Indexed OCR Text
Pages 401-420
٢١ - كتاب الجهاد (١٨) باب (٩٨٦) حديث ثلاثة أيام، وجزم ابن عبد البر بأنها حين خرجت من البحر إلى جزيرة قبرس قربت إليها دابتها، فصرعتها . وأخرج الطبري من طريق الواقدي أن معاوية صالحهم بعد فتحها على سبعة آلاف دينار في كل سنة، فلما أرادوا الخروج منهما قربت لأم حرام دابة التركبها، فسقطت فماتت، فقبرها هناك يستسقون به، ويقولون: قبر المرأة الصالحة، فعلى هذا فلعل مراد هشام بن عمار بقوله: رأيت قبرها بالساحل أي ساحل جزيرة قبرس، فكأنه توجه إلى قبرس لما غزاها الرشيد في خلافته . ويجمع بأنهم لما وصلوا إلى الجزيرة بادرت المقاتلة، وتأخرت الضعفاء كالنساء، فلما غلب المسلمون وصالحوهم. طلعت أم حرام من السفينة قاصدة البلد، لتراها وتعود راجعة للشام، فوقعت حينئذ، ويحمل قول حماد بن زيد في روايته: ((فلما رجعت)) وقول أبي طوالة: فلما قفلت أي أرادت الرجوع، وكذلك قول الليث في روايته: ((فلما انصرفوا من غزوهم))، أي أرادوا الانصراف، ثم وقفت على شيء يزول به الإشكال من أصله. وهو ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر بن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن امرأة حدثته قالت: نام رسول الله وَل# ثم استيقظ وهو يضحك، فقلت: تضحك مني يا رسول الله؟ قال: ((لا، ولكن من قوم من أمتي يخرجون غزاة في البحر، مثلهم كمثل الملوك على الأسرة»، ثم نام ثم استيقظ، فقال مثل ذلك سواء، لكن قال: ((فيرجعون قليلة غنائمهم، مغفوراً لهم))، قالت: فادع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها، قال عطاء: فرأيتها في غزاة غزاها المنذر بن الزبير إلى أرض الروم، فماتت بأرض الروم، وهذا إسناد على شرط الصحيح. وقد أخرج أبو داود(١) من طريق هشام بن يوسف عن معمر فقال في (١) ((سنن أبي داود)) (٢٤٩٢). ٤٠١ ٢١ - كتاب الجهاد (١٨) باب (٩٨٦) حديث روايته: عن عطاء بن يسار عن الرميصاء أخت أم سليم، وأخرجه ابن وهب عن حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم، فقال في روايته: عن أم حرام. وكذا قال زهير بن عباد عن زيد بن أسلم، والذي يظهر لي أن قول من قال في حديث عطاء بن يسار هذا: عن أم حرام وهمٌ، وإنما هي الرميصاء، وليست أم سليم، وإن كان يقال لها أيضاً: الرميصاء، لأن أم سليم لم تمت بأرض الروم، ولعلها أختها أم عبد الله بن ملحان، فقد ذكرها ابن سعد في الصحابيات، وقال: إنها أسلمت، وبايعت، ولم أقف على شيء من خبرها إلا ما ذكره ابن سعد. فيحتمل أن تكون هي صاحبة القصة التي ذكرها عطاء بن يسار، وتكون تأخرت حتى أدركها عطاء، وقصتها مغايرة بقصة أم حرام من أوجه: الأول: أن في حديث أم حرام ((أنه (وَّ لما نام كانت تفلي رأسه)). وفي حديث الأخرى ((أنها كانت تغسل رأسها))، الثاني: ظاهر رواية أم حرام أن الفرقة الثانية تغزو في البر، فظاهر رواية الأخرى أنها تغزو في البحر. الثالث: أن في رواية أم حرام أنها من أهل الفرقة الأولى. وفي رواية الأخرى أنها من أهل الفرقة الثانية، الرابع: أن في حديث أم حرام أن أمير الغزاة كان معاوية. وفي رواية الأخرى أن أميرها كان المنذر بن الزبير. الخامس: أن عطاء بن يسار ذكر أنها حدثته، وهو يصغر عن إدراك أم حرام، وعن أن يغزو في سنة ثمان وعشرين، بل وفي سنة ثلاث وثلاثين، لأن مولده على ما جزم به عمرو بن علي وغيره كان سنة تسع عشرة، وعلى هذا فقد تعددت القصة لأم حرام، ولأختها أم عبد الله. فلعل إحداهما دفنت بساحل قبرس، والأخرى بساحل حمص، ولم أر من قرر ذلك، ولله الحمد على جزيل نعمه، انتهى . قلت: وما ذكر من الوجه الثاني من وجوه الفرق مشكل لما تقدم من التصريح في قصة أم حرام أيضاً أن الطائفة الثانية أيضاً تغزو في البحر، قال ٤٠٢ ----- ---- ------ ٢١ - كتاب الجهاد (١٨) باب (٩٨٦) حديث الحافظ (١): وفي الحديث جواز ركوب البحر الملح للغزو، وكان عمر - رضي الله عنه - يمنع منه، ثم أذن فيه عثمان، قال أبو بكر بن العربي: ثم منع منه عمر بن عبد العزيز، ثم أذن فيه من بعده، واستقرّ الأمر عليه، ونقل عن عمر أنه إنما منع عن ركوبه لغير الحج والعمرة ونحو ذلك، ونقل ابن عبد البر أنه يحرم ركوبه عند ارتجاجه اتفاقاً، وكره مالك ركوب النساء مطلقاً البحر لما يخشى من إطلاعهن على عورات الرجال فيه، إذ يتعسر الاحتراز من ذلك، وخص أصحابه ذلك بالسفن الصغار، وأما الكبار التي يمكنهن فيه من الاستتار بأماكن تخصُّهن فلا حرج فيه، انتھی. قال ابن عبد البر في ((التمهيد))(٢): في الحديث إباحة ركوب البحر للنساء، وقد كان مالك يكره للمرأة الحج في