Indexed OCR Text

Pages 561-580

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٢) باب
(١٠٠٣) حديث
قلت: المراد من قوله: ما يقتضي الإيفاء؛ النصوصُ الدالة على إيفاء
النذور، والمراد من قوله: ما يقتضي إجزاء الكفارة، النصوصُ الدالَّةُ على أن
كفارة النذر كفارة اليمين، وقوله: مذهب أحمد كهذا التفصيل هو الحق عندي،
فقد عرفت كلام الموفق في نذر الدجاج، وهو الذي يُعَبِّر عنه الحنفية في
كلامهم بما لا يريد كونه، كما جزم به ابن الهمام، وأما النوع الثاني الذي يُعَبِّرُ
عنه الحنفية بما يراد كونه؛ يذكره الحنابلة في كتبهم بنذر التبرّر.
قال الموفق (١) في بيان أقسام النذر: القسم الثاني: نذر طاعة وتبرّر،
فهذا يلزم الوفاء به، وهو ثلاثة أنواع: أحدها: التزام طاعة في مقابلة نعمة
استجلبها أو نقمة استدفعها، كقوله: إن شفاني الله فللَّه عليّ صومُ شهر، فتكون
الطاعة الملتزمة مما له أصل في الوجوب بالشرع كالصوم، والصلاة،
والصدقة، والحج، فهذا يلزم الوفاء به بإجماع أهل العلم، انتهى. وتقدم تمام
كلامه مختصراً في أقسام النذر.
وفي ((الروض المربع)) (٢) في جملة أقسام النذر: الثاني: نذر اللجاج
والغضب، وهو تعليق نذره بشرط يقصد المنع منه كقوله: إن كلمتك فيتخيّر بين
فعله، وبين كفارة يمين. ثم قال: والخامس: نذر التبرر مطلقاً أو معلقاً: كإن
شفى الله مريضي فللَّه عليّ كذا، فوجد الشرط لزم الوفاء به، وهذا التفصيل هو
المرجح عند الشافعية أيضاً، فقد عرفت قريباً كلام النووي في ((شرح المهذب))
في نذر اللجاج.
وأما الثاني ففي ((المهذب)): فإن نذر طاعة نظرت فإن علّق ذلك على
إصابة خير، أو دفع سوء فأصاب الخير، أو دفع السوء عنه لزم الوفاء بالنذر.
(١) ((المغني)) (١٣ / ٦٢٢).
(٢) (٢٧٦/٣).
٥٦١

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٣) باب
(٣) باب العمل في المشي إلى الكعبة
حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ؛ أَنَّ أَحْسَنَ مَا سَمِعْتُ مِنْ أَهْل
الْعِلْمِ، فِي الرَّجُلِ يَحْلِفُ بِالْمَشْيِ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ. أَوِ الْمَرْأَةِ. فَيَحْنَثُ،
أَوْ تَحْنَثُ .
قال النووي في ((شرحه)): قال أصحابنا النذر ضربان، أحدهما: نذر
تبرر، والثاني: نذر لجاج وغضب. الأول: التبرر، نوعان: أحدهما نذر
المجازاة، وهو أن يلتزم قُربة في مقابلة حدوثِ نعمة، أو اندفاع بليّة، كقوله:
إن شفى الله مريضي، أو رزقني ولداً أو نجانا من الغرق، أو العدو، أو أغاثنا
عند القحط، ونحو ذلك فللَّه علي إعتاق، أو صوم، أو صلاة، أو نحو ذلك،
فإذا حصل المعلَّق عليه لزمه الوفاء بما التزم، وهذا لا خلاف فيه، انتهى.
(٣) العمل في المشي إلى الكعبة
يعني بيان العمل في المشي، باعتبار الابتداء والانتهاء، فإذا وجب
المشي إلى الكعبة على أحد، وأراد وفاءه، فمن أين يجب عليه المشي؟ وإلى
أين يبقى وجوبه؟
(مالك: أن أحسن) مضاف إلى قوله: (ما أسمع) ببناء الفاعل، وفي
نسخة: (سمعت)) (من أهل العلم) متعلق لقوله: أسمع (في الرجل يحلف
بالمشي إلى بيت الله، أو المرأة) تحلف بالمشي إلى بيت الله (فيحنث) الرجل
(أو تحنث) المرأة.
قال الباجي(١): يقتضي أن حكمهما في ذلك واحد، وأن المرأة يلزمها
ذلك كما يلزم الرجل، وإنما يسقط المشي عمن يسقط عنه منهما بعجزه،
فيسقط إلى بدل، وهو الهدي مع ما يطاق من المشي.
(١) ((المنتقى)) (٢٣٩/٣).
٥٦٢

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٣) باب
وفي ((المدونة)): عن مالك: المشي على الرجال والنساء سواء، ووجه
ذلك أنه نذرٌ يصحُّ من كل واحد منهما، فوجب أن يتساويا كالصوم والصلاة.
قلت: وتقدم في الباب السابق بيان وجوب المشي، والبدل وغير ذلك.
ثم قال الباجي: قوله: في الرجل يحلف إلى آخر المسألة يقتضي أنها
يمين تلزم، ويحنث فيها بالمخالفة فيجب بالحنث فيها ما التزمه من حج أو
عمرة، لم يختلف في ذلك أصحابنا، وما يُعزى إلى قول ابن القاسم أنه أفتى
بالنذر بكفارة يمين لا يصح، وقد بينتُه في ((الاستيفاء))، وبهذا قال جماعة من
العلماء، وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: يلزم المشي إلى مكة بالنذر، أما
من حلف بها وحنث فعليه كفارة يمين، والدليل على ما نقوله: أن هذا معنى
يلزم به العتق فلزم به المشي إلى مكة، انتهى.
وقال ابن عبد البر(١): مذهب مالك أن الحالف بالمشي إلى مكة يلزمه
المشي، وعليه جميع أصحابه، إلا رواية رواها العدول الثقات عن ابن القاسم
أنه أفتى ابنه عبد الصمد، وكان حلف بالمشي إلى مكة، فحنث، بكفارة يمين،
وقال: أفتيك بقول الليث، فإن عدتَ لم أُفْتِك ما لا يقول مالك، ووافقه
أبو حنيفة، وذهب جمعٌ إلى أن الحالف به، أو بصيام، أو بغيره من الأيمان
إلا الطلاق والعتق ليس عليه إلا كفارة يمين.
وأجمعوا على لزوم الطلاق، إن حنث، وأما العتق فكذلك عند الأكثر،
وقيل: كفارة يمين؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّرَةُ أَيْمَنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ فعلى كل
حالف كفارة يمين إلا الطلاق، فإن الإجماع خصّصه، ولم يجمعوا في العتق،
قاله الزرقاني(٢).
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٤٣/١٥ - ٤٤).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٦٠/٣).
٥٦٣

