Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب يصيره إلى هذه الحالة، فالسلب للثاني، وهكذا قال صاحب ((البدائع))(١). وزاد صاحب ((الجوهرة)): وقد روي أن محمد بن مسلمة ضرب مرحباً، فقطع رجليه. وضرب علي - رضي الله عنه - عنقه، فقال محمد بن مسلمة: والله يا رسول الله لو أردت قتله لقتلته، ولكني أردت أن أعذِّبه كما عَذَّبَ أخي، فأعطى النبي ◌َّ سلبه لمحمد بن مسلمة، وهذا محمول على أن ضربه جعله بحيث لا يقاتل، ولا يعين على القتال، انتهى. وفي ((هامش البحر)) (٢) عن ((الذخيرة)): لا خلاف بين العلماء أن التنفيل قبل الإصابة وإحراز الغنيمة، وقبل أن تضع الحرب أوزارها جائز، ويوم الهزيمة ويوم الفتح لا يجوز، لأن القصد به التحريض على القتال، ولا حاجة إليه إذا انهزم العدو، وظهر المسلمون، لأنهم لا يتقاعدون عن القتال حينئذ، بل يبالغون بلا تحريض، فيتضمن إبطال حق الغانمين والفقراء بلا نفع، ولذا لا ينبغي قبل الفتح والهزيمة من غير استثنائهما . بل يقيد فيقول: ((من قتل قتيلاً قبل الفتح والهزيمة فله سلبه))، ولو أطلق بقي فيهما، ألا ترى أن عامة القتلى والأسارى يوم بدر كان بعد الهزيمة، وقد سُلِّمُوا لمن أخذهم، انتهى. وهكذا في ((الفتاوى الهندية)) عن ((المحيط))، وبسطت في أقاويلهم، لأن عامة نقلة المذاهب خلطوها، وعزوا مذهب بعضهم إلى بعض آخر. وعُلِم مما سبق أنهم اختلفوا في مسائل السلب في فروع كثيرة، الأول: أن يستحقه صاحب السهم وصاحب الرضخ معاً عند الحنفية، وبه قال أحمد، وعن الشافعي في ذلك قولان، أحدهما: كقولهم، وهو مختار فروع الشافعية. (١) (بدائع الصنائع)) (٨٦/٦). (٢) (١٥٨/٥). ٢٠١ ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب والثاني: يختص به صاحب السهم، وبه قال مالك إلا أن ينفذ الإمام الذمي لكونه مجتهداً فيه، والثاني: أن السلب يستحقه بكل حال عند الشافعي وأحمد، وإليه يرجع قول الحنفية والمالكية، وقال بعض السلف: إذا التقى الزحفان فلا سلب، إنما هو قبله أو بعده، كما تقدم في كلام الموفق. والثالث: يشترط أن يكون المقتول من المقاتلة فلا سلب لقتل امرأة وصبي، إلا أن يقاتلا، وكذلك كل ممنوع القتل عند الجمهور، منهم الأئمة الأربعة، حتى حكى الإجماع على ذلك غيرُ واحد، لكن قال أبو ثور وابن المنذر وغيرهما: يستحق سلب كل قتيل في الحرب. والرابع: أن يكون المقتول ذا منعة، فإن قتل مجروحاً، وأثخنه فلا سلب عند أحمد والشافعي، فإن قطع أحدٌ أيدي رجلٍ ورجليه، والآخر قتله فالسلب للقاطع عندهما، وعند الحنفية إن كان صَيَّره جرحُ الأول بحيث لا يقدر على القتال ولا يعنيهم بالكلام، فالسلب له، وإلا فللقاتل، ومقتضى كلام المالكية أن المناط في ذلك على رأي الإمام يعطيه من رأى فيه تحريضاً. والخامس: أن يقتله بجراح، فلو أسره، وقتله الإمام، فلا سلب له عند أحمد، وكذا لا سلب للآسر عند مالك والحنفية، وقال مكحول: إن أسر أحداً فله السلب، وبه قال الشافعي، وقال القاضي من الحنابلة: إن قتل الإمام الأسير فللآسر السلب، وإلا لا . والسادس: أن يُغَرِّرَ القاتل بالقتل، فإن رمى أحد من صف المسلمين، فقتل به مشركاً فلا سلب عند أحمد والشافعي، وكذا لو قتله نائماً أو غافلاً أو غير ذلك، ولا يشترط ذلك عند الحنفية، فيستحقه إن رمى من الصف فقتله، وكذا لو قتل نائماً أو مشغولاً . والسابع: أن ينفرد بقتله، فلو اشترك اثنان لا سلب لهما، وهو رواية حرب عن أحمد. ٢٠٢ ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب قال الموفق(١): وهو ظاهر كلام أحمد، وقال القاضي من الحنابلة يشتركان في السلب، وهو ظاهر فروع الشافعية كما تقدم عن ((التوشيح)) و((تحفة المحتاج))، وقال النووي في ((شرح مسلم))(٢): إن الشافعي يشترط في استحقاقه أن ينفرد بنفسه في قتل كافر، فإن كان سالماً من التحريف فهو نص في المسألة، لكن الظاهر عندي أنه تحريف من الناسخ، والصواب أن الشافعي يشترط أن يغرر بنفسه، فإن أصحاب الفروع الشافعية شرطوا ذلك كلهم، ولم يذكروا الانفراد، وظاهر فروع الحنفية، أنهما يشتركان في السلب، كما تقدم عن ابن نجيم، وصاحب ((الجوهرة)) وغيرهما، وهو الوجه الأول من وجوه الاستحسان في ((شرح السير)). وقيده الطحاوي بأن يكون المقتول مبارزاً لهما، وهذا القيد ثابت في ما فوق الاثنين، كما في ((شرح السير))، وبه جزم ابن عابدين في ((هامش البحر)). والثامن: أن يقتله مُقْبِلاً عند أحمد والشافعي، فلو انهزم الكفار