Indexed OCR Text

Pages 161-180

٢١ - كتاب الجهاد
(٨) باب
وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنِ الرَّجُلِ يُصِيبُ الطَّعَامَ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ، فَيَأْكُلُ
مِنْهُ وَيَتَزَوَّدُ، فَيَفْضُلُ مِنْهُ شَيْءٌ، أَيَصْلُحُ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ فِيَأْكُلَهُ فِي أَهْلِهِ،
أَوْ يَبِيعَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ بِلَادَهُ فَيَنْتَفِعَ بِثَمَنِهِ؟ قَالَ مَالِكٌ: إِنْ بَاعَهُ وَهُوَ
فِي الْغَزْوِ، فَإِنِّي أَرَى
في ((الموطأ)) أيضاً في ((باب الغلول))، وسيأتي فيه شيء من الكلام على ذلك،
ويستدل لذلك أيضاً بما في أبي داود في قصة وفد هوازن: قام رجل في يده
كبّة من شعر، فقال: أخذت هذه الأصلح بها بردعة لي، فقال رسول الله وَله:
((أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لك))، الحديث(١). وقد ورد في
روايات قوله مَ ر: ((شراك من نار أو شراكان من نار))(٢)، ونحو ذلك.
(وسئل) ببناء المجهول الإمام (مالك عن الرجل يصيب الطعام) ويأخذه
(في أرض العدو فيأكل منه) بقدر حاجته (ويتزود) أي يجعل زاداً إلى أن يبلغ
دار الإسلام، وهذا لا بأس به، لأنه أكله في دار الحرب، وفي ((تحفة
المحتاج»: يجوز أخذ ما يحتاج إليه منهما أي الطعام والعلف إلى وصول دار
الإسلام، ثم قال: وله التزود لمسافة بين يديه، كذا عبّروه، وظاهره أنه لا
يتزود لما خلفه في رجوعه منه إلى دارنا، والذي يتجه أن له ذلك أيضاً،
انتھی .
(فيفضل منه شيء) من الطعام (أيصلح) أي هل يجوز (له أن يحبسه) من
المجرد في جميع النسخ المصرية، ويحتبسه في النسخ الهندية، والمعنى واحد،
فإن الاحتباس لازم ومتعد، والمعنى يحبسه في بيته (فيأكله في أهله أو) أن
(يبيعه قبل أن يقدم بلاده) أي دار الإسلام (فينتفع بثمنه؟ فقال مالك) في جواب
المسألة المذكورة (إن باعه وهو في الغزو) أي في دار الحرب (فإني أرى) وفي
(١) أخرجه أبو داود (٣٦٩٣).
(٢) أخرجه البخاري (٦٧٠٧)، وأبو داود (٢٧١١).
١٦١

٢١ - كتاب الجهاد
(٨) باب
أَنْ يَجْعَلَ ثَمَنَهُ فِي غَنَائِمِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ بَلَغَ بِهِ بَلَدَهُ، فَلَا أَرَى بَأْساً
أَنْ يَأْكُلَهُ وَيَنْتَفِعَ بِهِ، إِذَا كَانَ يَسِيراً تَافِهاً.
النسخ الهندية: ((فإنني أرى))، والأوجه الأول (أن يجعل ثمنه في غنائم
المسلمين) لأنه إنما أبيح له الأكل دون البيع.
(وإن بلغ به) أي بما فضل من الطعام (بلده، فلا أرى بأساً أن يأكله وينتفع
به، إذا كان يسيراً) أي قليلا (تافها) قال صاحب ((مختار الصحاح)): التافه الحقير
اليسير، انتهى. وتقدم قريباً حكم ما فضل من الطعام هل يجوز أكله أم لا؟
أما مسألة البيع، فقد قال الباجي (١): إن باع شيئاً مما فضل عنه من
الطعام أو ما لم يفضل منه، وكان محتاجاً إليه، فأراد بيعه من تجار معه، فإنه
على ضربين: أحدهما: أن يرغب في بيعه رغبةً في ثمنه، واختصاصاً به، فإن
ذلك غير مباح له، لأنه إنما أبيح له أكله والانتفاع به، وأما بيعه، وأخذ ثمنه
فغير جائز، وذلك لأنه لا يملكه قبل الأكل.
وأما إن باعه لحاجة أن يصرف ثمنه فيما يحتاج إليه من السلاح
واللباس، فقال ابن سحنون عن بعض أصحابنا: لا بأس بذلك، لأن له أن هذا
من المغنم إذا وجده فيه، فإذا لم يجده، وأمكنه أن يأخذ من المغنم ما أبيح له
أخذه ليتوصل به إليه، فإن له ذلك كما لو بذل طعاماً لا يحتاج إليه في طعام
محتاج إليه .
وهذا يقتضي أنه يجوز أن يبتاع به طعاماً، وقد قال ابن حبيب: هو
مكروه، لأنه إذا صار ثمناً وجب أن يرجع مغنماً، وهذا يقتضي أنه لا يجوز أن
يبتاع به طعاماً، وأنه متى صار ثمناً وجب أن يرجع مغنماً، انتهى.
وقال الدردير (٢): وتجوز المبادلة بين المجاهدين، فمن أخذ لحماً أو
(١) ((المنتقى)) (١٨٣/٣).
(٢) ((الشرح الكبير)) (١٨٠/٢).
١٦٢
-.-
ـى -----
-------
٠٠٠
--- ..

