Indexed OCR Text
Pages 121-140
٢١ - كتاب الجهاد (٦) باب (٩٦٢) حديث بلفظ: فخرجت فيها وأصبنا نعماً كثيراً وأعطانا أميرنا بعيراً بعيراً لكل إنسان، ثم قدمنا على النبي ◌ّ فقسم بيننا غنيمتنا، فأصاب كل رجل منا اثنا عشر بعيراً بعد الخمس صريحة أن التنفيل كان من الأمير والقسم من النبي ◌َّر، فظاهر رواية الليث عن نافع عند مسلم أن ذلك صدر من أمير الجيش، وأن النبي صَلى الله كان مقرراً لذلك ومجيزاً؛ لأنّه قال فيه: ((ولم يغيره النبي ◌َّ))، انتهى. قلت: وسياق مسلم في الحديث المذكور عن ابن عمر ((أن رسول الله وَاله بعث سرية قبل نجد، وفيهم ابن عمر، وأن سُهمانهم بلغت اثني عشر بعيراً، ونفّلوا سوى ذلك بعيراً بعيراً، فلم يغيره رسول الله مَّة))، فظاهره أن الضمير للتنفيل وعلى هذا يوافق رواية ابن إسحاق. قال الحافظ(١): وفي رواية عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - عند مسلم أيضاً: ونفلنا رسول الله وَله بعيراً وبعيراً، وهذا يمكن أن يحمل على التقرير فتجتمع الروايتان، قال النووي: معناه أن أمير السرية نفلهم، فأجازه النبي ◌َّ فجازت نسبته لكل منهما، انتهى. وفي الحديث مشروعية التنفيل ومعناه تخصيص من له أثر في الحرب بشيء من المال، لكن خصه عمرو بن شعيب بالنبي ◌ُّو دون من بعده، وكره مالك أن يكون بشرط من أمير الجيش كأن يُحرّض على القتال، ويعد بأن يُنفّل الربع إلى الثلث قبل القسم، واعتلّ بأن القتال حينئذ يكون للدنيا، فلا يجوز مثل هذا، وفيه ردٌ على من حكى الإجماع على مشروعيته، كذا في ((الفتح)). قلت: وحكى الإجماع على ذلك النووي وغيره، ثم قال النووي(٢): اختلف في محل النفل هل هو من أصل الغنيمة أو من أربعة أخماسها أو من (١) (فتح الباري)) (٢٤٠/٦). (٢) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٥٤/١٢/٦). ١٢١ ٢١ - كتاب الجهاد (٦) باب (٩٦٢) حديث خمس الخمس؟ وهي ثلاثة أقوال للشافعي، وبكل منها قال جماعة من العلماء، والأصح عندنا أنه من خمس الخمس، وبه قال ابن المسيب ومالك وأبو حنيفة وآخرون، وممن قال: إنه من أصل الغنيمة الحسن البصري والأوزاعي وأحمد وآخرون، انتھی. وخالفه الحافظ في قول واحد من الأقوال الثلاثة للشافعي، إذ قال: قد اختلف العلماء هل هو من أصل الغنيمة أو من الخمس أو من خمس الخمس أو مما عدا الخمس؟ على أقوال؛ والثلاثة الأول مذهب الشافعي، والأصح عندهم أنها من خمس الخمس، ونقله منذر بن سعيد عن مالك، وهو شاذ عندهم، قال ابن بطال: وحديث الباب يرد على هذا، لأنّهم نفّلوا نصف السدس، وهو أكثر من خمس الخمس، وهذا واضح، وقد زاده ابن المنير إيضاحاً فقال: لو فرضنا أنهم لو كانوا مائة لكان قد حصل لهم ألف ومائتا بعير، ويكون الخمس من الأصل ثلثمائة بعير، وخمس الخمس ستون، وقد نطق الحديث بأنهم نفلوا بعيراً بعيراً، فتكون جملة ما نُقُلُوا مائة بعير، وإذا كان خمس الخمس ستين لم يف كله ببعير بعير لكل إنسان من المائة، وهكذا كيفما فرضت العدد، قال: وقد ألجأ هذا الإلزام بعضهم، فادّعى أن جميع ما حصل للغانمين كان اثني عشر بعيراً، فقيل له: فيكون خمسها ثلاثة أبعرة، فيلزم أن تكون السرية كلها ثلاثة رجال، كذا قيل. قال ابن المنير(١): وهذا سهو على التفريع المذكور، بل يلزم أن تكون أقل من رجل بناء على أن النفل من خمس الخمس، وقال ابن التين: قد انفصل من قال من الشافعية: بأن النفل من خمس الخمس بأوجه: منها: أن الغنيمة لم تكن كلها أبعرة، بل كان فيها أصناف أخرى فيكون التنفيل وقع من بعض الأصناف دون بعض. (١) انظر: ((فتح الباري)) (٢٤٠/٦). ١٢٢ ------ ------ - ٢١ - كتاب الجهاد (٦) باب (٩٦٢) حديث ثانيها: أن يكون نفلهم من سهمه من هذه الغزاة وغيرها، فضم هذا إلى هذا فلذلك زادت العدة . ثالثها: أن يكون نفل بعض الجيش دون بعض قال: وظاهر السياق يرد هذه الاحتمالات، قال: وقد جاء أنهم كانوا عشرة. وأنهم غنموا مائة وخمسين بعيراً نفلوا بعيراً، فخرج منها الخمس وهو ثلاثون، وقسم عليهم البقية فحصل لكل واحد اثنا عشر بعيراً ثم نفلو بعيراً بعيراً، فعلى هذا فقد نفلوا ثلث الخمس، قال الحافظ: إن ثبت هذا لم يكن فيه رد للاحتمال الأخير؛ لأنه يحتمل أن يكون الذي نفلوا ستة من العشرة، انتهى. قلت: ويرد هذا الاحتمال ما تقدم قريباً من حديث أبي داود وغيره: (نَفَّلَنَا أميرنا بعيراً بعيراً لكل إنسان))، وأيّاً ما كان فالأصح عند الشافعية أن محل النفل خمس الخمس، كما صرح بذلك في عامة فروعهم من ((تحفة المحتاج)) وغيره. وقال ابن رشد في ((البداية))(١): أما تنفيل الإمام من الغنيمة لمن شاء أعني أن يزيده على نصيبه، فإن العلماء اتفقوا على جوازه، واختلفوا من أي شيء يكون النفل وفي مقداره، وهل يجوز الوعد به قبل الحرب؟ وهل يجب السلب للقاتل أم ليس يجب إلا أن ينفله له الإمام؟. فهذه أربع مسائل، هي قواعد هذا الفصل، أما المسألة الأولى: فإن قوماً قالوا: النفل يكون من الخمس الواجب لبيت مال المسلمين، وبه قال مالك، وقال قوم: بل النفل يكون من خمس الخمس، وهو حظ الإمام فقط، وهو الذي اختاره الشافعي، وقال قوم: بل النفل من جملة الغنيمة، وبه قال أحمد وأبو عبيد، انتهى. (١) (بداية المجتهد)) (٣٩٥/١ - ٣٩٦). ١٢٣ ٢١ - كتاب الجهاد (٦) باب (٩٦٢) حديث قلت: وبذلك صرح الباجي إذ قال: مذهب مالك أن النفل لا يكون إلا من الخمس، انتهى. وكذا الدردير(١) إذ قال: ونفل الإمام من خمس الغنيمة السلب، ويسمى النفل الكلي، وغير السلب ويسمي النفل الجزئي لمصلحة من شجاعة وتدبير، ولم يجز أي يكره، وقيل: يحرم إن لم ينقض القتال بأن لم يقدر على العدو، وأن يقول: من قتل قتيلاً فله السلب، أو من جاءني بشيء من متاع فله الربع، لأنه يصرف نيتهم لقتال الدنيا، قال الدسوقي: والحاصل أن الإمام إذا قال لشخص لما علم من شجاعته، أو تدبيره: إذا قتلت قتيلاً فلك سلبه أو أعطاه ديناراً أو بعيراً، فإنه يحسب سلب القتيل، أو الدينار أو البعير من الخمس لا من أصل الغنيمة، انتهى. وقال الخرقي: يُنَفِّلُ الإمام ومن استخلفه الإمام في بدئته الربع بعد الخمس، وفي رجعته الثلث بعد الخمس، قال الموفق (٢): النفل زيادة تزاد على سهم الغازي، وهو ينقسم ثلاثة أقسام: أحدها: هذا الذي ذكره الخرقي، وهو أن الإمام أو نائبه، إذا دخل دار الحرب غازياً بعث بين يديه سرية، ويجعل لهم الربع بعد الخمس، فما قدمت به السرية من شيء أخرج خمسه، ثم أعطى السرية ما جعل لهم، وهو ربع الباقي في البدأة، وثلثه في الرجعة، ثم قسم سائره في الجيش والسرية معه، وبهذا قال حبيب بن مسلمة والحسن والأوزاعي، ويروى عن عمرو بن شعيب أنه قال: لا نفل بعد رسول الله وَّة، ولعله يحتجّ بقوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ اُلْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾(٣) خصه بها، وكان سعيد بن المسيب ومالك (١) ((الشرح الكبير)) (١٩٠/٢). (٢) ((المغني)) (٥٣/١٣). (٣) سورة الأنفال: الآية ١. ١٢٤ --- - -- -- --- ... . ٢١ - كتاب الجهاد (٦) باب (٩٦٢) حديث يقولان: لا نفل إلا من الخمس، وقال الشافعي: يخرج من خمس الخمس. ولنا، ما روى حبيب بن مسلمة الفهري أن رسول الله وَّ نَفَّلَ الربعَ في البداءة والثلث في الرجعة، وفي لفظ ((بعد الخمس))، رواهما أبو داود(١)، وأما عمرو بن شعيب فإن مكحولاً قال له حين قال: لا نفل بعد رسول الله وقل شغلك أكل الزبيب بالطائف، وما ثبت للنبي ◌َّ ثبت للأئمة بعده ما لم يقم على تخصيصه دليل، إذا ثبت هذا فظاهر كلام أحمد أنهم يستحقون هذا النفل بالشرط السابق، فإن لم يكن شرطه لهم فلا، ولا يجوز أن ينفل أكثر من الثلث، نص عليه أحمد، وهو قول مكحول والأوزاعي والجمهور، وقال الشافعي: لاحد للنفل، بل هو موكول إلى اجتهاد الإمام؛ لأنه وَّ نَفَّلَ، مرة الثلث، وأخرى الربع، فهذا يدل على أنه ليس للنفل حَدٌّ. ولنا، أن نفله وَّ#ل انتهى إلى الثلث فينبغي أن لا يتجاوزه، وما ذكره الشافعي يدل على أنه ليس لأقل النفل حدٌّ، ونحن نقول به على أن قوله هذا مع قوله: إن النفل من خمس الخمس تناقض. القسم الثاني: أن يُنَفِّلَ الإمام بعضَ الجيش لعنائه، وبأسه، دون سائر الجيش، وحجة هذا حديث سلمة بن الأكوع أنه قال: أغار عبد الرحمن بن عيينة على إبل رسول الله وَّر، الحديث. وفيه أعطاني رسول الله صل سهم الفارس وسهم الراجل، رواه مسلم وأبو داود (٢). القسم الثالث: أن يقول الأمير: من طلع هذا الحصن أو هدم هذا السور، أو فعل كذا فله كذا، وهذا جائز في قول أكثر أهل العلم، وكره مالك هذا القسم ولم يره، وقال: قتالهم على هذا الوجه إنما هو للدنيا، وقال