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٣) باب
أَنَّهُ إِنْ مَشَى الْحَالِفُ مِنْهُمَا فِي عُمْرَةٍ، فَإِنَّهُ يَمْشِي حَتَّى يَسْعِى بَيْنَ
الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. فَإِذَا سَعِى فَقَدْ فَرَغَ. وَأَنَّهُ إِنْ جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ مَشْياً
فِي الْحَجِّ، فَإِنَّهُ يَمْشِي حَتَّى يَأْتِيَ مَكَّةَ، ثُمَّ يَمْشِي حَتَّى يَفْرُغَ مِنَ
الْمَنَاسِكِ كُلِّها، وَلَا يَزَالُ مَاشِياً حَتَّى يُفِيضَ.
قلت: وما حكيا عن موافقة أبي حنيفة مالكاً ليس على عمومه، كما
عرفت في آخر الباب السابق، فإن الأئمة الثلاثة غير مالك خيّروا في نذر
اللَجاج بين الوفاء بالمنذور وبين الكفارة، وأوجبوا وفاء النذر في نذر
المجازاة، كما تقدم مفصلاً قبيل هذا الباب.
(أنه إن مشى الحانث منهما) أي الرجل والمرأة، يعني: إذا حلف أحد
بالمشي، فحنث، فمشى لحنثه (في عمرة فإنه يمشي حتى يسعى بين الصفا
والمروة، فإذا سعى) أي: أكمل السعي (فقد فرغ) من المشي الواجب عليه
بالحنث .
قال الباجي(١): يريد أن من لزمه المشي منهما سواء كان مشيه مقيداً
بعمرة أو مطلقاً، فجعله في عمرة، فإن كمال مشيه بانقضاء السعي؛ لأنه آخر
عمل العمرة.
(وأنه) أي: الحالف (إن جعل على نفسه مشياً في الحج) أي حلف على
المشي في الحج (فإنه يمشي حتى يأتي مكة ثم يمشي) أيضاً من مكة إلى منى
وعرفات (حتى يفرغ من المناسك كلها، ولا يزال ماشياً حتى يفيض) أي يطوف
طواف الإفاضة.
قال الباجي(٢): يعني إن كان مشيه في حج إما لأنه قَيَّد نذره به، أو كان
مطلقاً، فجعله في حج، فإن آخر مشيه إلى انقضاء المناسك؛ لأن ذلك آخر
(١) ((المنتقى)) (٢٣٩/٣).
(٢) (٢٣٩/٣).
٥٦٤

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٣) باب
عمل الحج، فلا يسقط عند وصوله إلى مكة ماشياً المشيُّ في المناسك إلى
عرفة وغيرها، لأن اللفظ وإن تناول المشيَ إلى مكة، فإن عُرِفَ المشي إليها
بهذه القُرْبة يحمل المشي إليها على ذلك، ولو جاز أن يحمل على المشي إلى
مكة؛ لأن اللفظ لم يتناول غير ذلك، لجاز أن يحمل على أنه لا يجب حجّ
ولا عمرةٌ، وإنما يجب عليه الوصول إلى مكة؛ لأن اللفظ لا يتناول غير ذلك،
وهذا باطل باتفاق، ولذا قال مالك: يمشي إلى مكة، ثم يمشي حتى يفرغ من
المناسك لئلا يظن ظانٌّ أن وصوله إلى مكة يسقط عنه المشي في المناسك،
انتهى .
وقال(١) أيضاً في المسائل الست المتقدمة في أول الباب السابق: المسألة
الثالثة: في ابتداء ذلك في الزمان والمكان، فإن ذلك على وجهين: أحدهما :
أن يقيده بزمان أو مكان، فيلزمه على ما قيّده به، مثل أن يقول: عليّ مشيٍ إلى
مكة من موضع كذا أو في شهر كذا، وسواء قَيَّدَ ذلك بالنطق أو النية، رواه
ابن المّواز عن مالك.
فإن أطلق ولم يقيد ذلك، فحلف بالمشي إلى مكة في موضع، وحنث
بغيره، فقد روى ابن حبيب عن مالك: يلزمه المشي من موضع يمينه، وروى
ابن المواز عن عبد الملك: يمشي من حيث شاء من ذلك البلد، وقال عن
مالك: إلا أن يكون بمكة، فإنه يخرج إلى الحل فيمشي منه محرماً، ومن قال:
أنا محرم إن فعلت كذا فحنث، فإن قيد ذلك بوقت أو مكان باللفظ أو النية
فهو على ما قيده، وإن لم يقيده بلفظ أو نية، فقد قال مالك: إن كان قَيّدَ
إحرامه بعمرة لزمه الإحرام يوم يحنث، إن وجد من يصحبه، وإن لم يجد من
يصحبه، وخاف أَخَّرَ حتى يجده، وإن كان قيد إحرامه بحج أخّرَ إحرامه إلى
أشهر الحج.
(١) (٢٣٤/٣) .
٥٦٥