٢١ - كتاب الجهاد
(٨) باب
عسلاً أو قمحاً أو شعيراً، وأخذ غيره خلاف ذلك جاز لهم المبادلة ولو
بتفاضل في طعام ربوي قبل القسم لا بعده، قال الدسوقي: لأنها ليست
معاوضة حقيقة، انتهى.
وقال الموفق(١): إن باع شيئاً من الطعام أو العلف ردّ ثمنه في الغنيمة،
لما روي أن صاحب جيش الشام كتب إلى عمر - رضي الله عنه -: إنا أصبنا
أرضاً كثيرة الطعام والعلف، وكرهت أن أتقدم في شيء من ذلك، فكتب إليه:
دع الناس يعلفون ويأكلون، فمن باع منهم شيئاً بذهب أو فضة، ففيه خمس الله
وسهام المسلمين، رواه سعيد(٢)، ورُوي مثله عن فضالة بن عبيد، وبه قال
سليمان بن موسى والثوري والشافعي، وكره القاسم وسالم ومالك بيعه.
قال القاضي: لا يخلو؛ إما أن يبيعه من غازٍ أو غيره، فإن باعه لغيره
فالبيع باطل، فيجب نقضه، فإن تعذّر ردّ قيمته أو ثمنه إن كان أكثر من قيمته
إلى المغنم، وإن باعه لغازٍ لم يحلّ إلا أن يُبْدِله بطعام أو علف مما له
الانتفاع، فإن باعه بمثله فليس هذا بيعاً في الحقيقة، إنما سَلَّمَ إليه مباحاً،
وأخذ منه مباحاً، ولكل واحد منهما الانتفاع بما أخذه، وصار أحقّ به، لثبوت
يده عليه، فعلى هذا لو باع صاعاً بصاعين، وافترقا قبل القبض جاز، لأنه ليس
ببيع، وإن باعه بغير الطعام أو العلف فالبيع أيضاً غير صحيح، ويصير المشتري
أحق به لثبوت يده عليه، ولا ثمن عليه، انتهى.
وقصة صاحب جيش الشام أخرجها البيهقي عن هاني بن كلثوم، كما
ذكره ابن الهمام، وفي (تحفة المحتاج)): وللغانمين التبسيط في الغنيمة قبل
القسمة على سبيل الإباحة لا الملك، فهو مقصور على انتفاعه كالضيف لا
(١) ((المغني)) (١٢٧/١٣).
(٢) ((سنن سعيد بن منصور)) (٢٧٤/٢).
١٦٣

٢١ - كتاب الجهاد
(٩) باب
(٩) باب ما يُردُّ قبل أن يقع القسم مما أصاب العدوّ
يتصرف فيما قدم إليه إلا بالأكل، نعم له أن يضيف من له التبسط وإقراضه
بمثله، بل وبيع مطعوم بمثليه، ولا ربا فيه، لأنه ليس بيعاً حقيقياً، وإنما هو
كتناول رد الضيفان لقمةً بلقمتين، فأكثر، انتهى.
وفي ((الدر المختار)) (١): وللغانمين الانتفاع في دار الحرب بعلف وطعام
بلا بيع وتمول، فلو باع ردَّ ثمنه، قال ابن عابدين: أي لا ينتفع بالبيع في دار
الحرب قبل القسمة أصلاً احتيج إليه أو لا، ولا التمول لعدم الملك، وإنما
أبيح له الانتفاع للحاجة والمباح له لا يملك البيع، والمراد بالتمول أن يبقى
ذلك الشيء عنده يجعله مالاً له، انتهى.
وفي ((الجوهرة)): لا يجوز أن يبيعوا شيئاً من ذلك ولا يتموَّلونه، يعنى
لكي يتمولونه حتى لو باع شيئاً بطعام جاز بشرط أن يأكله، ولا يبيعه بالذهب
والفضة والعروض، انتهى.
(٩) باب ما يُرَدُّ قبل أن يقع القسم مما أصاب العدو
ببناء المجهول أي قبل أن يقع في نصيب أحد من سهام الغنيمة.
يعني إذا استولى الكفار - والعياذ بالله - على مال مسلم، ثم غلب عليه
المسلمون فهل يرد ذلك على مالكه أم لا؟ والمسألة خلافية شهيرة، وهي
متضمنة لفروع كثيرة، بسطها أهل الفروع، وهي مبنية على أصل كلِّي مختلف
فيه بين الأئمة، وهو أن استيلاء الكفار موجب لملكهم أم لا؟ روي عن أحمد
في ذلك روايتان: إحداهما: أنهم يملكونها بالقهر، وهو قول مالك وأبي
حنيفة، والثانية: لا يملكونها، وهو قول الشافعي، قال أبو الخطاب: وهو
ظاهر كلام أحمد حيث قال: إن أدركه صاحبه قبل القسمة فهو أحق به، وإنما
(١) (٣٢٠/٤) .
١٦٤
- حدد
-- ----

٢١ - كتاب الجهاد
(٩) باب
منعه أخذه بعد قسمه، لأن قسمة الإمام له تجري مجرى الحكم، ومتى صادف
الحكم أمراً مجتهداً فيه نفذ حكمه، كذا في ((المغني)) (١) و((الشرح الكبير)).
قال ابن رشد(٢): أما أموال المسلمين التي تسترد من أيدي الكفار، فإنهم
اختلفوا في ذلك على أربعة أقوال مشهورة: أحدها: أن ما استردّوها، فهو
لأربابها من المسلمين، ليس للغزاة المستردّين لذلك منها شيء، وممن قال بهذا
الشافعي وأصحابه وأبو ثور، والقول الثاني: أن ما استردّها المسلمون فهو
غنيمة الجيش، ليس لصاحبه منه شيء، قاله الزهري، وعمرو بن دينار، وهو
مروي عن علي بن أبي طالب، والقول الثالث: أن ما وجد من أموال المسلمين
قبل القسم، فصاحبه أحق به بلا ثمنٍ، وما وجد من ذلك بعد القسم، فصاحبه
أحق به بالقيمة .
وهؤلاء انقسموا قسمين: فمنهم: من رأى هذا الرأي في كل ما استردّها
المسلمون من أيدي الكفار بأي وجهٍ صار ذلك إلى الكفار، وفي أي موضع
صار، وممن قال بهذا القول مالك والثوري وجماعة، وهو مروي عن عمر بن
الخطاب، وبعضهم فرّق بين ما صار من ذلك إلى أيدي الكفار غلبة، وحازوه
حتى أوصلوه إلى دار المشركين، وبين ما أخذ منهم قبل أن يحوزوه، ويبلغوا
به دار الشرك، فقالوا: ما حازوه فحكمه هو ذاك ما لم يَحْزُه العدوُّ، فصاحبه
أحق به قبل القسم وبعده، وهذا هو القول الرابع، واختلافهم راجع إلى
اختلافهم في هل يملك الكفار أموال المسلمين إذا غلبوهم أم لا؟
وسبب اختلافهم في هذه المسألة اختلاف الآثار في هذا الباب والقياس،
وذلك أن حديث عمران بن حصين يدل على أن المشركين ليس يملكون على
(١) انظر: ((المغني)) (١١٧/١٣).
(٢) ((بداية المجتهد)) (٣٩٨/١).
١٦٥