البحر، فهو للجهاد لذلك أكره، وقال بعض أصحابنا من أهل البصرة: إنما كره مالك ذلك لأن السفن بالحجاز صغار، والنساء لا يقدرن على الاستتار عند الخلاء لضيقها وتزاحم الناس فيها، وكان الطريق من المدينة إلى مكة على البر ممكناً، فلذا كره ذلك مالك، أما السفن الكبار نحو سفن أهل البصرة فليس بذلك بأس، انتهى. وقال أيضاً: فيه ركوب البحر، وإذا ركب للجهاد فهو للحج المفترض أولى، وذكر مالك أن عمر بن الخطاب كان يمنع الناس من ركوبه، فلم يركبه أحد طول حياته، فلما مات استأذن معاوية عثمان في ركوبه، فأذن له، فلم يزل يركب حتى كان أيام عمر بن عبد العزيز، فمنع الناس عنه، ثم ركب بعده إلى الآن، وهذا إنما كان من العمرين في التجارة، وطلب الدنيا، وأما في أداء الفريضة فلا، والسنة قد أباحت ركوبه للجهاد، وهي الحجة، وفيها الأسرة، فركوبه للحج أولى قياساً، انتهى. (١) انظر: ((فتح الباري)) (٧٧/١١). (٢) (٢٣٣/١). ٤٠٣ ٢١ - كتاب الجهاد (١٨) باب (٩٨٦) حديث وقال النووي في ((مناسكه))(١): أما ركوب البحر، فإن كان الغالب منه السلامة وجب، أي الحج، وإلا فلا، قال ابن حجر في ((شرحه)): أي: ويحرم سواء أغلب الهلاك أم استوى الأمران، والعبرة فيهما بوقت الركوب، ولا فرق حينئذ بين سفر الحج وغيره، ولو وجب فوراً كالهجرة فيها يظهر، وفي سفر الغزو وجهان، والذي يتجه ترجيح الحرمة أيضاً، انتهى. وفي الحديث منقبة لأمير المؤمنين معاوية - رضي الله عنه - إذ كان أمير الطائفة الأولى التي ركبت ثبج البحر، ولولده يزيد أيضاً إذ كان أمير الطائفة الثانية، وهو مشكل لما اشتهر من سوء أحواله، ويزيد الإشكال ما أخرجه البخاري(٢) في ((باب ما قيل في قتال الروم)) من حديث أم حرام بلفظ: أنها سمعت النبي ◌ّ﴾ يقول: ((أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا))، قالت: أم حرام: قلت: يا رسول الله أنا فيهم؟ قال: أنت فيهم، ثم قال النبي ◌َل ((أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم))، قلت: أنا فيهم يا رسول الله؟ قال: ((لا))، وعلم منه أن النبي ◌َّ كان يعرف أسماء هذه الطائفة أيضاً، فيعرف كون يزيد أيضاً فيهم. قال المهلب: في هذا الحديث منقبة لمعاوية - رضي الله عنه -، لأنه أول من غزا البحر، ومنقبة لولده يزيد لأنه أول من غزا مدينة قيصر، وتعقبه ابن التين وابن المنير بما حاصله أنه لا يلزم من دخوله في ذلك العموم أن لا يخرج بدليل خاص إذ لا يختلف أهل العلم أن قوله صلى: مغفور لهم مشروط بأن يكونوا من أهل المغفرة حتى لو ارتدَّ واحد ممن غزاها بعد ذلك لم يدخل في ذلك العموم اتفاقاً، فدلَّ على أن المراد مغفور لمن وجد شرط المغفرة فيه منهم، وأما قول ابن التين يحتمل أن يكون لم يحضر مع الجيش فمردودٌ، إلا (١) (ص٩٨). (٢) (٢٩٢٤) ((فتح الباري)) (١٠٢/٦). ٤٠٤ ٢١ - كتاب الجهاد (١٨) باب (٩٨٦) حديث أن يريد لم يباشر القتال فيمكن، فإنه كان أمير ذلك الجيش بالاتفاق . وجَوَّزَ بعضهم أن المراد بمدينة قيصر المدينة التي كان بها يوم قال النبي ◌َ﴾ تلك المقالة، وهي حمص، وكانت دار مملكته إذ ذاك، وهذا يندفع بأن في الحديث أن الذين يغزون البحر قبل ذلك، وأن أم حرام فيهم، وحمص كانت قد فتحت قبل الغزوة التي كانت فيها أم حرام. قال الحافظ: وكانت غزوة يزيد المذكورة في سنة اثنين وخمسين من الهجرة، وفي هذه الغزاة مات أبو أيوب الأنصاري، فأوصى أن يدفن عند باب القسطنطينية، وأن يعفى قبره، ففُعِل به ذلك، فيقال: إن الروم بعد ذلك يستسقون به، انتهى. وأفاد مولانا الشاه وليّ الله في ((تراجم البخاري)) (١): إن قوله: مغفور لهم. تمسك به بعض الناس في نجاة يزيد، لأنه كان من جملة هذا الجيش الثاني، بل كان رأسهم ورئيسهم على ما يشهد به التواريخ، والصحيح أنه لا يثبت بهذا الحديث إلا كونه مغفوراً له ما تقدم من ذنبه على هذا الغزو، لأن الجهاد من الكفارات، وشأن الكفارات إزالة آثار الذنوب السابقة عليها، لا الواقعة بعدها، نعم لو كان مع هذا الكلام ((إنه مغفور له إلى يوم القيامة)) يدل على نجاته، وليس فليس، بل أمره مفوض إلى الله تعالى فيما ارتكبه من القبائح بعد هذه الغزوة من قتل الحسين - رضي الله عنه - وتخريب المدينة والإصرار على شرب الخمر، إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه، كما هو مطّرد في حق سائر العصاة على أن الأحاديث الواردة في شأن من استخفَّ بالعترة الطاهرة، والملحد في الحرم، والمبدل للسنة، تبقى مخصصات لهذا العموم، لو فرض شموله لجميع الذنوب، انتهى. وقال ابن عبد البر(٢): يحتمل أن يكون الموت في سبيل الله والقتل