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٣) باب
وأما المسألة الخامسة: (١) في نهاية المشي، فإن الماشي في الحج لنذره
أو حنثه يمشي حتى يتم طواف الإفاضة، فإن أَخْرَ طواف الإفاضة حتى يرجع
من منى، لم يركب في منى لرمي الجمار، وإن قَدّم طواف الإفاضة يوم النحر
رجع إلى منى راكباً، وركب في منى لرمي الجمار.
وحكى ابن حبيب عن أصحاب مالك أنه يمشي حتى يكمل المناسك
كلها، وإن عَجَّلَ الطواف يوم النحر، فإنه لا يرجع إلى منى إلا ماشياً، ويمشي
لمنى لرمي الجمار، قال ابن حبيب: لأن ذلك من عمله، ولا يجوز أن يركب
في شيء من عمل الحج، وإن كان مشيه في عمرة فلم يختلف أصحابنا في أن
مشيه إلى أن يكمل السعي بين الصفا والمروة، وذلك أن آخر السعي تمام
العمرة، وأما الحلاق، فإنه تحلّلَ منها، انتهى.
وقال الدردير (٢): ثم لزوم المشي من حيث نوى الناذر، أو الحالف
المشي منه إن كان له نية، وإن لم يكن له نية لزمه المشي من حيث حلف، أو
نذر، أو يمشي من مثله في البعد إن حنث بذلك المماثل، وكذا إن لم يحنث
به، فإنه يُجزئه المثل، ومحل إجزاء المثل عند عدم النية إذا لم يَجْر عُرفٌ
بالمشي من محل خاص، وإلا تعين المشي منه، وركب جوازاً في إقامة
المنهل، أي: محل النزول، ولحاجة بغير المنهل، كحاجة نسيها، فعاد إليها،
وركب بحراً اضطر إليه، ولا يمكنه الوصول إلا بركوبه، ولزوم المشي لتمام
طواف الإفاضة لمن قدّم السعي، وسعيها لمن لم يُقَدِّم، انتهى. ولتمام سعيها
في العمرة كما جزم به هُوَ والدسوقي.
وقال الموفق(٣): وكل موضع نذر المشي فيه، أو الركوب، فإنه يلزم
(١) ((المنتقى)) (٢٣٥/٣).
(٢) ((الشرح الكبير)) (١٦٦/٢).
(٣) ((المغني)) (١٣/ ٦٣٧).
٥٦٦
----------

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٣) باب
الإتيان بذلك من دُويرة أهله، إلا أن ينوي موضعاً بعينه، فيلزمه من ذلك
الموضع؛ لأن النذر محمولٌ على أصله في الفرض، والحج المفروض بأصل
الشرع يجب كذلك، ويحرم للمنذور من حيث يحرم للواجب، وقال بعض
الشافعية: يجب الإحرام من دويرة أهله، ولنا: أن المطلق محمول على
المعهود في الشرع، ويلزمه المنذور من المشي، أو الركوب في الحج، أو
العمرة إلى أن يتحلل؛ لأن ذلك انقضاؤهما، وقال أحمد: يركب في الحج إذا
رمى، وفي العمرة إذا سعى؛ لأنه لو وطىء بعد ذلك لم يُفْسِد حجاً ولا عمرة،
وهذا يدل على أنه إنما يلزمه في الحج إلى التحلل الأول، انتهى.
وهكذا في (الشرح الكبير))(١) للحنابلة، ولم يرجح شيئاً، وفي
((المهذب)): ومن أي موضع يلزمه المشي، والإحرام؟ فيه وجهان: قال
أبو إسحاق: يلزمه المشي والإحرام من دويرة أهله، وقال عامة أصحابنا: يلزمه
الإحرام والمشي من الميقات، فإن كان معتمراً يلزمه المشي إلى أن يفرغ، وإن
كان حاجاً لزمه المشي إلى أن يتحلّل التحلل الثاني، وذكر النووي في ((شرحه))
اختلاف أصحابهم في الابتداء والإحرام.
وقال القاري في ((شرح اللباب))(٢): من جعل على نفسه أن يحج ماشياً،
فإنه لا يركب حتى يطوف طواف الزيارة في وقته، وفي العمرة حتى يحلق،
ومحل ابتداء المشي من بيته سواء أحرم منه أم لا، وعليه شمس الأئمة
السرخسي والزيلعي، وصحّحه قاضيخان.
وأما لو أحرم من بيته، فالاتفاق على أن يمشي من بيته، انتهى. وفي
(الغنية)): محل ابتداء المشي من بيته، وهو الأصح، وقيل: من الميقات،
وقيل: من أي موضع يحرم، وتمامه في ((البحر))، انتهى.
(١) ((المغني مع الشرح الكبير)) (٣٤٨/١١).
(٢) (ص٢٦٨).
٥٦٧

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٣) باب
قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَكُونُ مَشْيٌّ إِلَّا فِي حَجِّ أَوْ عُمْرَةٍ.
وفي ((الهداية))(١): من جعل على نفسه أن يحج ماشياً، فإنه لا يركب
حتى يطوف طواف الزيارة، وهو الأصل؛ لأنه التزم القُرْبة بصفة الكمال
فتلزمه، وأفعال الحج تنتهي بطواف الزيارة، فيمشي إلى أن يطوفه.
قال ابن الهمام(٢): واختلف المشايخ في محل ابتداء وجوب المشي؛
لأن محمداً لم يذكره، فقيل: من الميقات، والأصح أنه من بيته؛ لأنه المراد
عرفاً، ويدل عليه من الرواية ما عن أبي حنيفة: لو أن بغدادياً قال: إن كلمتُ
فلاناً فعلي أن أحج ماشياً، فلقيه بالكوفة فعليه أن يمشي من بغداد، انتهى.
(قال مالك: ولا يكون مشي إلا في حج أو عمرة) قال الباجي(٣): هذا
يحتمل تأويلين؛ أحدهما: أنه من نذر مشياً إلى غير مكة، لا يلزمه ذلك لا إلى
المدينة ولا غيرها، لأنه ليس هناك حج ولا عمرة، ويحتمل أن يريد أنّ الناذر
للمشي إلى مكة لا يخلو من ثلاثة أحوال: أن يقصد بنذره النسك، أو يطلق
النية، أو ينوي المشي خاصة دون النسك، فإن قيّد نيته بالنسك، أو أطلقها
لزمه المشي والنسك، لأن ظاهر نذره القربة، وهي إنما هي في النسك، وأما
إن قيد نذره بالمشي خاصة فلم أر فيه نصاً.
وقال أيضاً في موضع آخر(٤): من نذر مشياً، أو مضيّاً، فلا يخلو أن
يقيده بحج أو عمرة أو يطلقه، فإن قيّده بحج أو عمرة باللفظ، أو بالنية لزمه ما
التزمه، وإن لم يقيده بلفظ، ولا نية، لم يجز له أن يجعل مشيه في مسير حج
ولا عمرة. رواه ابن وهب عن مالك؛ لأن المضي في نفسه ليس بقُربة إلا إذا
كان لأداء عبادة، انتهى مختصراً.
(١) انظر: ((الهداية)) (١٨٤/١) ط بيروت.
(٢) ((فتح القدير)) (٨٨/٣).
(٣) ((المنتقى)) (٢٤٠/٣).
(٤) ((المنتقى)) (٢٣٤/٣).
٥٦٨