٢١ - كتاب الجهاد
(٩) باب
المسلمين شيئاً، وهو قال: أغار المشركون على سرح المدينة، وأخذوا العضباء
ناقة رسول الله ﴾ وامرأة من المسلمين، فلما كانت ذات ليلة قامت المرأة وقد
ناموا، فجعلت لا تضع يدها على بعير إلا أرغى حتى أتت العضباء، فأتت ناقة
ذلولاً فركبتها، ونذرت لئن نجّاها الله لتنحرنها، الحديث، أخرجه مسلم وأحمد
وأبو داود.
وفيه قوله ول﴾: ((لا نذر فيما لا يملك ابن آدم، ولا نذر في معصية))،
وكذلك يدل ظاهر حديث ابن عمر على ذلك، وهو أنه أغار له فرسٌ، فأخذها
العدو، فظهر عليه المسلمون، فرُدَّتْ عليه في زمان رسول الله ◌َّ، وهما
حديثان ثابتان.
وأما الأثر الذي يدل على ملك الكفار قوله وَالر: ((هل ترك لنا عقيل من
منزل)) يعني أنه باع دوره التي كانت بمكة، ثم قال بعد البحث: ومن هذا
الأصل أي من اختلافهم هل يملك المشرك مال المسلم أم لا؟ اختلافهم في
الكافر يسلم وبيده مال مسلم هل يصح له أم لا؟ فقال مالك وأبو حنيفة: يصح
له، وقال الشافعي: على أصله لا يصح له، واختلف مالك وأبو حنيفة إذا دخل
مسلم إلى الكفار على جهة التلصص، وأخذ مما في أيديهم مال مسلم، فقال
أبو حنيفة: هو أولى به، وإن أراد صاحبه أخذه بالثمن، وقال مالك: هو
لصاحبه فلم يَجْرِ على أصله، انتهى.
قلت: وصرح في ((المدونة)) (١): من أسلم من أهل الحرب على أموال في
أيديهم للمسلمين قد أحرزوها عبيداً كانت الأموال أو غير ذلك، فليس لأهل
الإسلام أن يأخذوا من أيديهم شيئاً من ذلك بالثمن ولا بالقيمة، انتهى.
وقال الموفق(٢): إذا أخذ الكفار أموال المسلمين، ثم قهرهم المسلمون،
(١) ((المدونة)) (٣٧٩/١).
(٢) («المغني)) (١١٧/١٣).
١٦٦
--

٢١ - كتاب الجهاد
(٩) باب
فأخذوها منهم، فإن علم صاحبها قبل قسمها ردّت إليه بغير شيء في قول عامة
أهل العلم، منهم عمر، وعطاء، والنخعي، والليث، ومالك، والثوري،
والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي، وقال الزهري: لا يرد، وهو
للجيش .
ولنا ما روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: إن غلاماً له أبق إلى
العدو، فظهر عليه المسلمون، فردّه رسول الله وَ ﴿ إلى ابن عمر، ولم يقسم،
وعنه قال: ذهب فرس له، فذكر نحوه، رواهما أبو داود، وعن جابر بن حيوة
أن أبا عبيدة كتب إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فيما أحرز المشركون
من المسلمين، ثم ظهر المسلمون عليهم بعد، قال: ((من وجد ماله بعينه فهو
أحق به ما لم يقسم))، رواه سعيد، والأثرم، وأما ما أدركه بعد أن قسم ففيه
روايتان: إحداهما؛ أن صاحبه أحق به بالثمن الذي حسب به على من أخذه،
وهو قول أبي حنيفة، ومالك، والثوري، والأوزاعي، إلا أن المحكي عن
مالك وأبي حنيفة أنه يأخذه بالقيمة.
والرواية الثانية: عن أحمد أنه إذا قسم فلا حق له بحالٍ، نص عليه في
رواية أبي داود وغيره، وهو قول عمر وعلي - رضي الله عنهما - وسلمان بن
ربيعة وعطاء والنخعي والليث، وقال الشافعي: يأخذه صاحبه قبل القسمة
وبعدها، ويعطى مشتريه ثمنه من خمس المصالح، لأنه لم يزل عن ملك
صاحبه، فوجب أن يستحق أخذه بغير شيء، كما قبل القسمة، ويعطى من
حسب عليه القيمة لئلا يفضي إلى حرمان آخذ حقه من الغنيمة، وجعل من سهم
المصالح، لأن هذا منها، وهو قول ابن المنذر.
ولنا: ما روي أن عمر - رضي الله عنه - كتب إلى السائب: أيما رجل
من المسلمين أصاب رقيقه ومتاعه بعينه فهو أحق به من غيره، وإن أصابه في
أيدي التجار بعدما اقتسم فلا سبيل له إليه، وقال سلمان بن ربيعة: إذا قسم
١٦٧

٢١ - كتاب الجهاد
(٩) باب
فلا حق له فيه رواه سعيد في ((سننه))(١) ولأنه إجماع، قال أحمد: إنما قال
الناس: فيه قولين، إذا قسم فلا شيء له، وقال قوم: إذا قسم فهو له بالثمن،
فأما أن يكون له بعد القسمة بغير ذلك فلم يقل أحد، ومتى ما انقسم أهل العصر
على قولين في حكم واحد لم يجز إحداث قول ثالث، لأنه يخالف الإجماع.
وقد روى أصحابنا عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله وعلى
قال: ((من أدرك ماله قبل أن يقسم، فهو له، وإن أدركه بعد أن قسم فليس له
فيه شيء))(٢)، والمعمول على ما ذكرنا من الإجماع، وقولهم: لم يزل ملك
صاحبه عنه غير مسلم.
.- حدى
ثم قال الموفق: وإن أخذه أحد الرعية بهبة أو سرقة أو بغير شيء،
فصاحبه أحق به بغير شيء، وقال أبو حنيفة: لا يأخذ صاحبه إلا بالقيمة؛ لأنه
صار ملكه فأشبه ما لو قسم. ولنا حديث الناقة العضباء، ولأنه لم يحصل في
يده بعوض، فكان صاحبه أحق به، كما لو أدركه قبل القسمة، وذكر القاضي
في ما حصل في يده بهبة أو سرقة أو نحو ذلك روايتين، والأولى ما ذكرنا .
ولا أعلم خلافاً في أن الكافر إذا أسلم أو دخل إلينا بأمان بعد أن
استولى على مال مسلم فأتلفه، أنّه لا يلزمه ضمان، وإن أسلم وهو في يده فهو
له بغير خلاف في المذهب، لقوله ◌َّير: ((من أسلم على شيء فهو له)).
وإن استَوْلَوْا على حر، لم يملكوه، سواء كان مسلماً أو ذمياً. لا أعلم
في هذا خلافاً؛ لأنه لا يُضْمَنُ بالقيمةِ، ولا تثبت عليه يَدٌ بحال، وكلما يُضْمَنُ
بالقيمة يملكونه، كالعبد والمُدَبَّر والمكاتَب وأمِّ الولد، وقال أبو حنيفة: لا
يملكون المكاتب وأم الولد.
(١) ((سنن سعيد بن منصور)) (٢٨٧/٢)، و(«السنن الكبرى)) (١١٢/٩).
(٢) ((مجمع الزوائد» (٢/٦).
١٦٨
----- *
-