سواء، (١) انظر ((لا مع الدراري)) (٢٨٦/٧). (٢) انظر: ((التمهيد)) (٢٣٥/١ -٢٤٠). ٤٠٥ ٢١ - كتاب الجهاد (١٨) باب (٩٨٦) حديث وقريباً من السواء في الفضل، بدليل هذا الحديث لأن أم حرام لم تقتل، وإنما ماتت من صرعة دابتها، وإنما قلنا: قريباً من السواء لاختلاف الناس في ذلك، فمن أهل العلم من جعل الميت في سبيل الله. والمقتول سواء، واحتج بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْ مَاتُواْ﴾(١) الآية، وبقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْنِهِ، مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾(٢) الآية. وبقول النبي وَّ في حديث عبد الله بن عتيك: ((من خرج من بيته مجاهداً في سبيل الله فخَرَّ عن دابته، فمات أو لدغته حية، فمات أو مات حتف أنفه، فقد وقع أجره على الله)). قال أبو عمر (٣): وقد ثبت عن رسول الله وَّل أنه سئل أي الجهاد أفضل؟ فقال: من «أهريق دمه، وعُقِرَ جواده))، ولم يخص براً عن غيره. وروي عن عامر بن سعد: ((أن رجلاً جاء ورسول الله ◌َل يصلي، فقال حين انتهى إلى الصف: اللَّهم آتني أفضل ما تؤتي عبادك الصالحين، فلما قضى رسول الله وَ لَه، قال: من المتكلم آنفاً؟ قال: أنا يا رسول الله، قال: ((إذاً يعقر جوادك، وتستشهد في سبيل الله))، فإذا كان من عقر جواده وأهريق دمه، أفضل الشهداء، علم أنه من لم يكن بتلك الصفة فهو مفضول. واحتَجَّ بذلك قوم، فقالوا: شهيد البر أفضل، وقال الآخرون: شهيد البحر أفضل، والغزو في البحر أفضل، واحتجوا بحديث منقطع عن النبي ◌َّ قال: ((من لم يدرك الغزو معي فليغز في البحر، فإن غزاة في البحر أفضل من غزوتين في البر، وإن شهيد البحر له أجر شهيدي البر، وإن أفضل الشهداء عند الله يوم القيامة أصحاب الوكوف، قالوا: يا رسول الله وما أصحاب الوكوف؟ قال: قوم تكفأ بهم مراكبهم في سبيل الله)). (١) سورة الحج: الآية ٥٨. (٢) سورة النساء: الآية ١٠٠. (٣) ((التمهيد)) (٢٣٦/١). ٤٠٦ ..--. .. ..---- ٢١ - كتاب الجهاد (١٨) باب (٩٨٧) حديث ٤٠/٩٨٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي صَالِحِ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ قَالَ: ((لَوْلَا أَدْ أَثُقَّ عَلَى أَقَّتِى، لأَحْبَبْتُ أَنْ لَا أَتَخَلَّفَ عَنْ سَرِيَّةٍ وعن عبد الله بن عمرو أنه قال: غزوة في البحر أفضل من عشر غزوات في البر. وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعاً: ((لا يركب البحر رجل إلا غازياً أو حاجاً. أو معتمراً، فإن تحت البحر ناراً))(١)، هو حديث ضعيف مظلم الإسناد، لا يصححه أهل العلم بالحديث، انتهى. ٤٠/٩٨٧ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن أبي صالح السَمَّان) ذكوان بن صالح (عن أبي هريرة أن رسول الله وَ ل#ولا قال: لولا أن أشق) قال العيني(٢): لولا هي الامتناعية، لا التحضيضية، وأن مصدرية في محل الرفع على الابتداء والتقدير لولا المشقة، ويجوز أن يكون مرفوعاً بفعل محذوف أي لولا ثبت ألا أشقّ، وقوله: ((أشق)) منصوب به، انتهى (على أمتي) أي الفقراء منها . ولفظ البخاري(٣) في الجهاد: ((ولولا أن رجالاً من المؤمنين لا تطيب أنفسهم)) قال الحافظ: هذا يُفَسِّرُ المرادَ بالمشقة المذكورة، وهي أن نفوسهم لا تطيب بالتخلف، ولا يقدرون على التأهب بعجزهم عن آلة السفر كما يدل عليه الاستدراك الآتي (الأحيبك أن 44 عطف عن سرية) أي قطعة من الجيش. قال الباجي(٤): يقتضي إشفاقه على أمته، والجري إلى الرفق بهم والاجتناب لما يشقّ عليهم، وتركه كثيراً من عمل البر خوفاً أن يتكلوا منه ما لا يطيقون، انتهى . (١) أخرجه أبو داود (٢٤٨٩). (٢) ((عمدة القاري)) (٣٤٢/١). (٣) ((صحيح البخاري)) (٢٩٧٢) و((فتح الباري)) (١٦/٦). (٤) (المنتقى)) (٢١٣/٣). ٤٠٧ ٢١ - كتاب الجهاد (١٨) باب (٩٨٧) حدیث تَخْرُجُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَكِنِّي لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، وَلَا يَجِدُونَ مَا يَتَحَمَّلُونَ عَلَيْهِ، فَيَخْرُجُونَ. وَيَشْقُّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَخَلَّقُوا بَعْدِي، فَوَدِدْتُ أَنِّي أَقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا فَأَقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا فَأُقْتَلُ)). أخرجه البخاريّ في: ٥٦ - كتاب الجهاد، ١١٩ - باب الجعائل والحملان. ومسلم في: ٣٣ - كتاب الإمارة، ٢٨ - باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله، حديث ١٠٣ و١٠٦. (تخرج) صفة سرية (في سبيل الله) أي