Indexed OCR Text

Pages 81-100

٢١ - كتاب الجهاد
......
(٣) باب
(٩٥٧) حدیث
الثاني: ما يتضرر المسلمون بقطعه، لكونهم ينتفعون ببقائه لعلوفتهم، أو
يستظلون به، أو تكون العادة لم تجر بذلك بيننا وبين عدونا، فإذا فعلنا بهم
فعلوه بنا، فهذا يحرم لما فيه من الإضرار بالمسلمين .
الثالث: ما عدا هذين القسمين مما لا ضرر فيه بالمسلمين ولا نفع،
سوى غيظ الكفار والإضرار بهم، ففيه روايتان: إحداهما: لا يجوز لحديث
أبي بكر هذا، وقد روي نحو ذلك مرفوعاً إلى النبيِ وَ﴾، ولأن فيه إتلافاً
محضاً، فلم يجز كعقر الحيوان، وبهذا قال الأوزاعي والليث وأبو ثور،
والرواية الثانية: يجوز، وبهذا قال مالك والشافعي وإسحاق وابن المنذر، قال
إسحاق: التحريق سنة إذا كان الكي للعدو، قال تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّيْنَةٍ أَوْ
تَرَكْتُمُوهَا﴾ الآية. وروى ابن عمر - رضي الله عنه - أن رسول الله وَالْ حَرَّق
نخيل بني النضير، وقطع وهو البويرة فأنزل الله تعالى: ﴿مَا قَطَّعْتُم مِّن لِّيِنَةٍ﴾
ولها يقول حسان :
وحان على سراة بني لويِّ
حريق بالبويرة مستطير
متفق عليه (١)، وعن أسامة أنه ﴿ ﴿ل عهد إليه، فقال: ((أغر على أُبْنَى
صباحاً وحرق)). رواه أبو داود(٢)، انتهى.
قال صاحب ((المحلى)): قوله: ولا تقطعن شجراً، به أخذ مالك
والأوزاعي أنه لا يحل قطع الشجر وتحريقها في بلاد المشركين، قال: وإنما
أمر النبي ◌َّه بقطع النخيل؛ لأنه كان مقابل القوم، فأمر بقطعها ليتسع المكان
له، ذكره الخطابي، ويحل عند أبي حنيفة قطع الشجر وإفساد الزرع.
وقال الشافعي في ((الأم)): يقطع النخل ويحرق كل ما لا روح فيها،
(١) أخرجه البخاري (٤٨٨٤)، ومسلم (١٣٦٥)، وأبو داود (٢٦١٥).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٦١٦).
٨١

٢١ - كتاب الجهاد
(٣) باب
(٩٥٧) حدیث
ولعل أمر أبو بكر - رضي الله عنه - أن يَكُفُّوا؛ لأنه سمع النبي وَلّ يخبر أن
بلاد الشام يفتح على المسلمين، فلما كان مباحاً له أن يقطع ويترك، اختار
الترك نظراً للمسلمين وقد قطع النبي ◌َّه يوم بني النضير، فلما أسرع في القطع
قيل له: قد وعدكها الله، فلو استبقيتها لنفسك! فكف القطع استبقاء، لا لأن
القطع محرم، فإن قال قائل: فإنه ترك في بني النضير بعد القطع فهو ناسخ؟
قلنا: قد قطع بخيبر وهو بعد بني النضير، ثم قطع بالطائف، وهي بعد هذا
كله، وآخر عزاة غزاها الذي فيه القتال، انتهى.
وفي ((شرح السير)): بظاهر حديث الباب استدل الأوزاعي فقال: لا يحل
للمسلمين أن يفعلوا شيئاً مما يرجع إلى التخريب؛ لأنه فساد والله لا يحب
الفساد، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِ الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ
اُلْحَرْثَ وَالنَّسْلِّ﴾(١) ولما روي في حديث علي - رضي الله عنه - أن النبي وَّل
كان يذكر هذا في وصاياه لأمراء السرايا، ذكر أبو الحسن الكرخي الحديث
بطوله، وقال فيه: إلا شجر يضركم، أي يحول بينكم وبين قتال العدو، ولكنا
نقول: لما جاز قتل النفوس، وهو أعظم من هذه الأشياء لكسر شوكتهم فما
دونه من تخريب البنيان وقطع الأشجار؛ لأن يكون مأذوناً فيه كان أولى، وبيان
هذا في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوِْنًا يَغِيُظُ الْكُفَّارَ﴾(٢) الآية. وتأويل
حديث أبي بكر - رضي الله عنه - على ما أشار إليه محمد أنه علم بأخباره وله
أن الشام ستفتح وتصير للمسلمين، فلذا نهاهم عن قطع الأشجار، وهو تأويل
الحديث المروي عن النبي لة، ألا ترى أنه نصب المنجنيق على حصن ثقيف،
وفيه من التخريب ما لا يخفى، انتهى.
ثم استدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّيِنَةٍ﴾ الآية، وبسط
(١) سورة البقرة: الآية ٢٠٥.
(٢) سورة التوبة: الآية ١٢٠.
٨٢
-----------

