Indexed OCR Text
Pages 301-320
٢١ - كتاب الجهاد
(١٣) باب
(٩٧٢) حديث
فَلَمْ نَغْنَمْ ذَهَباً وَلَا وَرِقاً،
ويؤيده حديث عنبسة بن سعيد عن أبي هريرة قال: أتيت النبي وَّ بخيبر بعدما
افتتحوها، قال: ولكن لا يشك أحد أن أبا هريرة حضر قسمة الغنائم، فالغرض
من الحديث قصة مدعم في غلول الشملة.
قال الحافظ (١) وكان محمد بن إسحاق صاحب المغازي استشعر بوهم
ثور في هذه اللفظة، فروى الحديث عنه بدونها، أخرجه ابن حبان والحاكم
وابن منده من طريقه بلفظ ((انصرفنا مع رسول الله وَ ل إلى وادي القرى))، وروى
البيهقي في ((الدلائل)) من وجه آخر عن أبي هريرة بلفظ ((خرجنا مع النبي وَ ل
من خيبر إلى وادي القرى))، ولعل هذا أصل الحديث، وحديث قدوم أبي هريرة
- رضي الله عنه - المدينة، والنبي وَلّ بخيبر، أخرجه أحمد وابن خزيمة وابن
حبان والحاكم من طريق خثيم بن عراك بن مالك عن أبيه عن أبي هريرة قال:
((قدمت المدينة والنبي (وَل﴿ل بخيبر))، الحديث، وفيه حتى أتينا خيبر، وقد افتتحها
النبي صَلّ، انتهى.
وفي ((التنوير))(٢): قال أبو مسعود الدمشقي: إنما أراد البخاري ومسلم
من هذا الحديث قصة مِدْعم في الغلول، وهي صحيحة، وإنما وهم ثور في
قوله: ((خرجنا)) فقط، انتهى.
(فلم نغنم ذهباً ولا ورقاً). وفي البخاري(٣) برواية أبي إسحاق عن مالك:
((فلم نغنم ذهباً ولا فضة، وإنما غنمنا البقر والإبل والمتاع والحوائط)»، وفيه
أيضاً برواية إسماعيل عن مالك: ((فلم نغنم ذهباً ولا فضة إلا الأموال المتاع
والثياب))، وفي أبي داود(٤) برواية القعنبي عن مالك: ((إلا الثياب والمتاع
(١) ((فتح الباري)) (٤٨٨/٧).
(٢) (ص٣٨٤).
(٣) أخرجه البخاري (٤٢٣٤ - ٦٧٠٧).
(٤) أخرجه أبو داود، حديث (٢٧١١) في الجهاد («باب في تعظيم الغلول)).
٣٠١
٢١ - كتاب الجهاد
(١٣) باب
(٩٧٢) حديث
إِلَّا الأَمْوَالَ، الثِّيَابَ وَالْمَتَاعَ. قَالَ: فَأَهْدَى رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ
والأموال))، وفي ((الفتح)) عن مسلم: ((غنمنا المتاع والطعام والثياب))، (إلا
الأموال، الثياب والمتاع) بدون حرف العطف بين الأموال والثياب في جميع
النسخ المصرية والهندية. قال الحافظ(١): عند رواة ((الموطأ)) ((إلا الأموال
والثياب والمتاع))، وعند يحيى بن يحيى الليثي وحده ((إلا الأموال، الثياب))،
والأول هو المحفوظ، ومقتضاه أن الثياب والمتاع لا تسمى مالاً، انتهى.
قلت: لكن وافق إسماعيل عن مالك عند البخاري رواية يحيى، فالظاهر
أن ذلك من تصرف الرواة نعم، لم يرد أبو هريرة من المال الذهب والفضة؛
لأنه نفاهما أولاً، قال الحافظ: قال ابن عبد البر (٢) وتبعه جماعة: المال في
لغة دوس قبيلة أبي هريرة: غير العين، كالعروض والثياب، وعند جماعة:
المال هو العين، كالذهب والفضة، والمعروف من كلام العرب أن كل ما
یتمول ويُملك فهو مال، انتهى.
وقال الباجي(٣): الذي يظهر أن المراد من الأموال الثياب والمتاع دون
الورق والذهب. ويقال: إنها لغة دوس، والأظهر من لغة سائر العرب أن المال
كل ما تمول، انتهى. فعلى الأول يكون استثناء من غير جنس؛ لأنه استثنى
الأموال التي هو العروض، مما ليس بمال، وهي الذهب والورق، وعلى الثاني
يكون استثناء من الجنس بمعنى أنه لم يغنم من المال ما هذه صفته، ثم استثنى
منه، فقال: إلا الأموال التي هي صفته، ويراد من الأموال المواشي والحوائط
وغيرهما، مما تقدم في الروايات.
(قال: فأهدى رفاعة بن زيد) وفي البخاري برواية أبي إسحاق عن مالك:
(١) ((فتح الباري)) (٧ /٤٨٩).
(٢) انظر: ((الاستذكار)) (١٩٨/١٤).
(٣) ((المنتقى)) (٢٠٢/٣).
٣٠٢
----- --
-----
٢١ - كتاب الجهاد
(١٣) باب
(٩٧٢) حديث
لِرَسُولِ اللَّهِ فَلْهِ غُلَاماً أَسْوَدَ، يُقَالُ لَهُ: مِدْعَمُ،
أهداه له أحد بني الضباب، قال الحافظ(١): بكسر الضاد المعجمة وموحدتين
الأولى خفيفة بينهما ألف - بلفظ جمع الضب -، وفي رواية مسلم: أهداه له
رفاعة بن زيد أحد بني الضبيب بصيغة التصغير، وفي رواية أبي إسحاق:
رفاعة بن زيد الجذامي ثم الضبي - بضم المعجمة وفتح الموحدة بعدها نون -
وقيل: بفتح المعجمة وكسر الموحدة، نسبة إلى بطن من جذام، قال الواقدي:
كان رفاعة قد وفد على رسول الله وَليل في ناس من قومه قبل خروجه إلى خيبر،
فأسلموا وعقد له على قومه، انتهى.
