Indexed OCR Text

Pages 481-500

٢١ - كتاب الجهاد
(٢١) باب
(٩٩٧) حديث
وَكَانَ قَبْرُهُمَا مِمَّا يَلِي السَّيْلَ، وَكَانَا فِي قَبْرِ وَاحِدٍ،
وكان عمرو بن الجموح رجلاً طويلاً فعُرِفا، فدفنا في قبر واحد وكان قبرهما
مما يلي المسيل، فدخله السيل فحفر عنهما، وعليهما نمرتان، قال جابر:
فرأيت أبي في حفرته كأنه نائم، وما تغير من حاله قليل ولا كثير، فقيل له،
فرأيت أكفانه. قال: إنما كفن في نمرة خُمِّر بها وجهه، وجعل على رجليه
الحرمل، فوجدنا النمرة كما هي، والحرمل على رجليه على هيئته وبين ذلك
ستَّة وأربعون سنة، وحُوِّلا من ذلك المكان إلى مكان آخر، وذلك أن القناة
كانت تمر عليهما، وأخرجوا رطاباً يتثنون.
وفي ((الخميس)) عن ((الصفوة)) عن جابر قال: لما أراد معاوية
- رضي الله عنه - أن يجري عينه التي بأحد، كتب إلى عامله بالمدينة،
فكتبوا إليه أنا لا نستطيع أن نخرجها إلا على قبور الشهداء، فكتب معاوية
انبشوهم، قال جابر: فرأيتهم يحملون على أعناق الرجال، كأنهم قوم نيام،
وأصابت المسحاة طرف رجل حمزة، فانبعثت دماً، وفي ((المنتقى)) (١) مثله،
انتهى. والظاهر عندي أن قصة إجراء العين غير قصة حفر السيل كما سيأتي
في آخر الحديث.
(وكان قبرهما مما يلي السيل) المذكور الذي حفره معاوية - رضي الله
عنه - وفي النسخ الهندية، وكان قبراهما بلفظ التثنية، والأوجه الأول (وكانا في
قبر واحد) قال الباجي: وكانا صهرين، واستشهدا يوم أحد، وفي ((وفاء
الوفاء)): قال مالك: إن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو كفنا في كفن
واحد وقبر واحد، رواه ابن شبة، انتهى.
قال الحافظ: عمرو بن الجموح كان صديق والد جابر، وزوج أخته هند
بنت عمرو، وكان جابراً سماه عمه تعظيماً، قال ابن إسحاق في ((المغازي)):
(١) (٢٢٥/٣).
٤٨١

٢١ - كتاب الجهاد
(٢١) باب
(٩٩٧) حديث
حدثني أبي عن رجال من بني سلمة أن النبي وَّ قال حين أصيب عبد الله بن
عمرو وعمرو بن الجموح: ((اجمعوا بينهما، فإنهما كانا متصادقين في الدنيا))،
وفي ((مغازي الواقدي)) عن عائشة: أنها رأت هند بنت عمرو تسوق بعيراً لها
عليه زوجها عمرو بن الجموح، وأخوها عبد الله بن عمرو بن حرام لتدفنهما
بالمدينة، ثم أمر رسول الله وَلل برد القتلى إلى مضاجعهم.
وأما قول الدمياطي: إن قوله: وعمي وهمٌّ، فليس بجيد؛ لأن له محملاً
سائغاً، والتجوّز في مثل هذا يقع كثيراً، وحكى الكرماني عن غيره أن قوله:
عمي تصحيف من عمرو، وقد روى أحمد بإسناد حسن من أبي قتادة، قال:
قتل عمرو بن الجموح وابن أخيه يوم أحد، فأمر بهما رسول الله وَله، فجعلا
في قبر واحد، قال ابن عبد البر في ((التمهيد)): ليس هو ابن أخيه، وإنما هو
ابن عمه، وهو كما قال: فلعله کان أسنَّ منه، انتھی.
قلت: ولفظ ابن سعد من طريق الزهري عن جابر قال رسول الله وَالر :
((أدفنوا عبد الله بن عمرو وعمرو بن الجموح في قبر واحد لما كان بينهما من
الصفاء))، وقال: ((ادفنوا هذين المتحابين في الدنيا في قبر واحد)).
وأخرج أيضاً من طريق نبيح العنزي عن جابر قال: أصيب أبي وخالي
يوم أحد، فجاءت بهما أمي، قد عرضتهما على ناقة أو قال: على جمل،
فأقبلت بهما إلى المدينة، فنادى منادي رسول الله وسلم: ادفنوا القتلى في
مصارعهم، قال: فَرُدَّا حتى دُفِنا في مصارعهما، قلت: وأخرجه الدارمي أيضاً
بهذا السند مفصلاً .
قال الحافظ في ((الإصابة))(١): أخرج ابن أبي شيبة في ((أخبار المدينة))
عن أبي قتادة قال: أتى عمرو بن الجموح النبي ◌ُّ فقال: يا رسول الله! وَال
(١) (٢٩١/٢/٢).
٤٨٢
---

٢١ - كتاب الجهاد
(٢١) باب
(٩٩٧) حديث
وَهُمَا مِمَّنِ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَحُفِرَ عَنْهُمَا لِيُغَيَّرَا مِنْ مَكَانِهِمَا،
. . ..
أرأيت إن قاتلت حتى أقتل في سبيل الله، أتراني أمشي برجلي هذه في الجنة؟
قال: نعم، وكانت عرجاء، فقُتل يوم أحد، هو وابن أخيه، فأمر وَل بهما
ومولاهما، فجعلوا في قبر واحد، انتهى مختصراً.
وذكر الحاكم في ((المستدرك))(١): كان عمرو سيد قبيلته، وكان أعرج،
فقتل هو وابنه خلّاد بن عمرو يوم أحد، حملا جميعاً على المشركين،
وانكشف المشركون فقتلا جميعاً، ومعهما أبو أيمن مولى عمرو، وقال أبو
غسان: قال الواقدي: مع عمرو في القبر خارجة بن زيد، وسعيد بن الربيع،
والنعمان بن مالك، وعبد الله بن الحساس، قال أبو غسان: وقبرهم مما يلي
المغرب من قبر حمزة - رضي الله عنه - نحو خمسمائة ذراع، كذا في ((وفاء
الوفاء)) .
(وهما ممن استشهد) ببناء المجهول (يوم أحد) وكان عبد الله بن عمرو
أول قتيل يوم أحد، كما تقدم قريباً (فحفر) ببناء المجهول أي الأرض (عنهما)
أي حفر قبرهما (ليغيرا) ببناء المجهول أي لينقلا (من مكانهما) إلى قبور أخر.
قال الباجي(٢): حفر السيل قبرهما لما كان مما يليه أو قرب منه، فأرادوا
نقلهما عن مكانهما ذلك إلى موضع لا يضربه السيل، فحفر عنهما لينقلا، ولا
بأس بحفر القبر، وإخراج الميت منه، إذا كان لوجه مصلحة، ولم يكن في
ذلك إضرار به، وليس هذا من باب نبش القبور، فإن ذلك لوجه الضرر أو لغير
منفعة، انتهى .
وفي ((المحلى)): فيه جواز النبش لعذر، وفي ((فتح القدير)) (٣): ولا ينبش
(١) ((المستدرك)) (٢٠٥/٣).
(٢) ((المنتقى)) (٢٢٥/٣).
(٣) (١٠١/٢).
٤٨٣