٢١ - كتاب الجهاد
(٩) باب
وإذا أبق عبد المسلم إلى دار الحرب، فأخذوه، ملكوه كالمال، وهذا
قول مالك، وأبي يوسف، ومحمد، وقال أبو حنيفة: لا يملكونه، وعن أحمد
مثل ذلك؛ لأنه إذا صار في دار الحرب، زالت يد مولاه عنه، وصار في يد
نفسه، فلم يُمْلَكُ كالحُرِّ، ولنا، أنه مال لو أخذوه من دار الإسلام ملكوه، فإذا
أخذوه من دار الحرب ملكوه، كالبهيمة، انتهى.
وما حكى الموفق من مذهب عمر وسلمان بن ربيعة والليث يخالف ما
سيأتي في كلام الحافظ، إذ حكى من مذهبهم الأخذ بعد القسمة بالقيمة، وفي
(الهداية))(١): إذا غلبوا على أموالنا - والعياذ بالله - وأحرزوها بدارهم ملكوها .
وقال الشافعي: لا يملكونها؛ لأن الاستيلاء محظور، والمحظور لا
ينتهض سبباً للملك على ما عرف من قاعدته، ولنا، أن الاستيلاء ورد على مال
مباح، فينعقد سبباً للملك، كاستيلائنا على أموالهم، غير أن الاستيلاء لا
يتحقق إلا بالإحراز بالدار؛ لأنه عبارة عن الاقتدار على المحل حالاً ومآلاً،
فإن ظهر عليها المسلمون، فوجدها المالكون قبل القسمة، فهي لهم بغير شيء،
وإن وجدوها بعد القسمة، أخذوها بالقيمة، إن أحبوا؛ لقوله ◌َّلو: ((إن وجدته
قبل القسمة، فهو لك بغير شيء، وإن وجدته بعد القسمة، فهو لك بالقيمة))،
ولأن المالك القديم زال ملكه بغير رضاه، فكان له حق الأخذ، نظراً له، إلّا
أن في الأخذ بعد القسمة ضرراً بالمأخوذ منه، فيأخذه بالقيمة، ليعتدل النظر من
الجانبين، والشركة قبل القسمة عامّة فيقل الضرر، فيأخذه بغير قيمة.
ولا يملك علينا أهل الحرب بالغلبة مدبرينا وأمهات أولادنا ومكاتبينا
وأحرارنا، ونملك عليهم جميع ذلك؛ لأن السبب إنما يفيد الملك في محله،
والمحل المال المباح، والحر معصوم بنفسه، وكذا من سواه؛ لأنه تثبت الحرية
(١) ((الهداية مع فتح القدير)) (٢٥٤/٥ وبعدها) (٣٩٢/١).
١٦٩

٢١ - كتاب الجهاد
(٩) باب
فيه من وجه، بخلاف رقابهم؛ لأن الشرع أسقط عصمتهم جزاءً على جنايتهم.
وإذا أبق عبد مسلم لمسلم، فدخل إليهم، فأخذوه، ولم يملكوه عند أبي
حنيفة، وقال: يملكونه؛ لأن العصمة لحق المالك لقيام يده، وقد زالت، ولهذا
لو أخذوه من دار الإسلام، ملكوه، له، أنه ظهرت يده على نفسه بالخروج من
دارنا؛ لأن سقوط اعتبارها لتحقق يد المولى عليه تمكيناً له من الانتفاع، وقد
زالت يد المولى، فظهرت يده على نفسه، وصار معصوماً بنفسه، وإذا لم يثبت
الملك لهم عند أبي حنيفة، يأخذه المالك القديم بغير شيء، موهوباً كان أو
مشترى أو مغنوماً قبل القسمة، وبعد القسمة، ويؤدي عوضه من بيت المال؛
لأنه لا يمكن إعادة القسمة؛ لتفرق الغانمين وتعذر اجتماهم، انتهى.
والحاصل أنّهم اختلفوا في مسألة أصولية، وهي أن استيلاء الكفار هل
يكون سبباً لملك المستولي أم لا؟ وبالثاني قال الشافعي، وهو رواية لأحمد،
وفي الأخرى له، وبه قالت الحنفية: يكون الإحراز بدارهم سبباً للملك،
وكذلك قال مالك، إلا أنه لا يشترط الإحراز، بل مجرد الاستيلاء يكون سبباً
للملك، كما قاله ابن رشدٍ، ومستدلهم حديث: ((هل ترك لنا عقيل من منزل)).
فإذا غلب المسلمون على ما استولى عليه الكفار، من أموال المسلمين
يرد إلى صاحبه عند الشافعي قبل القسمة مجّاناً، وبعد القسمة يعوض صاحب
النصيب من خمس المصالح، وأما عند الأئمة الثلاثة الباقية، فيرد قبل القسمة
بلا عوض، وبعد القسمة بالقيمة، إلا أن في رواية لأحمد: لا يرد بعد القسمة
أصلاً، وهؤلاء ثلاثة أجمعوا على أنهم يملكون ما سوى الحر من العبيد
وغيرهم، إلا أن عند الحنفية لا يملكون المكاتب والمدبر وأم الولد؛ لأنهم
تثبت لهم الحرية في الجملة.
واختلفت الحنفية في العبد الآبق، فقال الإمام: لا يملكونه، وقال
صاحباه: وبه قال مالك وأحمد، يملكونه كسائر الأموال، وذكر العيني في
١٧٠
--- --- -