هو (١) أخرجه أبو داود (٢٧٤٨، ٢٧٥٠). (٢) ((صحيح مسلم)) (١٨٠٦)، ((سنن أبي داود)) (٧٢٥٢). ١٢٥ ٢١ - كتاب الجهاد (٦) باب (٩٦٢) حديث وأصحابه: لا نفل إلا بعد إحراز الغنيمة، وقال مالك: لم يقل رسول الله عَليه وشييلا من قتل قتيلاً فله سلبه إلا بعد أن برد القتال. ولنا ما تقدم من حديث حبيب وغيره، ثم قال وقال أحمد: النفل من أربعة أخماس الغنيمة، هذا قول أنس بن مالك وفقهاء الشام، منهم مكحول والقاسم والأوزاعي، وبه قال إسحاق، وأبو عبيد، وقال النخعي وطائفة: إن شاء الإمام نفلهم قبل الخمس وإن شاء بعده، قال أبو ثور: إنما النفل قبل الخمس لحديث ابن عمر، وقال مالك: لا نفل إلا من الخمس. ولنا، ما روى معن بن يزيد السلمي مرفوعاً: ((لا نفل إلا بعد الخمس)) رواه أبو داود، ولأنه وَليّ نفل الربع والثلث، ولا يتصور إخراجه من الخمس، وكلام أحمد في أن النفل من أربعة الأخماس عام لعموم الخبر فيه، ويحتمل أن يحمل على القسمين الأولين من النفل، فأما الثالث وهو أن يقول: من جاء بشيء فله كذا، فيحتمل أن يستحق ذلك من الغنيمة كلها؛ لأنه ينزل بمنزلة الجعل فأشبه السلب، فإنه غير مخموس، ويحتمل في القسم الثاني أي في زيادة بعض الغانمين على سهمه لعنائه أن يكون من خمس الخمس المعد للمصالح؛ لأن عطية هذا من المصالح، والمذهب المنصوص عليه الأول؛ لأن عطية سلمة بن الأكوع سهم الفارس زيادة على سهمه، إنما كانت من أربعة الأخماس، انتهى. وأما عند الحنفية ففي ((البدائع)) (١): التنفيل، هو تخصيص بعض الغزاة بالزيادة نحو أن يقول الإمام: من أصاب شيئاً فله ربعه أو ثلثه، أو قال: من أصاب شيئاً فهو له، أو قال: من قتل قتيلاً فله سلبه، أو قال لسرية: ما أصبتم فلكم ربعه أو ثلثه، أو فهو لكم، وذلك جائز، لأن التخصيص بذلك تحريض على القتال، وهو أمر مشروع مندوب إليه، قال عز شأنه: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ حَرِّضِ (١) انظر: ((بدائع الصنائع)) (٨٦/٦). ١٢٦ - ------- ..---- ٢١ - كتاب الجهاد (٦) باب (٩٦٢) حديث الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾(١) إلا أنه لا ينبغي للإمام أن ينفّل بكل المأخوذ، لأنه قطع حق الغانمين عن النفل أصلاً، لكن مع هذا لو رأى الإمام المصلحة في ذلك، ففعله مع سرية جاز، لأن المصلحة قد تكون فيه، ويجوز التنفيل في سائر الأموال من الذهب والفضة، وشرط جواز التنفيل أن يكون قبل حصول الغنيمة في يد الغانمين، فإذا حصلت في أيديهم فلا نفل. فإن قيل: أليس روي أنه وَّ نَفّل بعد إحراز الغنيمة؟ فالجواب أنه يحتمل أنه وَّ إنما نفّل من الخمس أو من الصفي أو مما أفاءه الله عليه، فسماه الرواي غنيمة، وحكم التنفيل نوعان: أحدهما: اختصاص النفل بالمنفل حتى لا يشاركه غيره، والثاني: أنه لا خمس في النفل ويشارك المنفل له الغزاة في أربعة أخماس ما أصابوا، انتهى. قلت: وهذا إذا لم يقيد الإمام التنفيل بقوله: بعد الخمس، وإذا قيده بذلك فيكون لهم بعد الخمس . قال ابن الهمام(٢): ثم محل التنفيل الأربعة الأخماس قبل الإحراز بدار الإسلام، وبعد الإحراز لا يصح إلا من الخمس، انتهى. وذكره تحت قول صاحب ((الهداية)): ويقول للسرية: قد جعلت لكم الربع بعد الخمس، وقال صاحب ((الجوهرة)): أو يقول: للسرية قد جعلت لكم الربع بعد الخمس، أي بعدما يرفع الخمس، وكذا إذا قال: الثلث بعد الخمس، أو النصف بعد الخمس، يؤخذ منه خمس ذلك، ويكون لهم ما سمي من ذلك بعد الخمس. وما زاد على ما سُمِّي لهم يشاركون العسكر فيه، وإن قال: فلكم الربع، ولم يقل بعد الخمس، لم يخمس الربع، وصار بهم النفل بخمسه، وكذا إذا (١) سورة الأنفال: الآية ٦٥. (٢) ((فتح القدير)) (٢٤٩/٥). ١٢٧ ٢١ - كتاب الجهاد (٦) باب (٩٦٢) حديث قال: من قتل قتيلاً فله سلبه لم يخمس الأسلاب، وإن قال: فله سلبه بعد الخمس تخمس الأسلاب، انتهى. وهكذا في ((الفتاوى الهندية)): إذا قال كما يجوز التنفيل بعد رفع الخمس، بأن قال: ما أصبتم فلكم الثلث بعد الخمس يجوز مطلقاً بأن قال: فلكم الثلث، وإن كان فيه إبطال حق الفقراء في الخمس، وبعد هذا ينظر إن كان نفلهم ثلثاً أو ربعاً مطلقاً أعطاهم الثلث أو الربع من جملة الغنيمة أولاً، ثم يرفع الخمس عن الباقي، ثم يقسم الباقي بين جميع العسكر على سهام الغنيمة، وإن نَفَّلهم