٢١ - كتاب الجهاد
(٣) باب
(٩٥٧) حديث
وَلَا تَعْقِرَنَّ شَاةً، وَلَا بَعِيراً، إِلَّا لِمَأْكُلَةٍ ،
الكلام في ذلك (ولا تعقرن شاة ولا بعيراً) وفي معناهما البقر وكل حيوان
مأكول. وزاد في بعض النسخ الهندية: ((مما يؤكل)) (إلا لأكلة) كذا في النسخ
الهندية، والمصرية: ((إلا لمأكلة)) بفتح الكاف وضمها أي أكل، قال الباجي (١):
وهذا أيضاً على ضربين:
أحدهما: أن يكون الإبل والغنم، فيستطيع المسلمون أن يخرجوا بها
ويتمولوها فلا تعقر إلا لحاجة، ويحتمل أن يريد بالعقر الذبح والنحر، فيقول:
لا يسرع بذبحها ونحر إبلها إلا لحاجتهم إلى أكلها، فأما على وجه السرف
والإفساد أو على وجه التمول والإخراج للبيع إلى بلاد المسلمين فلا، ويحتمل
أن يريد بالعقر الحبس لما شرد منها بالعقر الذي يحبس ما ندّ وشرد ولا تبلغ
مبلغ القتل، فيقول: ما شرد عليكم، فلا يمكنكم ركوبه واستعماله، فلا ترموه
ولا تعقروه، وليكن في جملة ما يساق من الإبل، ولا تعقروه على الوجه
المذكور إلا لحاجتكم إلى أكله، فاحبسوا بالعقر، ثم ذكوه بعد التمكن منه
بالخير .
والضرب الثاني: من الإبل والغنم ما يعجز المسلمون عن إخراجه، فإنه
يقتل أو يعقر وهو الذي عناه بقوله المروي عنه في ((كتاب ابن المواز)): ولا
بأس أن يعقر غنمهم وبقرهم، وإن لم يحتج إلى ذلك؛ لأن في ترك ذلك تقوية
للعدو، وفي إتلافه إضعافاً لهم، فإن كانوا ممن يأكل الميتة فالصواب أن تحرق
بعد العقر إن أمكن ذلك ليبطل انتفاعهم بها، فعلى هذا يحمل قول أبي بكر
- رضي الله عنه - على ما يمكن إخراجه، وحمله ابن وهب على عمومه، فقال:
لا يجوز قتل شيء من الحيوان إلا لمأكلة، وأما دوابهم وخيلهم وبغالهم
وحمرهم، فإنها تعقر إذا عجز عن إخراجها والانتفاع بها، لم يختلف في ذلك
أصحابنا غير ابن وهب، وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: لا يجوز عقرها.
(١) ((المنتقى)) (١٧٠/٣).
٨٣

٢١ - كتاب الجهاد
(٣) باب
(٩٥٧) حدیث
وبه قال ابن وهب من أصحابنا، ولكن تخلى، والدليل على ما نقوله أن هذه
أموال باقية يتقوى بها العدو، فجاز إتلافها عليه، كالزرع القائم والشجر
المثمر، انتهى.
قال الموفق(١): أما عقر دوابهم في غير حال الحرب لمغايظتهم والإفساد
عليهم، فلا يجوز، سواء خفنا أخذهم لها أو لم نخف، وبهذا قال الأوزاعي
والليث والشافعي وأبو ثور، وقال أبو حنيفة ومالك: يجوز لأن فيه غيظاً لهم
وإضعافاً لقوتهم، فأشبه قتلها حال قتالهم.
ولنا، وصية أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - ليزيد هذه، ولأن النبي
صَلىالله
وَسَام
نهى عن قتل شيء من الدواب صبراً، ولأنه حيوان ذو حرمة، فأشبه النساء
والصبيان، وأما حال الحرب فيجوز فيها قتل المشركين كيف أمكن، بخلاف
حالهم إذا قُدِرَ عليهم، وقتلُ بهائمهم يتوصّل به إلى قتلهم هزيمتهم، وروينا
حديث المدديِّ الذي عَقَر بالرُّوْمِيِّ فرسَه، أخرجه أبو داود، وروي أن حنظلة بن
الراهب عقر فرس أبي سفيان يوم أحد.
فأما عقرها للأكل فإن كانت الحاجة داعية إليه، ولا بد منه فمباح بغير
خلاف؛ لأن الحاجة تبيح مال المعصوم، فمال الكافر أولى، وإن لم تكن
الحاجة داعية إليه نظرنا، فإن كان الحيوان لا يُرادُ إلا للأكل، كالدجاج
والحمام وسائر الطيور والصيد، فحكمه حكم الطعام في قول الجميع؛ لأنه لا
يراد بغير الأكل، وتقل قيمته، فأشبه الطعام.
وإن كان مما يُحْتَاج إليه في القتال، كالخيل لم يُبَحْ ذبحه للأكل في
قولهم جميعاً، وإن كان غير ذلك، كالغنم والبقر لم يُبَحْ في قول الخرقي،
وقال القاضي: ظاهر كلام أحمد إباحته؛ لأن هذا الحيوان مثل الطعام، ولم
(١) ((المغني)) (١٤٣/١٣).
٨٤
---
-----