٢١ - كتاب الجهاد
(٢١) باب
(٩٩٧) حديث
بعد إهالة التراب بمدة طويلة ولا قصيرة إلا لعذر، والعذر أن يظهر أن الأرض
مغصوبة، أو يأخذها شفيع، ولذا لم يحول كثير من الصحابة، وقد دفنوا بأرض
الحرب، ومن الأعذار أن يسقط في اللحد مال أو ثوب أو درهم أحد.
وفي ((المنهاج)): ونبشه بعد دفنه للنقل وغيره حرام إلا لضرورة، كأن دفن
بلا غسل أو في أرض مغصوبة أو ثوب مغصوب أو وقع مال أو دفن بغير
القبلة، انتهى.
وتقدم في الجنائز ما في ((الشرح الكبير)(١) للمالكية: جاز نقل الميت قبل
الدفن، وكذا بعده من مكان إلى آخر بشرط أن لا ينفجر حال نقله، وأن لا
تنتهك حرمته، وأن يكون لمصلحة، كأن يخاف عليه أن يأكله البحر، أو ترجى
بركة الموضع المنقول إليه، أو ليدفن بين أهله، أو لأجل قرب زيارة أهله له.
قال الدسوقي: فإن تخلف شرط من هذه الشروط الثلاثة كان النقل حراماً،
انتھی .
وهكذا في ((المنهل)) وزاد: وقالت الشافعية: يحرم نقله قبل الدفن من بلد
إلى بلد، وإن لم يتغير، لما فيه من تأخير دفنه، ومن التعريض لهتك حرمته،
وقيل: يكره إلا أن يكون بقرب مكة أو المدينة أو بيت المقدس، أما نقله بعد
الدفن فحرام، وقالت الحنابلة: لا بأس بنقله قبل الدفن وبعده إلى مكان آخر؛
لغرض صحيح، كبقعة شريفة، وإفراده في قبر، ومجاورة صالح مع أمن التغير
إلا الشهيد، فإنه يدفن بمكانه، انتهى.
وفي «المغني))(٢): سئل أحمد عن الميت يُخْرَج من قبره إلى غيره، فقال:
إذا كان شيء يؤذيه، قد حُوِّل طلحة وحُوِّلت عائشة، وسئل عن قوم دفنوا في
(١) (١/ ٤٢١).
(٢) ((المغنى)) (٤٤٤/٣).
٤٨٤

٢١ - كتاب الجهاد
(٢١) باب
(٩٩٧) حديث
بساتين ومواضع رديئة؛ فقال: قد نبش معادٍ امرأته، وقد كُفّنَتْ في خلقانٍ،
فَكَفَّنها، ولم ير أبو عبد الله بأساً أن يُحوَّلُوا .
وقال أيضاً في موضع آخر(١): إن وقع في القبر مَا لَهُ قيمة، نُبِش،
وأُخرج، قال أحمد: إذا نسي الحفّار مسحاته في القبر جاز أن يُنْبَشَ عنها،
وقال في الشيء يسقط في القبر، مثل الفأس والدراهم يُنْبش، قال: إذا كان له
قيمة، وقد روي أن المغيرة بن شعبة طرح خاتمه في قبر النبي ◌َّ. ثم قال:
خاتمي، ففتح موضع منه، فأخذ خاتمه، فكان يقول: أنا أقربكم عهداً
برسول الله مَّ﴾. وإن دفن من غير غسل أو إلى غير القبلة، نبش وغسل إلا أن
يخاف عليه أن يتفسخ، فيترك، وهذا قول مالك والشافعي وأبي ثور، وقال أبو
حنيفة: لا ينبش؛ لأن النبش مثلة، وقد نهي عنها .
ولنا: أن الصلاة تجب ولا تسقط بذلك، كإخراج مَا لَهُ قيمة، وقولهم:
إن النبش مثلة، قلنا: إنها مثلة في حق من يقبر، ولا ينبش، ثم قال بعدما ذكر
الاختلاف في نبش من دفن بغير صلاة أو بغير كفن: فأما إن تغير الميت لم
ينبش بحال، وكل موضع أجزنا نبشه لحرمة مِلْكِ الآدمي، فالمستحب تركه
احتراماً للميت، انتهى.
وفي ((الدر المختار))(٢): لا يخرج منه بعد إهالة التراب إلا بحق آدمي،
كأن تكون الأرض مغصوبة أو أخذت بشفعة، ويخير المالك بين إخراجه
ومساواته بالأرض، قال ابن عابدين: قوله: إلا لحقِ آدمِي احترازٌ عن حق الله
تعالى، كما إذا دفن بلا غسل أو صلاة أو وُضِع على غير يمينه أو إلى غير
القبلة، فإنه لا ينبش بعد إهالة التراب.
(١) (٤٩٩/٣).
(٢) (٢٥٨/٢).
٤٨٥