٢١ - كتاب الجهاد
(٩) باب
(٩٦٤) حديث
١٧/٩٦٤ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَاً
لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَبَقَ، وَأَنَّ فَرَساً لَهُ عَارَ، فَأَصَابَهُمَا الْمُشْرِكُونَ، ..
((البناية)) رواية للإمام أحمد موافقة لأبي حنيفة في أم الولد، وذكرها الموفق
احتمالاً، وأوجب مالك الفداء في أم الولد، كما سيأتي في كلامه مفصلاً.
١٧/٩٦٤ - (مالك أنه بلغه) قال صاحب ((المحلى)): منقطع، وأخرجه
البخاري من غير طريق مالك، قلت: وسيأتي الكلام على وصله مفصلاً، فقد
وصله جماعة بألفاظ مختلفة (أن عبداً لعبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما -
(أبق) بفتح الموحدة، قال صاحب ((مختار الصحاح)): أبق العبد يأبق ويأبق
بكسر الباب وضمها أي هرب، قال الحافظ (١): وروى عبد الرزاق أن العبد
الذي أبق لابن عمر - رضي الله عنه - كان يوم اليرموك، أخرجه عن معمر عن
أيوب عن نافع عنه، انتهى ..
(وأن فرساً له عار) بعين وراء مخففة مهملتين بينهما ألف على وزن باع،
أي انقلب، وذهب على وجهه، ومنه رجل عيار، إذا كان ضائعاً بطالاً، قال
البخاري في ((صحيحه)): عار مشتق من العير، وهو حمار وحشي أي هرب.
قال الحافظ: قال ابن التين: أراد أنه فعل فعله في النفار، وقال الخليل:
يقال: عار الفرس والكلب عياراً: أي أفلت وذهب، وقال الطبري: يقال ذلك
للفرس إذا فعله مرة بعد مرة، ومنه قيل للبطال من الرجال الذي لا يثبت على
طريقه: عيار، ومنه سهم عائر، إذا كان لا يدرى من أين أتى، انتهى. وفي
((المنتقى)): قال ابن دريد في ((الجمهرة)): عار الفرس يعير عيراً إذا انطلق من
مربضه، فذهب على وجهه.
(فأصابهما المشركون) قال الباجي (٢): يريد صار ذلك بأيديهم وقبضتهم
(١) ((فتح الباري)) (١٨٢/٦) أخرجه البخاري موصولًا ح (٣٠٦٧).
(٢) ((المنتقى)) (١٩٤/٣).
١٧١

٢١ - كتاب الجهاد
(٩) باب
(٩٦٤) حديث
ثُمَّ غَنِمَهُمَا الْمُسْلِمُونَ، فَرُدَّا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْن عُمَرَ، وَذُلِكَ قَبْلَ أَنْ
تُصِيبَهُمَا الْمَقَاسِمُ.
وصله البخاري في: ٥٦ - كتاب الجهاد والسير، ١٨٧ - باب إذا غنم
المشركون مال المسلم ثم وجده المسلم.
وحيازتهم (ثم غنمهما المسلمون) أي أصابهما المسلمون في الغنيمة (فردا) ببناء
المجهول، ولم يقيد في الرواية بالراد ولا الزمان، واختلفت الروايات فيهما
كما سيأتي (على عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - أي ردا عليه لما علم
أنهما ملكه (وذلك) أي ردهما إليه (قبل أن تصيبهما المقاسم) أي مقاسم الغنائم
من أهل الجيش.
وقد عرفت فيما سبق أن المسألة إجماعية عند الأئمة مع اختلافهم في
المناط، فعند الشافعي - رحمه الله - لأن الكفار لم يملكوها، وأما عند الأئمة
الثلاثة الباقية فلأن مستولى الكفار من أموال المسلمين، يرجع إلى صاحبه قبل
القسمة، والأثر حجة على الزهري، ومن معه، إذ قالوا: لا يرد أصلاً، وهو
للجيش .
وترجم البخاري في ((صحيحه)): ((باب إذا غنم المشركون مال المسلم ثم
وجده المسلم))، وأخرج(١) فيه من طريق ابن نمير عن عبيد الله عن نافع عن ابن
عمر قال: ذهب فرس له، فأخذه العدو، فظهر عليه المسلمون، فرد عليه في
زمن رسول الله وَلّر، وأبق عبد له، فلحق بالروم، فظهر عليهم المسلمون، فرده
عليه خالد بن الوليد بعد النبي وَلّ.
ثم أخرج من طريق يحيى القطان عن عبيد الله: أن عبداً لابن عمر أبق
فلحق بالروم، فظهر خالد بن الوليد، فرده على عبد الله، وإن فرساً لابن عمر
عار فلحق بالروم، فظهر عليه فرده على عبد الله.
(١) ((صحيح البخاري)) (٣٠٦٧).
١٧٢

٢١ - كتاب الجهاد
(٩) باب
(٩٦٤) حدیث
ثم أخرج من طريق زهير عن موسى بن عقبة عن نافع، عن ابن عمر: أنه
كان على فرس يوم لقي المسلمون، وأمير المسلمين يومئذ خالد بن الوليد بعثه
أبو بكر - رضي الله عنه -، فأخذه العدو، فلما هزم العدو، رد خالد فرسه.
قال الحافظ لرواية ابن نمير: وصلها أبو داود وابن ماجه، ثم قال: كذا
وقع في رواية ابن نمير، أن قصة الفرس في زمن النبي وَل9، وقصة العبد
بعده ◌َّر، وخالفه يحيى القطان كما في الرواية الثانية، فجعلهما معاً بعد
النبي ◌ُّر، وكذا وقع في رواية موسى بن عقبة، وهي الرواية الثالثة، فصرح بأن
قصة الفرس كانت في زمن أبي بكر - رضي الله عنه -، وقد وافق ابن نمير
إسماعيل بن زكريا، أخرجه الإسماعيلي من طريقه، وأخرجه من طريق ابن
المبارك فلم يعين الزمان، لكن قال في روايته: إنه افتدى الغلام بروميين، وكان
هذا الاختلاف هو السبب في ترك المصنف الجزم في الترجمة لتردد الرواة في
رفعه ووقفه .
لكن للقائل به أن يحتج بوقوع ذلك في زمن أبي بكر - رضي الله عنه -
والصحابة متوافرون من غير نكير منهم، وقوله في رواية موسى بن عقبة: يوم
لقي المسلمون، كذا ههنا بحذف المفعول، وبيَّنَه الإسماعيلي في روايته، فقال
فيها: (يوم لقي المسلمون طيئا وأسداً))، وزاد فيها سبب أخذ العدو لفرس بن
عمر، ففيه: فاقتحم الفرس بعبد الله بن عمر جرفاً، فصرعه، وسقط ابن عمر،
فعار الفرس، والباقي مثله، انتهى.
قال القسطلاني (١): وافق ابن نمير إسماعيل بن زكريا، كما عند
الإسماعيلي، وصححه الداوودي، وأنه كان فى غزوة مؤتة، وقال: عبيد الله
أثبت في نافع من موسى بن عقبة، انتهى.
(١) ((إرشاد الساري)) (٦/ ٦٠٧).
١٧٣