وكتب له كتاباً فيه («بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى
رفاعة بن زيد، إني بعثته إلى قومه عامة ومن دخل فيهم يدعوهم إلى الله
ورسوله»، فذكر قصة طويلة أخرجها الطبراني وغيره. كذا في ((الإصابة))(٢)،
وفيه أيضاً قال ابن إسحاق: قدم على رسول الله ﴿ ◌ٍّ في هدنة الحديبية قبل
خيبر، فأسلم وحسن إسلامه وأهدى إليه وسلّ غلاماً، وروى ابن منده عن زياد بن
سعد: أراه ذكره عن أبيه أن رفاعة بن زيد كان قدم في عشرة من قومه.
(لرسول الله ل): غلاماً) أي عبداً (أسود يقال له: مدعم) - بكسر الميم
وسكون الدال وفتح العين المهملتين - صحابي - رضي الله عنه - وفيه تصريح
بأن صاحب القصة مدعم، وهكذا جاء مصرحاً باسمه في البخاري في
((المغازي))، وفي ((الأيمان والنذور)).
ووقع في رواية مسلم غير مسمى بلفظ: ((ومع رسول الله وم لل عبد له وهبه
له رجل من جذام يدعى رفاعة بن زيد)»، الحديث. قال النووي(٣): اسمه
(١) ((فتح الباري)) (٧ /٤٨٩).
(٢) (٢١٠/٢/١).
(٣) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١٢٩/٢/١).
٣٠٣
٢١ - كتاب الجهاد
(١٣) باب
(٩٧٢) حديث
فَوَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَه إِلَى وَادِي الْقُرَى، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِوَادِي الْقُرَى،
بَيْنَمَا مِدْعَمٌ
مدعم، كذا جاء مصرحاً به في ((الموطأ)) في هذا الحديث بعينه، قال القاضي
عياض: وقيل: إنه غير مدعم، قال: وورد في حديث مثل هذا اسمه كركرة.
ذكره البخاري، هذا كلام القاضي.
قلت: ذكر البخاري مدعماً أيضاً، وقصة كركرة تغاير هذه القصة، فهما
واقعتان مختلفتان، وسيأتي التنبيه على ذلك في آخر الحديث، وفيه قبول الهدية
وهي لرسول الله وّ ملك له ولغيره من الأمراء فيء للمسلمين، كما جزم به ابن
عبد البر في ((التمهيد))(١)، وأتى في ذلك ببحث طويل، وصرح بذلك أيضاً
شارح ((السير الكبير)) من الحنفية.
وقال الحافظ(٢): في الحديث قبول الإمام الهدية، فإن كانت لأمر يختص
به في نفسه أن لو كان غير والٍ فله التصرف فيها بما أراد، وإلا فلا يتصرف
فيها إلا للمسلمين، وخالف فيه بعض الحنفية. فقال: له الاستبداد مطلقاً بدليل
أنه لو ردّها، على مهديها جاز، فلو كانت فيئاً لما ردّها، وفي هذا الاحتجاج
نظر، انتهى.
(فوجه رسول الله وَ لـ) قال القسطلاني(٣): بفتح واو فوجه، وقال العيني
كالكرماني: بالبناء للمجهول، انتهى. وقال المجد: وجهه توجيهاً أرسله،
ووجهت إليك توجيهاً توجهت. (إلى وادي القرى) - بضم القاف وفتح الراء
المهملة مقصوراً - موضع بقرب المدينة، كما تقدم في زكاة الفطر (حتى إذا كنا
بوادي القرى بينما) بالميم بلا فاء، وفي رواية أبي إسحاق الفزاري بالفاء (مدعم
(١) انظر: ((التمهيد)) (٣/٢ وما بعدها).
(٢) ((فتح الباري)) (٤٩٠/٧).
(٣) ((إرشاد الساري)) (١٣٥/١٤).
٣٠٤
-----
-------------
٢١ - كتاب الجهاد
(١٣) باب
(٩٧٢) حديث
يَحْظُّ رَحْلَ رَسُولِ اللَّهِ وَه، إِذْ جَاءَّهُ سَهْمُ عَائِرٌ، فَأَصَابَهُ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ
النَّاسُ: هَنِيئاً لَهُ الْجَنَّةُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ فَله: «كَلَّا، وَالَّذِي نَفْسِي
بِيَدِهِ، إِنَّ الشَّمْلَةَ
يحط) أي يضع (رحل) بالحاء المهملة مركب الرجل على البعير، قاله
النووي(١) (رسول الله وآله) عن مركوبه، قال الباجي(٢): بمعنى الاستخدام
بالعبد والاستعانة به في مثل هذا من الأعمال، لا سيما لمن يحب أن يفرغ
نفسه للنظر في أمور المسلمين وتحفظهم من عدوهم، قال الحافظ (٣): زاد
البيهقي في الرواية المذكورة: ((وقد استقبلتنا يهود بالرمي لم نكن على تعبية)).
(إذ جاءه) أي مدعماً قال القاري: بسكون الذال للمفاجأة. وفي نسخة
((إذا)) (سهم عائر) قال القسطلاني: بالعين المهملة وبعد الألف همزة فراء لا
يدرى راميه. وقال القاري: بكسر الهمزة المبدلة، قال الحافظ: بوزن فاعل أي
لا يدرى من رمى به، وقيل: هو الحائد عن قصده، انتهى.
(فأصابه فقتله) وفي ((الدر المنثور)) برواية ابن أبي شيبة عن أبي هريرة
فنزل بين العصر والمغرب، فأتى الغلام سهم عائر فقتله، الحديث. (فقال
الناس: هنيئاً له الجنة) لشهادته، وقد قتل في خدمة النبي ◌ّ، قال في
((المجمع)): هنأني الطعام وهنيت الطعام تهنأت به، وكل ما يأتيك بلا تعب فهو
هنيء لك، والهنيء اللذيذ الموافق للغرض، وهو منصوب على المصدرية، كما
في ((المغني)): أي هنأت له الجنة هنيئاً (فقال رسول الله ◌َلاير: كلا) حرف ردع
أي ليس الأمر كما تظنون، قال النووي: زجر ورد لقولهم في هذا الرجل: إنه
شهيد ومحكوم له بالجنة أول وهلة، بل هو في النار بسبب غلوله، انتهى.