٢١ - كتاب الجهاد
(٢١) باب
(٩٩٧) حديث
فَوُجِدَا لَمْ يَتَغَيَّرَا، كَأَنَّهُمَا مَاتَا بِالأَمْسِ،
ثم قال أيضاً: لا بأس بنقله قبل دفنه، قيل: مطلقاً، وقيل: إلى ما دون
مدة السفر، وقيده محمد بقدر ميل أو ميلين، لأن مقابر البلد ربما بلغت هذه
المسافة، فيكره فيما زاد، قال في ((النهر)) عن ((عقد الفريد)): هو الظاهر، وأما
نقله بعد الدفن فلا مطلقاً، وتمامه في ((الفتح))، انتهى.
وحكى الطحطاوي على ((المراقي)) عن ((المضمرات)): النقل بعد الدفن على
ثلاثة أوجه: في وجه يجوز باتفاق، وفي وجه لا يجوز باتفاق، وفي وجه
اختلاف، أما الأول: فهو إذا دفن في أرض مغصوبة أو كُفِّن في ثوب مغصوب،
ولم يرض صاحبه إلا بنقله عن ملكه أو نزع ثوبه جاز أن يخرج منه باتفاق.
وأمَّا الثاني: فكالأم إذا أرادت أن تنظر إلى وجه ولدها أو نقله إلى مقبرة
أخرى لا يجوز باتفاق.
وأما الثالث: إذا غلب الماء على القبر، فقيل: يجوز تحويله لما روي أن
صالح بن عبيد الله رؤي في المنام، وهو يقول: حوّلوني عن قبري، فقد آذاني
الماء ثلاثاً، فنظروا، فإذا شِقُّه الذي يلي الماء قد أصابه الماء، فأفتى ابن
عباس - رضي الله عنه - بتحويله، وقال الفقيه أبو جعفر: يجوز ذلك أيضاً ثم
رجع عنه، انتھی.
(فوجدا) ببناء المجهول (لم يتغيرا) قال الزرقاني(١): لأن الأرض لا تأكل
أجساد الشهداء (كأنهما ماتا بالأمس) قال الباجي(٢): هذه على ما نعتقده كرامة
من الله تعالى خصهما بها، ولعله خصَّ بذلك أهل أحد ومن كان له مثل
فضلها، فإن الأرض تسرع التغيير إلى من دفن فيها، ولو كان ذلك أمراً معتاداً
في تلك الأرض لما ذكر في هذا الحديث على وجه التعجب منه، انتهى.
(١) ((شرح الرزقاني)) (٥٣/٣).
(٢) ((المنتقى)) (٢٢٥/٣).
٤٨٦
1 -------

٢١ - كتاب الجهاد
(٢١) باب
(٩٩٧) حديث
وَكَانَ أَحَدُهُمَا قَدْ جُرِحَ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى جُرْحِهِ، فَدُفِنَ وَهُوَ كَذْلِكَ،
فَأَمِيطَتْ يَدُهُ عَنْ جُرْحِهِ، ثُمَّ أَرْسِلَتْ، فَرَجَعَتْ كَمَا كَانَتْ، وَكَانَ بَيْنَ
أَحُدٍ وَبَيْنَ يَوْمَ حُفِرَ عَنْهُمَا، سِتُّ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً .
(وكان أحدهما) وهو عبد الله بن عمرو بن حرام، فقد روى الواقدي أن
عبد الله قد أصابه جرح في يده، فيده على جرحه، فأميطت يده عن جرحه،
فانبعث الدم، فرُدَّت إلى مكانها، فسكن الدم، كذا في ((وفاء الوفاء)»
و ((الخصائص))(١) للسيوطي (قد جرح) ببناء المجهول (فوضع) ببناء المعلوم (يده
على جرحه) لشدة الألم (فدفن) ببناء المجهول (وهو كذلك) أي واضعاً يده
على جرحه .
قال الباجي: ولعله إنما ترك على ذلك لاستعجال دفنه وترك التردد
والتوقف على تليين أعضائه، ويحتمل أن يكون قد تعذّر ذلك إلا بتغير شيء من
أعضائه، ويحتمل أن يكون قد ترك على تلك الحال ليحشر عليها، انتهى.
(فأميطت) أي نحيت (يده عن جرحه ثم أرسلت) ببناء المجهول أي تركت يده
بعد الإماطة (فرجعت) اليد على الجرح (كما كانت) قبل الإماطة.
قال الباجي (٢): يقتضي أنه قد بقيت رطوبة أعضائه ولينها، ولو نشفت
وذهبت رطوبتها لما أمكن إزالة يده من مكانها إلا بكسر شيء من أعضائها
وصرفها إلى صورة تمنع رجوعها إلى مكانها إذا تركت، على أنه قد كان بين
دفنهما ووقت الحفر عنهما ست وأربعون سنة، وهذه مدة لا يكاد يبقى معها
الميت على المعتاد من الأحوال بقية رطوبة ولا اتصال أعضاء، انتهى.
(وكان بين) غزوة (أحد) التي استشهد فيها (وبين يوم حفر) ببناء المجهول
أي الأرض أو القبر (عنهما ست وأربعون سنة) وقد أخرج البخاري في
(١) ((الخصائص الكبرى)) (٢١٩/١).
(٢) ((المنتقى)) (٢٢٦/٣).
٤٨٧

٢١ - كتاب الجهاد
(٢١) باب
(٩٩٧) حديث
((صحيحه) (١) عن جابر قال: ((لما حضر أحدٌ دعاني أبي من الليل، فقال: ما
أراني إلا مقتولاً في أول من يقتل من أصحاب النبي (َّ﴾))، الحديث، وفيه:
((فأصبحنا فكان أول قتيل، ودفن معه آخر في قبر، ثم لم تطب نفسي أن أتركه
مع الآخر، فاستخرجته بعد ستة أشهر، فإذا هو كيوم وضعته هُنَيّةً غير أذنه))
والصواب غير هُنَيَّةٍ في أذنه.
قال الحافظ(٢): هذا يخالف في الظاهر ما في ((الموطأ)) أي قوله: ((ست
وأربعون سنة))، وقد جمع بينهما ابن عبد البر بتعدد القصة، وفيه نظر، لأن
الذي في حديث جابر ((أنه دفن أباه في قبر وحده، بعد ستة أشهر)). وفي
حديث ((الموطأ)) ((أنهما وجدا في قبر واحد بعد ستة وأربعين سنة))، فإما أن
المراد بكونهما في قبر واحد قرب المجاورة، أو أن السيل خرق أحد القبرين،
فصارا كقبر واحد، وقد ذكر ابن إسحاق القصة في ((المغازي))، وله شاهد
بإسناد صحيح عن ابن سعد من طريق أبي الزبير عن جابر، انتهى.
قلت: وتقدم حديثا ابن إسحاق وابن سعد قريباً، وقال العيني(٣): الأوجه
أن يقال: المنقول عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة بلاغ، فلا يقاوم المروي
عن جابر، انتهى.
قلت: لكن رواية ((الموطأ)) مؤيدة برواية ابن إسحاق وابن سعد وغيرهما .
وبسط ذلك السمهودي في ((وفاء الوفاء))، فقال: ((قبر عمرو بن الجموح
وعبد الله بن عمرو بن حرام ومن ذكر معهما))، ثم ذكر أولاً حديث ((الموطأ))
هذا، ثم قال: وقال مالك: إن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو كُفَّنَا في
(١) ((صحيح البخاري)) (١٣٥١).
(٢) ((فتح الباري)) (٢١٦/٣)، وانظر: ((شرح الزرقاني)) (٥٣/٣).
(٣) ((عمدة القاري)) (٢٢٩/٦).
٤٨٨
-------