٢١ - كتاب الجهاد
(٩) باب
(٩٦٤) حديث
قَالَ: وَسَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ فِيمَا يُصِيبُ الْعَدُوُّ مِنْ أَمْوَالِ
الْمُسْلِمِينَ: إِنَّهُ إِنْ أُدْرِكَ قَبْلَ أَنْ تَقَعَ فِيهِ الْمَقَاسِمُ، فَهُوَ رَدٌّ عَلَى
أَهْلِهِ. وَأَمَّا مَا وَقَعَتْ فِيهِ الْمَقَاسِمُ، فَلَا يُرَدُّ عَلَى أَحَدٍ.
قال الزرقاني(١): وكذا صوبه ابن عبد البر، انتهى. وقال الحافظ في
((الدراية)) بعد ذكر حديث ابن عمر - رضي الله عنه - عن البخاري: اختلف في
رفع هذا الحديث، والأكثر على ترجيح الموقوف، انتهى. قلت: وإليه يشير
صنيع البخاري، إذ ذكر أولاً حديث ابن نمير منقطعاً، ثم ذكر طريقي القطان
وزبير موصولاً وموقوفاً، وخالفهم أبو داود، فذكر من رواية يحيى بن أبي زائدة
عن عبيد الله قصة الغلام مرفوعة، ثم قال: قال أبو داود(٢): وقال غيره: رده
عليه خالد بن الوليد، ثم أخرج حديث ابن نمير بلفظ البخاري.
(قال مالك فيما يصيب العدو من أموال المسلمين: إنه) الضمير للشأن (إن
أدرك) ببناء الفاعل أي صاحبه، ويحتمل بناء المجهول (قبل أن يقع فيه
المقاسم) أي الأنصباء (فهو رد على أهله) أي مردود على صاحبه مجاناً (وأما ما
وقعت فيه المقاسم فلا يرد على أحد) قال الباجي(٣): ومعنى الرد ههنا أنه لا
يكون أحق به دون ثمن، انتهى. قلت: وبذلك قالت الحنفية وأحمد، كما تقدم
مفصلاً، قال الزرقاني (٤): وبه قال عمر - رضي الله عنه - وسلمان والليث
وأحمد وآخرون، انتهى.
قلت: قد أخذ العلامة الزرقاني هذا من كلام الحافظ إذ قال: عمر
وسليمان بن ربيعة وعطاء والليث ومالك وأحمد وآخرون، وهي رواية عن
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٩/٣) و((الاستذكار)) (١٢٤/١٤).
(٢) ((سنن أبي داود)) كتاب الجهاد (٢٦٩٩) ((بذل المجهود)) (٢٦٠/١٢).
(٣) ((المنتقى)) (١٨٥٣).
(٤) ((شرح الزرقاني)) (١٩/٣).
١٧٤
----. "
--- --------

٢١ - كتاب الجهاد
(٩) باب
(٩٦٤) حديث
الحسن أيضاً، ونقلها ابن أبي الزناد عن أبيه عن الفقهاء السبعة، إن وجده
صاحبه قبل القسمة فهو أحق به، وإن وجده بعد القسمة فلا يأخذه إلا بالقيمة،
انتھی .
وما حكى من مذهب عمر وسليمان بن ربيعة والليث يخالف ما تقدم في
كلام الموفق، إذ حكى عنهم عدم الرد بعد القسمة أصلاً، ويؤيد الموفق ما ذكر
برواية سعيد في ((سننه)): أن عمر - رضي الله عنه - كتب إلى السائب: أيما
رجل من المسلمين أصاب رقيقه ومتاعه بعينه، فهو أحق من غيره، وإن أصابه
في أيدي التجار بعدما اقتسم، فلا سبيل له إليه، انتهى. وما سيأتي من رواية
الدارقطني عن عمر - رضي الله عنه - يوافق نقل الحافظ، اللَّهم إلا أن تكون
عنه روايتان.
ثم قال الحافظ: واحتجوا بحديث عن ابن عباس - رضي الله عنه - روي
عنه مرفوعاً بهذا التفصيل، أخرجه الدارقطني وإسناده ضعيف جداً، انتهى.
قلت: لكنه مؤيد بآثار عن ابن عمر والفقهاء السبعة وغيرهم، ويتقوى بروايات
في الباب، ذكرها صاحب ((المدونة)).
وقال الحافظ في ((الدراية))(١): روى الدارقطني والبيهقي من حديث ابن
عباس، رفعه فيما أحرزه العدو، فاستنقذه المسلمون منهم، إن وجده صاحبه
قبل أن يقسم، فهو أحق به، وإن وجده قد قسم، فإن شاء أخذه بالثمن، وفيه
الحسن بن عمارة، وهو واهٍ، وروى أبو داود في ((المراسيل)) عن تميم بن
طرفة: وجد رجل مع رجل ناقة له، فارتفعا إلى النبي ◌َّر، فأقام أحدهما البينة
أنها له، والآخر أنه اشتراها من العدو، فقال: إن شئت أن تأخذها بالثمن
الذي اشتراها به، فأنت أحق به، وإلّا فخلِّ عن ناقته.
(١) انظر: ((الدراية على هامش الهداية)) (٥٨١/١) ط الهند، ونصب الراية (٤٣٦/٣).
١٧٥