(والذي نفسي بيده إن الشملة) بفتح الشين المعجمة وسكون الميم
(١) ((شرح النووي على صحيح مسلم)) (١٢٩/٢/١).
(٢) ((المنتقى)) (٢٠٣/٣).
(٣) (فتح الباري)) (٤٨٩/٧).
٣٠٥
٢١ - كتاب الجهاد
(١٣) باب
(٩٧٢) حديث
الَّتِي أَخَذَ يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ الْمَغَانِم لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ، لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ
نَاراً))، قَالَ: فَلَمَّا سَمِعَ النَّاسُ ذَلِكَ، جَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكِ
الكساء، قاله القسطلاني، وقيل: إنما تسمى شملة إذا كان لها هدب، وقال
النووي: البردة بالضم كساء مخطط، وهي الشملة والنمرة، انتهى. (التي أخذها
يوم حنين) في النسخ الهندية، وهو من غلط عبيد الله، والصواب يوم خيبر،
كما في سائر الروايات، وما في النسخ المصرية من لفظ خيبر ليس بوجيه، فإنه
ليس رواية عبيد الله.
والعجب من العلامة الزرقاني(١) كيف اختار لفظ خيبر مع تصريحه بأنه
ليس رواية عبيد الله عن أبيه (من المغانم لم تصبها المقاسم)، قال الباجي(٢):
ظاهره أنه أخذها بغير قسمة ولا حق، وإنما أخذها غلولا، ويحتمل أن يكون
أخذها غير محتاج إليها للبسه، فلذلك اشتعلت عليه ناراً أو أخذها محتاجاً
إليها، ثم أمسكها بعد القسمة وبعد الرجوع إلى بلاد المسلمين.
(لتشتعل) هكذا في جميع النسخ المصرية والهندية من المتون والشروح،
وقال الزرقاني: بزنة تفتعل عند ابن وضاح، ولابن يحيى لتشعل بالبناء
للمجهول (عليه ناراً) قال الحافظ(٣): يحتمل أن يكون ذلك حقيقة بأن تصير
الشملة نفسها ناراً فيعذب بها، ويحتمل أن يكون المراد أنها سبب لعذاب
النار، وكذا القول في الشراك الآتي، وقال أيضاً في حديث آخر في قصة
كركرة تحت قوله ◌َ﴾: ((هو في النار)) أي يعذب على معصيته، أو يُعَذب إن لم
يعف الله تعالى عنه، انتهى.
قال: (فلما سمع الناس ذلك) أي قوله {مَّ# في مدعم (جاء رجل) قال
الحافظ: لم أقف على اسمه (بشراك) بكسر الشين المعجمة وخفة الراء، سير
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣١/٣).
(٢) ((المنتقى)) (٢٠٣/٣).
(٣) (فتح الباري)) (٤٨٩/٧).
٣٠٦
٢١ - كتاب الجهاد
(١٣) باب
(٩٧٢) حديث
وَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَجَ: «شِرَاكٌ أَوْ
أَوْ شِرَاكَيْنِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ
شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ)).
أخرجه البخاريّ في: ٨٣ - كتاب الأيمان والنذور، ٣٣ - باب هل يدخل في
الأيمان والنذور الأرضُ والغنم والزروع والأمتعة؟
ومسلم في: ١ - كتاب الإيمان، ٤٦ - باب غلظ تحريم الغلول، حديث
١٨٣.
النعل على ظهر القدم (أو شراكين) شك من الراوي، وفي بعض النسخ بالواو.
(إلى رسول الله وَله، فقال رسول الله): شراك أو شراكان من نار) قال
الباجي (١): يحتمل أن يكون الشراك والشراكان لهما القيمة ويكون ثمنه
الدراهم، فمثل هذا لا يحل أخذه، انتهى. قلت: واحتاج الباجي إلى ذلك لما
تقدم قريباً أن القليل اليسير يعفو عند مالك، والمسألة خلافية تقدمت.
قال ابن عبد البر في ((التمهيد))(٢): في هذا الحديث وفي حديث عمرو بن
شعيب ((أَدُّوا الخيط)) دليل على أن القليل والكثير لا يحل لأحد أخذه في الغزو
من المقسم، إلا ما أجمعوا عليه من أكل الطعام والاحتطاب، وهذا أولى ما
قيل في هذا الباب، وما خالفه مما جاء عن بعض أصحابنا وغيرهم فليس
بشيء، انتهى. وقال أيضاً: في هذا الحديث دليل على أن الغال لا يجب حرق
متاعه؛ لأن رسول الله وَ﴾ لم يحرق رحله ولا متاعه، ولا أحرق متاع صاحب
الخزرات، ولو كان حرق المتاع واجباً لفعله وَ ل حينئذ، ولو فعل لنقل في هذا
الحديث، وقد روي عنه بَ لّ أنه قال: ((من غلَّ فأحرقوا متاعه واضربوه))، وهو
حديث يدور على صالح بن محمد بن زائدة، وهو ضعيف لا يحتج به.
واختلف العلماء في عقوبة الغال فذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة
(١) ((المنتقى)) (٢٠٣/٣).
(٢) (٢٢/٢ - ٢٥).
٣٠٧
٢١ - كتاب الجهاد
(١٣) باب
(٩٧٢) حديث
وأصحابه والليث بن سعد إلى أن الغالّ يُعاقب بالتعزير ولا يحرق متاعه. وقال
الشافعي وداود بن علي: إن كان عالماً بالنهي عوقب وهو قول الليث، وقال
الشافعي: إنما يعاقب الرجل في بدنه لا في ماله، وقال الأوزاعي: يحرق متاع
الغال كله إلا سلاحه وثيابه التي عليه وسرجه، ولا ينزع منه دابته ويحرق سائر
متاعه إلا الشيء الذي غلّ، ويعاقب مع ذلك وهو قول أحمد وإسحاق، وحجة
من ذهب إلى ذلك القول حديث صالح المذكور، وهو عندنا حديث لا يجب به
انتهاك حرمته، انتھی.