٢١ - كتاب الجهاد
(٢١) باب
(٩٩٧) حديث
كفن واحد وقبر واحد، رواه ابن شبّة، ثم روى بسند جيد عن جابر - رضي الله عنه .
قال: دفن مع أبي رجل يوم أحد، فلم تطب نفسي حتى أخرجته فدفنته على حدة.
قال السمهودي: يحتمل أن سبب الإخراج ما تقدم من أمر السيل، ووافق
ذلك ما في نفس جابر، فتكون القصة واحدة، لكن روى البخاري في
(صحيحه)) خبر جابر مطولاً، وفيه قوله: ((بعد ستة أشهر))، يقتضي أن ذلك ليس
هو قصة السيل، لأن المدة في تلك ست وأربعون سنة، وروى ابن شبّة عن
جابر أيضاً قال: صُرِخَ بنا إلى قتلانا يوم أحد حين أجرى معاوية العينَ،
فأتيناهم. فأخرجناهم رطاباً تثنى أجسادهم، قال سعيد بن عامر أحد رواته:
((وبين الوقتين أربعون سنة)) وقال ابن إسحاق: حدثني أبي عن رجال من بني
سلمة أن رسول الله وَ ل﴿ قال: ((حين أصيب عمرو بن الجموح وعبد الله بن
عمرو يوم أُحْدٍ: أجمعوا بينهما، فإنهما متصافين في الدنيا))، قال أبي: فحدثني
أشياخ من الأنصار قالوا: لما ضرب معاوية عينه التي مرت على قبور الشهداء
استصرخنا عليهم، وقد انفجرت العينُ عليهما في قبورهما، فجئنا،
فأخرجناهما. وعليهما بُردتان. الحديث، نقله البيهقي في ((دلائل النبوة)).
وعن جابر من حديث طويل قال: فبينا أنا في النظّارين إذ جاءت عمتي
بأبي وخالتي عادلتهما على ناضح، فدخلت بهما في المدينة، لتدفنهما في مقابرنا
إذ لحِق رجلٌ ينادي [ألا] ((إن النبي ◌َّ أمركم أن ترجعوا بالقتلى، فيدفنوا في
مصارعهم))، فرجعنا بهما فدفناهما حيث قُتِلا، فبينا أنا في خلافة معاوية إذ
جاءني رجل، فقال: يا جابر: لقد أثار أباك عُمَّالُ معاوية، فخرج طائفة منه،
فأتيته، فوجدته على النحو الذي دفنته لم يتغير إلا ما لم يدع القتل أو القتال،
فواريته، الحديث، رواه أحمد (١) برجال الصحيح خلا نُبيح العَنَزِيِّ(٢) وهو ثقة.
(١) أخرجه أحمد في ((مسنده)) (٣٩٨/٣) ح (١٥٢١٧).
(٢) وفي الأصل الغنوي هو تحريف.
٤٨٩

٢١ - كتاب الجهاد
(٢١) باب
(٩٩٧) حديث
قال السمهودي: فهذه قصة ثالثة: فيؤخذ من مجموع ذلك أن جابراً حفر
عن أبيه ثلاث مرات، الأولى: لعدم طيب نفسه بدفنه مع غيره، لعله استأذن
النبي ◌ّل في ذلك، فأذن له لما يترتب عليه من ظهور ما يشهد لحياة الشهداء
وسلامة أبدانهم، وكان دفنهم مجتمعين للضرورة في ذلك اليوم، أو فهم جابر
جواز ذلك عند زوال الضرورة، واتساع الوقت، ففعله، وكأنه لما أخرجه دفنه
بإزاء قبر صاحبه وصهره محافظةً على القرب من مصرعه، فقد جاء الأمر
بدفنهم في مصارعهم.
والثانية: لما أجرى معاوية رضي الله عنه العين، وكان في ذلك أيضاً
ظهور المعجزة بحياة الشهداء، فقد أسند ابن الجوزي في ((مشكله)) عن جابر
قال: صرخ بنا إلى قتلانا يوم أحد حين أجرى معاوية - رضي الله عنه - العين،
فأخرجناهم بعد أربعين سنة.
والثالثة: لحفر السيل عنه وعن صاحبه، فقد روى الواقدي أن قبرهما كان
مما يلي السيل، فحفر عنهما، وعليهما نمرتان، قال جابر: فرأيت أبي في
حفرته، فكأنه نائمٌ، وبين ذلك ست وأربعون سنة، انتهى مختصراً.
وقال السيوطي في (الخصائص))(١): أخرج ابن سعد والبيهقي وأبو نعيم
عن جابر قال: استصرخنا إلى قتلانا يوم أحد، وذلك حين أجرى معاوية
العين، فأخرجناهم رطاباً، تثنى أطرافهم على رأس أربعين سنة، وأصابت
المسحاة قدم حمزة فانبعثت دماً .
قلت: وأخرجه البيهقي في ((الدلائل)) بثلاث طرق وألفاظ مختلفة: إن
إخراجهم كان بعد أربعين سنة حين أجرى معاوية العين. فالظاهر ما ذهب إليه
السمهودي أن القصة وقعت ثلاث مرات بعد ستّة أشهر، وبعد أربعين سنة عند
(١) ((الخصائص الكبرى)) (٢١٩/١).
٤٩٠