٢١ - كتاب الجهاد
(٣) باب
(٩٥٧) حدیث
وَلَا تَحْرِقَنَّ نَحْلاً، وَلَا تُفَرِّقَنَّهُ،
يفرق أصحابنا في جميع البهائم في هذه المسألة، ويقوى عندي أن ما عجز
المسلمون عن سياقته وأخذه، إن كان مما يستعين به الكفار في القتال، كالخيل
جاز عقره وإتلافه؛ لأنه مما يحرم إيصاله إلى الكفار بالبيع، فتركه لهم بغير
عوض أولى بالتحريم، وإن كان مما يصلح للأكل فللمسلمين ذبحه والأكل منه
مع الحاجة وعدمها، وما عدا هذين القسمين لا يجوز إتلافه؛ لأنه مجرد
إفساد، وقد نهى النبي 18َّ عن ذبح الحيوان لغير مأكله، انتهى.
(ولا تحرقن) بالحاء المهملة من التحريق في جميع النسخ (نخلاً) اختلفت
النسخ في هذا اللفظ جداً من المتون والشروح، ففي جميع النسخ الهندية
بالخاء المعجمة، وعليها بنى شيخ مشايخنا الدهلوي شرحه ((المصفى))(١) إذ
فسره بقوله: ومَسُوْزَان خرمانيا ل را(٢)، انتهى. وهكذا في ((المحلى)) بالخاء
المعجمة، ولم يفسره بشيء، وكذا بالمعجمة في نسخة ((التنوير)) وغيرها من
المصرية، وكذا في ((السير الكبير)) وفي أكثر النسخه المصرية بالحاء المهملة،
وهو الأوجه عندي، وعليها بنى الزرقاني والباجي شرحيهما، قال الزرقاني:
بالحاء المهملة حيوان العسل، انتهى. وبه جزم الباجي، وكذا الموفق في
((المغني))(٣) على ما حكى من وصية الصديق رضي الله عنه كما سيأتي من
کلا میهما مفصلاً.
(ولا تُغَرَّقَنَّه) اختلفت النسخ في هذا اللفظ أيضاً، ففي جميع النسخ
الهندية من المتون والشروح، وكذا أكثر النسخ المصرية بالغين المعجمة،
وعليها بناء عامة الشراح، إذ فسروها بأن لا تغرق في الماء، وفي نسخة
(١) (١٥٨/٢).
(٢) هو بالفارسية.
(٣) (١٤٤/١٣).
٨٥

٢١ - كتاب الجهاد
(٣) باب
(٩٥٧) حديث
((التنوير)) والمصرية المطبوعة(١) بمطبعة مصطفى البابي الحلبي بالفاء من
التفريق، وهو أنسب بلفظ النحل بالحاء، والأول أوجه بلفظ النخل بالخاء؛
لأن المعروف أن تغريق النخل يفسده، قال الشيخ في ((الكوكب الدُّرّي)) (٢):
يقال: إن الماء إذا ارتفع على رأس النخلة فإنها تموت، كما أن الإنسان
کذلك، انتھی.
قال الباجي (٣): يريد ذباب النحل لا يحرق بالنار، ولا يغرق في ماء،
واختلف قول مالك فيما لا يقدر على إخراجه من ذلك، فروى ابن حبيب عن
مالك: يحرق ويغرق، وروي عن مالك أنه كره ذلك.
وجه الرواية الأولى أنه لا طريق إلى إتلافها إلا بذلك، وإتلافها مأمور
به؛ لأنها مما يقوى به العدو، فإذا لم يكن إتلافها إلا بالنار توصل إليه بها،
كالفارين من العدو.
ووجه الرواية الثانية ما روي أن نبياً من الأنبياء أمر بقرية من النمل
فأحرقت، فأوحى الله أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبِّح! وهذا ما لم
تدع إلى ذلك حاجةُ أكلٍ، فإن احتاج إلى ذلك، ولم يمكنه دفعها إلا بتحريقها
أو تغريقها فعل من ذلك ما يتوصل به إلى ما يتناول ما في جباهها(٣)، انتهى.
وقال الموفق(٤): إن تغريق النحل وتحريقه لا يجوز في قول عامة أهل
العلم، منهم الأوزاعي والليث والشافعي، وقيل لمالك: أَنْحَرِّقُ بيوت نحلهم؟
قال: أما النحل فلا أدري ما هو؟، ومقتضى مذهب أبي حنيفة إباحته؛ لأن فيه
(١) وفي ((الاستذكار)) (٦٩/١٤) بالفاء.
(٢) ((المنتقى)) (١٧٠/٣).
(٣) كذا في الأصل.
(٤) ((المغني)) (١٣ /١٤٢).
٨٦
---