٢١ - كتاب الجهاد
(٩) باب
(٩٦٤) حديث
وَسِثُلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلِ حَازَّ الْمُشْرِكُونَ غُلَامَهُ، ثُمَّ غَنِمَهُ
الْمُسْلِمُونَ. قَالَ مَالِكٌ: صَاحِبُهُ أَوْلَى بِهِ بِغَيْرِ ثَمَنِ، وَلَا قِيمَةٍ، وَلَا
غُرْمِ، مَا لَمْ تُصِبْهُ الْمَقَاسِمُ،
ووصله الطبراني من وجه آخر عن تميم عن جابر بن سمرة، وفي الباب
عن ابن عمر - رضي الله عنه - نحوه أخرجه الدارقطني والطبراني وابن عدي من
ثلاثة طرق ضعيفة جداً عن الزهري عن سالم عن أبيه، والمحفوظ عن ابن عمر
ما أخرجه البخاري، كما تقدم، واختلف في رفعه، والأكثر على ترجيح
الموقوف، وروى الدارقطني من طريق قبيصة أن عمر - رضي الله عنه - قال: ما
أصاب المشركون من أموال المسلمين، فظهر عليهم، فرأى رجل متاعه بعينه،
فهو أحق به من غيره، فإذا قُسِمَ فلا، فهو أحق به من غيره بالثمن، وأخرج ابن
أبي شيبة من حديث علي نحو ذلك موقوفاً، وفي الباب عن زيد بن ثابت ذكره
البيهقي، وفيه ابن لهيعة، انتهى.
(وسئل) ببناء المجهول الإمام (مالك عن رجل حاز المشركون غلامه) أي
استولوا عليه (ثم غنمه المسلمون، فقال مالك: صاحبه أولى به بغير ثمن ولا
قيمة ولا غرم) قال الباجي(١): يريد أن له أن يأخذه، ولا يدفع فيه قيمة، وهو
ما يساوي يوم أخذه له، ولا ثمناً إن كان وقع فيه تبايع بين المشركين قبل أن
يغنم، ولا يغرم بسبب ذلك من أنفق عليه ولا يكلف بسببه، انتهى. (ما لم
تصبه المقاسم) قال الباجي: ووجه ذلك أن الغنيمة لا يستقر ملك الغانمين
عليها بنفس الغنيمة، وإنما استقر عليه بالقسمة، وبه قال القاضي أبو الحسن،
وهو مذهب أبي حنفية، وملك صاحبه يتقرر عليه حال الغنيمة، فكان له أخذه
بغير ثمن، انتهى. وقد عرفت فيما سبق أن الأئمة الأربعة متفقة في الرد قبل
القسمة، نعم فيه خلاف الزهري وغيره.
(١) ((المنتقى)) (١٨٥/٢).
١٧٦

٢١ - كتاب الجهاد
(٩) باب
(٩٦٤) حديث
فَإِنْ وَقَعَتْ فِيهِ الْمَقَاسِمُ، فَإِنِّي أَرَى أَنْ يَكُونَ الْغُلَامُ لِسَيِّدِهِ بِالثَّمَنِ،
إِنْ شَاءَ .
قَالَ مَالِكٌ فِي أُمِّ وَلَدِ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، حَازَهَا الْمُشْرِكُونَ،
ثُمَّ غَنِمَهَا الْمُسْلِمُونَ، فَقُسِمَتْ فِي الْمَقَاسِم، ثُمَّ عَرَفَهَا سَيِّدُهَا بَعْدَ
الْقَسْمِ : إِنَّهَا
(فإن وقعت فيه المقاسم، فإني أرى أن يكون الغلام لسيده بالثمن، إن
شاء) قال الباجي(١): يريد بالثمن الذي صار إلى الذي هو في يده بالقسمة إن
كان الفيء بيع وقسمت الأثمان، وإن كان الفيء قسم فبقيمته يوم دفع إليه في
القسمة، وسواء دخل العبد زيادة أو نقصان عمى أو غيره، فإن صاحبه لا
يأخذه إلا بجميع الثمن؛ لأنه إنما يستحقه بسبب قديم كالشفقة، انتهى.
وقد عرفت فيما سبق أن الأئمة الثلاثة غير الشافعي متفقون في الرد بعد
القسمة، إلا في رواية لأحمد: لا يرد بعد القسمة مطلقاً، وقال الشافعي
- رحمه الله - على أصله: إنه يرد قبل القسمة وبعدها مطلقاً بلا قيمة، كما
تقدم .
ولا تلتبس مسألة الباب بالعبد الآبق، ففيه خلاف للإمام أبي حنيفة، إذ
قال: لا يملكونه، فيرد على مالكه بعد القسمة أيضاً بدون القيمة، ويعطى
صاحب النصيب من بيت المال، كما تقدم في كلام صاحب ((الهداية))، ولا
فرق عند مالك وصاحبي أبي حنيفة في الأسير والآبق، وعن الإمام أحمد
روايتان كالمذهبين، كما تقدم في كلام الموفق، وصرح في («المدونة»: أن العبد
الآبق وغير الآبق سواء، ليس لساداتهم أن يأخذوهم إلا بالثمن، انتهى.
(وقال مالك في أم ولد رجل) بإضافة الولد إلى رجل أي أم ولد لرجل
(من المسلمين، حازها المشركون، ثم غنمها المسلمون، فقسمت) ببناء المجهول
(في المقاسم ثم عرفها سيدها بعد القسم) فقال مالك في تلك الصورة: (إنها) أي
(١) ((المنتقى)) (١٨٦/٣).
١٧٧

٢١ - كتاب الجهاد
(٩) باب
(٩٦٤) حديث
لَا تُسْتَرَقُّ. وَأَرَى أَنْ يَفْتَدِيَهَا الإِمَامُ لِسَيِّدِهَا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَعَلَى
سَيِّدِهَا أَنْ يَفْتَدِيَهَا وَلَا يَدَعُهَا. وَلَا أَرَى لِلَّذِي صَارَتْ لَهُ أَنْ
يَسْتَرِقَّهَا، وَلَا يَسْتَحِلَّ فَرْجَهَا، وَإِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ الْحُرَّةِ؛ لأَنَّ سَيِّدَهَا
يُكَلَّفُ أَنْ يَفْتَدِيَهَا، إِذَا جَرَحَتْ. فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ ذلِكَ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ
يُسَلِّمَ أُمَّ وَلَدِهِ تُسْتَرَقُّ، وَيُسْتَحَلُّ فَرْجُهَا .
أم الولد (لا تسبى) في النسخ الهندية، وفي المصرية: ((لا تسترق)) وهما
بمعنى، وكلاهما ببناء المجهول، وذاك لجريان الحرية فيها بأمومة الولد.
(وأرى أن يفتديها الإمام) من الفيء (لسيدها) أي يعطيها سيدها ويعطي
فداءها لمن وقعت في سهمه (قال: فإن لم يفعل) الإمام ذلك أي لا يعطي
فداءها من بيت المال (فعلى سيدها) وجوباً (أن يفتديها) من عند نفسه (ولا
يدعها) بالرفع والنصب (ولا أرى للذي صارت له) أي وقعت في سهمه من
الغنيمة (أن يسترقها) لجريان الحرية فيها في الجملة.
(ولا يستحل فرجها) لأنه صار سيدها (وإنما هي بمنزلة الحرة) إذا حازها
الحربيون، ثم ظهر عليهم لا تسترق، ولا يحل فرجها، وعلل كونها بمنزلتها
بقوله: (لأن سيدها يكلف) ببناء المجهول أي يوم (أن يفتديها إذا جرحت)
بالجيم فالراء والحاء المهملتين، أي لو جنت على أحد، ووقع في بعض النسخ
الهندية: ((خرجت)) بالخاء والجيم، وهو سهو من الناسخ (فهذا بمنزلة ذلك) أي
وجوب الافتداء على السيد بمنزلة وجوب الأرش عليه (فليس له) أي لسيدها
(أن يسلم) ببناء الفاعل من التسليم أو الإسلام.
قال الباجي: أي لا يجوز له ذلك فيجبر على افتكاكها (أم ولده) مفعول
ليسلم (تسترق) ببناء المجهول وكذا قوله: (ويستحل فرجها) أي يستحلها غير
سيدها، فالفاء للتفريع على ما قبله، قال الباجي(١): وهذا كما قال: إن أم
(١) (١٨٦/٣).
١٧٨
.1-