الجهاد (ولكن) وفي المصرية: (ولكني)) (لا أجد) من المراكب (ما أحملهم عليه) وفي رواية للبخاري: ((لكن لا أجد حمولة ولا أجد ما أحملهم عليه)) والحمولة بالفتح: الإبل الكبار التي يحمل عليها (ولا يجدون ما يتحملون عليه فيخرجون) معي لعجزهم عن أسباب السفر، (ويشق عليهم أن يتخلفوا بعدي). وفي رواية همام: ((لكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة فيتبعوني، ولا تطيب أنفسهم أن يقعدوا بعدي)). وفي رواية أبي زرعة عند مسلم نحوه. ورواه الطبراني من حديث أبي مالك الأشعري. وفيه: ((ولو خرجت ما بقي أحد فيه خير إلا انطلق معي، وذلك يشق علي وعليهم)) ووقع في رواية أبي صالح من الزيادة: ((ويشق علي أن يتخلفوا عني))، وقد خرج النبي ◌َّ في بعض المغازي، وتخلف عنه المشار إليهم، وكان ذلك حيث رجحت مصلحة خروجه على مراعاة حالهم، كذا في ((الفتح)). (فوددت) بكسر الدال الأولى وسكون الثانية المهملتين أي تمنيت، وتقدم برواية الأعرج عن أبي هريرة: ((والذي نفسي بيده لوددت)) (أني أقاتل في سبيل الله فأقتل، ثم أحيا فأقتلُ، ثم أحيا فأقتلُ) تقدم الكلام عليه في (باب الشهداء في سبيل الله)) قال الحافظ (١): النكتة في إيراد هذه الجملة عقب تلك (١) (فتح الباري)) (١٧/٦). ٤٠٨ ---- ٢١ - كتاب الجهاد (١٨) باب (٩٨٨) حديث ٩٨٨/ ٤١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، إرادة تسلية الخارجين في الجهاد عن مرافقته لهم، وكأنه قال: الوجه الذي يسيرون له من الفضل ما أتمنى لأجله، أنّي أقتل مرات، فمهما فاتكم من مرافقتي والقعود معي من الفضل، يحصل لكم مثله أو فوقه من فضل الجهاد، فراعى خواطر الجميع، انتهى. ٤١/٩٨٨ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري، قال ابن عبد البر: هذا الحديث لا أحفظه ولا أعرفه إلا عند أهل السير، فهو عندهم مشهور معروف، كذا في ((التنوير)) (١). قال الحافظ في ((الإصابة)): وقد ذكره ابن إسحاق عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازني، وفي ((الصحيح)) من حديث أنس ما يشهد لبعضه، انتهى. قلت: وقد أخرجه الحاكم في ((المستدرك))(٢) بسنده إلى خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه كما سيأتي من لفظه، وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ثم ذكر من طريق محمد بن إسحاق عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن أبيه، فأحال على الأول. (قال: لما كان يوم أحد) بضم الهمزة والحاء وبالدال المهملتين مذكر منصرف، وقيل: يجوز تأنيثه على توقع البقعة فيمنع، وليس بقوي، جبلٌ بالمدينة على أقل من فرسخ منها، لأن بين أوله وبين بابها المعروف بباب البقيع ميلين وأربعة أسباع ميل تزيد يسيراً، قاله الزرقاني(٣). (١) ((تنوير الحوالك)) (ص٣٨٩). (٢) (٢١/٣) وانظر: ((الاستذكار)) (٢٩٤/١٤). (٣) ((شرح الزرقاني)) (٤٤/٣). ٤٠٩ ٢١ - كتاب الجهاد (١٨) باب (٩٨٨) حديث وفي ((الخميس)) (١): سمي بذلك لتوحده وانقطاعه عن جبال أخر هناك، ويقال له: ذو عينين، قيل: وفيه قبر هارون - عليه السلام -، وكانت عنده الوقعة المشهورة يوم السبت في شوال سنة ثلاث بالاتفاق، كذا في ((المواهب))، وشذّ من قال: سنة أربع، انتهى. قال ابن إسحاق: لإحدى عشرة ليلة خلت منه، وقيل: لسبع ليال، وقيل: لثمانٍ، وقيل: لتسع، وقيل: في نصفه، انتهى. وقصتها على ما في ((المجمع)) (٢) في السنة الثالثة: كانت غزاة أحد السابع شوال، وذلك أنهم لما رجعوا من بدر إلى مكة جمعوا ربح عير أبي سفيان، وجَهَّزُوا به الجيش، واستنصروا به الأعراب، فكتب العباس بخبره إلى النبي ◌َّ، فخرجوا في ثلاثة آلاف، فيهم سبع مائة درَّاع ومائتا فارس وثلاثة آلاف بعير، وكان الظعن خمس عشرة، ونزلوا ذا الحليفة، فأقاموا يوم الأربعاء والخميس، فصلى النبي ﴿ يوم الجمعة، فعمَّمَ، ولبس لأمته، وأظهر الدرع وحزم بمنطقة من أدم، وتقلّد السيف، وألقى الترس في ظهره، وركب فرسه، وتقلّد القوس، وأخذ قناة بيده، وفي المسلمين مائة درَّاع، وبات بالسمين، فصلى الصبح، وانخزل ابن أبيّ في ثلاثمائة، وكان رأيه أن لا يخرج من المدينة، فقال: عصاني، وأطاع الولدان. وجعل على جبل قناة خمسين رُماة، وكان على ميمنة المشركين خالد بن الوليد، وعلى ميسرهم عكرمة بن أبي جهل، وأول من أنشب الحرب أبو عامر الراهب في خمسين، فشدَّ المسلمون، فانهزم المشركون، ونساؤهم يدعون بالويل، وتبعهم المسلمون، فلما رأى الرماة النصرة، والانتهاب تجاوزوا، وعصوا ما أمروا به، فانقلب الأمر، وانهزموا وبقي معه له نفر من الصحابة وأصيب رباعيته، وقتل الوحشيُ حمزةَ - رضي الله عنه - وجميع من قتل سبعون (١) ((تاريخ الخميس)) (٤٩١/١). (٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٢٦١/٥). ٤١٠ ٢١ - كتاب الجهاد (١٨) باب (٩٨٨) حديث من المهاجرين والأنصار، وقتل من المشركين اثنان وعشرون. وروي أن معاوية - رضي الله عنه - أمر بجري الأنهار في الأحد، فجرت على قبور الشهداء، فأخرجوا كأنهم نُوَّمٌ، انتهى. وفي ((الخميس)) (١) عن ((المواهب)): قيل: كان سبب الهزيمة أن ابن قمية الحارثي قتل مصعب بن عمير، وكان مصعب إذا لبس لأمته يُشْبه النبي وَّ، فلما قتله ظنه رسول الله وَلّ، فرجع إلى قريش، وقال: قد قتلت محمداً، فازدادوا جراءة، وصاح إبليس من العقبة قتل محمد رَّة، فلما سمع المسلمون ذلك، وهم متفرقون كانت الهزيمة، فلم يلو أحد. والصواب أن السبب مخالفة الرماة لأمر النبي وَّر، والأصل في ذلك مع إرادة الله ما اتفق ببدر من أخذ الفداء، فقد خرج (٢) الترمذي والنسائي عن علي: أن جبرائيل - عليه السلام - هبط، فقال: خيرهم في أسارى بدر القتل والفداء على أن يقتل منهم في القابل مثلهم، قالوا: الفداء ويقتل منا مثلهم. قال الترمذي: حديث حسن، وذکر غيره له شواهد یقویه. ووقع عند مسلم من طريق ابن عباس عن عمر في قصة بدر قال: فلما كان يوم أحد قتل منهم سبعون، وفروا أي بعضهم، وأطلق ذلك باعتبار تفرقهم، والواقع بهم أنهم ساروا ثلاث فرق، فرقة استمروا في الهزيمة إلى قرب المدينة، فما رجعوا حتى انقضى القتال، وهم قليل، وهم الذين نزل فيهم ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَّقَىَ الْجَمْعَانِ﴾(٣) الآية، وفرقة صاروا حيارى لما سمعوا أن النبي ◌َّل# قتل، فصار غاية الواحد أن يذب عن نفسه، ويستمر في (١) (٤٢٩/١). (٢) أخرجه الترمذي (١٥٦٧)، والنسائي في ((الكبرى)) (٤٦/٨). (٣) سورة آل عمران: الآية ١٥٥. ٤١١ ٢١ - كتاب الجهاد (١٨) باب (٩٨٨) حديث قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَه: ((مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيِّ؟)) فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ القتال إلى أن يقتل، وهم أكثرهم، وفرقة بقيت مع النبي ◌َّ ثم تراجع إليهم الفرقة الثانية شيئاً فشيئاً، لما عرفوا أنه حي، وما ورد من الاختلاف في العدد فمحمول على تعدد المواطن في القصة. (قال رسول الله (1) اهتبالاً منه وَلّ بأصحابه وبحثاً عمن فقد منهم بعد الموت ليعلم ما خبره، وما الذي غيبه (من يأتيني)، ولفظ الحاكم من رواية محمد بن إسحاق ((من ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع)) (بخبر سعد بن الربيع) بن عمرو بن أبي زهير (الأنصاري) الخزرجي أحد نقباء الأنصار من أصحاب العقبة الأولى والثانية، كذا في ((المحلى))، وشهد بدراً، واستشهد بأحد. روى البخاري(١) من حديث عبد الرحمن بن عوف قال: لما قدمنا المدينة آخَى النبي ◌َّ بيني وبين سعد بن الربيع، فقال سعد: إنّي أكثر الأنصار مالاً، فأقاسمك نصف مالي، ولي زوجتان فايَّتهما أحببت أطلقها، ثم تتزوجها، الحديث. وفي ((الصحيحين)) من حديث أنس نحوه اتفقوا على أنه استشهد بأحد. (فقال رجل: أنا) آتيك بخبره (يا رسول الله) فانتدب الرجل ليحرز طاعة النبي ◌ُّ والمبادرة إلى ما يرغبه، وإن لم يُعَيِّنْه بالأمر (فذهب الرجل) المذكور، وهو أبي بن كعب على ما قاله ابن عبد البر وابن الأثير واليعمري، وعليه اقتصر الحافظ في ((الإصابة))(٢) تبعاً لابن الأثير. وقال ابن عبد البر في ((الاستيعاب))(٣): لم يسم مالك الرجل الذي ذهب ليأتي بخبره، وهو أبي بن كعب، ذكره ربيع بن عبد الرحمن بن أبي سعيد (١) ((صحيح البخاري)) (٢٠٤٨). (٢) ((الإصابة)) (٧٧/٢). (٣) ((الاستيعاب)) (٥٨٩/٢). رقم الترجمة (٩٣١). ٤١٢ ٢١ - كتاب الجهاد (١٨) باب (٩٨٨) حديث يَطُوفُ بَيْنَ الْقَتْلَىِ. فَقَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ الرَّبيع: مَا شَأْنُكَ؟ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: بَعَثَنِي إِلَيْكَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَآتِيَهُ بِخَبَرَكَ، الخدري عن أبيه عن جده في هذا الخبر أن رسول الله وَل قال: من ((يأتيني بخبر سعد بن الربيع؟ فإني رأيت الأسنة قد أشرعت إليه))، فقال أبي بن كعب: أنا وذكر الخبر، انتهى. وقال الواقدي: هو محمد بن سلمة وسيأتي برواية الحاكم عن زيد بن ثابت قال: بعثني رسول الله وَّل يوم أحد لطلب سعد بن الربيع، فلعله وَ ل بعث الثلاثة متعاقبين أو دفعة واحدة، قاله الزرقاني(١) (يطوف) أي يمشي (بين القتلى) جمع قتيل، قال الباجي (٢): وذهابه بين القتلى لطلب سعد بن الربيع لأن الظاهر أن من فقد في ذلك الوقت، وفي مثل تلك الحال أنه قتل أو ثخن بالجراح، فبادر إلى طلبه حيث ظن أنه يجده، انتهى. وزاد الواقدي فنادى في القتلى يا سعد بن الربيع مرة بعد أخرى، فلم يجبه حتى قال: ((إن رسول الله صل﴾ أرسلني إليك فأجابه بصوت ضعيف)). (فقال له سعد بن الربيع) وكان واقعاً على الأرض من كثرة الجروح مشرفاً على الموت (ما شأنك؟ فقال له الرجل: بعثني إليك رسول الله ﴾ الآتيه بخبرك) وعند أبي إسحاق: أمرني أن أنظر أفي الأحياء أنت أم في الأموات؟. وروى الحاكم(٣) عن زيد بن ثابت قال: بعثني رسول الله ﴾ يوم أحد لطلب سعد بن الربيع، وقال لي: ((إن رأيته فأقرئه مني السلام وقل له: يقول لك رسول الله وَل# كيف تجدك؟)) قال: فجعلت أطوف بين القتلى، فأصبته وهو في آخر رمق، وبه سبعون ضربة ما بين طعنة برمح وضربة بسيف ورمية بسهم، (١) (شرح الزرقاني)) (٤٥/٣). (٢) ((المنتقى)) (٢١٤/٣). (٣) ((المستدرك)) (٣ /٢٠١). ٤١٣ ٢١ - كتاب الجهاد (١٨) باب (٩٨٨) حدیث قَالَ: فَاذْهَبْ إِلَيْهِ فَاقْرَأْهُ مِنِّي السَّلَامَ، وَأَخْبِرُهُ أَنِّي قَدْ ◌ُعِنْتُ أَثْنَتَيْ عَشَرَةَ طَعْنَةً، وَأَنِّي قَدْ أُنْفِذَتْ مَقَاتِلِي، فقلت له: يا سعد إن رسول الله وَل# يقرئ عليك السلام، ويقول لك: أخبرني كيف تجدك قال: على رسول الله وعليك السلام، قل له: يا رسول الله أجدني أجد ريح الجنة، وقل لقومي الأنصار: لا عذر لكم عند الله أن يخلص إلى رسول الله وَلَّ، وفيكم شَفْرٌ يطرف، قال: وفاضت نفسه، هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. (قال) سعد بن الربيع (فاذهب إليه) وَ ﴾ (فَاقْرأه مني السلام) زاد الواقدي ((وقل: جزاك الله عنا خير ما جزى نبياً عن أمته، وقل له: إني لأجد ريح الجنة))، ولفظ الحاكم برواية محمد بن إسحاق فقال سعد: ((أخبر رسول الله وَال أني في الأموات، واقْرأَه السلام، وقل له: يقول سعد: جزاك الله عنا وعن جميع الأمة خيراً)) (وأخبره أني قد طعنت) ببناء المجهول المتكلم (اثنتي)، ولابن وضّاح ثنتي (عشرة طعنة) بعدد الرماح التي رآها بَّ شرعى(١) إليه. وفي حديث زيد بن ثابت: فوجده جريحاً في القتلى، وبه سبعون ضربة ما بين طعنة برمح وضربة بسيف ورمية بسهم، ولا تنافي كما هو ظاهر، قاله الزرقاني(٢). وقال الباجي(٣): أمره أن يخبره بما جرى عليه من عدد الطعان وإنفاذ المقاتل، وفي ذلك إعلام بفوات لقائه، ولعله قصد بذلك استدعاء ترحمه عليه واستغفاره ورضاه عنه (وأني قد أنفذت) بزنة المجهول المتكلم على ما ضبط به صاحب ((المحلى))، والمجهول الغائب على ما ترجم به شيخنا في ((المصفَّى)»، فالضمير لثنتي عشرة طعنة (مقاتلي) بفتح الميم جمع مقتل، يعني أن السهام والرماح دخلت في المواضع التي إذا أصابتها الجراحة قتلت المصاب. (١) كذا في الأصل والصواب. شُرَّعاً كما في ((شرح الزرقاني على المواهب)) (٤٤٥/٢). (٢) (٤٥/٣). (٣) ((المنتقى)) (٢١٤/٣). ٤١٤ ٢١ - كتاب الجهاد (١٨) باب (٩٨٩) حديث وَأَخْبِرْ قَوْمَكَ أَنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ، إِنْ قُتِلَ رَسُولُ اللَّهِ مِ﴾، وَوَاحِدٌ مِنْهُمْ حَيٌّ . ٩٨٩ / ٤٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مِ﴾ِ رَغَّبَ فِي الْجِهَادِ، (وأخبر قومك) وعند الواقدي ((وأبلغ قومك عني السلام وقل لهم)): (أنه لا عذر لهم عند الله إن قتل) ببناء المجهول (رسول الله ض الر وواحد منهم حي) زاد ابن إسحاق: ((ثم لم أبرح حتى مات، فجئت رسول الله وَلّ فأخبرته خبره))، ولفظ حديث ابن سعيد في ((الاستيعاب)): اقرأ على قومي السلام، وقل لهم: يقول لكم سعد بن الربيع: الله الله وما عاهدتم عليه رسول الله مض لل، ليلة العقبة، فوالله ما لكم عند الله عذر إن خلص إلى نبيكم وقّلل وفيكم عين تطرف. قال أبي بن كعب: فلم أبرح حتى مات - رحمه الله - فرجعت إلى رسول الله وَّر، فأخبرته، فقال: ((رحمه الله نصح الله ورسوله حياً وميتاً)). ٤٢/٩٨٩ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) مرسلاً، قال ابن عبد البر(١): هذا الحديث محفوظ مسند صحيح من حديث جابر، أخرجه البخاري(٢) ومسلم والنسائي من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عنه، ومن حديث أنس أخرجه الحاكم وغيره، انتهى. كذا في ((التنوير)) (٣) و((الزرقاني)) (٤). والظاهر أنهما قصتان، فإن حديث جابر في غزوة أحد، وحديث أنس في قصة بدر، وتوهم من جعلهما واحداً. (أن رسول الله مَّ﴾ رغَّبَ في الجهاد) يوم بدر، فقال: ((والذي نفسي بيده (١) انظر ((تنوير الحوالك)) (ص٣٨٩). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٤٥/٣). (٣) انظر: ((الاستذكار)) (٢٩٦/١٤). (٤) ((صحيح البخاري)) (٤٠٤٦) ((باب غزوة أحد)). ٤١٥ ٢١ - كتاب الجهاد (١٨) باب (٩٨٩) حديث وَذَكَرَ الْجَنَّةَ، لا يقاتلهم اليوم رجل، فيقتل صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر إلا أدخله الله الجنة)) كما عند ابن إسحاق، وكان ذلك تنبيهاً منه في تجديد ذلك عند حضور القتال، وتذكيراً للناس بفضائل الجهاد، وترغيباً لهم في إحراز أجره، والصبر على شدة الحرب، وما عسى - كذا في ((الباجي)) - أن يؤدي إليه من جراح أو شهادة، فأكد ذلك بأن شوقهم إلى الجنة (وذكر الجنة) بأن وصف ما أعدّ الله فيها للمجاهد في سبيله. وأخرج مسلم في ((صحيحه))(١) برواية هاشم بن القاسم عن سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس بن مالك قال: بعث رسول الله وَّل بُسَيْسَة عيناً ينظر ما صنعتْ عِيرُ أبي سفيان، فذكر الحديث، وفيه: ((فانطلق رسول الله وَال وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر، وجاء المشركون))، فقال رسول الله ◌َ: ((لا يتقدمن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه))، فدنا المشركون، فقال رسول الله وَله: ((قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض))، قال: يقول عُمير بن الحمام الأنصاري: يا رسول الله! جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال: ((نعم))، قال بَخْ بَحْ، فقال رسول الله وَالَ: ((ما يحملك على قولك: بخ بخ))؟ قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاءة(٢) أن أكون من أهلها قال: ((فإنك من أهلها)) قال: فأخرج تميرات من قرنه، فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حبيت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، قال: فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل(٣). وأخرج الحاكم برواية أبي النضر عن سليمان بن المغيرة بهذا السند، قال (١) أخرجه مسلم (١٩٠١) باب ((ثبوت الجنة للشهيد)). (٢) قوله: إلا رجاءة: هكذا هو في أكثر النسخ المعتمدة: رجاءة، بالمد ونصب التاء. وفي بعضها : رجاء بلا تنوين، وفي بعضها بالتنوين . وكله صحيح معروف في اللغة. (٣) أخرجه مسلم (١٩٠١). ٤١٦ ٢١ - كتاب الجهاد (١٨) باب (٩٨٩) حديث وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ رسول الله 8* يوم بدر: ((قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض))، قال عمير بن الحمام الأنصاري: يا رسول الله عرضها السماوات والأرض؛ بخ بخ، لا والله يا رسول الله! لا بد أن أكون من أهلها. قال: ((فإنك من أهلها)). الحديث بهذا اللفظ، ثم قال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. والحديث أخرجه مسلم بأطول من ((المستدرك)) كما عرفت. (ورجل من الأنصار) قال الزرقاني: هو عمير بن الحمام الخزرجي، وقال الباجي: ذكر أهل السير أن ذلك الرجل هو عمير بن الحمام، الأنصاري السلمي، وقال السيوطي في ((التنوير)): هو عمير بن الحمام، كما في حديث أنس، وذكره ابن إسحاق وغيره، انتهى. ولا شك أن الوارد في حديث أنس هو عمير المذكور، كما سبق التصريح بذلك في رواية مسلم والحاكم، لكن أخرج البخاري برواية جابر بن عبد الله قال: قال رجل للنبي و 18 يوم أحد: أرأيت إن قتلت، فأين أنا؟ قال: (في الجنة))، فألقى تمرات في يده، ثم قاتل حتى قتل. قال الحافظ (١): لم أقف على اسمه، وزعم ابن بشكوال أنه عمير بن الحمام، وهو بضم المهملة وخفة الميم، وسبقه إلى ذلك الخطيب، واحتج بما أخرجه مسلم من حديث أنس، لكن وقع التصريح في حديث أنس أن ذلك كان يوم بدر، والقصة التي في حديث جابر وقع التصريح فيه أنها كانت يوم أحد، فالذي يظهر أنهما قصتان وقعتا لرجلين، انتهى. وقال في ((الإصابة)): (٢) وقع لعبد الغني بن سعيد الحافظ في ((المبهمات)) وهم، وذلك في حديث جابر إذ قال: هذا الرجل هو عمير بن الحمام، وعمير (١) (فتح الباري)) (٣٥٤/٧). (٢) انظر: (٣١/٥) الترجمة (٦٠٢٥). ٤١٧ ٢١ - كتاب الجهاد (١٨) باب (٩٨٩) حديث اتفقوا على أنه استشهد ببدر، فكيف يبقى إلى يوم أحد، فالصواب أن القصة وقعت لآخر، انتهى. فحديث الباب إن كان صاحب القصة فيه عميراً، كما جزم به الشراح الثلاثة، فهو عمير - بضم العين المهملة - ابن الحمام - بضم الحاء المهملة وخِفّة الميم - ابن الجموح بن زيد بن حرام الأنصاري السلمي. قال الحافظ في ((الإصابة)): ذكره موسى بن عقبة وغيره فيمن شهد بدراً، وقال ابن إسحاق: قال رسول الله وَلّ: ((والذي