٢١ - كتاب الجهاد
(٢١) باب
(٩٩٧) حديث
قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ أَنْ يُدْفَنَ الرَّجُلَانِ وَالثَّلَاثَةُ فِي قَبْرِ وَاحِدٍ،
مِنْ ضَرُورَةٍ،
إجراء العين، وبعد ست وأربعين حين دخله السيل، وذلك لتعدُّد الروايات في
كلٍّ من الثلاثة.
(قال مالك: لا بأس بأن يدفن) ببناء المجهول (الرجلان والثلاثة في قبر
واحد من ضرورة) لفظة ((من)) أجلية. قال الباجي(١): يدل على أن ذلك لا يفعل
إلا من ضرورة، وكذلك قال أشهب: لا يكفنان في كفن واحد إلا من ضرورة،
ولمن فعل ذلك من غير ضرورة حظه من الإساءة، قال مالك: وإلا فالسنة أن
يدفن كل واحد منهم في قبر، قال أشهب: وإذا دفن رجلان في القبر لم يجعل
بينهما حاجز من التراب، وذلك أنه لا معنى له إلا التضييق، انتهى.
قال الدردير (٢): جاز جمع أموات بقبر واحد للضرورة ذكوراً أو إناثاً أو
البعض ولو أجانب، ولا يجوز لمُّ العظام، ووَلِيَ ندباً القبلةَ الأفضلُ، وقُدِّمَ
الذكر على الأنثى والكبير على الصغير والحر على العبد، انتهى.
قال الموفق(٣): لا يدفن اثنان في قبر واحد إلا لضرورة. وسئل أحمد
عن الاثنين والثلاثة في قبر واحد، قال: أما في مصر فلا وأما في بلاد الروم
فتكثر القتلى. فيُحفر شبهُ النهر، رأس هذا عند رجل هذا، ويجعل بينهما
حاجزاً لا يلتزق واحد بالآخر، وهذا قول الشافعي، وذلك أنه لا يتعذّر في
الغالب إفراد كل واحد بقبر في المصر، ويتعذّر ذلك غالباً في دار الحرب،
وفي موضع المعترك، وإن وجدت الضرورة جاز دفن الاثنين والثلاثة وأكثر في
القبر الواحد حيثما كان في مصر أو غيره، انتهى.
(١) ((المنتقى)) (٢٢٦/٣).
(٢) ((الشرح الكبير)) (٤٢٢/١).
(٣) («المغني)) (٣/ ٥١٣).
٤٩١

٢١ - كتاب الجهاد
(٢١) باب
(٩٩٧) حديث
وَيُجْعَلَ الأَكْبَرُ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ.
وقال أيضاً: يجعل بين كل اثنين حاجز من التراب، فيجعل كل واحد
منهم في مثل القبر المنفرد لأن الكفن حائل غير حصين، قال أحمد: ولو جعل
لهم شبه النهر، وجعل رأس أحدهم عند رجل الآخر، وجعل بينهم شيء من
التراب لم یکن به بأس، انتهى.
وسيأتي قريباً ما في ((شرح الإقناع))، قال صاحب ((المحلى)): وبه قال أبو
حنيفة والشافعي: إنه لا بد أن لا يدفن اثنان في قبر إلا لضرورة، ولكن لا
يحفر قبر لدفن آخر إلا إن بلي الأول، فلم يبق له عظم إلا أن لا يوجد، فيضم
عظام الأول، ويجعل بينهما حاجز تراب، كذا في ((فتح القدير)) (١). وقد دفن
الإمام زين العابدين في البقيع في القبر الذي فيه عمه الحسن بن علي، ثم دفن
فيه ابنه محمد الباقر وابن ابنه جعفر الصادق، انتهى.
(ويجعل) ببناء المجهول (الأكبر) في الفضل وإن تساووا ففي السن (مما
يلي القبلة) لما في الصحاح من حديث جابر - رضي الله عنه - بألفاظ مختلفة
((أن النبي ◌ّ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في قبر واحد، ثم يقول:
أيهما أكثر أخذاً للقرآن، فإذا أُشير إلى أحدهما قدّمه في اللحد)»، وفي
(المنتقى)): ((يقدم في اللحد الأكبر، ويجعل مما يلي القبلة))، وهذا معنى
التقديم في اللحد.
وقال أشهب: يقدم في اللحد أفضلهما. وقد روي عن النبي ◌َ ◌ّ أنه كان
يقدم في اللحد أكثرهما قرآناً، وهذا كله يعود إلى معنى الفضيلة، فإذا استويا
في الفضيلة قُدِّم أكبرهما، لأن للسن حقاً وفضيلة. وروى موسى بن معاوية عن
ابن القاسم: نجعل الرجال مما يلي القبلة، ثم نجعل بعدهم الصبيان، ثم نجعل
بعدهم النساء، انتهى. وتقدم قريباً كلام الدردير.
(١) (١٠٢/٢).
٤٩٢
-

٢١ - كتاب الجهاد
(٢١) باب
(٩٩٨) حديث
٥٠/٩٩٨ - حدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي
عَبْدِ الرَّحْمُنِ؛ أَنَّهُ قَالَ:
وفي ((شرح الإقناع))(١): ولا يدفن اثنان في قبر واحد ابتداء، بل يفرد كل
ميت بقبر حالة الاختيار، فلو جمع اثنان في قبر، واتحد الجنس كرجلين
وامرأتين كره عند الماوردي، وحُرِّم عند السرخسي، ونقله عنه النووي في
((المجموع)) (٢) مقتصراً عليه، ونازع في التحريم السبكي إلا لحاجة، فيجمع بين
الاثنين والثلاثة والأكثر بحسب الضرورة، وكذا في ثوب واحد للاتباع في قتلى
أحد، فيقدم حينئذ أفضلهما ندباً، وهو الأحق بالإمامة إلى جدار القبر القبلي.
لكن لا يقدّم فرع على أصله من جنسه وإن علا حتى يقدم الأب على
الابن، وإن كان أفضل منه لحرمة الأبوة، وتقدم الأم على البنت، وإن كانت
أفضل منها، أما الابن مع الأم فيقدم لفضيلة الذكورة، ويقدم الرجل على
الصبي والصبي على الخنثى، والخنثى على المرأة.
قال البجيرمي: لكن يجب أن يجعل بينهما ما يمنع التماسَّ، كتراب
ونحوه، انتهى.
وكذلك ترتيبهم عند الحنفية كما في ((الدر المختار)): فيقدم إلى القبلة
الأفضل فالأفضل الرجل ثم الصبي، فالخنثى فالبالغة، فالمراهقة، والصبي
الحر يُقَدَّمُ على العبد أي ولو بالغاً، والعبد على المرأة.
٥٠/٩٩٨ - (مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن) المعروف بربيعة الرأي
(أنه قال) قال ابن عبد البر: منقطع باتفاق رواة ((الموطأ))، ويتصل من وجوه
صحاح عن جابر، كذا في ((الزرقاني))(٣)، وفي ((التمهيد)): يتصل من وجوه ثابتة
(١) (٣٠٧/٢).
(٢) انظر: ((المجموع)) (٢٤٧/٥).
(٣) ((شرح الرزقاني)) (٥٤/٣) و((الاستذكار)) (٣٤٣/١٤).
٤٩٣