كلهم، فقتل واحداً منهم مدبراً، فلا سلب له عندهما، نعم، إن انهزم واحد منهم، والحرب قائمة، فقتله، فالسلب ثابت، وعند الحنفية ينبغي للإمام أن يُقَيِّدَ قوله: ((من قتل قتيلاً قبل الهزيمة فله سلبه))، فإن لم يقيد فيستحقه بقتل المنهزمين أيضاً، كما تقدم عن ((هامش البحر)) عن ((الذخيرة))، وقال أبو ثور وداود وغيرهما: يستحقه بكل قتل، كما تقدم عن ((المغني)). وعزاه الحافظ إلى أبي ثور وابن المنذر. والتاسع: أن السلب لا يخمَّس عند أحمد، وهو المشهور عن الشافعي، وعنه يُخَمَّس، وروي ذلك عن ابن عباس، وبه قال الأوزاعي والثوري ومحكول (١) انظر: ((المغني)) (٦٨/١٣). (٢) انظر: ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٥٩/١٢/١). ٢٠٣ ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب أنه يُخَمَّس، وقال إسحاق: إن استكثر الإمام السلب يُخَمِّسُه، وإلا لا، ومذهب مالك كما في فروعه كلها أن السلب من الخمس، وحكى عنه الحافظ في ((الفتح))(١) التخيير للإمام في ذلك، وعند الحنفية إن قيد الإمام ذلك بقوله، فله السلب بعد الخمس يُخَمَّسُ وإلا لا، كما تقدم مفصلاً في بحث التنفيل، وبه جزم في ((الفتاوى الهندية)) إذ قال: إن نَفّل الإمام السلب بعد الخمس بأن قال: من قتل قتيلاً فله السلب بعد الخمس، يخمّس السلب، وإن نَفَّل السلب مطلقاً بأن قال: من قتل قتيلاً فله السلب، لا يخمَّس، هذا هو المذهب لعلمائنا، كذا في ((المحيط))، انتهى. والعاشر: قريب من ذلك أن السلب من أصل الغنيمة عند أحمد والشافعي، وقال مالك: من الخمس إلا أن يقول الإمام قبل القتال من الغنيمة فمنها، وإن كان يكره عنده أن يقول ذلك قبل القتال. والحادي عشر: الاختلاف المشهور بين العلماء أن يستحقه القاتل، قاله الإمام أو لم يقل، وبه قال الشافعي وأحمد، وقال الحنفية: بشرط أن يقوله الإمام قبل إحراز الغنيمة وقت القتال، وروي عن أحمد مثل قولهم، وهو اختيار أبي بكر من الحنابلة، وقال مالك: ينفّل الإمام من الخمس إن رأى المصلحة. ولا يقوله من قبل، ومع ذلك لو قاله ينفّذ قوله، وسيأتي مستدل من قال: بتقديم القول في آخر الباب. والثاني عشر: ما قاله الإمام أحمد: لا يعجبني ذلك إلا بإذن الإمام، فإنه أمر مجتهد فيه، فلا يُنَفَّذ بدون إذنه، وقال الموفق(٢): يحتمل قوله الاستحباب خروجاً عن الخلاف، وقال الشافعي: لا حاجة إلى إذنه، وقد علمت في (١) انظر: ((فتح الباري)) (٢٤٧/٦). (٢) انظر: ((المغني)) (٧٢/١٣). ٢٠٤ ٠٠. ------ - ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب الحادي عشر أنه يتوقف عند الحنفية والمالكية على تنفيل الإمام، فلا بد من إذنه، وسيأتي في ((الموطأ)) تصريح الإمام مالك - رضي الله عنه - باشتراط الإذن . والثالث عشر: أن السلب ما هو لابسه من الثياب والسلاح مما يستعمل به في الحرب أو يتزيّن به لإغاظة المسلمين، كالسِوَار والمنطقة في أحد قولي الشافعي، والثاني: لا يدخل فيه ما يتزيِّن به، والمرجح في فروعه الأول، وهو قول الأئمة الثلاثة الباقية، إلا أن عند مالك لا يدخل فيه السوار، ولو تعددت من كل نوع، فقيل: يأخذ الكل، والمرجح عند الشافعية يختار واحداً من كل نوع . والرابع عشر: اختلفت الرواية عن أحمد في أن الدابة من السلب أم لا ، الثانية: اختيار أبي بكر، والأولى المرجحة في الفروع، وبه قالت الأئمة الثلاثة الباقية . والخامس عشر: اختلفت الرواية عن أحمد في ممسك دابته، فعنه ليس بسلب، وهو اختيار الخلَّال وظاهر الخرقي، وعنه رواية أخرى أنها من السلب، وبه قالت الأئمة الثلاثة الباقية. والسادس عشر: لا يدخل ممسك غلامه من الدابة عند الشافعي، ويدخل فيه عند المالكية والحنفية. والسابع عشر: قال أحمد: لا يقبل ذلك إلا بِبَيَّنة، وحكى الحافظ الاتفاق على ذلك، وهو ظاهر ((شرح السير الكبير)) كما تقدم، وفي ((الفتح)): نقل ابن عطية عن أكثر الفقهاء أن البيّنة ههنا شاهد واحد يكتفى به، انتهى. وقال الأوزاعي: لا يحتاج إلى البينة، وحكاه عياض قول المالكية، وتعقبه الأبي، وقال الدسوقي: إن قال الإمام: له عليه بينة يحتاج إلى عدلين، وإلا ففيه قولان، كما تقدم، وقال طائفة من أهل الحديث: يكفي فيه شاهد ويمين. ٢٠٥ ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب (٩٦٥) حديث ١٨/٩٦٥ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ، والثامن عشر: يأخذ السلب كله عند أحمد والأوزاعي، ويترك القتلى عُزْياناً، وكرهه الثوري. ١٨/٩٦٥ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن عمرو) بفتح العين (ابن كثير) بالفتح والمثلثة المكسورة (ابن أفلح) بالفاء والحاء المهملة، قال ابن عبد البر: هكذا قال يحيى: عمرو بن كثير بن أفلح، وتابعه قوم، وقال الأكثر: عمر بن كثير، وقال الشافعي: عن ابن كثير بن أفلح، وعمرو وعمر أخوان، وعمر أجلّ وأشهر، وهو الذي في ((الموطأ))، وليس لعمرو بن كثير في ((الموطأ)) ذكر إلا عند من لم يُقِمْ اسمه وصَحَّفَه، كذا في ((التنوير))(١). وقال في ((التقصي))(٢): هكذا قال يحيى: وتابعه قوم، وقال الأكثر(٣): عمر بن كثير بن أفلح، وهو الصواب إن شاء الله، انتهى. والحديث أخرجه البخاري(٤) في المغازي، والبيوع برواية عبد الله بن يوسف عن مالك بلفظ عمر بن كثير، قال الحافظ في ((الفتح))(٥): وقع في رواية يحيى بن يحيى الأندلسي عمرو - بفتح العين - وهو تصحيف، وقال أيضاً في موضع آخر: إن يحيى بن يحيى حَرَّفه، والصواب عمر، انتهى. فعُلِم من هذا كله أن الواقع في رواية ((الموطأ)) هذه عمرو بالفتح، فما (١) ((تنوير الحوالك)) (ص٣٧٩). (٢) (ص٢٢٠). (٣) انظر: ((التمهيد)) (٢٤٤/٢٣). (٤) أخرجه البخاري في البيوع (٢١٠٠)، وفي فرض الخمس (٣١٤٢)، وفي المغازي (٤٣٢١). (٥) ((فتح الباري)) (٦/ ٢٤٧). ٢٠٦ - ---.. . .--- ۔ ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب (٩٦٥) حديث عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ، مَوْلَى أَبِي قَنَادَةَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ؛ أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَه في بعض النسخ الهندية والمصرية من لفظ ((عمر)) بدون الواو صححه أحدٌ من النساخ، وليس بصحيح في رواية يحيى. ثم عمر بن كثير بن أفلح مدني مولى أبي أيوب الأنصاري، وثّقه النسائي وغيره، وهو تابعي صغير، ولكن ابن حبان ذكره في أتباع التابعين، ليس له في البخاري سوى هذا الحديث بهذا الإسناد، ولكن ذكر الحديث في مواضع مختصراً، وتاماً، كذا في ((الفتح))، زاد في (التهذيب))(١): قال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث، انتهى. ولم أجد ترجمة أخيه عمرو بن كثير بن أفلح المدني في ((التهذيب)) ولا ((التعجيل)). نعم، ذكر في ((التهذيب)) في رواة ابن ماجه عمرو بن كثير بن أفلح المكي مولى آل أسيد، ويقال: عمر روى عن عبد الرحمن بن كيسان، وعنه أبو همام الدلال وغيره جماعة لم يذكر فيها يحيى بن سعيد الأنصاري. (عن أبي محمد) نافع بن عباس أو ابن عياش مشهور باسمه وكنيته معاً (مولى أبي قتادة) حقيقة عند جماعة، وعند آخرين مجازاً للزومه به، كما تقدم في موضعه (عن أبي قتادة بن ربعي) بكسر الراء وسكون الموحدة الأنصاري المدني شهد أحداً وما بعدها (أنه قال: خرجنا) من مكة المكرمة بعد فتحها (مع رسول الله مَ﴾) لأجل غزو سنة ثمان يوم السبت لست ليال خلون من شوال في اثنى عشر ألفاً من المسلمين، عشرة آلاف من أهل المدينة من المهاجرين والأنصار، وألفان ممن أسلم من أهل مكة وخرج معه ثمانون من المشركين، وقال عطاء: كانوا ستة عشر ألفاً، وقال الكلبي: كانوا عشرة آلاف، وكانوا يومئذ أكثر مما كانوا . (١) ((تهذيب التهذيب)) (٤٩٣/٧). ٢٠٧ ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب (٩٦٥) حديث عَامَ حُنَيْنِ، فَلَمَّا أُلْتَقَيْنَا، وفي ((المشكاة)): ساروا مع رسول الله وَل﴾ل يوم حنين، فأطنبوا السير حتى كان عشية، فجاء فارس، فقال: يا رسول الله إني أطلعت على جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن على بكرة أبيهم بظعنهم ونعمهم اجتمعوا على حنين، فتبسم رسول الله وَّة، وقال تلك غنيمة للمسلمين غداً، إن شاء الله، كذا في ((الخميس))(١) . (عام حنين) بمهملة ونونين مصغراً. قال ياقوت الحموي: يُذَكَّرُ ويؤنث، فإن قصدت به البلد ذكرته وصرفته، وإن قصدت به البلدة والبقعة أنَّثته، ولم تصرفه، وفي (لغات النووي): مصروف كما نطق به القرآن، قال الواقدي: بينه وبين مكة ثلاث ليال، وقيل: بينه وبين مكة بضعة عشر ميلًا، كذا في ((المعجم)) (٢). وفي ((لغات النووي)) (٣): وادٍ بين مكة والطائف، وراء عرفات، بينه وبين مكة بضعة عشر ميلًا، انتهى. وبه جزم الحافظ في ((الفتح)) (٤) إذ قال: وادٍ إلى جنب ذي المجاز، قريب من الطائف، بينه وبين مكة بضعة عشر ميلا من جهة عرفات، انتهى. فما في الزرقاني تبعاً لبعض شُرَّاح البخاري: بينه وبين مكة ثلاثة