نفسي بيده لا يقاتلهم اليوم رجل، فيقتل صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر إلا أدخله الله الجنة)) فقال عمير بن الحمام أحد بني سلمة، وفي يده تمرات يأكلهن: بخ بخ، فما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء، فقذف التمر من يده، وأخذ سيفه فقاتل حتى قتل، وهو يقول: إلا التقى وعمل المعاد ركضاً إلى الله بغير زاد والصبر في الله على الجهاد فكان أول قتيل قتل في سبيل الله في الحرب، انتهى. زاد الزرقاني (١) في الأشعار بعد ذلك: وكل زاد عرضة النفاد غير التقى والبر والرشاد قال: وقتله خالد بن الأعلم العقيلي، قال موسى بن عقبة: وهو أول قتيل قتل يومئذ، وقال ابن إسحاق: أولهم مهجع، وقال ابن سعد: أولهم حارثة بن سراقة، انتهى. وقال ابن عبد البر في ((الاستيعاب)): عمير بن الحمام الأنصاري السلمي، شهد بدراً، وقتل بها شهيداً، قتله خالد بن الأعلم، وكان رسول الله وله (١) (٤٦/٣). ٤١٨ ----------- ٢١ - كتاب الجهاد (١٨) باب (٩٨٩) حدیث يَأْكُلُ تَمَرَاتٍ فِي يَدِهِ، فَقَالَ: إِنِّي لَحَرِيصٌ عَلَى الدُّنْيَا إِنْ جَلَسْتُ حَتَّى أَفْرُغَ مِنْهُنَّ، فَرَمَى مَا فِي بَدِهِ، فَحَمَلَ بِسَيْفِهِ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ. مرسل. وصله الشّيخان عن جابر بن عبد الله. أخرجه البخاريّ في: ٦٤ - كتاب المغازي، ١٧ - باب غزوة أحد. ومسلم في: ٣٣ - كتاب الإمارة، ٤١ - باب ثبوت الجنّة للشهيد، حديث ١٤٣. قد آخى بينه وبين عبيدة بن الحارث، فقتلا يوم بدر جميعاً، وقيل: إنه أول قتيل قتل من الأنصار في الإسلام، وذكر ابن إسحاق في خبره عن يوم بدر. قال: ثم خرج رسول الله وَّ﴿ إلى الناس، فحرّضهم ونفّلَ كل امرئ منهم ما أصاب، وقال: والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل، إلى آخر ما تقدم من قوله: والبر والرشاد. (يأكل تمرات) كانت (في يده، فقال) الأنصاري (إني لحريص على الدنيا إن جلست) بصيغة المتكلم (حتى أفرغ منهن) أي من أكل التمرات (فرمى ما في يده) من التمرات (فحمل سيفه) وفي المصرية ((بسيفه)) بزيادة الموحدة (فقاتل حتى قتل) ببناء المجهول. قال الباجي(١): لما سمع الأنصاري ما ذكر به النبي ◌َليل حمله تصديقه له وتثبته لما قاله على أن طرح تمرات في يده كان يأكلها، ورأى أن اشتغاله بأكلها عن المبادرة إلى الشهادة المؤدية إلى ما وصف النبي ◌َّ# من الجنة حرص على الدنيا واشتغال بيسير متاعها عن عظيم ما أعدّ الله لأوليائه، وذكر أهلُ السير أن هذا كان يوم بدر، وقد كان مع النبي ◌َّل﴾ جماعة أصحابه، وهم ثلاثمائة وبضعة عشر، فيحتمل أن يكون حمل عمير هذا مع جماعة الناس، ويحتمل أن يكون انفرد بالحمل على جماعة من المشركين، وهذا جائز أن (١) ((المنتقى)) (٢١٤/٣). ٤١٩ ٢١ - كتاب الجهاد (١٨) باب (٩٩٠) حديث ٩٩٠ / ٤٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَل؛ أَنَّهُ قَالَ : يحمل الرجل وحده على الكتيبة لا سيما من علم من نفسه شدة وقوة. وقد روي عن مالك أنه قال: يجوز للرجل إذا علم من نفسه قوةً وغناءً أن يبرز إلى الجماعة، ولا يكون له تهلكة، وأما من كان رأس الكتيبة وعلم أنه إن أصيب هلك من معه من المسلمين، فالصواب له أن لا يتعرض للقتال إلا أن يضطر إليه؛ لأن في بقائه بقاء للمسلمين، انتهى. قال ابن عابدين(١): ذكر في ((شرح السير)): أنه لا بأس أن يحمل الرجل وحده، وإن ظن أنه يقتل إذا كان يصنع شيئاً بقتل أو بجرح أو بهزم، فقد فعل ذلك جماعة من الصحابة بين يدي رسول الله وقّ﴾ يوم أحد، ومدحهم على ذلك، فأما إذا علم أنه لا يُنْكيء فيهم، فإنه لا يحل له أن يحمل عليهم؛ لأنه لا يحصل بحملته شيء من إعزاز الدين، بخلاف نهي فسقة المسلمين عن منكر إذا علم أنهم لا يمتنعون، بل يقتلونه، فإنه لا بأس بالإقدام، وإن رخص له السكوت؛ لأن المسلمين يعتقدون ما يأمرهم به، فلا بد أن يكون فعله مؤثراً في باطنهم، بخلاف الكفار، انتهى. ٩٩٠/ ٤٣ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن معاذ بن جبل) - رضي الله عنه - (أنه قال:) هكذا روي في ((الموطأ)) موقوفاً، قال ابن عبد البر(٢): روي عن معاذ مرفوعاً بسند حسن، قال السيوطي في ((التنوير))(٣): أخرجه أبو داود والنسائي من طريق خالد بن معدان عن أبي بحرية عن معاذ بن (١) (ردّ المحتار على الدرّ المختار)) (٢٠٣/٦). (٢) انظر: ((الاستذكار)) (٣٠٠/١٤)، والحديث أخرجه أبو داود في الجهاد (٢٥١٥) (١٣/٣ - ١٤)، وأخرجه النسائي في باب الصدقة في سبيل الله (٣١٨٨)، وأخرجه أحمد في ((مسنده)) (٢٣٤/٥). (٣) (ص٣٩٠). ٤٢٠ - ---