٢١ - كتاب الجهاد
(٣) باب
(٩٥٧) حديث
وَلَا تَغْلُلْ، وَلَا تَجْبُنْ.
غيظاً لهم وإضعافاً، فأشبه قتل بهائمهم حال قتالهم، ولنا، وصية أبي بكر
- رضي الله عنه - ليزيد بن أبي سفيان، وروي عن ابن مسعود أنه قدم عليه ابن
أخيه من غزاة غزاها، فقال: لعلك حرقت حرثاً؟ قال: نعم، قال: لعلك
غرقت نحلا؟ قال: نعم، قال: لعلك قتلت صبياً؟ قال: نعم، قال: ليكن
غزوك كفافاً، أخرجهما سعيد، ونحو ذلك عن ثوبان، ولأنه حيوان ذو روح،
فلم يجز قتله لغيظ المشركين، كنسائهم وصبيانهم، وأما أخذ العسل وأكله
فمباح؛ لأنه من الطعام المباح، انتهى.
(ولا تغلل) باللامين أولهما مضمومة، قال الباجي(١): الغلول أن يأخذ
من الغنيمة ما لم تصبه المقاسم، وسيأتي بيانه قريباً إن شاء الله. (ولا تجبُنْ)
بضم الموحدة قال شارح ((السير)): هذا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾ أي ولا
تضعفوا عن القتال، وإظهار الغزاة الجبن لضعفهم عن القتال، انتهى.
قال الباجي: الجبن، الجزع والفرار عمن لا يجوز الفرار عنه، وهو من
الكبائر عند ابن القاسم وأكثر أصحابنا، وقال الحسن البصري: لم يكن الفرار
من الزحف كبيرة إلا يوم بدر، والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُوْاْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَأَثْبُواْ﴾(٢) الآية، وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
(٣)
١٥
إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفًا فَلَ تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ
وإذا ثبت ذلك فقد اختلف الناس في المعنى المراعى في جواز الفرار عن
العدو في الحرب، فالذي عليه جمهور أصحابنا العدد، وبه قال ابن القاسم.
وروى ابن الماجشون عن مالك أنه قال: الجلد، وهو السلاح والقوة، وجه
(١) ((المنتقى)) (١٧١/٣).
(٢) سورة الأنفال: الآية ٤٥.
(٣) سورة الأنفال: الآية ١٥.
٨٧

٢١ - كتاب الجهاد
(٣) باب
(٩٥٧) حديث
قول ابن القاسم قوله تعالى: ﴿الْثَنَ خَفَفَ اَللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَ فِيَكُمْ ضَعْفًا﴾(١)
الآية. وهذا، إذا أمن أن يكثروا. فأما في بلادهم وحيث يخاف تكاثرهم، فإن
للعدو اليسير أن يفروا عن مثلهم، لأن فرارهم ليس عن العدد اليسير، وإنما هو
مخافة أن يكثروا، وكذلك إن فَرَّ عددٌ من المسلمين عن مثلهم من العدو بحيث
لا يجوز لهم الفرار، وكان منهم من لا يريد ذلك، فإن له إذا انهزم أصحابه.
ويئس منهم أن يولي حينئذ؛ لأن توليه إنما هو عن جماعة العدو انحيازاً إلى
أصحابه، انتھی.
قال ابن عابدين: وفي ((الخانية)): لا ينبغي للمسلمين أن يفروا إذا كانوا
اثني عشر ألفاً، وإن كان العدو أكثر، وذكر الحديث يعني قوله وَّر: (لن تغلب
اثنا عشر ألفاً من قلة))، ثم قال: والحاصل: أنه إذا غلب على ظنه يغلبُ لا
بأس بأن يفر، ولا بأس للواحد إذا لم يكن معه سلاح أن يفر من اثنين لهما
سلاح، وذكر قبله، ويكره للواحد القوي أن يفر من الكافرين، والمائة من
المائتين في قول محمد، ولا بأس أن يفر الواحد من الثلاثة والمائة من
ثلاثمائة، انتهى.
قال ابن رشد في ((البداية))(٢): أما معرفة العدو الذين لا يجوز الفرار
عنهم فهم الضِّعْفُ، وذلك مجمع عليه؛ لقوله تعالى: ﴿اُلْكَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنَكُمْ﴾
الآية. وذهب ابن الماجشون ورواه عن مالك، أن الضِّعْفَ إنما يعتبر في القوة
لا في العدد، وإنه يجوز أن يفر الواحد عن واحد إذا كان أعتق جواداً منه
وأجود سلاحاً منه وأشد قوة، انتهى.
قال الموفق(٣): إذا التقى المسلمون والكفار، وجب الثبات، وحرم
(١) سورة الأنفال: الآية ٦٦.
(٢) (بداية المجتهد)) (١/ ٣٨٧).
(٣) ((المغني)) (١٨٦/١٣).
٨٨
--
------