قال الباجي: أنكر مالك أن يحرق رحله، والحديث الذي روى صالح بن
محمد بن زائدة عن سالم عن أبيه انفرد به صالح، وهو مدني تركه مالك،
وليس ممن يحتج بحديثه، انتهى.
قال الخرقي: ومن غل من الغنيمة حرق رحله كله إلا المصحف وما فيه
روح، قال الموفق(١): وبهذا قال الحسن وفقهاء الشام منهم مكحول والأوزاعي
والوليد بن هشام، وقال مالك والليث والشافعي: لا يحرق لأن النبي وَ لّ لم
يحرق .
ولنا، ما روى صالح بن محمد بن زرارة (٢) فذكر الحديث المذكور، وقال
أخرجه سعيد وأبو داود والأثرم، وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن
رسول الله وَل﴿ وأبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - أحرقوا متاع الغال.
وقال البخاري في (صحيحه)): (٣) (باب القليل من الغلول)) ولم يذكر
عبد الله بن عمرو عن النبي ◌َّير أنه حرّق متاعه، وهذا أصح، ثم ذكر في الباب
(١) ((المغني)) (١٦٨/١٣).
(٢) كذا في الأصل وهو وهم من الناسخ، اهـ (ش)) والصواب زائدة.
(٣) ((صحيح البخاري)) (٣٠٧٤)، ((فتح الباري)) (٦/ ١٨٧).
٣٠٨
.--
٢١ - كتاب الجهاد
(١٣) باب
(٩٧٢) حديث
حديث عبد الله بن عمرو، وقال: كان على ثقل النبي و 18 رجل يقال له:
كركرة، فمات فقال النبي ◌ُّر: ((هو في النار))، فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا
عباءة قد غلها، قال الحافظ: قوله: لم يذكر عبد الله بن عمرو، يعني في حديثه
الذي ساق في الباب، وقوله: ((هذا أصح)) إشارة إلى تضعيف ما روي عن
عبد الله بن عمرو في الأمر بحرق رحل الغال، وأخرج أبو داود(١) من طريق
صالح بن محمد بن زائدة الليثي أحد الضعفاء قال: دخلت مع سلمة بن
عبد الملك أرض الروم، فأُتي برجلٍ قد غلّ، فسأل سالماً عنه، فقال: سمعتُ
أبي يحدث عن عمر - رضي الله عنه - عن النبي وَ لّر قال: ((إذا وجدتم الرجل
قد غل فأحرقوا متاعه))، ثم ساقه من وجه آخر عن سالم موقوفاً، قال أبو
داود: هذا أصح.
وقال البخاري في ((التاريخ)): يحتجون بهذا الحديث في إحراق رحل
الغالّ، وهو باطل ليس له أصل، وراويه لا يُعتمد عليه. وروى الترمذي عنه
أيضاً أنه قال: صالح منكر الحديث، وقد جاء في غير حديث ذكر الغال،
وليس فيه الأمر بحرق متاعه، قال الحافظ: وقد جاء من غير طريق صالح بن
محمد، أخرجه أبو داود (٢) أيضاً من طريق زهير بن محمد عن عمرو بن شعيب
عن أبيه عن جده، ثم أخرجه من وجه آخر عن زهير عن عمرو بن شعيب
موقوفاً عليه، وهو الراجح، انتهى.
هذا، وعلم من ذلك أن صاحب القصة في حديث الباب مدعم، وهي
غير القصة التي تقدمت عن البخاري من حديث عبد الله بن عمرو، وكلام
القاضي المذكور في أول الحديث يوهم أن صاحب القصة في حديث الباب
کرکرة، وليس بوجيه.
(١) أخرجه أبو داود (٢٧١٣)، والترمذي بنحوه (١٤٦١).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٧١٥).
٣٠٩
٢١ - كتاب الجهاد
(١٣) باب
(٩٧٣) حدیث
٢٦/٩٧٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّهُ
بَلَغَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: مَا ظَهَرَ الْغُلُولُ فِي قَوْم قَظُ
قال الحافظ(١): كلام عياض يشعر بأن قصة كركرة مع قصة مدعم متحدة،
والذي يظهر من عدة أوجه تغايرهما، نعم عند مسلم من حديث عمر - رضي الله
عنه - لما كان يوم خيبر قالوا: فلان شهيد، فقال النبي وسلم: ((كلّا، إني رأيته في
النار في بردة غلها أو عباءة)) فهذا يمكن تفسيره بكركرة بخلاف قصة مدعم،
فإنها كانت بوادي القرى، ومات بسهم عائر، وغلّ شملة، والذي أهدى
للنبي وَّ كركرة هوزة بن علي بخلاف مدعم، فأهداه رفاعة فافترقا، انتهى.
٢٦/٩٧٣ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (أنه بلغه عن
عبد الله بن عباس) وسيأتي الكلام على وصله في آخر الحديث (أنه قال)
موقوفاً، وهو مرفوع حكماً؛ لأنه لا يقال بالرأي، وروي مرفوعاً نصاً كما
سيأتي نصاً.
وقال الباجي(٢): يحتمل أن يكون هذا عما بلغه من الكتب المتقدمة،
وصحح ذلك عنها التجربة، ويحتمل أن يكون ذلك بتجربة قد جربها الناس
قبله، فصحح قولهم وما زعموا من ذلك، ويحتمل أن يكون ذلك بتوقيف من
النبي وَلّر، والأظهر أنه لو كان كذلك لبينه؛ لأنه إنما قصد الزجر والردع عن
مثل هذا الفعل، والزجر إنما يكون عن مثل هذا بقول النبي و 8، فلو نقله
عنه وَلَّ لكان أبلغ في الزجر وأتمّ في الموعظة، انتهى.
