩ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٥) باب (١٠٠٧) حدیث الْإِنْسَانِ عَلَى الشَّيْءِ، يَسْتَيْقِنُ أَنَّهُ كَذَلِكَ، ثُمَّ يُوجَدُ عَلَى غَيْرِ ذُلِكَ، فَهُوَ : اللَّغْوُ. الإنسان) سواء كان رجلاً أو امرأة (على الشيء يستيقن أنه كذلك) أي: كما حلف به (ثم يوجد) في الواقع (على غير ذلك) أي: على غير يقينه (فهو اللغو) الذي ليس فيه كفارة، ولا مؤاخذة. قال الباجي(١): اليمين على المستقبل، هي: التي تدخلها الكفارة، أما لغو اليمين، فلا كفارة فيها؛ لأنها على مذهب مالك متعلقة بالماضي، وهو مثل أن يحلف في رجل مقبل أنه زيد، وهو يعتقد ذلك فيه لا شك عنده، فإذا قرب منه تَبيّن له أنه غير ذلك، فهذا عنده لغو اليمين، انتهى، وسيأتي كلام الدردير قريباً في بيان يمين الغموس. وروى ابن جرير عن ابن عباس: هو أن يحلف یراه حقاً وليس بحق، وفي ((المعرفة)) للبيهقي نحوه عن عائشة قالت: هو حلف الرجل على علمه ثم لا يجد على ذلك، وفي ((مصنف عبد الرزاق)) نحوه عن مجاهد قال: هو الرجل يحلف على الشيء، يرى أنه كذلك، وليس كذلك، ولابن جرير عن أبي هريرة: لغو اليمين: حلف الإنسان على الشيء، يظن أنه الذي حلف عليه، فإذا هو غير ذلك، وهو قول الزهري، والحسن، والنخعي، وسليمان بن يسار، وقتادة، ومكحول، وبه قال: أبو حنيفة، وأحمد، انتهى. وقال الخرقي: من حلف على شيء يظنه كما حلف فلم يكن، فلا كفارة عليه، لأنه من لغو اليمين، قال الموفق(٢): أكثر أهل العلم على أن هذهِ اليمين لا كفارة فيها، قاله ابن المنذر، ويروى هذا عن ابن عباس، وأبي هريرة، وأبي مالك وزرارة بن أوفى، والحسن، والنخعي، ومالك، وأبي حنيفة، (١) ((المنتقى)) (٢٤٤/٣). (٢) ((المغني)) (٤٥١/١٣). ٦٠٠