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٣) باب
وفي ((المحلى)) عن ((الرسالة)): لا يلزمه المشي في غير الحج والعمرة
بالنذر، فمن نذر مشياً إلى المدينة، أو بيت المقدس أتاهما راكباً، إن نوى
الصلاة في مسجديهما، وإلا فلا شيء عليه، وأما غير هذه المساجد فلا يأتيها
ماشياً ولا راكباً، وليُصلِّ في مسجده، انتهى.
وقال الموفق(١): من نذر المشي إلى بيت الله الحرام لزمه الوفاء بنذره،
ولا نعلم فيه خلافاً، ولا يجزئه المشي إلا في حج أو عمرة، ولا أعلم فيه
خلافاً؛ لأن المشي المعهود في الشرع هو المشي في حج أو عمرة، فإذا أطلق
الناذر حمل على المعهود الشرعي، وإن قال: لله عليّ أن آتي البيت الحرام غير
حاج، ولا معتمر، لزمه الحج والعمرة وسقط شرطه، وهذا أحد الوجهين
لأصحاب الشافعي.
وإن نذر المشي إلى غير الحرم كعرفة ومواقيت الإحرام، وغير ذلك لم
يلزمه، وكذلك إن نذر إتيان مسجد سوى المساجد الثلاثة لم يلزمه إتيانه، وإن
نذر الصلاة فيه لزمه الصلاة دون المشي، ففي أي موضع صلَّى أجزأه؛ لأن
الصلاة لا تخص مكاناً دون مكان، فلزمته الصلاة دون الموضع، ولا نعلم فيه
خلافاً إلا عن الليث؛ فإنه قال: لو نذر صلاة أو صياماً بموضع لزمه فعله في
ذلك الموضع، ومن نذر مشياً إلى مسجد مشى إليه. وقال الطحاوي (٢): لم
يوافقه على ذلك أحد من الفقهاء.
وإن نذر المشي إلى مسجد النبي ◌َلّ، أو المسجد الأقصى لزمه ذلك،
وبهذا قال مالك، والأوزاعي، وهو أحد قولي الشافعي، وقال في الآخر: لا
يَبِيْنُ لي وجه المشي إليهما، وقال أبو حنيفة: لا تتعين عليه الصلاة في موضع
بالنذر، سواء كان في المسجد الحرام أو غيره، انتهى ملتقطاً .
(١) انظر: ((المغني)) (٦٣٥/١٣).
(٢) انظر: ((المغنى)) (١٣/ ٦٣٨).
٥٦٩

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٤) باب
(٤) باب ما لا يجوز من النذور في معصية الله
قلت: مذهب الحنفية في ذلك ما حكاه الموفق: فإن النذر لا يختص
بزمان، ولا مكان عندهم، إلا أن النذر المعلق لا يجوز تعجيله قبل وجود
الشرط، كما في صوم ((الدر المختار)): فمن نذر الصلاة في المسجد الحرام
يصح أداؤه في غيره، كما في ((شرح اللباب))، خلافاً لزفر، وقيل: أبو يوسف
معه، نعم، من نذر مشياً إلى الكعبة، أو بيت الله، يجب عليه الحج ماشياً،
كما في أيمان ((الدر المختار)).
(٤) ما لا يجوز من النذور في معصية الله
يعني من نذر معصية، لا يجوز نذره، ولا يحلّ وفاؤه، وهو إجماع، كما
تقدم عن الموفق في أول ((كتاب النذور))، وتوضيحه ما قال الموفق (١): الرابع:
نذر المعصية، فلا يحلّ به الوفاء إجماعاً؛ لأن النبي ◌َّ قال: ((من نذر أن
يعصي الله فلا يعصه))(٢). ولأن معصية الله لا تحلّ في حال، ويجب على
الناذر كفارة يمين، روي نحو هذا عن ابن مسعود، وابن عباس، وجابر،
وعمران بن حصين، وسمرة بن جندب.
وبه قال الثوري وأبو حنيفة، وأصحابه، وروي عن أحمد ما يدل على أنه
لا كفارة عليه؛ فإنه قال فيمن نذر ليهدِمَنَّ دار غيره لبنة لبنة: لا كفارة علیه،
وهذا في معناه، وروي هذا عن مسروق، والشعبي، وهو مذهب مالك،
والشافعي؛ لقوله وَّل: ((لا نذر في معصية الله ولا فيما لا يملك العبد))، رواه
مسلم(٣). وقال: ((لا نذر إلا ما ابتُغي به وجه الله)). رواه أبو داود(٤)، ولم
(١) («المغني)) (١٣ /٦٢٤).
(٢) انظر: ما أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٤٣٤/٨).
(٣) ((صحيح مسلم)) (١٦٤١).
(٤) ((سنن أبي داود)) (٢١٩٢).
٥٧٠