٢١ - كتاب الجهاد
(٣) باب
(٩٥٧) حديث
الفرار بدليل قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفًا﴾(١)
الآية. وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَأَثَبُواْ﴾(٢) الآية. وذكر
النبي ◌َّ﴾ الفرار يوم الزحف فعدّه من الكبائر، وحكي عن الحسن والضحاك أن
هذا كان يوم بدر خاصة. ولا يجب في غيرها، والأمر مطلق، وخبر النبي وَل
عام، فلا يجوز التقييد والتخصيص إلا بدليل، وإنما يجب الثبات بشرطين،
أحدهما: أن يكون الكفار لا يزيدون على ضَعْف المسلمين، فإن زادوا عليه
جاز الفرار، لقوله تعالى: ﴿الْثَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنَكُمْ﴾ الآية .
وهذا إن كان لفظه لفظ الخبر فهو أمر بدليل قوله: ﴿اُلْتَنَ خَفَّفَ اللَّهُ
عَنَكُمْ﴾ ولو كان خبراً على حقيقته، لم يكن ردُّنا من غلبة الواحد للعشرة إلى
غلبة الاثنين تخفيفاً، ولأن خبره تعالى صدق، لا يقع بخلاف خبره، وقد علم
أن الظفر والغلبة لا يحصل للمسلمين في كل موطن يكون العدد فيه ضعف
المسلمين فما دون، فعُلِمَ أنه أمر وفرض، ولم يأت شيء ينسخ هذه الآية، لا
في كتاب ولا سنة، فوجب الحكم بها، قال ابن عباس: نزلت: ﴿إِن يَكُنْ
مِّنكُمْ عِشْرُونَ﴾ الآية، فشق ذلك على المسلمين حين فرض الله عليهم أن لا يفرّ
واحد من عشرة، ثم جاء التخفيف، فلما خفّف الله عنهم من العدد نقص من
الصبر بقدر ما خفف من العدد، رواه أبو داود (٣)، وقال ابن عباس: من فرّ من
اثنين فقد فر، ومن فر من ثلاثة فما فرّ.
والشرط الثاني: أن لا يقصد بفراره التحيز إلى فئة، ولا التحرف لقتال،
فإن قصد أحد هذين، فهو مباح له؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِنَالٍ أَوْ
(١) سورة الأنفال: الآية ١٥.
(٢) سورة الأنفال: الآية ٤٥.
(٣) ((سنن أبي داود)) (٦٣/٢) من كتاب الجهاد.
٨٩

٢١ - كتاب الجهاد
(٣) باب
(٩٥٨) حديث
١١/٩٥٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ
عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إِلَى عَامِلِ مِنْ عُمَّالِهِ: أَنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَه
مُتَحَيِزًّا إِلَى فِئَةٍ﴾(١) ومعنى التحرف للقتال أن ينحاز إلى موضع يكون القتال
فيه أمكن، مثل أن ينحاز من مواجهة الشمس أو الريح إلى استدبارهما، أو من
نزلةٍ إلى عُلُوٍّ، أو من معطشةٍ إلى موضع ماء، أو يفر بين أيديهم لتنتقِضَ،
صفُوفُهم، أو تنفرد خيلهم من رَجَّالتهم، أو ليستند إلى جبل، ونحو ذلك مما
جرت به عادة أهل الحرب، وقد روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه كان يوماً
في خطبة إذ قال: يا ساريةُ بن زُنَيْم! الجبلَ(٢).
وأما التحيُّز إلى فئة فهو أن يصير إلى فئة من المسلمين ليكون معهم،
فيقوى بهم على عدوهم، وسواء بعُدت المسافة أو قرُبت، قال القاضي: لو
كانت الفئة بخراسان والفئة بالحجاز جاز التحيّز إليها، ونحوه ذكر الشافعي؛
لأن ابن عمر - رضي الله عنهما - روى أن النبي ◌َّ قال: ((إني فئة لكم))،
وكانوا بمكان بعيد منه، وقال عمر - رضي الله عنه -: أنا فئة كل مسلم، وكان
بالمدينة، وجيوشه بمصر والشام والعراق وخراسان، رواهما سعيد، وقال عمر
- رضي الله عنه -: رحم الله أبا عبيد لو كان تحيّز إليّ لكنت له فئة، انتهى.
١١/٩٥٨ - (مالك أنه بلغه أن عمر بن عبد العزيز) أمير المؤمنين المعدود
في الخلفاء الراشدين (كتب إلى عامل من عَمّاله) بضم العين المهملة وتشديد
الميم جمع عامل (أنه بلغنا أن رسول الله وَل(٤) قال السيوطي في ((التنوير))(٣):
وصله مسلم والأربعة من طريق سفيان الثوري عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن
بريدة عن أبيه، انتهى.
(١) سورة الأنفال: الآية ١٦.
(٢) انظر: ((كنز العمال)) (٥٧١/١٢ - ٥٧٤).
(٣) ((تنوير الحوالك)) (ص٣٧٦).
٩٠