قلت: لكن المعروف عند أهل الأصول أن قول الصحابي فيما لا يدرك
بالقياس في حكم المرفوع.
(ما ظهر الغلول) أي الخيانة في الغنيمة أو الخيانة مطلقاً (في قوم قط)
(١) ((فتح الباري)) (٤٨٩/٧).
(٢) ((المنتقى)) (٢٠٤/٣).
٣١٠
٢١ - كتاب الجهاد
(١٣) باب
(٩٧٣) حديث
إِلَّا أُلْقِيَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبُ، وَلَا فَشَا الزِّنَا فِي قَوْمٍ قَطُ إِلَّا كَثُرَ فِيهِمُ
...
الْمَوْتُ، وَلَا نَقَصَ قَوْمٌ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا قُطِعَ عَنْهُمُ الرِّزْقُ،
يفتح القاف وتشديد الطاء المهملة للتأكيد (إلا ألقي) ببناء المجهول (في قلوبهم
الرعب) بالضم الخوفُ معاملة بالنقيضِ، فإن المال يقوي القلب، فلما أخذوه
بغير حل خافوا، ويحتمل أن يكون ذلك فيمن غلّ دون من لم يغل، كما قال
عز اسمه: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ اُلُوَءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَيٍِ﴾
الآية (١)، ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ﴾(٢) الآية، ويحتمل العموم، كما ورد
((أَنُهْلَكُ وفينا الصحالون)) قال: ((نعم إذا كثر الخبث))، وسألت أم سلمة في قصة
جيش الخسف: يا رسول الله! كيف بمن كان كارهاً؟ قال: ((يخسف بهم،
ولكن يُبعث يوم القيامة على نيته))، كذا في أبي داود(٣) وفيه أيضاً مرفوعاً:
((الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب)) (ولا
فَشَا) أي ظهر وانتشر (الزنا في قوم قط) ولم ينكر عليهم (إلا كثر فيهم الموت).
فقد وردت الروايات في ذلك في قصة بني إسرائيل من كتب التفاسير؛ منها ما
في ((الدر المنثور)) براوية ابن جرير وغيره قال بلعام: سأَدُلَّكُمْ على أمرٍ عسى أن يكون
فيه هلاكُهم، إن الله يبغض الزنا، وإن هم وقعوا بالزنا هلكوا، فأخرجوا النساء،
فعسى أن يزنوا، فأخرجوها فوقعوا بالزنا، فسلط الله عليهم الطاعون، فمات منهم
سبعون ألفاً، وذكرها الحافظ في ((الفتح)) برواية الطبري عن سيار بلفظ: فمات منهم
سبعون ألفاً في يوم ثم قال: هذا مرسل جيد، وسيار شامي موثق، وذكر الطبري هذه
القصة من طريق محمد بن إسحاق عن سالم أبي النضر فذكره نحوه، انتهى.
(ولا نقص قوم المكيال والميزان) وما في معناهما كالذراع، والعدد (إلا
قطع) ببناء المجهول (عنهم الرزق) الحلال، وفيه أن المعصية سبب لنقص
(١) سورة المائدة: الآية ١٦٤.
(٢) سورة المائدة: الآية ١٥.
(٣) ((سنن أبي داود)) (٤٢٨٩).
٣١١
٢١ - كتاب الجهاد
(١٣) باب
(٩٧٣) حديث
الرزق، وأصرح منه في ذلك المعنى ما في ((الجامع الصغير)) برواية أحمد في
((مسنده)) والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم في ((المستدرك)) عن ثوبان:
((أن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه))، الحديث، قال العزيزي في ((شرحه)):
هو حديث صحيح وهو مؤيّد بالروايات الكثيرة؛ منها: ما ورد في الصحاح
بطرق مختلفة: ((من أحب أن يُبْسط في رزقه فليصل رحمه)) فإن مقتضاه الضيق
بقطع الرحم، وورد ذلك نصاً.
ويُشكل عليه ما فيه أيضاً برواية الطبراني في ((الصغير)) برواية أبي سعيد
الخدري: ((أن الرزق لا تنقصه المعصية ولا تزيده الحسنة))، الحديث، وأجاب
عنه العزيزي بأنه ضعيف، فلا يقاوم الأول.
قلت: ويشكل عليه أن الثاني أيضاً مؤيد بالأحاديث الكثيرة الصحاح
الواردة في القدر، منها: ما في ((الصحيحين)) وأبي داود والترمذي برواية ابن
مسعود عن الصادق المصدوق ((أن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين
يوماً))، الحديث(١)، وفيه: ((ثم يبعث الله إليه ملكاً بأربع كلمات: يكتب رزقه،
وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد)).
وللشيخين وغيرهما عن أنس رفعه «وكلّ الله بالرحم ملكاً فيقول: أي رب
نطفة))، الحديث، وفيه: ((فما الرزق؟ فما الأجل: فيكتب ذلك في بطن أمه)»،
ولأحمد والبزار وغيرهما عن أبي الدرداء رفعه: ((فرغ الله إلى كل عبد من
خمس من أجله ورزقه))، الحديث، كذا في ((جمع الفوائد)).
فقيل في الجمع بينهما: إن الثاني بالنسبة لما في علم الله عز اسمه، وأما
الأول فباعتبار الرزق المعلوم للملائكة الموكلين به، فهو الذي يزيد بالطاعة
(١) أخرجه البخاري (٣٣٣٢)، ومسلم (٢٦٤٣)، وأبو داود (٤٧٠٨)، والترمذي (٢١٣٧)،
وابن ماجه (٧٦).
٣١٢
٢١ - كتاب الجهاد
(١٣) باب
(٩٧٣) حديث
وَلَا حَكَمَ قَوْمٌ بِغَيْرِ الْحَقِّ إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الدَّمُ، وَلَا خَتَرَ قَوْمٌ بِالْعَهْدِ
إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْعَدُوَّ .
قال ابن عبد البرّ: قد رويناه متصلاً عنه، ومثله لا يقال رأياً.