أميال لیس بوجيه . (فلما التقينا) مع المشركين، قال صاحب ((المجمع))(٥): كان فتح مكة (١) ((تاريخ الخميس)) (١٠١/٢). (٢) ((معجم البلدان)) (٣١٢/٢). (٣) (٨٦/٢). (٤) ((فتح الباري)) (٢٧/٨). (٥) ((مجمع بحار الأنوار)) (٢٦٩/٥). ٢٠٨ ------- ----- ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب (٩٦٥) حديث العشرين من رمضان، فأقام بها خمسة عشرة ليلة، يبعث السرايا حول مكة، ثم خرج إلى حنين بعاشر شوال، انتهى. قلت: هذا لا يوافق قوله: أقام خمسة عشر ليلة، فالصواب على الظاهر ما تقدم عن ((الخميس)) لستِ ليالٍ خلون من شوال، وقال الحافظ (١): قال أهل المغازي: خرج النبي ◌َّ لست خَلَتْ من شوال، وقيل: لليلتين بقيتا من رمضان، وجمع بعضهم بأنه بدأ بالخروج في أواخر رمضان، وسار سادس شوال، وكان وصوله إليها في عاشره. وفي ((الخميس)) (٢): سببها أنه لما فتح الله على رسوله مكة، وأسلم عامة أهلها، أطاعت له قبائل العرب إلا هوازن وثقيفاً، فإن أهلها كانوا طُغاةً، عُتاة، مرَدَة، مبارزين، فاجتمع أشرافهما، فقال بعضهم بعضاً: إن محمداً قاتل قوماً لم يُحسنوا القتال، ولم يكن لهم علم بالحروب، فغلب عليهم، فإنه سيقصدنا، فقبل أن يظهر ذلك منه سِيْرُوا إليه، فقصدوا محاربة المسلمين، فعَبُّوْا جيشهم، وعددهم أربعة آلاف مقاتل. وخرجوا مع أموالهم وأولادهم وذراريهم، وتخلف منهم قبيلتان كعب وكلاب، وكان دريد بن الصمة شيخاً كبيراً عَمِي من الكبر، وكان له مائة وخمسون سنة، وقيل: مائة وسبعون سنة، وكان صاحب رأي وتدبير، وله معرفة بالحروب، وليس فيه شيء إلا التيمن برأيه، وكان رأيه أن لا تخرج معهم الأموال والذراري، ولكن غلب على رأيه مالك بن عوف، فأخرجوهم معهم، فساروا حتى انتهوا إلى أوطاس، قال الحموي: أوطاس وادٍ في ديار هوازن، كانت فيه وقعة حنين للنبي وَّل ببني هوازن. وفي (الخميس))(٣): فلما سمع بهم النبي ◌َّل بعث إليهم عبد الله بن أبي (١) (فتح الباري)) (٨/ ٢٧). (٢) ((تاريخ الخميس)) (٩٩/٢). (٣) (١٠٠/٢). ٢٠٩ ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب (٩٦٥) حدیث كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ . حدرد الأسلمي، فدخل فيهم حتى سمع، وعلم ما قد أجمعوا عليه من حرب رسول الله ولية، ثم أقبل على رسول الله وَثر، فأخبره الخبر. وفي (المجمع)): ثم خرج النبي ◌َّ إلى حنين في اثني عشر ألفاً من أهل المدينة وألفين من الظُّلَقَاء، وقيل: لن نغلب اليوم من قلة! فسائه وَّل، فابتُلُوا بالهزيمة، فتكلم جُفاةُ أهل مكة بما في أنفسهم، فقال أبو سفيان: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، وقائل يقول: ألا بطل السحر، ونحو ذلك، فاستنصر رسول الله ﴾، ورمى حصيات، فانهزم المشركون فبعث أبا عامر بجيش إلى أوطاس، فقُتِل دُرَيدٌ وسُبِيَ عيالهم، واغتنموا ستة آلاف سبي، وأربعة وعشرين ألف بعير، والغنم أكثر من أربعين ألفاً، وأربعة آلاف أوقية من فضة، ثم أتى الطائف، فحاصرهم ثمانية عشر يوماً، ثم رحل من غير فتح، فانصرف إلى المدينة، وقسم غنائم حنين، ثم جاء وفد هوازن مسلمين، فرد عليهم أموالهم وسبيهم بعد إرضاء المسلمين، انتهى. (كانت للمسلمين أولاً جولة) بفتح الجيم وسكون الواو أي حركة فيها اختلاط وتقدم وتأخر، عَبَّر بذلك احترازاً عن لفظ الهزيمة، قال العيني(١): جولة أي دوران واضطراب من جال يجول إذا دار. وقال القاري(٢): من الجولان أي هزيمة قليلة، كأنها جولان واحد، يقال: جال في الحرب جولة أي دار، وقد فُسِّرَتْ في الحديث بالهزيمة، وعُبِّر عنها بالجولة، لاشتراكهما في الاضطراب وعدم الاستقرار، قال التوربشتي: أرى الصحابي كره لفظ الهزيمة، فكنى عنها بالجولة، ولما كانت الجولة مما لا استقرار عليه استعملها في الهزيمة تنبيهاً على أنهم لم يكونوا استقرُّوا عليها . (١) ((عمدة القاري)) (٤٨٧/١٠). (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٦/٨). ٢١٠ --- ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب (٩٦٥) حديث قال النووي: وإنما كانت الهزيمة من بعض الجيش، وأما رسول الله عَليه وطائفة معه فلم يزالوا، والأحاديث الصحيحة في ذلك مشهورة، ولم يَرَ واحد قط أن رسول الله ◌ّل انهزم في موطن من المواطن، بل يثبت فيها بأقدامه وثباته في جميع المواطن، انتهى. قال الباجي(١): وإنما انهزمت مقدمة الجيش، والنبي ◌ُّل ثابت، ولذلك قال رجل للبراء: يا أبا عمارة أكنتم فررتم يوم حنين؟ قال: لا والله ما ولّى رسول الله ◌َّ﴾، ولكنه خَرج سُبَّاق أصحابه وخِفَافُهم حسراً، ليسوا بسلاح، فأتوا قوماً رُماة جمع هوازن وبني نصر ما كاد يسقط لهم سهم، فرشقوهم رشقاً ما يكادون يخطئون، فأقبلوا هناك إلى النبي و ل﴾، وهو على بغلته البيضاء، وابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يقود به فنزل واستنصر، ثم قال : ((أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب)» ثم صفّ أصحابه، انتهى. وفي ((الخميس)): (٢) انتهى النبي ◌ّل إلى حنين مساء ليلة الثلاثاء لعشر خلون من شوال، وكان قد سبقهم مالك بن عوف، فأدخل جيشه بالليل في ذلك الوادي، وفرّقهم على الطرق والمداخل، وحَرَّضَهم على قتال المسلمين وأمرهم أن يكمنوا لهم ويرشقوهم أول ما طلعوا، ويحملوا عليهم حملة واحدة. وفي ((الاكتفاء)): قال مالك للناس: إذا رأيتموهم فاكسروا جفون سيوفكم ثم شدّوا شدّة رجل واحد، ولما كان وقت السحر جَهَّزَ رسول الله ◌َّل جيشه، وعقد الرايات والألوية لكل قبيلة من القبائل التي معه لواء، ثم ركب رسول الله ﴾ بغلته البيضاء دلدل، ولبس درعين والبيضة والمغفر، واستقبل وادي حنين في غبش الليل، وكان القوم قد سبقوا الوادي، فكمنوا في شعابه. (١) ((المنتقى)) (١٨٩/٣). (٢) ((تاريخ الخميس)) (١٠١/٢). ٢١١ ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب (٩٦٥) حديث قال جابر: فوالله ما راعنا، ونحن منحظّون إلا الكتائب قد شدُّوا علينا شدَّةَ رجلٍ واحِد، وانشمر الناس راجعين، لا يلوي أحد على أحد، وانحاز رسول الله وَلّ ذات اليمين، ثم قال: يا أيها الناس هَلُمُّوا إليّ. وفي رواية كان خالد بن الوليد مع بني سليم في مقدمته، وكان أكثرهم حسراً، ليس عليهم كثير سلاح، فلقوا قوماً رُمَاة لا يكاد يسقط لهم سهم فرشقوهم رشقاً، فولّى جماعةُ كفار قريش الذين كانوا في جيش الإسلام وشبان الأصحاب وأخِفَّاؤُهم، وتبعهم المسلمون الذين كانوا قريب العهد بالجاهلية، ثم انهزم بقية الأصحاب، وكان النبي ◌َّ- على بغلته، ينطلق من خلفهم يقول: يا أنصار الله، وأنصار رسوله، أنا عبد الله ورسوله، وانطلق الناس حتى بقي مع رسول الله ◌َ# طائفة، اختلفت الروايات في عددها، بسطها صاحب (الخميس)) . وجمع بين مختلف ما روي في ذلك الحافظ في ((الفتح)) (١): فلما رأى رسول الله ◌َ تفرُّق أصحابه طفق يركض بغلته قِبَل الكفار، وكان العباس - رضي الله عنه - آخذ بلجام بغلته إرادة أن لا تسرع، فنزل، واستنصر، وقال للعباس، وكان رجلًا صَيِّتاً، حتى روي أن غارة أتتهم يوماً، فصاح العباس يا صباحاه! فأسقطت الحوامل لشدة صوته، فجعل وَل* يقول للعباس: نادٍ يا معشر الأنصار، يا أصحابَ السمرة، وغير ذلك. وفي رواية مسلم قال العباس: فوالله كانت عطفتُهم حين سمعوا صوتي عطفةَ البقر على أولادها، يقولون: يا لبيك يا لبيك، وفي رواية عطفةَ النحل إلى يعسوبِها حتى إن الرجل منهم إذا لم يطاوعه بعيره على الرجوع انحدر عنه، وأرسله ورجع بنفسه، فثاب إليه من كان انهزم أولًا . (١) ((فتح الباري)) (٣٠/٨). ٢١٢ ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب (٩٦٥) حديث قَالَ: فَرَأَيْتُ رَجُلاً مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدْ عَلَا رَجُلاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ: فَاسْتَدَرْتُ لَهُ، حَتَّى أَتَيْتُهُ مِنْ وَرَائِهِ، فَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ وروي أن النبي ◌َ﴾ أخذ حصياتٍ من الأرض، ثم قال: شاهت الوجوه، ورمى بها في وجوه المشركين، فما كان إنسان منهم إلا وقد امتلأت عيناه من تلك القبضة، وفي رواية مسلم ((قبضة من تراب)) فتحتمل التعدد، ويحتمل قبضة واحدة مخلوطة من حصى وتراب. وفي رواية ((فرمى بها وجوههم))، وقال: (حم لا ينصرون)) فانهزم القوم ملخص من ((الخميس)) (قال) أبو قتادة: (فرأيت رجلاً من المشركين قد علا) أي غلب ((مرقاة)) وظهر ((فتح))، قال القسطلاني(١): أي ظهر عليه وأشرف على قتله، أو صرعه وجلس عليه، وقال الباجي: يحتمل أن يريد ظهر عليه، وأشرف على قتله، ويحتمل أن يريد أنه صرعه (رجلاً من المسلمين) قال الحافظ: لم أقف على اسمهما (قال) أبو قتادة: (فاستدرت له) من الاستدارة، ويُرْوى في بعض روايات البخاري: ((فاستدبرت)) من الاستدبار (حتى أتيته من ورائه، فضربته بالسيف) . وفي رواية الليث عن يحيى بن سعيد عند البخاري(٢): نظرت إلى رجل من