بعد الخمس رفع الخمس أولاً، من جملة الغنيمة، ثم أعطى السريّة نفلهم مما بقي ثم يقسم الباقي، انتهى مختصراً، وهذا كله قبل الإحراز بدار الإسلام، وأما بعد الإحراز بدار الإسلام فلا ينفّل إلا من الخمس، صرح بذلك في عامة الفروع. وإذا تحققت المذاهب فقد ظهر لك أن حديث الباب بظاهره يوافق من قال: إن التنفيل من رأس الغنيمة، وفي الزرقاني(١): قال في ((الاستذكار)) في رواية مالك: إن النفل من الخمس، لا من رأس الغنيمة، وكذلك رواه عبيد الله وأيوب عن نافع وفي رواية ابن إسحاق عنه أنه من رأس الغنيمة لكنه ليس کهؤلاء في نافع، انتهى. وأنت خبير بأن رواية هؤلاء ليست بنصٍّ في أن النفل كان من الخمس، بل ظاهر ما تقدم من جمع النووي والحافظ وغيرهما بين الروايات بأن المنفل كان أميراً والنسبة إلى النبي و # مجازي يدل على أن التنفيل كان من رأس الغنيمة، وحديث ابن إسحاق نص في ذلك إذ قال: نفلنا أميرنا بعيراً بعيراً، وما حاسبنا رسول الله رَ بالذي أعطانا صاحبنا . (١) ((شرح الزرقاني)) (١٦/٣). ١٢٨ ٢١ - كتاب الجهاد (٦) باب (٩٦٢) حديث . ثم في حديث الباب كلام آخر، وهو أن ظاهر حديث الباب أن السرية بعثت من المدينة المنورة إلى نجد برأسها، وهكذا رواه محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر عند أبي داود بلفظ ((بعث رسول الله وَ ◌ّل سرية إلى نجد فخرجت معها))، الحديث. وهكذا رواه الليث وعبيد الله وغيرهما عن نافع عند مسلم وأبي داود وغيرهما، ورواه شعيب بن أبي حمزة عن نافع عن ابن عمر عند أبي داود(١) بلفظ: ((بعثنا رسول الله وَ ل# في جيش قبل نجد، والبعث: سريةٌ من الجيش. فكان سُهمانُ الجيش اثني عشر بعيراً، اثني عشر بعيراً، ونَفّل أهل السرية بعيراً بعيراً، فكانت سهمانهم ثلاثة عشر ثلاثة عشر)). قال الحافظ في ((الفتح))(٢): أخرجه ابن عبد البر من هذا الوجه، وقال في روايته: إن ذلك الجيش كان أربعة آلاف، انتهى. وقد أخرج أبو داود بعد حديث شعيب بن أبي حمزة حدثنا الوليد بن عتبة قال: قال الوليد: يعني ابن مسلم حدثت ابن المبارك بهذا الحديث، قلت: وكذا حدثنا ابن أبي فروة عن نافع قال: لا يعدل من سميت بمالك هكذا أو نحوه يعني مالك بن أنس، انتهى. وحقق الشيخ في ((البذل))(٣): أن ابن المبارك أشار إلى أن ما في حديث شعيب من ذكر الجيش، ثم بعث السرية، وإن كان فيه متابعة ابن أبي فروة، لكنه ليس بذاك لمخالفة مالك، قلت: وهو كذلك، فإن مالكاً لم ينفرد في ذلك، بل تابعه على ذلك جماعة من الثقات الأثبات، وأيضاً لا يوجد في كتب السير جيش بهذا المقدار الذي ذكره ابن عبد البر بُعِث إلى نجد، بل عامتهم ذكروا السرايا في ذلك. (١) أخرجه أبو داود (٢٧٤١) ((باب في نفل السرية تخرج من المعسكر)). (٢) ((فتح الباري)) (٢٣٩/٦). (٣) ((بذل المجهود)) (٣٥٣/١٢). ١٢٩ ٢١ - كتاب الجهاد (٦) باب (٩٦٢) حديث ومع هذا فعامّةُ شراح الحديث وفقهاء الأمة استدلوا بذلك على مسألة فقهية، وهي ما قال الحافظ تبعاً للنووي وابن عبد البر: بلفظ: وفي الحديث أن الجيش إذا انفرد منه قطعة، فغنموا شيئاً كانت الغنيمة للجميع، قال ابن عبد البر: لا يختلف الفقهاء في ذلك أي إذا خرج الجيش جميعه، ثم انفردت منه قطعة، وليس المراد الجيش القاعد في بلاد الإسلام، فإنه لا يشارك الجيش الخارج إلى بلاد العدو، بل قال ابن دقيق العيد: إن الحديث يستدل على أن المنقطع من الجيش عن الجيبش الذي فيه الإمام ينفرد بما يغنمه، قال: وإنما قالوا: بمشاركة الجيش لهم إذا كانوا قريباً منهم يلحقهم عونه وغوثه، لو احتاجوا، قال الحافظ: وهذا القيد في مذهب مالك، انتهى . قال الموفق(١): الجيش إذا فصل غازياً، فخرجت منه سرية أو أكثر فأيهما غنم شاركه الآخر في قول عامة أهل العلم، منهم مالك والثوري والأوزاعي والليث والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي، وإن أقام الأمير ببلد الإسلام، وبعث سرية أو جيشاً، فما غنمت السرية، فهو لها وحدها، وإن نفذ من بلد الإسلام جيشين أو سريتين، فكل واحد منفردة بما غنمته، بخلاف ما إذا فصل الجيش، فدخل بجملته بلاد الكفار، فإن جميعهم اشتركوا في الجهاد فاشتركوا في الغنيمة، انتهى. ...