٢١ - كتاب الجهاد
(٢١) باب
(٩٩٨) حديث
قَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ مَالٌ مِنَ الْبَحْرَيْنِ،
عن جابر رواه عنه جماعةٌ، منهم أبو جعفر بن علي، ومحمد بن المنكدر،
وعبد الله بن عقيل، وأبو الزبير، والشعبي، ثم ذكر طرقها .
قلت: وأخرجه البخاري في (صحيحه)) (١) بطرق عن جابر، ولفظه في
الهبة قال: ((قال لي النبي وسلم: لو جاء مال البحرين أعطيتك هكذا ثلاثاً، فلم
يقدم حتى توفي النبي ◌َّر، فأرسل أبو بكر منادياً ينادي من كان له عند النبي وَّل
عدة أو دين فليأتنا، فأتيته، فقلت: إن النبي ◌َّ وعدني، فحثى لي ثلاثاً))،
ومعنى قوله: ((لم يقدم)) أنه لم يأت مالٌ بعدما وعد جابراً، وإلا فقد قدم أبو
عبيدة بمال من البحرين، وسمعتِ الأنصار بقدومه، فوافقوا صلاة الصبح مع
النبي ◌َّير، كما أخرجه البخاري في مواضع من ((صحيحه)).
قال الحافظ (٢): وعد جابراً بعد هذا أن يعطيه من مال البحرين، فوفى له
أبو بكر - رضي الله عنه -، وقال أيضاً في موضع آخر: المراد أنه لم يقدم في
السنة التي مات فيها النبي ◌ّ# لأنه كان مال خراج أو جزية، فكان يقدم من
سنة إلى سنة، انتهى.
(قدم على أبي بكر الصديق) في خلافته (مال من البحرين) بلفظ تثنية
بحر، موضع معروف تقدم ضبطه في أبواب الجزية، وكانت البحرين من مملكة
الفرس، وكان بها خلق كثير من العرب من عبد القيس وبكر بن وائل وغيرهما
مقيمين في باديتها، وكان على العرب من قبل الفرس المنذر بن ساوي بن
عبد الله بن زيد بن عبد الله بن دارم بن مالك بن حنظلة، فلما كان سنة ٨هـ
وَجَّه رسول الله وَّ العلاء بن عبد الله الحضرمي إلى البحرين. ليدعو أهلها إلى
الإسلام أو الجزية، وكتب معه إلى المنذر بن ساوي وإلى سِيْبُخْت مرزبان هجر
(١) ((صحيح البخاري)) (٢٥٩٨)، باب إذا وهب هبة أو وعد ثم مات ((فتح الباري)) (٥٪
٢٢١)، وأخرجه البخاري في فرض الخمس (٣١٣٧)، و((فتح الباري)) (٢٣٧/٦).
(٢) ((فتح الباري)) (٢٦٣/٦).
٤٩٤
۔۔

٢١ - كتاب الجهاد
(٢١) باب
(٩٩٨) حديث
يدعوهما إلى الإسلام أو الجزية، فأسلما وأسلم معهما جميع العرب هناك
وبعض العجم، فأما أهل الأرض من المجوس واليهود والنصارى، فإنهم
صالحوا العلاء على الجزية .
قال العلاء: بعثني رسول الله وَ﴾ إلى البحرين أو هجر، وكنت آتي
الحائط بين الأُخُوَّة، قد أسلم بعضهم فآخذ من المسلم العشر، ومن المشرك
الخراج، وعن قتادة قال: لم يكن بالبحرين في أيام رسول الله وَ ل قتال، ولكن
بعضهم أسلم، وبعضهم صالح العلاء على أنصاف الحب والتمر، كذا في
(فتوح البلدان)) و((معجم البلدان))(١).
وقالا: بعث العلاء الحضرمي إلى رسول الله و لر مالا من البحرين يكون
ثمانين ألفا ما أتاه أكثر منه قبله ولا بعده، لكن قال الحافظ في ((الفتح))(٢):
روى ابن أبي شيبة من طريق حميد بن هلال مرسلاً أنه كان مائة ألف، وأنه
أرسل به العلاء بن الحضرمي من خراج البحرين، قال: وهو أول خراج حمل
٠
إلى النبي
وقال أيضاً: إن ذلك المال كان من الجزية، كما في أول باب الجزية
عند البخاري من حديث عمرو بن عوف، فأغنى ذلك عن قول ابن بطال:
يحتمل أن يكون من الخمس أو من الفيء، انتهى.
قال الباجي(٣): قوله: فقدم على أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - مال
من البحرين يريد من مال الله، وما ينقل إلى بيت مالهم من الجزية التي على
الجماجم، وخراج الأرض، وعشور أهل الذمة إذا تجِروا من أفق إلى أفق،
والركاز والمعدن إذا أخذ منه الخمس.
(١) (٣٤٦/١).
(٢) (فتح الباري)) (٢٤٢/٦).
(٣) ((المنتقى)) (٢٢٦/٣).
٤٩٥