٢١ - كتاب الجهاد
(٣) باب
(٩٥٨) حديث
كَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً
وقال ابن عبد البر في ((التقصي))(١): هذا الحديث يتصل معناه عن
النبي ◌ُّ﴾ من وجوه صحاح من حديث بريدة الأسلمي، وأنس بن مالك،
وصفوان بن عسال، وأبي موسى الأشعري، والنعمان بن مقرن، وابن عباس،
انتهى (كان إذا بعث سرية) فعيلة بمعنى فاعلة، قطعة من الجيش تخرج منه،
تغير، وترجع إليه سميت بذلك؛ لأنها تكون خلاصة العسكر وخيارهم من
الشيء السري وهو النفيس، وقيل: لأنهم ينفذون سراً، ولا يصح؛ لأن السر
مضاعف، وهذه ناقص، قاله ابن الأثير، وتبعه صاحب ((المجمع)).
وأجيب بأن اختلافها إنما يمنع الاشتقاق الصغير، وهو ردّ فرع إلى أصل
المناسبة بينهما في المعنى، والحروف الأصلية، ويجوز أنه أريد بالأخذ مجرد
الرد للمناسبة والاشتراك في أكثر الحروف، قال ابن السكيت: السرية من
خمسة إلى ثلاثمائة، وقال الخليل: نحو أربعمائة، وفي (النهاية)): يبلغ أقصاها
أربع مائة، قاله الزرقاني (٢).
قال ابن عابدين: أقل الجيش عند الإمام أبي حنيفة أربعمائة وأقل السرية
عنده مائة، كما رأيته في ((الخانية))، وكذا في ((الشرنبلالية))، وما قاله ابن زياد
من أن أقل السرية أربعمائة وأقل الجيش أربعة آلاف قاله من تلقاء نفسه، نص
عليه الشيخ أكمل الدين، انتهى.
وقال صاحب ((الخميس)): (٣) جرت عادة المحدثين وأهل السير
واصطلاحاتهم غالباً بأن يُسَمُّوا كل عسكر حضره النبيِ وَل بنفسه الكريمة
غزوة، وما لم يحضره بل أرسل بعضا من أصحابه إلى العدد سرية وبعثاً .
(١) (ص٢٤٦).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (١٣/٣).
(٣) ((تاريخ الخميس)) (٣٥٥/١).
٩١

٢١ - كتاب الجهاد
(٣) باب
(٩٥٨) حدیث
يَقُولُ لَهُمْ: «أَغْزُوا
وأفاد في ((فتح الباري)) (١): أن السرية - بفتح المهملة وكسر الراء وتشديد
التحتانية - هي التي تخرج بالليل، والسارية التي تخرج بالنهار، وفي
((القاموس)): السرية من خمسة أنفس إلى ثلاثمائة أو أربعمائة.
وفي ((المواهب اللدنية))(٢): من مائة إلى خمسمائة فما زاد على
خمسمائة، يقال له: منسر، بالنون، ثم المهملة .
وفي ((السامي في الأسامي)): المنسر والمقنب من الثلاثين إلى الأربعين
وفي ((المواهب)): فإن زاد على ثمانمائة يسمى جيشاً، فإن زاد على أربعة آلاف
يسمى جحفلاً، والخميس، الجيش العظيم، وكذا المدهم والعرمرم، وما افترق
من السرية يسمى بعثاء الكتيبة، والفيلق ما اجتمع ولم ينتشر، وفي ((سرِّ الأدب))
في ترتيب العساكر عن أبي بكر الخوارزمي عن ابن خالويه: أقل العساكر
الجريدة، وهي قطعة جُرِّدَتْ من سائرها لوجهٍ ما، ثم السرية أكثر منها، وهي
من خمسين إلى أربعمائة، ثم الكتيبة وهي من مائة إلى ألف، ثم الجيش، وهي
من ألف إلى أربعة آلاف، وكذلك الجحفل، ثم الخميس، وهو من أربعة آلاف
إلى اثني عشر ألفاً، والعسكر يجمعها، انتهى.
وقال الباجي(٣): السرية من يدخل دار الحرب مستخفياً، والجيش من
يدخل معلناً ظاهراً مغالباً، وليس لعددهما حد، وقد روي: خير الصحابة :
أربعة، والطلائع أربعون، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف،
ولن يغلب اثنا عشر ألفاً من قلة، انتهى.
(يقول لهم) عند التوديع والتفريق (اغزوا) بالزاي المعجمة في جميع النسخ
(١) ((فتح الباري)) (٥٦/٨).
(٢) (٣٣٦/١).
(٣) ((المنتقى)) (١٧١/٣).
٩٢
-
.. --