--- -- . وقال ابن القيم بحثاً في ((الهدي))(٢): إن عدل البعير بعشرة من الغنم تقويم في الغنائم لأجل تعديل القسمة، وأما كونه عن سبعة في الهدايا فهو تقدیر شرعي، انتھی. (١) («المغني)) (١٣ /١٣١). (٢) ((زاد المعاد)) (٢٤٦/٢). ١٣٠ ------ - ٢١ - كتاب الجهاد (٦) باب (٩٦٣) حديث ١٦/٩٦٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّب يَقُولُ: كَانَ النَّاسُ فِي الْغَزْوِ، إِذَا أَقْتَسَمُوا غَنَائِمَهُمْ، يَعْدِلُونَ الْبَعِيرَ بِعَشْرِ شِيَاءٍ. جاء في معناه موصولاً عن رافع بن خديج. أخرجه البخاريّ في: ٤٧ - كتاب الشركة، ٣ - باب قسمة الغنم. ومسلم في: ٣٥ - كتاب الأضاحي، ٤ - باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم، حديث ٢١. ١٦/٩٦٣ - (مالك، عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: كان الناس) أي الصحابة (في الغزو إذا اقتسموا غنائمهم) وكانت فيها أنواع مختلفة من الإبل والغنم (يعدلون) بكسر الدال المهملة من باب ضرب (البعير بعشر شياه) أي يجعلونها بحذائها في القسمة. قال الباجي(١): يحتمل أن تكون تلك كانت قيمتها يومئذ، وكذلك يجب أن يفعل الإمام إذا اختلف أجناس الغنيمة، واختار القسمة أن يعدل بينها بالقيمة، انتهى. وقد عدل النبي ◌َّ البعير بعشر شياه، ففي ((الصحيحين)) وغيرهما عن رافع بن خديج ((كنا مع النبي وَلَ بذي الحليفة، فأصبنا إيلاً وغنماً، فعدل عشرة من الغنم ببعير))، قال الحافظ(٢): وهذا محمول على أن هذا كان قيمة الغنم إذ ذاك، فلعل الإبل كانت قليلة أو نفيسة، والغنم كانت كثيرة أو هزيلة بحيث كانت قيمة الإبل عشرة شياه. ولا يخالف ذلك القاعدة في الأضاحي من أن البعير يجزئ عن سبع شياه، لأن ذلك هو الغالب في قيمة الشاة والبعير المعتدلين، وأما هذه القسمة (١) ((المنتقى)) (١٧٨/٣). (٢) ((فتح الباري)) (٦٢٧/٩). ١٣١ ٢١ - كتاب الجهاد (٦) باب (٩٦٣) حديث قَالَ مَالِكٌ فِي الأَجِيرِ فِي الْغَزْوِ: إِنَّهُ إِنْ كَانَ شَهِدَ الْقِتَالَ، وَكَانَ مَعَ النَّاسِ عِنْدَ الْقِتَالِ، وَكَانَ حُرّاً، فَلَهُ سَهْمُهُ. وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذُلِكَ، فَلَا سَهْمَ لَهُ. 1 فكانت واقعة عين فيحتمل التعديل المذكور من نفاسة الإبل دون الغنم، انتهى. (قال مالك في الأجير في الغزوات) بالجمع في الهندية، وفي الغزو بالإفراد في المصرية، وسواء كان الأجير لخدمة أو حراسة أو غير ذلك (إنه إن كان شهد) أي حضر (القتال وكان مع الناس) المقاتلين (عند القتال) لا أن يكون في الجيش فقط (وكان حراً) فإن العبد لا سهم له، كما سيأتي في القول الآتي (فله سهمه) كسهم المقاتلين المجاهدين (وإن لم يفعل ذلك) أي لم يشهد القتال (فلا سهم له) . قال الباجي(١): يريد أنه كان مع المقاتلة لا أن يكون في جملة الجيش، فإن كان في موضع القتال، وكان من جملة المقاتلين استحقّ حصةً من الغنيمة، لأن القتال لم يأخذ له عوضاً، ولا يستحق ذلك عليه غيره، فاستحق به سهماً من الغنيمة، وسقط عنه من الإجارة بقدر ما اشتغل عنه من الخدمة، قال سحنون: هذا المشهور من المذهب، وقد روى أشهب عن مالك: لا يسهم للأجير وإن قاتل، انتهى. قال الدردير: قسم الإمام الأربعة الأخماس لحرِّ حاضرٍ للقتال كتاجر وأجير إن قاتلا، وإلا فلا، ولو شهدا صف القتال أو خرجا بنية الغزو وإن لم يقاتلا، قال الدسوقي: قوله: إن قاتلا وقيل: يكفي في الإسهام للتاجر والأجير شهود القتال، وقيل: بعدم الإسلام للأجير مطلقاً، ولو قاتل، ففي الأجير ثلاثة أقوال وفي التاجر قولان، انتهى. وقال الدردير (٢): أيضاً جاز الجعل ـ بضم الجيم - من قاعد لمن يخرجُ (١) ((المنتقى)) (١٧٨/٣). (٢) ((الشرح الكبير)) (١٨٢/٢). ١٣٢ ۔ ٢١ - كتاب الجهاد (٦) باب (٩٦٣) حديث عنه للجهاد سواء كان الجعل من الديوان أو قدراً معيناً من عنده إن كانا أي الجاعل والخارج عنه بديوان واحد أي كانا من أهل عطاء واحد كديوان مصر، فإنه ديوان واحد، وإن اختلفت أنواعهم، وأهل الشام أهل ديوان واحد، فلا يخرج شامي عن مصري، ويشترط أيضا أن تكون الخرجة واحدة، ولم يعين الإمام شخص الخارج، وأن يكون الجعل عند حضور الخرجة، والسهم للقاعد، لا للخارج، واستظهر ابن عرفة أنه لهما كمالٍ تنازعه اثنان، انتهى. قال الدسوقي: قوله: ((جاز جعل)) يعني إذا عين الإمام طائفة للجهاد، وأراد أحد أن يجعل جُعلا لمن يخرج بدلاً عنه، فإنه