وينقص بالمعصية، كذا في ((العزيزي))، والأوجه ما فيه أيضاً أن المراد بالأول
ذهاب بركة الرزق فكأنه حرمه .
وجمع بينها العيني (١) في ((باب من أحب البسط في الرزق)) من كتاب
البيوع بخمسة أوجه: منها هذان الوجهان، وفي ((المحلى)): نقص الرزق
الحلال أو الأخروي (ولا حكم قوم بغير الحق إلا فشا فيهم الدم) بقتل بعضهم
بعضاً، ولا ينافيه ما سيأتي من قوله عليه السلام: ((ولا حكموا بغير ما أنزل الله
إلا فشا فيهم الفقر)) لاحتمال الجمع والتنويع.
(ولا ختر) بالخاء المعجمة والمثناة الفوقية والراء المهملة، كما في جميع
النسخ المصرية أي غدر، وهكذا في ((موطأ محمد))(٢)، فما في بعض النسخ
الهندية بالنون والزاي المعجمة تصحيف، ويؤيد الأول أن هذه الجملة تقدمت
في الوفاء بالأمان ولم تختلف فيه النسخ (قوم بالعهد إلاّ سلط) زاد في النسخ
المصرية بعد ذلك لفظ الجلالة بلفظ: سلّط الله (عليهم العدو) تقدم الكلام عليه
في الوفاء بالأمان .
قال الباجي(٣): وما ذكر من هذه العقوبات أنها تكون عند ما ذكر من
المعاصي يحتمل أن يكون ذلك إذا كثرت، وأعلن بها، ولم يكن منكراً لها،
انتهى .
قلت: وتقدم في الجملة الأولى ما يتعلق بذلك، وحديث الباب أخرجه
(١) ((عمدة القاري)) (٣٢٣/٨).
(٢) (ص٣٠٨).
(٣) ((المنتقى)) (٢٠٤/٣).
٣١٣
٢١ - كتاب الجهاد
(١٣) باب
(٩٧٣) حديث
محمد في ((موطئه)) بهذا اللفظ، وفي ((التعليق الممجد)) (١): هذا موقوف في
حكم المرفوع؛ لأنه مما لا يدرك بالقياس، وقد أخرجه ابن عبد البر (٢) عن ابن
عباس موصولاً، وفي سنن ابن ماجه نحوه مرفوعاً، انتهى.
قال الزرقاني(٣): وقد روي عن ابن عباس مرفوعاً ((خمس بخمس ما
نقض قوم العهد إلا سلط عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا
فيهم الفقر، ولا ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طفَّفُوا المكيال
إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر)) رواه
ابن ماجه والطبراني وله شاهد عن ابن عمر مرفوعاً نحوه عند ابن إسحاق،
انتھی .
قلت: وأيضاً عند ابن ماجه(٤) فأخرجه بسنده إلى ابن عمر - رضي الله
عنهما - قال: أقبل علينا رسول الله وَلخير، فقال: ((يا معشر المهاجرين! خمس
إذا(٥) ابتليتم بهن - وأعوذ بالله أن تدركوهن - لم تظهر الفاحشة في قوم قط
حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في
أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين، وشدة
المؤنة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من
السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا
سلط الله عليهم عدوّاً من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم وما لم تحكم
أئمتهم بكتاب الله، ويتحيزوا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم)).
(١) (٣٦٢/٣).
(٢) انظر: ((الاستذكار)) (٢١١/١٤).
(٣) (شرح الزرقاني)) (١٤/٣).
(٤) أخرجه ابن ماجه (٤٠١٩).
(٥) جزاءه محذوف، اهـ. (ز)).
٣١٤
٢١ - كتاب الجهاد
(١٣) باب
(٩٧٣) حديث
قال الحافظ في ((الفتح))(١): أخرجه ابن ماجه والبيهقي، وفي إسناده
خالد بن يزيد بن أبي مالك، وكان من فقهاء الشام، لكنه ضعيف عند أحمد
وابن معين وغيرهما، وَوَثَّقْهُ أحمد بن صالح المصري وأبو زرعة الدمشقي،
وقال ابن حبان: كان يخطئ كثيراً، وله شاهد عن ابن عباس في ((الموطأ)) فذكر
حديث الباب، ثم قال: وفيه انقطاع، وأخرجه الحاكم من وجه آخر موصولاً
بلفظ: ((إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلُّوا بأنفسهم عذاب الله))، وللطبراني
موصولاً من وجه آخر عن ابن عباس موصولاً نحو سياق مالك، وفي سنده
مقال، وله من حديث عمرو بن العاص بلفظ: ((ما من قوم يظهر فيهم الزنا إلا
أخذوا بالفنا)) الحديث، وسنده ضعيف .
وفي حديث بريدة عند الحاكمَ بسند جيد: ((ولا ظهرت الفاحشة في قوم
إلا سلّط الله عليهم الموت))، ولأحمد من حديث عائشة مرفوعاً: ((لا تزال أمتي
بخير ما لم يفش فيهم ولد الزنا، فإذا فشا فيهم ولد الزنا أوشك أن يعمهم الله
بعقاب))، وسنده حسن، انتهى.
وقال السيوطي في (الدر)): أخرج الحاكم، وصححه عن بريدة قال: قال
رسول الله وَل#: ((ما نقض قوم العهد إلا كان القتل بينهم، ولا ظهرت الفاحشة
في قوم قط إلا سلّط الله عليهم الموت، ولا منع قوم الزكاة إلا حبس الله عنهم
القطر))، وعزاه الشوكاني (٢) إلى البيهقي أيضاً، وقال: واختلف فيه على
عبد الله بن بريدة فقيل: عنه هكذا، وقيل: عن ابن عباس، انتهى.
وقال السيوطي ((في الدر)) (٣): أخرج أبو يعلى عن ابن مسعود رفعه: (ما
(١) ((فتح الباري)) (١٠/ ١٩٢).
(٢) ((نيل الأوطار)) (٦٤٥/٢).