٢١ - كتاب الجهاد
(٢١) باب
(٩٩٨) حديث
وهذا يحتمل أن ينقل إلى المدينة على وجهين: أحدهما: أن ينقل إليها
بعد سدّ خلة أهل تلك البلاد التي يجبى فيها ذلك المال، وهذا حكم كل مال
يجبى في جهة من الجهات أن ينظر إلى حال تلك الجهة التي جبي فيها، وحال
سائر تلك الجهات، فإن استوت حاجتهم، وعمتهم الشدة أو السعة فُرِّق حيث
جبي، ولا ينقل إلى غيره من البلاد شيء منه، رواه ابن الموّاز عن مالك.
وإن كان غيرها من البلاد أحوج نقل إلى غيرها، ولا يعدى أي لا يحرم
منها من جبيت منهم، رواه ابن المواز عن مالك، ووجه ذلك أن لهم مزية على
غيرهم في استحقاقه لاختصاصهم به، فلا يجب أن يحرموا منه، وإن استحق
نقل بعضها للحاجة النازلة بغيرهم.
وقال في ((المجموعة)) و((الموازية)) وغيرها في الرجل من أهل الشام يبعث
ببعض صدقاته إلى المدينة: فذلك صواب، قال محمد: وأرى مالكاً خص
المدينة بذلك، لأنها بلد الرسول وم 18 وهذا الذي قاله محمد يحتمل، ويحتمل
أن يكون ذلك، لأن الغالب على أهل المدينة الحاجة وضيق الحال، وقد قال
في ((المدونة)) في الرجل يخرج زكاة ماله، فيبلغه عن أهل المدينة حاجة،
فيرسل إليها ببعض زكاته: ما رأيت بذلك بأساً ورأيته صواباً .
والوجه الثاني: أن ينقل إلى المدينة لأن بها كان الإنفاق وإعطاء
الأرزاق. فكان ينقل ذلك إلى من يرزق منه بعد سدّ الثغور التي كان يجبى منها
هذا المال. والتفريق على أهلها بقدر ما يغنيهم أو يسدّ حاجتهم، فيفرق
بالمدينة على أهل الأعطية، وعلى من اعتزّ الخليفة بها، ولزمه حقوق
المسلمین، انتهى.
وقال الحافظان ابن حجر والعيني (١): كان هذا المال من أموال الجزية،
بعثه العلاء بن الحضرمي الذي كان عامل الصديق على البحرين.
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٢٤٢/٦)، و((عمدة القاري)) (٦٦١/٨).
٤٩٦

٢١ - كتاب الجهاد
(٢١) باب
(٩٩٨) حديث
فَقَالَ: مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ:﴿ وَأَيِّ أَوْ عِدَةٌ، فَلْيَأْتِنِي، فَجَاءَهُ
جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَحَفَنَ لَهُ ثَلَاثَ خَفَنَاتٍ.
قال أبو عمر: منقطع باتفاق رواة الموطأ، ومتصل من وجوه صحاح عن جابر.
أخرجه البخاريّ في: ٣٩ - كتاب الكفالة، ٣ - باب من تكفل عن ميت ديناً.
ومسلم في: ٤٣ - كتاب الفضائل، ١٤ - باب ما سئل رسول الله وَلل قط،
فقال: لا. حديث ٦٠ و٦١.
(فقال) أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - على لسان المنادي، ولفظ البخاري
((فأمر أبو بكر منادياً فنادى))، وفي أخرى له: فأرسل أبو بكر - رضي الله عنه - منادياً
فنادى، قال الحافظ(١): لم أقف على اسمه، ويحتمل أن يكون بلالا - رضي الله
عنه - (من كان له عند رسول الله ﴿لجر وأي) بفتح الواو وإسكان الهمزة مصدره
وأى(٢)، قال المجد: وَأَى كوَعَى: وعد، وضَمِن (أو عدة) بكسر العين وخفة الدال
المهملتين مصدر وعد، شكٌّ من الراوي، ويحتمل التنويع، ولفظ البخاري ((عدة أو
دين)). (فليأتنا) بضمير الجمع في الهندية. وفي المصرية: ((فليأتني)) بضمير الإفراد،
وكلاهما بصيغة الأمر من الإتيان، أي فليجئ عندي أَفِ له به.
(فجاءه) أي جاء أبا بكر - رضي الله عنه - (جابر بن عبد الله) بن عمرو بن
حرام الأنصاري، ولفظ البخاري من طريق ابن المنكدر عن جابر، قال أبو
بكر: ((من كان له عند رسول الله ص ◌َلّ عدة فليأتني، فأتيته، فقلت: إن
رسول الله و قد كان قال لي: لو قد جاءنا مال البحرين لأعطيتك هكذا
وهكذا وهكذا، فقال لي: احثه، فحثوت حثية، فقال لي: عِدْها فعددتها، فإذا
هي خمسمائة))، فأعطاني ألفاً وخمسمائة. وفي أخرى له: ((فأتيته فقلت: إن
رسول الله ( ٣ قال لي كذا وكذا، فحثى لي ثلاثاً)) وجعل سفيان (الراوي) يحثو
بكفيه جميعاً (فحفن له) أي لجابر أبو بكر - رضي الله عنه - (ثلاث حفنات)
(١) ((فتح الباري)) (٢٤٢/٦).
(٢) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٥٤/٣).
٤٩٧

٢١ - كتاب الجهاد
(٢١) باب
(٩٩٨) حديث
جمع حفنة، وهي ما يملأ الكفين، والمراد أنه أمره بأن يحفن حفنة، ثم أمره
بعدها ثم قال له مثليها، كما تقدم عن البخاري.
قال الباجي(١): استدعى أبو بكر من كان له عند رسول الله وَّ عدة ليفي
بعهده، وينجز عدته، إذ هو الخليفة والقاضي عنه ما وعد به والمتبع لسيرته والقائم
بإنفاذ وصيته، وما وعد به النبي ◌ّ﴾ فهو حق يحق على أبي بكر - رضي الله عنه - وغيره
ممن يأتي بعده إنفاذه، وقد جاء جابر إلى أبي بكر، فقال: إن رسول الله وَّ قال لي
هكذا، فيحتمل أن جابراً ثبت ذلك عنده بشهادة عدلين، ويحتمل أن أبا بكر قَبل قوله
لما رآه أهلاً لذلك، وكان من حسن النظر أن يعطيه وإن لم يكن النبي ◌َّ وعده.
وقد قال مالك رحمه الله: قد يعطي الوالي الرجل المال جائز لأمر يراه
فيه على وجه الدين، قال: فإن كان على وجه العدَةِ فهل هي لازمة؟ يحتمل أن
تكون مواعد النبي صل# في هذا لازمة له، لأن وعده حق وصواب، ولم يعد من
ماله عطية، وإنما وعد من بيت المال، فكأنه عين لمن وعده ذلك المقدار في
بيت المال، وتعيينه صواب، فيجب أن يُنَفَّذَ.
ويحتمل أن يكون حكمه في ذلك حكم غيره، ولا يخلو أن يكون الوعد
يدخل الإنسان في أمر أو لا يدخله فيه، مثل أن يقول: اشتر ثوباً وأنا أعينك
بدينار أو أسلفك الثمن، فهذا اتفق أصحابنا أن هذه العدة لازمة، يحكم بها
على الواعد، وأما إن كانت عدة لا تدخل من وعده في شيء، فلا تخلو من أن
تكون مفسرة أو مبهمة، فإن كانت مفسرة مثل أن يقول الرجل للرجل: أعرني
دابتك إلى موضع كذا، فيقول: أنا أعيرك غداً، أو يقول: عليَّ دين فأسلفني
مائة دينار أقضيه، فيقول: أنا أسلفك، فهذا قال أصبغ في ((العتبية)): يحكم
بإنجاز ما وعد به كالذي يدخل الإنسان في عقد، فظاهر المذهب على خلاف
هذا، لأنه لم يدخله بوعده في شيء يضطره إلى ما وعده.
(١) ((المنتقى)) (٢٢٧/٣).
٤٩٨