٢١ - كتاب الجهاد
(٣) باب
(٩٥٨) حدیث
بِاسْمِ اللَّهِ، فِي سَبِيلِ اللَّهِ، تُقَاتِلُونَ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، لَا تَغُلُّوا، وَلَا
تَغْدِرُوا ،
المصرية، وعليها بنى شيخنا الدهلوي شرحه ((المصفّى))، وكذا عامة الشراح،
وفي أكثر النسخ الهندية بالدال المهملة، وعليها بنى صاحب ((المحلى))، فقال:
بالدال المهملة أي سيروا في الغدوة وهو أول النهار، وفي نسخة بالزاي
المعجمة من الغزاء (١)، انتهى.
(بسم الله) أي ابدأوا بذكر الله (في سيبل الله) أي أخلصوا نياتكم فقد
ورد: الله أعلم بمن يجاهد في سبيله، كما تقدم (تقاتلون من كفر بالله) خبر
بمعنى أمر، ويحتمل أن يكون جملة حالية مقدرة أي مريدين قتال الكفرة، كذا
في ((المحلى)).
وقال الزرقاني(٢): كأنه بيان لسبيل الله جواب عن سؤال اقتضاه كأنه
قيل: ما هو؟ فلذا ترك العاطف.
قال الباجي(٣): قوله ◌َل: اغزوا باسم الله إلى آخره على معنى تبيين ما
يفارقهم عليه، وتذكيرهم بتحقيق النية عند ابتداء العمل، انتهى (ولا تغلّو)
بتشديد اللام أي لا تخونوا في المغنم، وسيأتي بيانه في باب مستقل (ولا
تغذروا) بكسر الدال من ثلاثي مجرد أي لا تتركوا الوفاء بالعهد، قال صاحب
(المحلى)): الغدر الخيانة، ونقض العهد، فهو خداع في حال السلم، وأما
الخداع في حال الحرب بأن يريهم أن لا يحاربهم في هذا اليوم فيحاربهم، فلا
يحرم، لقوله {وَل١٤: ((الحرب خدعة)) (٤)، رواه البخاري، وقيل: معنى لا تغدروا:
لا تحاربوا الكفار قبل أن تدعوهم إلى الإسلام، انتهى.
(١) كذا في الأصل.
(٢) (٣/ ١٣).
(٣) ((المنتقى)) (١٧١/٣).
(٤) ((صحيح البخاري)) (٣٠٢٩).
٩٣

٢١ - كتاب الجهاد
(٣) باب
(٩٥٨) حديث
قلت: إراءتهم أن لا يحاربوا اليوم ونحو ذلك ليس بعهد حتى يدخل في
الغدر بخلافه، ولا يدخل في الغدر بدون العهد، فلا تعارض له بقوله ولايه :
((الحرب خدعة))، قال الباجي: الغدر نقض العهد وترك الوفاء للمشركين
وغيرهم، وذلك مما لا خلاف في المنع منه، وقد روى ابن عمر - رضي الله
عنهما - سمعتُ رسول الله ◌َ # يقول: ((لكل غادر لواء ينصب له يوم القيامة
بغدرته))(١).
ثم التأمين على ضربين: أحدهما: أن يؤمن العدو بحيث القوة للمسلمين،
فهذا لا يجوز الغدر به ولا خلاف في ذلك. والثاني: في أن يؤمنهم الأسير في
أيديهم ابتداء أو يطلقوه من الثقاف بشرط ذلك، وذلك يتناول أحد أمرين،
أحدهما: أن يؤمنهم على أنفسهم، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله، والثاني: أن
يؤمنهم من فراره وأخذ شيء من أموالهم، فإن أمنهم من فراره لزمهم الوفاء به،
قاله ابن القاسم، وقال سفيان الثوري: له أن يفرَّ، والدليل على صحة ما نقوله
قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَهَدْتُمْ﴾ وقال أبو الوليد: وعندي أن هذا
إذا عاهد مختاراً للعهد، وأما إن أكره عليه، فإنه لا يلزمه الوفاء به، ويجوز له
الفرار، انتهى .
وقال الموفق(٢): الأسير إذا خَلّاه الكفار، واستحلفوه على أن يبعث
إليهم بفدائه أو يعود إليهم، نَظَرْتَ، فإن أكرهوه بالعذاب، لم يلزمه الوفاء لهم
برجوع ولا فداء؛ لأنه مكره فلم يلزمه ما أكره عليه، لقوله وَلّ: ((عفي لأمتي
الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) وإن لم يكره عليه وقدر على الفداء الذي
التزمه لزمه أداؤه، وبهذا قال عطاء، والحسن، والزهري، والنخعي، والثوري،
والأوزاعي. وقال الشافعي: أيضاً لا يلزمه؛ لأنه حر لا يستحقون بدله.
(١) أخرجه البخاري (٣١٨٨) باب ((إثم الغادر البر والفاجر)) و((فتح الباري)) (٢٨٣/٦).
(٢) («المغني)) (١٨٤/١٣).
٩٤
-.
..-