(٣) ((الدر المنثور)) (١٠٩/٢).
٣١٥
٢١ - كتاب الجهاد
(١٤) باب
(٩٧٤) حديث
(١٤) باب الشهداء في سبيل الله
٩٧٤ / ٢٧ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ
الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛
ظهر في قوم الزنا والربا إلا أحلّوا بأنفسهم عقاب الله))، وأخرج أحمد عن
عمرو بن العاص مرفوعاً ((ما من قوم يظهر فيهم الربا إلا أخذوا بالسنة، وما من
قوم يظهر فيهم الرشا إلا أخذوا بالرعب))، وفيه أيضاً أخرج ابن مردويه عن ابن
مسعود رفعه ((ما نقص قوم المكيال والميزان إلا سلّط الله عليهم الجوع)).
وفيه أيضاً وأخرج الطبراني والحاكم والبيهقي عن ابن عباس رفعه ((إذا
ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلّوا بأنفسهم كتاب(١) الله))، وأخرج الطبراني
والحاكم وابن عدي والبيهقي عن ابن عمر رفعه: ((الزنا يورث الفقر))، قلت:
وعزاه السخاوي في ((المقاصد)) إلى الديلمي والقضاعي أيضاً.
(١٤) الشهداء في سبيل الله
أي بيان فضلهم وما يلحق بذلك، وتقدم في أبواب الجنائز أن أسباب
الشهادة الواردة في الأحاديث ترتقي إلى قريب من الستين، وتقدم ذكرها، ومع
ذلك، فالشهيد الحقيقي هو قتيل المعركة، أو من قتله أهل البغي، أو أهل
الحرب، أو قُطَاعُ الطريق ونحو ذلك، وتقدم حكمه في الجنائز من أنه لا يغسل
ويدفن بدمه، واختلف في وجه تسمية الشهيد شهيداً على أقوال تقدم ذكرها في
((باب العتمة والصبح))، وبسطها النووي في ((شرح مسلم))(٢).
٢٧/٩٧٤ - (مالك، عن أبي الزناد) بكسر الزاي المعجمة عبد الله بن
ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) رضي الله عنه، قال
(١) كذا في الأصل، اهـ ((ش)). وفي ((الدر المنثور)) (١٠٩/٢) الذي بين يدي فيه:
عذاب الله، وهو الظاهر.
(٢) انظر: ((شرح صحيح مسلم للنووي)) (١٦٣/٢/١).
٣١٦
٢١ - كتاب الجهاد
(١٤) باب
(٩٧٤) حديث
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوَدِدْتُ أَنِّي أَقَاتِلُ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ، فَأُقْتَلُ،
الحافظ: (١) قد روى هذا الحديث عن أبي هريرة جماعة من التابعين، ثم ذكر
أسماءهم، وقد أخرجه البخاري بمواضع من ((صحيحه)) (أن رسول الله وجل قال)
ولفظ البخاري برواية ابن المسيب: أن أبا هريرة - رضي الله عنه - قال:
سمعت النبي ◌َّ يقول (والذي نفسي بيده) هذا من قسمه المعروف كان يقسم به
النبي وَ﴾ كثيراً، وقسمه ◌َّلّ على معنى إفادة التأكيد والتحقيق، لا على إفادة
التصديق .
وزاد في حديث ابن المسيب عن أبي هريرة عند البخاري(٢): ((والذي
نفسي بيده لولا أن رجالاً من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني، ولا
أجد ما أحملهم عليه ما تخلّفت عن سرية تغدو في سبيل الله))، وسيأتي في
((الموطأ)) بمعنى ذلك في ((باب الترغيب في الجهاد)) برواية أبي صالح عن أبي
هريرة (لوددت) بلام مفتوحة في جواب القسم، وفي رواية بلا لام، قاله
الزرقاني. قلت: وهو كذلك في رواية التنِّيسي عن مالك عند البخاري، وهو
بكسر الدال الأولى وسكون الثانية المهملتين أي تمنيت (أني أقاتل) وفي رواية
التنيسي لأقاتل بلام التأكيد، وهو ببناء الفاعل من المقاتلة (في سبيل الله) أي
الجهاد ولإعلاء كلمته لا لحمية أو استجلاب أمر دنيوي (فأقتل) بضم الهمزة
مبنياً للمفعول.
قال الحافظ(٣): استشكل بعض الشراح صدور هذا التمني من النبي
صَلى الله
وستكم
مع علمه بأنه لا يقتل، وأجاب ابن التين بأن ذلك لعله كان قبل نزول قوله
تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ وهو متعقب، فإن نزولها كان في أوائل ما
(١) (فتح الباري)) (١٦/٦) ((باب تمني الشهادة)) ((كتاب الجهاد)).
(٢) ((صحيح البخاري)) (٢٧٩٧).
(٣) (فتح الباري)) (١٧/٦).
٣١٧
٢١ - كتاب الجهاد
(١٤) باب
(٩٧٤) حديث
قدم المدينة، وهذا الحديث صرح أبو هريرة بأنه سمعه من النبي وَّ، وإنما
قدم أبو هريرة في أوائل سنة سبع، والذي يظهر في الجواب أن تمني الفضل
والخير لا يستلزم الوقوع، فقد قال بَلّ: ((وددت لو أن موسى صبر)).
ووقع في ((كتاب التمني)) (١) من البخاري وغيره نظائر ذلك، وكأنه وَال
أراد المبالغة في بيان فضل الجهاد وتحريض المسلمين عليه، قال ابن التين :
وهذا أشبه، وحكى الشيخ ابن الملقن أن بعض الناس زعم أن قوله: ((ولوددت))
مدرج من كلام أبي هريرة، وهو بعيد، قال: وفي الحديث جواز قول ((وددت))
حصول كذا من الخير، وإن علم أنه لا يحصل، وفيه جواز تمني ما يمتنع في
العادة، انتهى.