يجوز بشروط أربعة، وقوله: ((إن كانا بديوان واحد))، وذلك لأن الأصل منع هذه الإجارة لكونها إجارة مجهولة العمل، إذ لا يدري هل يقع اللقاء أم لا، وإنما أجيزت إذا كانا من ديوان واحدٍ. لأن على كل واحدٍ منهما ما على الآخر، فخروج المجعول له كأنه لم يكن لأجل الجعل. وقوله: لم يعين الإمام شخص الخارج، بل عينه بالوصف كأن يقول: يخرج أصحاب فلان أو أهل النوبة الصيفية، فإن عينه بالشخص فظاهر ((المدونة)) جواز الاستنابة، وقال التونسي: إنما يجوز بإذن الإمام، انتهى. قال الموفق(١): إذا استأجر الأمير قوماً يغزون مع المسلمين لم يسهم لهم. وأعطوا ما استئجروا به، نصَّ عليه أحمد في رواية جماعة، منهم عبد الله، وحنبل. وقال القاضي: هذا محمول على استئجار من لم يجب عليه الجهاد، كالعبيد والكفار، أما الأحرار المسلمون، فلا يصح استئجارهم على الجهاد، لأن الغزو يتعين بحضوره على من كان من أهله، فإذا تعين عليه الفرض لم يجز أن يفعله عن غيره كمن عليه حجة الإسلام، فإن قلنا بأن الإجارة فاسدة فعليه (١) ((المغني)) (١٦٣/١٣). ١٣٣ ٢١ - كتاب الجهاد (٦) باب (٩٦٣) حديث رد الأجرة وله سهمه لأن غزوه بغير أجرة، وإن قلنا: بصحته، فظاهر كلام أحمد والخرقي أنه لا سهم له، لأن غزوه بأجرة، ويحتمل أن يسهم له وهو اختيار الخلال. فأما الأجير للخدمة في الغزو، أو الذي يكري دابته، ويخرج معها، ويشهد الواقعة، فعن أحمد في ذلك روايتان: إحداهما: لا سهم له، وهو قول الأوزاعي وإسحاق، والثانية: يسهم لهما إذا شهدا القتال مع الناس، وهو قول مالك، وابن المنذر، وبه قال الليث، وإن اشتغل بالخدمة، فلا سهم له، انتھی . وفي ((الروض المربع)) (١): الغنيمة لمن شهد الواقعة من أهل القتال بقصده قاتل أو لم يقاتل حتى تُجَّارِ العسكرِ وأُجراءِهم المستعدين للقتال، انتهى. وفي ((شرح الإقناع)) (٢): يعطى أربعة أخماسها لمن شهد الوقعة بنية القتال وكذا من حضر لا بنية القتال، وقاتل في الأظهر، والأظهر أن الأجير الذي وردت الإجارة على عينه مدة معينة، لا لجهاد، بل لسياسة دواب، وحفظ أمتعة ونحوها، والتاجر والمحترف كالخيّاط يسهم لهم إذا قاتلوا لشهودهم الموقعة وقتالهم، أما من وردت الإجارة على ذمته أو بغير مدة كخياطة ثوب، فيعطى، وإن لم يقاتل، وأما الأجير للجهاد فإن كان مسلماً فلا أجرة له لبطلان إجارته، لأنه بحضور الصف تعين عليه، ولم يستحق السهم في أحد وجهين، قطع به البغوي، واقتضى كلام الرافعي ترجيحه لإعراضه عنه بالإجارة، انتهى. ..-. وفي ((البدائع)) (٣): لا سهم للأجير أي للخدمة، لانعدام الدخول على (١) (٨/٢). (٢) (٤ /٢٦٦). (٣) ((بدائع الصنائع)) (١٠٤/٦). ١٣٤ ٢١ - كتاب الجهاد (٦) باب (٩٦٣) حديث وَأَرَى أَنْ لَا يُقْسَمَ إِلَّا لِمَنْ شَهِدَ الْقِتَالَ مِنَ الأَحْرَارِ . قصد القتال، فإن قاتل نُظِر في ذلك إن ترك الخدمة فقد دخل في جملة العسكر، وإن لم يترك فلا شيء له أصلاً، لأنه إذا لم يترك تبيَّن أنه لم يدخل على قصد القتال، انتهى. وفي ((الهداية))(١): يكره الجُعْل ما دام للمسلمين فيءٌ، لأنه يشبه الأجر، ولا ضرورة إليه، لأن مال بيت المال مَعَدٌّ لنوائب المسلمين، فإذا لم يكن في بيت المال شيء فلا بأس بأن يقوي بعضهم بعضاً لأن فيه دفع الضرر الأعلى بإلحاق الأدنى، ويؤيده أن النبي # أخذ دروعاً من صفوان. قال العيني في ((البناية)): قوله: لأنه يشبه الأجر، لأن الجهاد حق الله تعالى، ولا يجوز أخذ الأجرة عليه، فإذا تمحض أجرة كان حراماً، وإذا أشبهها كان مكروهاً، وهو إلى الحرام أقرب، انتهى. وفي ((المحلى)): لا يسهم الأجير إلا أن يقاتل، وهو قول الثوري، وهذا إذا كان استؤجر للخدمة، وهو قول الأكثر، وقال أحمد وإسحاق: لا سهم له، وأما إذا استؤجر ليقاتل، فقال المالكية والحنفية: لا يسهم، وقال أحمد: لو استأجر الإمام قوماً على الغزو، لم يسهم لهم سوى الأجرة، وقال الشافعي: هذا في حق من لم يجب عليه الجهاد، وأما الحر المسلم البالغ فيتعين عليه الجهاد، فيسهم له، ولا يستحق الأجرة، انتهى. (قال مالك: أرى) بفتح الهمزة أي أعتقد (أن لا يقسم إلا لمن شهد القتال من الأحرار) قال صاحب ((المحلى)): فلا يسهم للعبد، وبه قالت الثلاثة الباقية والجمهور، ولا للحر إذا لم يحضر القتال، وبه قال الشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة: يسهم لمن بعثه الإمام رسولاً في حاجته أو أمره بالمقام، بدليل أنه وكَ ثيه أسهم لعثمان - رضي الله عنه - وطلحة - رضي الله عنه - في بدر، ولم (١) (٣٧٧/١). ١٣٥ ٢١ - كتاب الجهاد (٦) باب (٩٦٣) حديث سبعة أو ثمانية من صَلىالله يشهداها، وأجاب عنه الشافعي بأنه إنما أسهم النبي وستا أصحابه ببدر، وإنما نزل خمس الغنيمة، والأربعة الأسهم بعد بدر، قال تعالى شأنه: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية. فكانت غنائم بدر له ﴾ يصنعه حيث يشاء. وإنما نزلت: ﴿وَأَعْلَمُوَاْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَنَّ لِلَّهِ حُسَهُ﴾(١) الآية. بعد بدر، فقسم النبي ◌َّ بعد بدر، على ما وصفت في الآية، وأما النساء فلا يسهم لهن إجماعاً، وإنما يرضخ لهن، عند أبي حنيفة والشافعي، وقال مالك: لا يسهم لهن، ولا يرضخن بشيء ذكره الخطابي، انتهى. قال الباجي(٢): مستحق الغنيمة من تثبت له صفات الكمال، وهي ست صفات: العقل، والإسلام، والبلوغ، والذكورة، والحرية، والصحة، أما العقل فإن كان معه منه ما يمكنه به القتال أُسْهِمَ له، لأن مقصود الجهاد يصح منه، فإن كان مطبقاً لا يتأتى منه القتال لم يسهم له، وأما الإسلام فهو شرط في استحقاق السهم، لأن من ليس بمسلم لا يقاتل جهاداً، وليس حضوره بجهاد، ولا نصرة للإسلام. وأما البلوغ فهل يكون شرطاً في استحقاق السهم من الغنيمة؟ قال مالك: ليس بشرط، ويسهم للمراهق إذا أطاق القتال، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يسهم إلا لبالغ، وقال ابن حبيب: من بلغ خمس عشرة سنة وأنبت، وأطاق القتال فإنه يسهم له إذا حضر القتال، وإن لم يقاتل ومن كان دون ذلك، فلا يسهم له حتى يقاتل. وأما الذكورة فإنها شرط في استحقاق السهم عند جمهور أصحابنا، ولا (١) سورة الأنفال: الآية ٤١. (٢) ((المنتقى)) (١٧٨/٣). ١٣٦ ٢١ - كتاب الجهاد (٦) باب (٩٦٣) حديث يسهم لامرأة قاتلت أو تقاتل، وقال ابن حبيب: من قاتل من النساء كقتال الرجال فإنه يسهم لها . وأما الحرية فهي شرط في استحقاق الغنيمة، فلا يسهم لعبد، لأن منافعه مستحقة لغيره، وأما الصحة، فإن كان معنى يمنع القدرة على القتال في الحال والمآل، فإنه يمنع استحقاق السهم، وما لم يمنع ذلك، فإنه لا يمنع السهم. وقوله: ((إلا لمن شهد القتال)) هذا؛ كما قال: فمن جاء بعد القتال وإحراز الغنيمة لم يسهم له، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: من جاء بعد تقضي القتال وإحراز الغنيمة، وقبل الخروج من دار الحرب، فله سهمه، ومن جاء بعد الخروج من دار الحرب فلا سهم له، انتهى. وقال أيضاً: الجنون إذا كان مُطْبَقاً يمنع القتال، فإنه يمنع السهم فيما أخذ بعده، ولا يمنع من سهمه فيما أخذ قبل ذلك، والأصل في ذلك عندي أن ما كان من الأمراض التي يرجى برؤها كالحُمّى والرمد، وما أشبه ذلك فإنها لا تمنع السهم، وما كان لا يرجى برؤه، ويمنع القتال كالجنون، فإنه يمنع السهم في المستقبل، ولا يمنع ما قد استحق منه قبل حدوثه، انتهى. وقال الدردير (١): قسم الإمام الأربعة الأخماس، لحرِّ ذكرٍ مسلم بالغ عاقل حاضر للقتال، لا لضدهم من عبد، وكافر، ومجنون، وصبي، وغائب، ولو قاتلوا إلا الصبي، ففيه إن أجيز عن الإمام وقاتل، وهو مطيق للقتال خلاف، ولا يرضخ لهم أي لمن لا يسهم لهم من الأضداد المتقدمة، والرضخ مال موكول تقديره للإمام محله الخمس، كمَيِّتٍ قبل اللقاء، فلا يسهم له، ولا یرضخ. وكذلك لا يسهم ولا يرضخ أعمى وأعرج إلا أن يقاتل، وأشلّ وأقطع (١) ((الشرح الكبير)) (٢/ ١٩١ - ١٩٢). ١٣٧ ٢١ - کتاب الجهاد (٦) باب (٩٦٣) حديث إلا أن يكون لهم رأي وتدبير، ومتخلف ببلد الإسلام لحاجة، إن لم تتعلق حاجته بالجيش، وإلا أسهم له. قال الدسوقي: أي إن تعلقت بالجيش بأن عاد عليه أو على أمير الجيش منها نفع أسهم له، فالأول: كإقامته في بلد المسلمين لأجل تسوق طعام أو صلاح للجيش، والثاني: كتخلفه في بلاد الإسلام لأجل تمريض ابن أو أخ لأمير الجیش، انتهى. وقال الموفق(١): يُرْضَخُ للمرأة والعبد يعني يُعْطون شيئاً من الغنيمة، ولا يسهم لهم سهم كامل، ولا تقدير لما يعطونه، بل ذلك إلى اجتهاد الإمام، فإن رأى التسوية بينهم سَوّى وإن رأى التفضيل