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٤) باب
يأمر بكفارة، ولما نذرت المرأة التي كانت مع الكفار، فقالت: يا رسول الله :
إني نذرت، إن أنجاني الله عليها أن أنحرها قال: ((بئس ما جزيتها))، رواه
مسلم، وأبو داود، ولم يأمرها بكفارة، وقال لأبي إسرائيل، حين نذر أن يقوم
في الشمس، ولا يقعد، ولا يستظلّ، ولا يتكلم: ((مُرُوه فليتكلم وليستظل وليتم
صومه)). رواه البخاري، ولم يأمره بكفارة.
ووجه الأول ما روت عائشة أن رسول الله وَ ل# قال: ((لا نذر في معصية،
وكفارته كفارة يمين)). رواه الإمام أحمد في ((مسنده))، وأبو داود(١)، وقال
الترمذي: هو غريب. وعن أبي هريرة، وعمران بن حصين عن النبي ◌َّ مثله،
وروى الجوزجاني عن عمران بن حصين قال: سمعت رسول الله 85* يقول:
((النذر نذران، فما كان من نذر في طاعة الله فذلك الله وفيه الوفاء، وما كان من
نذر في معصية الله فلا وفاء فيه، ويُكفِّره ما يُكَفِّر اليمين))، وهذا نصٌّ، ولأن
النذر يمين، بدليل ما رُوي عن النبيِ وَّ أنه قال: ((النذر حَلْفَة))(٢). وقال
النبي ◌َّ لأخت عقبة لما نذرت المشي إلى بيت الله الحرام، فلم تطقه: ((تكفر
يمينها))، صحيح أخرجه أبو داود، وفي رواية: و((لتصم ثلاثة أيام))، قال
أحمد: إليه أذهب، انتهى.
وقال الحافظ(٣): اختلفوا في وجوب الكفارة في ذلك، فقال الجمهور:
لا، وعن أحمد، والثوري، وإسحاق، وبعض الشافعية، والحنفية: نعم، ونقل
الترمذي اختلاف الصحابة كالقولين، واتفقوا على تحريم النذر في المعصية،
واختلافهم إنما هو في وجوب الكفارة، ثم بسط .
(١) أخرجه أحمد (٢٤٧/٦)، وأبو داود (٣٢٩٢)، والترمذي (١٥٢٥)، والنسائي (٣٨٤٨).
(٢) أخرجه أحمد (١٤٩/٤).
(٣) ((فتح الباري)) (١١/ ٥٨٧).
٥٧١

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٤) باب
(١٠٠٤) حديث
٦/١٠٠٤ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ،
وَثَوْرِ بْنِ زَيْدِ الدِّيلِيِّ؛ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلّ، وَأَحَدُهُمَا
يَزِيدُ فِي الْحَدِيثِ عَلَى صَاحِهِ،
٦/١٠٠٤ - (مالك، عن حميد بن قيس) المكي (وثور) بمثلثة (ابن زيد
الديلي) بكسر الدال المهملة؛ وإسكان الياء (أنهما أخبراه) مرسلاً في جميع
النسخ المصرية من المتون والشروح، وزاد في النسخ الهندية بعد ذلك: ((عن
ابن عباس)) (أن رسول الله (وَ ل)) والظاهر حذف هذه الزيادة؛ لأن شُرَّاح
((الموطأ)) ضبطوه مرسلاً، قال ابن عبد البر في ((التقصي))(١) في ترجمة ثور: له
أربعة أحاديث، والثلاثة منقطعة، يشركه في أحدها حميد بن قيس، فذكر هذا
الحديث وبمعناه، وقاله في ترجمة حميد، وقال السيوطي في ((التنوير))(٢): هو
موصول في البخاري(٣) من حديث ابن عباس.
وقال ابن عبد البر: يتصل من حديث جابر، وابن عباس، ومن حديث
قيس بن أبي حازم عن أبيه، ومن حديث طاووس عن أبي إسرائيل رجل من
الصحابة، قال: وأظن حديث جابر هو هذا؛ لأن مجاهداً رواه عن جابر
وحميد بن قيس صاحب مجاهد، قاله الزرقاني (٤) .
وقال أيضاً: أخرجه البخاري، وأبو داود، وابن ماجه عن ابن عباس،
ورواه عبد الرازق عن أبي إسرائيل نفسه، وابن عبد البر من طريق أبان بن
صالح عن مجاهد عن جابر، انتهى (وأحدهما) من حميد وثور (يزيد في) ألفاظ
(الحديث على صاحبه) فجمع الإمام مالك حديثهما دون بيان زيادة لأحد لجواز
ذلك، وقد فعله شيخه الزهري، وغيره من الأئمة.
(١) (ص٢٢).
(٢) (ص٣٩٧).
(٣) ((صحيح البخاري)) رقم الحديث (٦٧٠٤).
(٤) ((شرح الزرقاني)) (٦٠/٣).
٥٧٢

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٤) باب
(١٠٠٤) حديث
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ فَهْ رَأَى رَجُلاً
(أن رسول الله (له) وقد أخرجه البخاري برواية ابن عباس قال: بينما
النبي ◌َلّ يخطب إذا هو برجل قائم، فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم
ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم، فقال النبي ◌َّ: ((مُرْه فليتكلم، وليستظل،
وليقعد، وليتم صومه)) (رأى رجلاً) تقدم عن رواية البخاري أن النبي څ﴾ سأل عنه،
فقالوا: أبو إسرائيل، وعند ابن إسحاق عن جابر كان أبو إسرائيل رجلاً من بني
فهر، فنذر ليقومنّ في الشمس حتى يصلي النبي ◌َّ الجمعة، وليصومن ذلك اليوم.
قال الحافظ في ((الإصابة)) (١): أبو إسرائيل الأنصاري، وقيل: القرشي
العامري، ذكره البغوي، وغيره في الصحابة، وقال أبو عمر: قيل: اسمه يسير
بتحتية ومهملة مصغراً، وأورده ابن السكن، والباوردي في حرف ((القاف)) في:
قُشَيْر. بقاف ومعجمة، وقال أحمد في ((مسنده)) بسنده إلى ابن طاووس عن أبيه
عن أبي إسرائيل، قال: دخل رسول الله مَّ المسجد، وأبو إسرائيل يصلي،
فقيل للنبي ◌ّة: هو ذا يا رسول الله، لا يقعد، ولا يكلم الناس، ولا يستظلّ،
وهو يريد الصيام، فقال: (ليقعد، وليتكلم، وليستظلّ، وليصُمْ)). وذكر البغوي،
وأبو السكن من طريق محمد بن كريب، عن أبيه، عن ابن عباس قال: نذر
أبو إسرائيل قشير أن يقوم فذكر الحديث، ولم يُسَمَّ في رواية الأكثر.
وأخرج الخطيب في ((المبهمات))(٢) من طريق مجاهد عن ابن عباس كان
رسول الله ولم يخطب الناس يوم الجمعة، فنظر إلى رجل من قريش من بني
عامر بن لؤي يقال له: أبو إسرائيل، فذكره. قال عبد الغني في ((المبهمات)):
ليس في الصحابة من يكنى أبا إسرائيل غيره، وقال أبو علي: لا يعرف إلا من
هذا الوجه، وسماه ابن السكن قشيراً، وصحّفه أبو عمر، فقال: قيسر، قدّم
الياء، وسكّنها، وأهمل السين، وفتحها .
(١) (٦/٧).
(٢) ((الأسماء المبهمة)) (ص ٢٧٣).
٥٧٣