وقال الحافظ (٢) أيضاً: قيل: إن بين التمني والترجي عموماً وخصوصاً،
فالترجي في الممكن، والتمني في أعم من ذلك، وقيل: التمني يتعلق بما
فات، وعبّر عنه بعضهم بطلب ما لا يمكن حصوله، انتهى.
وفي الحديث أيضاً جواز الدعاء بالشهادة، وهو يستلزم طلب نصر الكافر
على المسلم وإعانة من يعصي الله على من يطيعه، لكن القصد الأصلي إنما هو
حصول الدرجة العليا المترتبة على حصول الشهادة، وليس ما ذكره مقصوداً
لذاته، وإنما يقع من ضرورة الوجود، فاغتفر حصول المصلحة العظمى من دفع
الكفار وإذلالهم وقهرهم بقصد قتلهم بحصول ما يقع في ضمن ذلك من قتل
بعض المسلمين، وجاز تمني الشهادة لما يدل عليه من صدق من وقعت له من
إعلاء كلمة الله، حتى بذل نفسه في تحصيل ذلك، انتهى.
ولا يُشكل على الحديث كراهة تمني الموت، فإن النهي عنه لضُّرِّ نزل به
(١) ((فتح الباري)) (٢١٧/١٣).
(٢) ((فتح الباري)) (٢١٧/١٣).
٣١٨
--
٢١ - كتاب الجهاد
(١٤) باب
(٩٧٤) حديث
ثُمَّ أُحْيَا فَأُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا فَأُقْتَلْ))، فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةً يَقُولُ ثَلَاثاً:
كما قيده بذلك في الروايات، وأما بدون ذلك كالفرار من الفتن أو اللقاء
بالرفيق الأعلى، فلا بأس بذلك، بل أولى لما ورد: ((من أحبَّ لقاء الله
أَحبَّ الله لقاءه))، وتقدم في ((الجنائز)) ذكر بعض من اشتاقه لذلك.
(ثم أحيا فأقتل) بضم الهمزة مبنياً للمفعول فيهما. قال الباجي(١): قد
تمنى النبي ◌ّل هذه الدرجة، وتكرر القتل في سبيل الله، وإن كان قد عرف أنه
لا يجوز ذلك، وإن أحداً لا يحيى في الدنيا بعد موته، لما في ذلك من تعظيم
ثواب الشهادة واستسهال القتل وألم الجراح ثلاث مرات، وتمني الثواب
والعمل الصالح جائز، وإن تمنى المكلف منه ما لا يطيقه، ولا سبيل له إليه؛
لأنه تمني خير وعمل صالح، انتهى.
(ثم أحيا فأقتل) وفي رواية: ((ثم أقتل)) في المواضع الثلاثة بلفظ ((ثم))
بدل الفاء، وفي السياق الأول من اللطف ما لا يخفى، إذ التعبير للحياة بلفظ
(ثم)) وللقتل بلفظ ((الفاء)» مشير إلى سرعة الانتقال من دار الغرور إلى دار
السرور، وطول القيام فيه للفوز بما يحصل من الدرجات بهذا القتل، وقال
الطيبي: ((ثم)) وإن دل على التراخي في الزمان، لكن الحمل على التراخي في
الرتبة هو الوجه؛ لأن المتمني حصول درجات بعد القتل والإحياء لم تحصل
قبل، ومن ثم كررها لنيل مرتبة بعد مرتبة إلى أن ينتهي إلى الفردوس الأعلى،
كذا في ((القسطلاني))(٢). قال القاري: وفي تركه ((ثم أحيا)) أي بعد ذلك مبالغة
بليغة لا تخفى.
(فكان أبو هريرة يقول) هذه الكلمة (ثلاثاً) أي ثلاث مرات
(١) ((المنتقى)) (٢٠٤/٣).
(٢) انظر: ((إرشاد الساري)) (٣٢٢/٦).
٣١٩
٢١ - كتاب الجهاد
(١٤) باب
(٩٧٥) حديث
أَشْهَدُ بِاللَّهِ.
أخرجه البخاريّ في: ٩٤ - كتاب التمنّ، ١ - باب ما جاء في التمني.
ومسلم في: ٣٣ - كتاب الإمارة، ٢٨ - باب فضل الجهاد والخروج في
سبيل الله، حديث ١٠٦.
٢٨/٩٧٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ،
(أشهد بالله) بالباء الجارة في جميع النسخ المصرية إلا نسخة الزرقاني، ففيها
بلام الجارة على لفظ الجلالة، وكذا في نسخ ((الموطأ)» الهندية. وفي
((البخاري)) برواية التنيسي عن مالك بهذا السند: ((أشهد بالله)) بلفظ الباء الجارة
بدل اللام. قال القسطلاني(١) تبعاً للعيني: ((أشهد بالله أنه وَّ قال ذلك))،
وفائدته التأكيد، وظاهره أنه من كلام الراوي عن أبي هريرة أي أشهد بالله أن
أبا هريرة كان يقول كلمات أقتل ثلاث مرات، انتهى.
وسياق التّنِّيسي عن مالك يوافق سياق («الموطأ)»، وأخرجه البخاري برواية
سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ: ((لوددت أني أقتل في
سبيل الله، ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل))، فذكر
الحياة ثلاثاً، والقتل أربعاً، وليس العدد باحتراز، ففي ((المشكاة)) برواية
الشيخين عن أنس رفعه: ((ما من أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا،
وله ما في الأرض من شيء إلا الشهيد يتمنى أن يرجع إلى الدنيا، فيقتل عشر
مرات لما يرى من الكرامة)).
٢٨/٩٧٥ - (مالك، عن أبي الزناد) هكذا أخرجه البخاري(٢) برواية
عبد الله بن يوسف عن مالك، قال الحافظ: كذا هو في ((الموطأ))، ولمالك فيه
إسناد آخر، رواه أيضاً عن إسحاق بن أبي طلحة عن أنس أخرجه الدارقطني
(١) ((إرشاد الساري)) (٢١٩/١٥).
(٢) أخرجه البخاري في الجهاد (٢٨٢٦) باب الكافر يقتل المسلم ثم يسلم.
٣٢٠