فضّل، وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم سعيد بن المسيب، ومالك، والثوري، والليث، والشافعي، وإسحاق، وروي ذلك عن ابن عباس - رضي الله عنه -. وقال أبو ثور: يُسْهم للعبد، وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز والحسن والنخعي، وحكي عن الأوزاعي ليس للعبد سهم، ولا رضخ إلا أن يجيئوا بغنيمة أو يكون لهم غَناء، فیُرضخ لهم. قال: ويسهم للمرأة، وأسهم أبو موسى في غزوة تُسْتَرَ(٢) لنسوةٍ معه، وروى سعيد(٣) بإسناده عن ابن شبل أن النبي ◌َّر ضرب لسهلةَ بنت عاصم يوم حنين بسهم، فقال رجل من القوم: أُعْطِيَتْ سهلةُ مثل سهمي. ولنا ما روي عن ابن عباس قال: كان رسول الله صل* يغزو بالنساء: فيداوين الجرحى. ويُحْذَيْن من الغنيمة، وأما سهمٌ، فلم يضرب لهُنَّ، رواه مسلم(٤). (١) («المغني)) (١٣ /٩٢). (٢) تُسْتَر: أعظم مدينة بخوزستان ((معجم البلدان)) (١/ ٨٧). (٣) ((سنن سعيد بن منصور)) (٢٨٣/٢). (٤) ((صحيح مسلم)) (١٤٤٤/٣). ١٣٨ ٢١ - كتاب الجهاد (٦) باب (٩٦٣) حديث وعن عمير مولى آبي اللحم قال: شهدت خيبر مع سادتي فكلموا فيّ رسولَ اللهِ وَِّ، فَأُخبر أني مملوكٌ، فأمر لي بشيء من خُرِيِّ المتاعِ، رواه أبو داود(١)، فأما ما روي من إسهام النساء، فيحتمل أن الراوي سمّى الرضخ سهماً بدليل أن في حديث حَشْرَجٍ (٢) ((أنه جعل لهن نصيباً تمراً)) ولو كان سهماً ما اختص التمر، ويحتمل أنه أسهم لهن مثل سهام الرجال من التمر خاصة أو من المتاع دون الأرض. وأما حديث سهلة، فإن في الحديث أنها ولدت، فأعطاها النبي ◌َّ لها ولولدها، فبلغ رضخهما سهمَ رجل، ولذلك عجب الرجل الذي قال: أُعْطِيَتْ سهلةُ مثل سهمي، ولو كان هذا مشهوراً من فعل النبي بَّر ما عجب منه. والصبي يُرْضَخُ، ولا يُسْهم له، وبه قال الثوري والليث وأبو حنيفة والشافعي وأبو ثور، وعن القاسم وسالم في الصبي يغزو به ليس له شيء، وقال مالك: يسهم له إذا قاتل، وأطاق ذلك منه، وقال الأوزاعي: يسهم له، وقال: إن رسول الله وَر أسهم للصبيان بخيبر، وأسهم أئمة المسلمين لكل مولود ولد في دار الحرب. ولنا ما روي عن سعيد بن المسيب قال: كان الصبيان والعبيد يحذون من الغنيمة إذا حضروا الغزو في صدر هذه الأمة. واختلفت الرواية في الكافر يغزو مع الإمام بإذنه، فروي عن أحمد أنه يسهم له كالمسلم، وبه جزم الخرقي، وبهذا قال الأوزاعي، والزهري، والثوري وإسحاق، قال الجوزجاني: هذا مذهب أهل الثغور، وأهل العلم بالصوائف، والبعوث، وعن أحمد لا يسهم له، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، ولكن يرضخ له كالعبد. (١) ((سنن أبي داود)) (٢٧٣٠). (٢) ((سنن أبي داود)) (٢٧٢٩). ١٣٩ ٢١ - كتاب الجهاد (٦) باب (٩٦٣) حديث ولنا، ما روى الزهري أن رسول الله ﴿ استعان بناسٍ من اليهود في حربه، فأسهم لهم، رواه سعيد في ((سننه))(١) وروي أن صفوان بن أمية خرج مع النبي ◌َّ﴾ يوم خيبر، وهو على شِركه، فأسهم له، وأعطاه من سهم المؤلفة، وإن غزا بغير إذن الإمام، فلا سهم له، لأنه غير مأمون على الدين. ولا يبلُغُ بالرَّضْخ للفارس سهم فارس، ولا للراجل سهم راجل، ويفعل الإمام بين أهل الرضخ ما يرى، فإن قيل: هلَا سوَّيتم بينهم كما سويتم بين أهل السهمان؟ قلنا: السهم منصوص عليه غير موكول إلى اجتهاد الإمام، فلم يختلف، والرضخ غيرُ مقدَّر، بل هو مجتهد فيه، مردود إلى اجتهاد الإمام. وفي الرَّضْخ وجهان: أحدهما: من أصل الغنيمة، والثاني: من أربعة الأخماس، وللشافعي قولان كهذين. وفي ((نيل المآرب)): تقسم الغنيمة بين الغانمين الذين شهدوا الوقعة ولو كان كافراً، ولا يسهم إلا لمن اجتمعت فيه أربعة شروط: البلوغ، والعقل، والحرية، والذكورة، فإن اختلَّ شرط رُضِخَ له، ولم يُسْهَمْ، انتهى. وفي ((الروض المربع))(٢): يخرج الخمس، ثم يقسم باقي الغنيمة، وهو أربعة أخماسها بعد إعطاء النفل والرضخ لِنَحْوِقَنِّ، للراجل سهم ولو كافراً، وللفارس ثلاثة أسهم، انتهى. وقال الموفق(٣): من بعثه الأميرُ لمصلحة الجيش، فلم يحضر الغنيمةَ أسهم له مثل الرسول والدليل والطليعة والجاسوس وأشباههم يبعثون لمصلحة الجيش، وبهذا قال أبو بكر بن أبي مريم وراشد بن سعد وعطية بن قيس قالوا : (١) (٢٨٤/٢). (٢) (١٠/٢). (٣) ((المغني)) (١٠٦/١٣). ١٤٠ ... -.