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٤) باب
(١٠٠٤) حديث
قَائِماً فِي الشَّمْسِ. فَقَالَ: ((مَا بَالُ هُذَا؟))
وذكر الزبير بن بكّار في ((نسب قريش)) أن برة بنت عامر بن الحارث،
كانت من المهاجرات، وكان تزوجها أبو إسرائيل الفهري، فولدت له إسرائيل
قبل يوم الجمل، فلعل أبا إسرائيل هو هذا، ويتأيد بقول عبد الغني: ليس في
الصحابة من يكنى أبا إسرائيل غيره، انتهى مختصراً بتغير.
وفيه أنه إذا وُلد قبل يوم الجمل، فكيف كُني في زمنه وَّر بأبي إسرائيل؟
وقال الحافظ في ((الفتح)) (١): أبو إسرائيل المذكور لا يشاركه أحد في كنيته من
الصحابة، اختلف في اسمه، فقيل: قشير مصغراً، وقيل: يسير مصغراً أيضاً،
وقيل: قيصر باسم ملك الروم، وقيل: قيسر بالسين المهملة بدل الصاد، وقيل:
بغير راء في آخره، وهو قرشي عامري، وترجم له ابن الأثير في ((الصحابة)) تبعاً
لغيره، فقال: أبو إسرائيل الأنصاري، واغترّ بذلك الكرماني، فجزم بأنه من
الأنصار، والأول أولى، انتهى.
قلت: لخّص كلام الحافظ هذا الزرقاني، وجعل الذي بغير راء قيص،
وجعله السيوطي في ((التنوير)) (٢) قيس، وهو الأوفق بسياق الحافظ (قائماً في
الشمس) يريد - والله أعلم - أنه رآه ملازماً لذلك دون قعود مع التمكن من
الاستظلال والقعود، وخارجاً فيه عن عادة الناس، فسأل النبي (ێآر.
-- ------ ----
(فقال: ما بال هذا؟) أي: ما حاله، ولفظ البخاري(٣): فسأل عنه فقالوا:
أبو إسرائيل نذر، الحديث. قال البيضاوي: ظاهر اللفظ السؤال عن اسمه،
ولذلك ذكروه، وزادوا فعله، ويحتمل أن يكون سأل عن حاله، فذكروه،
وزادوا اسمه للتعريف به، ثم قال: ولعله لما كان السؤال محتملاً ذكروا
الأمرين جميعاً، كذا في ((الفتح)).
(١) ((فتح الباري)) (٥٩٠/١١).
(٢) (ص٣٩٧).
(٣) ((صحيح البخاري)) (٦٧٠٤).
٥٧٤
-----
---

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٤) باب
(١٠٠٤) حديث
فَقَالُوا: نَذَرَ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ، وَلَا يَسْتَظِلَّ مِنَ الشَّمْسِ، وَلَا يَجْلِسَ،
وَيَصُومَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: ((مُرُوهُ فَلْيَتَكَلَّمْ،
قلت: وظاهر لفظ ((الموطأ)) أن السؤال كان عن فعله، ولو سأل عن
اسمه لقال: من هذا؟ (فقالوا: نذر أن لا يتكلم ولا يستظل) زاد في بعض
النسخ المصرية: ((من الشمس)) (ولا يجلس ويصوم فقال رسول الله محلل: مروه
فليتكلم) لأن السكوت من المباح ليس من الطاعة، بل قال صاحب (المحلى)):
لا يجوز أن يسكت الرجل من أول اليوم إلى الليل؛ لأن السكوت من كلام لا
إثم فيه ليس بقربة، والسكوت من كلام فيه قربة إثم، وإنما القربة السكوت من
كلام فيه إثم.
قال الخطابي: كان من نسك أهل الجاهلية الصمات، فواحد منهم
يعتكف اليوم والليلة، فيصمت، ولا ينطق، فَنُهوا عن ذلك، وأُمِروا بالذكر،
والنطق بالخير، وأما حديث الترمذي: ((من صمت نجا))، ونحوه مما ورد في
فضيلة الصمت، فالمراد به ترك الكلام الباطل. أو كلام ينجرّ إلى الباطل،
انتھی .
قلت: وقد أخرج البخاري(١) من قول أبي بكر - رضي الله عنه - لا مرأة
حجت مصمتةً: ((تكلمي فإن هذا لا يحلّ، هذا من عمل الجاهلية))، قال
الحافظ(٢): ووقع عند الإسماعيلي من وجه آخر عن أبي بكر - رضي الله عنه -
أن المرأة قالت له: كان بيننا وبين قومك في الجاهلية شَرٌّ، فحلفت: إِنِ اللهُ
عافانا من ذلك أن لا أكلم أحداً حتى أحج، فقال: ((إن الإسلام يهدم ذلك
فتكلمی)) .
(١) أخرجه البخاري في (مناقب الأنصار))، ((باب أيام الجاهلية)) ح (٣٨٣٤)، و((فتح الباري))
(١٤٨/٧).
(٢) ((فتح الباري)) (١٥٠/٧).
٥٧٥