٢١ - كتاب الجهاد
(٩) باب
(٩٦٤) حديث
الولد قد ثبت ولاؤها لسيدها، ولم يكمل عتقها؛ لأن سيدها قد بقي له فيها
الاستمتاع، وأكثر أحكام الرق من انتزاع المالك والحجر وغير ذلك، فإذا
غنمها المشركون، ثم صارت بأيدي المسلمين بالغنيمة، فإن علم بذلك قبل
القسمة فهي لسيدها، وإن لم يعلم ذلك حتى تصيبها المقاسم، فإن مالكاً قال:
يفتديها الإمام لصاحبها، وقال ابن القاسم وغيره من أصحابنا: يفتديها لنفسه
صاحبها، وجه قول مالك: أن سيدها يجبر على افتكاكها، وليس سبب ذلك
من جهته ولا من جهتها، وإنما ألزمه الإمام ذلك بما فعل من القسمة، وليس
هذا بمنزلة الأمة؛ لأن له تركها، وهذا ليس له إسلامها وتركها .
وجه الرواية الثانية: أن لصاحبها فيها بقية ملك، فلزمه أن يفتدي ذلك
المملوك منها، وقوله: فإن لم يفتدها الإمام، يريد أن الإمام إن ترك الواجب
عليه من ذلك، أو رأى فيه غير ما رأى مالك، فإن على سيدها أن يفتديها على
كل حال. وبماذا يفتديها؟ اختلف فيه أصحابه، فروى ابن القاسم عن مالك:
أن عليه أن يفتديها بثمنها الذي أخذها به، كان أكثر من القيمة أو أقل، وحكى
ابن المواز عن أشهب والمغيرة: أن على سيدها الأقل من القيمة والثمن،
انتھی .
وقد عرفت فيما سبق أنهم لا يملكون المكاتب والمدبر وأم الولد عند
الحنفية، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد في أم الولد خاصة، فترد على
صاحبها بعد القسمة أيضاً، قال صاحب ((الدر المختار))(١): لا يملكون حرنا
ومدبرنا وأم ولدنا ومكاتبنا لحريتهم من وجه، فيأخذه مالكه مجاناً لكن بعد
القسمة، تؤدى قيمته من بيت المال، قال ابن عابدين: أي تؤدى قيمته لمن وقع
في سمهه، انتهى .
(١) (٤/ ٣٤٣).
١٧٩

٢١ - كتاب الجهاد
(٩) باب
(٩٦٤) حديث
وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنِ الرَّجُلِ يَخْرُجُ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ فِي الْمُفَادَاةِ،
أَوْ فِي التِّجَارَةِ، فَيَشْتَرِي الْحُرَّ أَو الْعَبْدَ، أَوْ يُوهَبَانِ لَهُ، فَقَالَ: أَمَّا
الْحُرُّ، فَإِنَّ مَا أَشْتَرَاهُ بِهِ، دَيْنٌ عَلَيْهِ، وَلَا يُسْتَرَقَّ. وَإِنْ كَانَ وُهِبَ
لَهُ، فَهُوَ حُرٌّ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ .
(وسئل) ببناء المجهول (مالك عن الرجل يخرج إلى العدو) وفي النسخ
المصرية(١): إلى أرض العدو (في المفاداة) أي ليفادي ما أسروه من المسلمين
(أو في التجارة) أي خرج إليهم في أمر التجارة، وفي النسخ المصرية: أو
للتجارة، وهو ظاهر، قال الباجي (٢): الخروج إلى أرض العدو على ثلاثة
أضرب، الجهاد والمفاداة والتجارة.
(فيشتري الحر) قال الباجي: شراء الحر لا يقع إلا بأن لا يعلم أنه حرٌّ،
فاشتراه، ثم تبين له ذلك، ولعله سمى الفداء شراءً، انتهى (أو العبد) أي
اشترى العبد (أو يوهبان له، فقال) مالك في جواب هذه المسألة: (أما الحر فإن
ما اشتراه به) أي من الثمن، ولفظ اشتراه به، هكذا في جميع النسخ المصرية،
ووقع التحريف فيه في النسخ الهندية فوقع اشتراه له (دين عليه) أي على المبيع
الحر سواء اشتراه بأمره أو بغير أمره، قاله الزرقاني(٣).
(ولا يسترق) ببناء المجهول، أي لوجوب فدائه على نفسه، وحرمة
مقامه مع قدرته على الفداء، فوجب رجوعه عليه؛ لأنه اشتراه بما كان يلزمه،
وهو مقدم على جماعة المسلمين في فداء نفسه، إذا قدر عليه، قاله أبو عمر،
كذا في الزرقاني.
(وإن كان) الحر (وهب) ببناء المجهول (له) أي للداخل عليهم (فهو حر)
كما كان قبل ذلك حراً (وليس عليه) أي على الموهوب الأسير (شيء)
(١) انظر: ((الاستذكار)) (١٣٠/١٤) قوله في ((المفازاة)) فهو تحريف.
(٢) ((المنتقى)) (١٨٧/٣).
(٣) (٢٠/٣).
١٨٠