المسلمين يقاتل رجلًا من المشركين، وآخر من المشركين يختله من ورائه ليقتله، فأسرعت إلى الذي يختله، فرفع يده ليضربني وأضرب يده فقطعتُها، ثم أخذني فضمّني. قال الحافظ(٣): يختله، بفتح أوله وسكون الخاء المعجمة وكسر المثناة، أي يريد أن يأخذه على غِرَّةٍ، وتبين من هذه الرواية أن الضمير في الحديث (١) ((إرشاد الساري)) (٧/ ٦٧). (٢) ((صحيح البخاري)) (٤٣٢٢). (٣) (فتح الباري)) (٣٧/٨). ٢١٣ ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب (٩٦٥) حديث الأول ((فضربته من ورائه)) لهذا الثاني الذي كان يريد أن يختل المسلم، انتهى. قال الباجي(١): ظاهر الحديث أنه لم يبرز أحدهما إلى صاحبه، ويؤكد هذا قوله: ((فلما التقينا كانت للمسلمين جولة))، وإنه إنما لقي أحدهما الآخر بالتقاء الجيش ولو كان واحد منهما برز إلى صاحبه لم يجز لأبي قتادة أن يقتله إذا ظهر على المسلم، واختلف أصحابنا في جواز دفع المشرك عن المسلم إذا تبارز أو ظهر عليه وخيف عليه، أن يقتله، فقال أشهب، وسحنون: يعان ويدفع عنه المشرك ولا يقتل، لأن مبارزته عهد أن لا يقتله إلا من بارزه، وقال سحنون أيضاً: لا يعان بوجه، رواه ابن المؤَّاز عن ابن القاسم. وسُئِل مالك أيعان؟ فقال: إن خاف الضعف لا يبارز، ثم إن قتل المشرك غير الذي يبارزه، فقد روى ابن الموّاز عن ابن القاسم على الذي قتله ديته، وقال أشهب: لا دية عليه، فإن بارز ثلاثةٌ من المسلمين ثلاثةً من المشركين، فلا بأس لمن قتل صاحبه من المسلمين أن يعين صاحبَه في القتل والدفع، كما فعل علي - رضي الله عنه - وحمزة في معاونة عبيدة بن الحارث يوم بدر، ووجه ذلك أنهم قد رضوا بتعاونهم فهم كجماعة الجيش تلقى جماعة جيشٍ آخرَ، فلا بأس بتعاونهم، انتھی. قلت: وحديث المبارزة يوم بدر أخرجه البخاري(٢) وجماعةٌ بطرق وألفاظ مختلفة مختصراً ومفصلا، ولفظ أبي داود(٣) عن علي - رضي الله عنه - قال: تقدم يعني عتبة بن ربيعة وتبعه ابنه وأخوه، فنادى من يبارز؟ فانتدب له شباب من الأنصار، فقال: من أنتم فأخبروه، فقال: لا حاجة لنا فيكم، إنما (١) ((المنتقى)) (١٨٩/٣). (٢) أخرجه البخاري (٣٩٦٦، ٣٩٦٧، ٤٧٤٤). (٣) ((سنن أبي داود)) (٢٦٦٥). ٢١٤ ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب (٩٦٥) حديث أردنا بني عمنا، فقال النبي ◌َّ: ((قُمْ يا حمزة، قم يا علي، قم يا عبيدة))، الحديث . قال الحافظ (١): هذا أول مبارزة وقعت في الإسلام. وفي الحديث جواز المبارزة خلافاً لمن أنكرها كالحسن البصري، وشرط الأوزاعي والثوري وإسحاق وأحمد للجواز إذن الأمير، وجواز إعانة المبارز رفيقه، انتهى. وقال الخطابي في ((المعالم)) (٢) تحت حديث علي - رضي الله عنه - في المبارزة ببدر: فيه من الفقه إباحة المبارزة في جهاد الكفار، ولا أعلم اختلافاً في جوازها بإذن الإمام، وإنما اختلفوا فيها إذا لم تكن عن إذن من الإمام، فكره الثوري وأحمد وإسحاق أن يفعل ذلك إلا بإذن الإمام. وحكي أيضاً عن الأوزاعي، وقال مالك والشافعي: لا بأس بها كانت بإذن الإمام أو بغيره، وقد روي ذلك أيضاً عن الأوزاعي، وقد جمع هذا الحديث جوازها بإذن الإمام وبغيره، لأن مبارزة حمزة وعلي كانت بالإذن، ولم يذكر فيه إذْنٌ من النبي وَّ للأنصاريين الذين خرجوا، ولا إنكار من النبي ◌َّ في ذلك. وفي الحديث من الفقه أيضاً أن معونة المبارز جائزة إذا ضعف أو عجز عن قِرْنه، ألا ترى أن عبيدة لما أثخن أعانه عليّ وحمزة في قتل الوليد، واختلفوا في ذلك فرخص فيه الشافعي وأحمد وإسحاق، وقال الأوزاعي: لا يعينونه، لأن المبارزة إنما تكون هكذا، انتهى. قال الدردير(٣): يجب الوفاء على المبارز بما شرطه مع قرنه بالكسر المكافئ له في الشجاعة راجلين أو راكبين فرسين أو بعيرين بسيف أو خنجر أو (١) انظر: ((فتح الباري)) (٢٩٦/٧). (٢) («معالم السنن)) (٤٤٧/٢). (٣) (الشرح الكبير)) (٢/ ١٨٤). ٢١٥ ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب (٩٦٥) حديث غير ذلك، وإن أُعِيْنَ القِرْن الكافرُ بإذنه قُتِلَ المعانُ مع المعين، وبغير إذنه قُتِل المعينُ فقط، وجاز لمن خرج للمبارزة في جماعة مسلمين لمثلها من الكفار من غير تعيين شخص لآخر عند العقد، لكن انفرد عند القتال كل واحد بقِرْنٍ إذا فرغ المسلم من قرنه الإعانة لغيره على قرنه نظراً إلى الجميع مقابل للجميع. قال الدسوقي: يعني إذا برز للميدان واحد من المسلمين وطلب أن قرينه فلان الكافر يبرز له، فقال الكافر: بشرط أن تقاتل ماشين أو راكبين على فرس أو إبل أو تقاتل بالسيوف فيجب على المسلم أن يوفي لقِرْنه بما شرطه، فإن خيف على المسلم المبارز القتلُ من قِرنه الكافر، فنقل الباجي عن ابن القاسم وابن سحنون: أن المسلم لا يعان بوجه لأجل الشرط، وقال أشهب وابن حبيب: يجوز إعانة المسلم، ودفع المشرك عنه بغير قتل، لأن مبارزته عهد أن لا يقتله إلا من بارزه، وقال المواق: هذا هو الذي تجب فيه الفتوى، انتهى. وقال الموفق(١): يجوز المبارزة بإذن الأمير، في قول عامة أهل العلم، إلا الحسن، فإنه لم يعرفها، وكرهها، ولنا، مبارزة علي - رضي الله عنه - وغيره يوم بدر بإذنه وقّ﴾، وبارز عليّ - رضي الله عنه - عمرو بن عبدوُدٍّ في غزوة الخندق فقتله، وبارز مرحباً يوم حنين، وقيل: بارزه محمد بن مسلمة، وبارزه قبل ذلك عامر بن الأكوع، فاستُشْهد، وبارز البراء بن مالك مرزُبانَ الزَّأْرةُ(٢) فقتله، وأخذ سلبه، فبلغ ثلاثين ألفاً. وروي عنه أنه قال: قتلت تسعة وتسعين رئيساً من المشركين مبارزة، سوى من شاركت فيه، وبارز شَبْرُ بن علقمة أُسْوَاراً، فقتله، فبلغ سلبه اثني عشر ألفاً، فنفّله إياه سعد، ولم يزل أصحاب النبي (وَّر يبارزون في عصره ◌َّ وبعده، فلم ينكره منكرٌ، فكان ذلك إجماعاً . (١) ((المغني)) (٣٨/١٣). (٢) الزّأرة: الأجمة، والمرزبان: رئيس القوم من العجم. ٢١٦ ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب (٩٦٥) حديث وكان أبو ذَرِّ يُقْسِم أن قوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِ رَبِّهِمٌّ﴾(١) نزلت في الذين تبارزوا يوم بدر، وهم حمزة وعلي وعبيدة. رواه البخاري (٢)، وقال أبو قتادة: بارزت رجلًا يوم حنين فقتلته، إذا ثبت هذا، فإنه ينبغي أن يُسْتَأْذَنَ الأمير في المبارزة إذا أَمْكَنَ، وبه قال الثوري وإسحاق، ورخّصَ فيها مالك، والشافعي، وابن المنذر لخبر أبي قتادة، فإنه لم يعلم أنه استأذن النبي ◌َّ﴾، وكذلك أكثر من حكينا عنهم المبارزة، لم يعلم منهم استئذانٌ. ولنا؛ أن الإمام أعلم بِفُرسانه، وفرسان العدو، ومتى برز الإنسان إلى من لا يطيقه، كان معرضاً نفسه للهلاك، فيكسر قلوب المسلمين، فينبغي أن يُفَوَّضَ ذلك إلى الإمام، ليختار للمبارزة من يرضاه لها، فيكون أقرب إلى الظفر، وجَبْرٍ قلوب المسلمين، وكسر قلوب المشركين، فإن قيل: قد أبحتم له أن ينغمس في الكفار، وهو سبب لقتله، قلنا: إذا كان مبارزاً تعلقت قلوب الجيش به، وارتقبوا ظَفَرِه فإن ظَفِرَ جَبَرَ قلوبَهم وسَرَّهُم، وكسر قلوب الكفار، وإن قتل كان بالعكس، والمنغمس يطلب الشهادة، لا يُتَرَقَّبُ منه ظفر، ولا مقاومة، فافترقا، وأما مبارزة أبي قتادة فغير لازمة، فإنها كانت بعد التحام الحرب، رأى رجلا يريد أن يقتل مسلماً، فضربه أبو قتادة، وليس هذا هو المبارزة المختلف فيها . بل المختلف فيها، أن يبرز رجل بين الصفين قبل التحام الحرب، يدعو إلى المبارزة، فهذا هو الذي يعتبر له إِذْنُ الإمام؛ لأن عينَ الطائفتين تمتدّ إليهما، وقلوب الفريقين تتعلق بهما، وأيهما غلب سَرَّ أصحابه، وكسر قلوب أعدائه . (١) سورة الحج: الآية ١٩. (٢) ((صحيح البخاري)) (٣٩٦٩)، و((فتح الباري)) (٢٩٧/٧). ٢١٧ ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب (٩٦٥) حديث وإذا ثبت هذا، فالمبارزة ثلاثة أقسام: مستحبة، ومباحة، ومكروهة، أما المستحبة: فإذا خرج علج يطلب البرازَ، استحب لمن يعلم من نفسه القوة والشجاعة، مبارزته بإذن الإمام؛ لأن فيه ردّاً عن المسلمين، وإظهاراً لقوتهم، والمباح: أن يبتدئ الرجل الشجاع بطلبها، فيباح ولا يستحب؛ لأنه لا حاجة إليها، ولا يأمن أن يغلب، فيكسرَ قلوبَ المسلمين، إلا أنه لما كان شجاعاً واثقاً بنفسه أبيح له؛ لأنه بحكم الظاهر غالب، والمكروه: أن يبرز الضعيف الذي لا يثق من نفسه، فتكره له، لما فيه من كسر قلوب المسلمين بقتله ظاهراً. وإذا خرج كافر يطلب البِرَازَ، جاز رميه وقتله؛ لأنه مشرك لا عهد له، ولا أمان له، فأبيح قتله كغيره، إلا أن تكون العادة جارية بينهم أن من خرج يطلب المبارزة لا يعرض له، فيجري ذلك مجرى الشرط، وإذا خرج إليه أحد يبارزه بشرط أن لا يعينه عليه سواه، وجب الوفاء به بشرطه؛ لأن المؤمنين عند شروطهم . فإن انهزم المسلم تاركاً للقتال، أو مثخناً بجراحة، جاز لكل أحد قتاله؛ لأن المسلم إذا صار إلى هذه الحال، فقد انقضى قتاله، وإن كان المسلم شرط عليه أن لا يقاتل حتى يرجع إلى صفه، وفَّى له بالشرط، إلا أن يترك قتاله، أو ثخنه بالجراح، فيتبعه ليقتله، أو يجيز عليه، فيجوز أن يحولوا بينه وبينه. فإن قاتلهم قاتلوه؛ لأنه إذا منعهم إنقاذه فقد نقض أمانه، وإن أعان الكفار صاحبهم، فعلى المسلمين أن يعينوا صاحبهم أيضاً، ويقاتلوا من أعان عليه، ولا يقاتلونه؛ لأنه ليس بصنع من جهته، فإن كان قد استنجدهم، أو علم منه الرضا بفعلهم، صار ناقضاً لأمانه، وجاز لهم قتله. وذكر الأوزاعي أنه ليس للمسلمين معاونة صاحبهم، وإن أثخن بالجراح، قيل له: فخاف المسلمون على صاحبهم؟ قال: وإن؛ لأن المبارزة إنما تكون ٢١٨ -- . ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب (٩٦٥) حدیث هكذا، ولكن لو حجزوا بينهما، وخلّوا سبيل العلج، قال: فإن أعان العدو صاحبَهم، فلا بأس أن يعين المسلمون صاحبهم، ولنا: أن حمزة وعلياً أعانا عبيدة بن الحارث على قتل شيبة حين أثخن عبيدة. ثم تجوز الخدعة للمبارزة وغيره، لأنه وَلّم قال: ((الحرب خدعة))(١)، وهو حديث حسن صحيح، وروي أن عمرو بن عبدود بارز علياً - رضي الله عنه -، فلما أقبل عليه، قال علي: ما برزت لأقاتل اثنين، فالتفت عمرو، فوثب عليه، فضربه فقال عمرو: خدعتني؟ فقال علي: الحرب خدعة، انتهى. وقد أخرج الحاكم(٢) مبارزة علي لعمرو بن عبدِوُدِّ وقتله إياه في غزوة الخندق بطرق مطولًا ومختصراً. وفي ((تاريخ الخميس)): صاح طلحة بن أبي طلحة صاحب لواء قريش يوم أحد، فقال: من يُبارزني، فبرز له علي - رضي الله عنه -، فلما التقيا بين الصفين ضربه علي - رضي الله عنه - بالسيف على هامَّته، ففلَقها إلى المخِّ، وفيه أيضاً في قصة غزاة أحد: كان صاحب لواء المسلمين مصعب بن عمير أخو بني عبد الدار، فبارز طلحةُ بن عثمان فقتله، ويقال: إن أبا سعيد بن أبي طلحة كان صاحب لواء المشركين، خرج من بين الصفين، وطلب من يبارزني، فلم يخرج إليه أحد، فقال: يا أصحاب محمد، زعمتم أن قتلاكم في الجنة، وقتلانا في النار، كذبتم واللّات، لو تعلمون ذلك حقاً لخرج إليّ بعضكم، فخرج إليه عليٍّ، فاختلفا ضربتين، فقتله عليٍّ . وقال ابن رسلان: في حديث مبارزة علي وغيره يوم بدر، استحباب الخروج إلى الكافر إذا طلب من يبارزه؛ لأن في التأخر عن الخروج إليه إضعافاً للمسلمين وتقويةً للكافرين، وإنما يحسن ذلك ممن جرّب نفسَه، فعرف (١) أخرجه البخاري (٣٠٣٠)، ومسلم (١٧٣٩)، وأبو داود (٢٦٣٦)، والترمذي (١٦٧٥)، وابن ماجه (٢٨٣٣)، وأحمد (٩٠/١). (٢) انظر: ((المستدرك)) للحاكم (٣٢/٣). ٢١٩ ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب (٩٦٥) حديث عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ، قوته في المحاربة، لكن لا يخرج مديونٌ، ولا من لم يأذن له أبواه، ولا عبدٌ بغير إذن سيده، وفي خروج الأنصار دليل على جواز الخروج بغير إذن الإمام، إذ لم يُذْكَرْ ههنا إذنٌّ، وفي خروج علي وغيره دليل على استحباب الخروج، وتأكده إذا عَيَّنَه الإمامُ المطلع على حال الجيش وقوتهم وضعفهم. وفيه دليل على أن معاونة المبارز جائز، إذا أثخنه بالجراح، أو افترقا، فقد انقضى قتالهما، فللمسلمين أن يحولوا بينه وبينه، فإن قاتلهم قاتلوه؛ لأنه إذا منعهم إنقاذه، فقد نقض أمانه، فإن قاتل على أن لا يقاتل غيره وفى بذلك، ألا ترى أن عبيدة لما أثخن أعانه علي وحمزة، هذا مذهب الجمهور. وحكي عن الأوزاعي أنه ليس للمسلمين معاونة صاحبهم، وإن أثخن بالجراح، انتهى. والحاصل أن على جواز المبارزة إجماعاً، إلا ما حكي عن الحسن أنه كرهه، ثم الجواز مقيد بإذن الإمام عند أحمد وإسحاق وغيرهما، وقال الجمهور: لا تقييد بذلك، ثم معاونةُ المبارز جائزة عند الجمهور، إذا ضعف أو عجز عن قِرْنه خلافاً للأوزاعي، وهو إحدى الروايتين عن سحنون، والأخرى له، وهو قول أشهب: أنه يدفع عنه ولا يقتل، فإن قتله غير المبارز فعليه ديته عند ابن القاسم، فإن بارز ثلاثة ثلاثة، فلا بأس في المعاونة، فهم كجماعة جيش تلقى جماعة، وقيد الموفق جواز المعاونة بأن لا يكون العادة جارية، بأن من يبارز لا يعرض، فحديث الباب لا إشكال فيه عند الجمهور. ولا يرد أيضاً على المالكية كما تقدم عن الباجي، إذ لا ذكر فيه للمبارزة، بل الظاهر أنه كان عند تلقي الجماعة، ولو سُلِّمَ فقتيل أبي قتادة ليس الذي علا مسلماً، بل الذي كان يختله كما تقدم عن الحافظ، وهو ليس بمبارز. (على حبل عاتقه) بفتح الحاء المهملة وسكون الموحدة. قال الحافظ(١): (١) (فتح الباري)) (٣٧/٨). ٢٢٠