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٤) باب
(١٠٠٤) حدیث
وقد استدل بذلك من قال: بأن من حلف أن لا يتكلم استحب له أن
يتكلم، ولا كفارة عليه؛ لأن أبا بكر - رضي الله عنه - أطلق أن ذلك لا يحل،
وأنه من فعل الجاهلية، وأن الإسلام هدم ذلك، وأبو بكر لا يقول ذلك إلا عن
توقيف فيكون في حكم المرفوع.
ويؤيده قصة أبي إسرائيل هذه، وحديث علي رفعه: ((لا يُتم بعد احتلام،
ولا صمت يوم إلى الليل))، أخرجه أبو داود، وقال ابن قدامة في ((المغنى)):
ليس من شريعة الإسلام الصمت عن الكلام، وظاهر الأخبار تحريمه، واحتجّ
بحديث أبي بكر وحديث علي المذكور قال: فإن نذر ذلك لم يلزمه الوفاء به،
وبهذا قال الشافعي، وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه مخالفاً، انتهى.
وكلام الشافعية يقتضي أن مسألة النذر ليست منقولة، فإن الرافعي ذكر في
((كتاب النذر)): أن في تفسير أبي نصر القشيري عن القفال، قال: من نذر أن لا
يكلم الآدميين يحتمل أن يقال: يلزمه؛ لأنه مما يتقرب به. ويحتمل أن يقال:
لا، لما فيه من التضييق والتشديد، وليس ذلك من شرعنا، قال أبو نصر: فعلى
هذا يكون نذر الصمت في تلك الشريعة لا في شريعتنا، ذكره في تفسير سورة
((مريم)) عند قولها: ﴿إِ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ الآية، وقال الشيخ أبو إسحاق في
((التنبيه)): يكره له صمتُ يومٍ إلى الليل.
قال في ((شرحه)): إِذْ لم يُؤْثَر ذلك، بل جاء في حديث ابن عباس النهي
عنه، وفيه نظر لما روي عن ابن عمر مرفوعاً: ((صمت الصائم تسبيح))، فإن
صح دل على مشروعية الصمت، وإلا فحديث ابن عباس أقل درجاته الكراهة،
إلا أن الحديث المذكور لا يثبت، وقد أورده صاحب ((مسند الفردوس)) من
حديث ابن عمر، وفي إسناده الربيع بن بدر، وهو ساقط، ولو ثبت لما أفاد
المقصود؛ لأن لفظه: ((صمت الصائم تسبيح، ونومه عبادة، ودعاؤه مستجاب))،
فالحديث مساق في أن أفعال الصائم كلها محبوبة إلا أن الصمت بخصوصه
٥٧٦

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٤) باب
(١٠٠٤) حديث
مطلوب، وقد قال الروياني: جرت عادة الناس بترك الكلام في رمضان، وليس
له أصل في شرعنا، بل في شرع من قبلنا .
وأما الأحاديث الواردة في الصمت، وفضله كحديث: ((من صمت نجا))،
أخرجه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وحديث: ((أيسر
العبادة الصمت))، أخرجه ابن أبي الدنيا بسند مرسل، ورجاله ثقات إلى غير
ذلك، فلا يعارض ما جزم أبو إسحاق من الكراهة لاختلاف المقاصد في
ذلك، فالصمت المرغَّبُ فيه: ترك الكلام الباطل، وكذا المباح، إن جرّ إلى
شيء من ذلك، والصمت المنهيّ: ترك الكلام في الحق لمن يستطيعه، وكذا
المباح المستوى الطرفين، انتهى ما في ((الفتح)) (١) ملخصاً.
والظاهر عندي أن ما ورد عن النبي ◌ّل من النهي عن الصمات، هو ما
كان من أمر الجاهلية من صوم الصمت، أو نذره، كما تقدم في الروايات،
ولذا قال الفقهاء: من الكراهة صوم الصمت، قال ابن عابدين: وهو أن لا
يتكلم فيه؛ لأنه تشبّه بالمجوس فإنهم يفعلون هكذا، ((محيط)). قال في
(الإمداد)): فعليه أن يتكلم بخير، وبحاجة دعت إليه، انتهى. وذلك لأن
الإسلام هدم ما قبله، وإلا فطول الصمت بدون النذر، أو الصوم مرغَّب فيه،
وورد في فضله غير رواية.
قال الغزالي (٢): إن خطر اللسان عظيم، ولا نجاة من خطره إلا
بالصمت، فلذلك مدح الشرع الصمتَ، وحثّ عليه، ثم بسط الروايات في
ذلك، وكذا بسطها المنذري في ((الترغيب))(٣)، منها: عن عقبة بن عامر قلت:
(١) انظر: ((فتح الباري)) (١٥١/٧).
(٢) ((إحياء علوم الدين)) (١٠٩/٣).
(٣) ((الترغيب والترهيب)) (٥٢٦/٣).
٥٧٧

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٤) باب
(١٠٠٤) حديث
يا رسول الله ما النجاة؟ قال: ((أمسك عليك لسانك))، الحديث رواه أبو داود
وغيره، وعن ثوبان مرفوعاً: ((طوبى لمن ملك لسانه))، رواه الطبراني، وحسن
إسناده .
وعن سهل بن سعد مرفوعاً: ((من ضمن لي ما بين لحييه ورجليه أضمن
له الجنة))، رواه البخاري، وعن أبي موسى مرفوعاً: ((من حفظ ما بين فقميه (١)
وفرجه دخل الجنة))، رواه أحمد (٢) وأبو يعلى واللفظ له، ورواته ثقات.
وعن سفيان بن عبد الله الثقفي قلت: يا رسول الله أي شيء أتقي؟ فأشار
بيده إلى لسانه، رواه أبو الشيخ في ((الثواب)) بإسناد جيد، وعن أبي ذر
- رضي الله عنه - قال: دخلت على رسول الله ﴿ ﴿ فذكر الحديث بطوله، إلى
أن قال: قلت يا رسول الله: أوصِني، قال: ((عليك بتقوى الله))، وفيه: قلت:
زدني، قال: ((عليك بطول الصمت؛ فإنه مطردة للشيطان، وعونٌ لك على أمر
دينك)) رواه أحمد والطبراني وابن حبان في ((صحيحه)) والحاكم، واللفظ له،
وقال: صحيح الإسناد.
وعن أنس قال: لقي رسول الله وَ﴾ أبا ذر فقال: (يا أبا ذر: ألا أدلك
على خصلتين هما خفيفتان على الظهر، وأثقل في الميزان من غيرهما؟)) قال:
بلى يا رسول الله، قال: ((عليك بحسن الخلق، وطول الصمت، فوالذي نفسي
بيده ما عمل الخلائق بمثلهما)) رواه البزار وأبو يعلى، ورواته ثقات.
ورواه أبو الشيخ وابن حبان من حديث أبي الدرداء بمعناه، وعن أنس
(١) تثنية فقم، بالضم والفتح: اللحي، يريد من حفظ لسانه من الغيبة والنميمة، ((الفتح
الرباني)» (٧٠/١٦).
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده)) (٣٩٨/٤) وأورده الهيثمي وقال: رواه أبو يعلى واللفظ له،
والطبراني، ورواتهما ثقات.
٥٧٨