٢١ - كتاب الجهاد
(٢١) باب
(٩٩٨) حديث
وأما إن كانت مبهمة مثل أن يقول: أسلفني مائة دينار. ولا يذكر حاجته
إليها، أو يقول: أعرني دابتك أركبها ولا يذكر له موضعاً، ولا حاجة، فهذا
قال أصبغ: لا يحكم عليه بها، انتهى.
وقال ابن عبد البر في ((التمهيد)) (١): في الحديث من الفقه أن العدة
واجب الوفاء بها وجوبَ منة وكرامة، وذلك من أخلاق أهل الإيمان، وقد جاء
في الأثر: ((وَأَيُّ المؤمن واجب)) أي واجب في أخلاق المؤمنين، وإنما قلنا:
إن ذلك ليس بواجب فرضاً لإجماع الجميع على أن من وعد بمال ما كان لم
يضرب به مع الغرماء، فلذلك قلنا: إيجاب الوفاء به حسن في المروءة، ولا
يقضى به، ولا أعلم خلافاً أن ذلك مستحسن، يستحق صاحبه الحمد والشكر
على الوفاء به، ويستحق على الخلف في ذلك الذم.
واختلف الفقهاء فيما يلزم من العدة، وما لم يلزم منها، وكذلك اختلف
في تأخير الدين الحال هل يلزم أم لا يلزم، وهو من هذا الباب؟ فقال مالك
وأصحابه: من أقرض مالاً دنانير أو دراهم أو شيئاً مما يكال أو يوزن أو غير
ذلك إلى أجل، أو منح منيحة، أو أعار عارية، أو أسلف سلفاً كل ذلك إلى
أجل، ثم أراد الانصراف في ذلك، وأخذه قبل الأجل لم يكن له ذلك لأن هذا
مما يتقرب به إلى الله عز وجل، وهو من باب الحسبة، وأجمعوا على أنه لا
يتصرف في الصدقات.
فأما العدة مثل أن يسأل الرجل الرجل أن يهب له الهبة، فيقول: نعم،
ثم يبدو له أن لا يفعل، فما أرى ذلك يلزمه، ولو كان ذلك في قضاء دين
فسأله أن يقضيه عنه، فقال: نعم، وثم رجال يشهدون عليه، ويلزمه إذا شهد
عليه اثنان .
(١) (٢٠٦/٣ - ٢٠٧) و((الاستذكار)) (٣٤٣/١٤ - ٣٤٤).
٤٩٩

٢١ - كتاب الجهاد
(٢١) باب
(٩٩٨) حديث
وقال سحنون: الذي يلزمه من العدة في السلف والعارية أن يقول
للرجل: اهدم دارك وأنا أسلفك ما تبنيها به، واخرج إلى الحج، وأنا أسلفك
ما يبلغك، وما أشبه ذلك، فهذا كله يلزمه، وأما أن يقول الرجل: أنا أسلفك،
وأنا أعطيك بغير شيء يلزمه المأمور نفسه، فهذا كله يلزمه. وقال أبو حنيفة
وأصحابه والأوزاعي والشافعي وسائر الفقهاء: أما العدة فلا يلزمه منها شيء،
لأنها منافع لم يقبضها في العارية، لأنها طارئة، وفي غير العارية فهي أشخاص
وأعيان موهوبة لم تقبض، فلصاحبها الرجوع فيها، انتهى مختصراً.
قال الموفق(١): المكيل والموزون لا تلزم فيه الصدقة والهبة إلا بالقبض،
وهو قول أكثر الفقهاء، منهم الثوري وأبو حنيفة والشافعي، وقال مالك وأبو
ثور: يلزم ذلك بمجرد العقد، لأنه إزالة ملك بغير عوض، فلزم بمجرد العقد،
كالوقف والعتق، وربما قالوا: تَبَرُّعْ فلا يُعتبر فيه القبضُ، كالوصية والوقف.
ولنا إجماع الصحابة، فإن ما قلناه مروي عن أبي بكر - رضي الله عنه -
وعمر - رضي الله عنه -، ولم يعرف لهما مخالف في الصحابة، قال المروزي:
اتفق أبو بكر وعمر وعثمان وعلي أن الهبة لا تجوز إلا مقبوضة، ولأنها هبة
غير مقبوضة، فلم تلزم، كما لو مات قبل أن يقبض، فإن مالكاً يقول: لا يلزم
الورثة التسليمُ، ولا يصح القياس على الوقف والوصية والعتق، لأن الوقف
إخراج ملك إلى الله تعالى، فخالف التمليكات، والوصية تلزم في حق الوارث،
والعتق إسقاط حق، وليس بتمليك.
ثم قال الموفق: وإن مات الواهب أو الموهوب له قبل القبض بطلت
الهبة، سواء كان قبل الإذن بالقبض أو بعده، وقال أبو الخطاب: إذا مات
الواهب قام وارثه مقامه في الإذن بالقبض والفسخ، وهذا يدل على أن الهبة لا
(١) ((المغني)) (٢٤٠/٨، ٢٤١).
٥٠٠