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٤) باب
(١٠٠٤) حديث
وَلْيَسْتَظِلَّ، وَلْيَجْلِسْ، وَلْيُنِمَّ صِيَامَهُ)) .
هذا حديث مرسل. وقد جاء موصولاً عن ابن عباس.
أخرجه البخاريّ في: ٨٣ - كتاب الأيمان والنذور، ٣١ - باب النذر فيما لا
يملك، وفي معصية .
قَالَ مَالِكٌ: وَلَمْ أَسْمَعْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ أَمَرَهُ بِكَفَّارَةٍ .
مرفوعاً: ((أربعٌ لا يُصَبْن إلا بِعَجَبٍ: (١) الصمت، وهو أول العبادة))، الحديث.
رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد، وقال الحافظ: في إسناده العوّام، وهو:
ابن جويرية، قال ابن حبان: كان يروي الموضوعات، وعَدّ هذا من مناكيره.
وعن ابن عمر مرفوعاً: ((من صمت نجا)) رواه الترمذي وقال: حديث
غريب، والطبراني، ورواته ثقات، وعن أنس مرفوعاً: ((من سره أن يسلّمَ،
فيلزم الصمت)) رواه ابن أبي الدنيا، وأبو الشيخ، وغيرهما .
(وليستظلّ وليجلس) لأنه لا قربة في الثلاثة (وليتم صيامه))) لأنه قربة،
قال الباجي (٢): وهذه المعاني، منها: ما يلزم بالنذر لكونه طاعة، وهو:
الصوم، ومنها: ما لا يلزم، لما لم يكن فيه طاعة، كالقيام للشمس والصمت،
فأمر رسول الله وَّر من يعلمه ما يلزمه من ذلك، ليفي بنذره فيه، ويُعَلِّمُه بما لا
يلزمه، فيترك إتعاب نفسه فيه، وإلزامها إياه.
(قال مالك: ولم أسمع) بصيغة المتكلم في جميع النسخ إلا الزرقاني (٣)،
ففيها لم يسمع، أي: ببناء المجهول للغائب (أن رسول الله بَي أمره بكفارة)
وبهذا استدل من قال: أن لا كفارة في ترك نذر المعصية، كما تقدم في أول
(١) ((الترغيب والترهيب)) (٥٣٤/٣) ومعناه: أي: توجد ولا تجتمع في إنسان إلا على وجه
عجيب: أي قل أن تجتمع فيه.
(٢) ((المنتقى)) (٢٤٠/٣).
(٣) هكذا في ((شرح الزرقاني)) (٦١/٣) ولكن في متن الزرقاني: لم أسمع بصيغة المتكلم.
٥٧٩

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٤) باب
(١٠٠٥) حدیث
وَقَدْ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ بَةِ أَنْ يُتِمَّ مَا كَانَ لِلَّهِ طَاعَةً، وَيَتْرُكَ مَا كَانَ لِلَّهِ
مَعْصِيَةً .
٧/١٠٠٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ
الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَهُ
الباب (وقد أمره رسول الله يعلم أن يتم ما كان الله طاعة) وهو: الصيام (ويترك ما
كان الله معصية) أي: في حكم معصية في أنه لا يلزم الوفاء به، وإلا فالقيام،
وعدم الكلام، وعدم الاستظلال ليست معصية لذاتها؛ إذ أصلها مباح، أشار
إليه ابن عبد البر.
قال الباجي(١): يحتمل أن تسميته معصية؛ وإن كان مباحاً في الأصل
لوجهين: أحدهما: أنه إذا نذر كان معصية؛ لأنه لا يحل أن ينذر ما ليس
بقربة، ولو فعل على وجه غير النذر، والتقرب به لكان مباحاً، وإذا فعل على
وجه النذر، والقربة كان معصية.
والوجه الثاني: أنه إذا بلغ به حد الاستضرار، والتعب كان معصيةً، سواء
فعل بنذر، أو بغير نذر، وإذا ثبت ذلك، فالنذر على ثلاثة أضرب: أحدهما :
أن ينذر ما هو طاعة لله، والثاني: أن ينذر ما هو مباح، والثالث: أن ينذر ما
هو معصية، ولا يلزم من ذلك إلا القسم الأول، انتهى.
-----
قلت: وأما نذر المعصية فتقدم حكمه قريباً، وأما نذر المباح فتقدم في
أول ((كتاب النذور)) في ((القسم الخامس)) من أنواع النذور، وفي ((شرح
المهذب)): إذا نذر مباحاً كلبس، وركوب، لم ينعقد عندنا، وبه قال مالك،
وأبو حنيفة، وداود والجمهور، وقال أحمد: ينعقد، ويلزمه كفارة يمين،
ودليلنا: أنه ليس بقربة، والوفاء به لا يجب إجماعاً، فلم ينعقد، انتهى.
٧/١٠٠٥ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن القاسم بن
محمد، أنه) أي يحيى (سمعه) أي القاسم، وأخرج ابن أبي شيبة برواية
(١) ((المنتقى)) (٢٤١/٣).
٥٨٠
.-----