٢١ - كتاب الجهاد
(٣) باب
(٩٥٨) حديث
ولنا، قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَهَدْتُمْ﴾ ولما صالح النبي ◌َّ
أهل الحديبية على رد من جاءه مسلماً وفَّى لهم بذلك، وقال: ((لا يصلح في
ديننا الغدر)) ولأن في الوفاء مصلحة للأسارى، وفي الغدر مفسدة عليهم؛ لأنهم
لا يأمنون بعده، والحاجة داعية إليه، فلزمه الوفاء به كما يلزمه الوفاء بعقد
الهدنة، ولأنه عاهدهم على أداء مال، فلزمه الوفاء به كثمن المبيع، وإن عجز
عن الأداء نظرنا، فإن كان المفادى امرأة لم ترجع إليهم، ولم يحلّ لها ذلك؛
لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾، ولأن في رجوعها تسليطاً لهم على
وطئها حراماً .
وإن كان رجلاً ففيه روايتان إحداهما: لا يرجع أيضاً، وهو قول الحسن
والنخعي والثوري والشافعي؛ لأن الرجوع إليهم معصية، فلم يلزم بالشرط، كما
لو كان امرأة، وكما لو شرط قتل مسلم أو شرب الخمر.
والثانية: يلزمه، وهو قول عثمان والزهري والأوزاعي ومحمد بن سوقة،
لما ذكرنا في بعث الفداء، ولأن النبي ◌َّ قد عاهد قريشاً على رد من جاء
مسلماً، وردّ أبا بصير، وقال: ((لا يصلح في ديننا الغدر)) وفارق ردّ المرأة،
فإن الله عزّ اسمه فَرّق بينهما .
فإن أطلقوه وآمنوه صاروا في أمان منه؛ لأن أمانهم له يقتضي سلامتهم
منه، فإن أمكنه المضيُّ إلى دار الإسلام لزمه، وإن تعذّر عليه أقام، وكان
حكمه حكم من أسلم في دار الحرب، فإن أخذ في الخروج. فأدركوه وتَبِعُوه،
قَاتَلَهُم، وبطل الأمانُ؛ لأنهم طلبوا منه المقام وهو معصية، فإن أطلقوه ولم
يُؤَمِّنُوه، فله أن يأخذ منهم ما قدر عليه، ويسرق ويهرب؛ لأنه لم يُؤَمِّنْهُمْ، ولم
يُؤَمِّنُوه، وإن أطلَقُوه وشرطوا عليه المقام عندهم، لزِمه ما شرطوا عليه؛
لقوله وَله: ((المؤمنون على شروطهم)) (١) وقال أصحاب الشافعي: لا يلزمه، فإن
(١) أخرجه أبو داود (٣٥٩٤)، والترمذي (١٣٥٢)، وابن ماجه (٢٣٥٣).
٩٥

٢١ - كتاب الجهاد
(٣) باب
(٩٥٨) حدیث
وَلَا تَمْتُلُوا ،
أطلقوه على أنه رقيق لهم، فقال أبو الخطاب: له أن يسرق ويهرب ويقتل؛ لأن
كونُه رقيقاً حكمٌ شرعيّ، لا يثبت عليه بقوله، ولو ثبت لم يقتضٍ أماناً له منهم،
ولا لهم منه، وهذا مذهب الشافعي، ويحتمل أن تلزمه الإقامةُ، على الرواية
التي تُلْزِمُه الرجوعَ إليهم في المسألة الأولى، وهو قول الليث، انتهى.
(ولا تمثلوا) ضبطه صاحب ((المحلى)) بضم المثلثة فيكون من المجرد،
وضبطه الزرقاني(١) بالتشديد للمبالغة والتكثير، فيكون بكسر المثلثة، في
(تهذيب اللغات))(٢) النووي، قال أهل اللغة: يقال: مثل بالقتيل والحيوان تمثل
مثلاً بالتخفيف في الجميع، كقتل يقتل قتلاً إذا قطع أطرافه وأنفه أو أذنه أو
مذاكيره ونحو ذلك، والاسم المثلة، قالوا: وأما مثل بالتشديد فهو للمبالغة،
انتھی .
قال الباجي(٣): يريد العبث في قتلهم بقطع الأيدي، والأرجل، وفقء
العين، وقطع الآذان، وإنما يقتل من أسر منهم بضرب الرقاب.
وأما ما روي من أن النبي ◌َل# أمر بالعُرنيين الذين قتلوا رعاء النبي
حَى له
واستاقوا نعمه، فأمر بهم النبي وَلل، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم،
فإنه روى سلمان التيمي عن أنس أنهم كانوا فعلوا بالرعاء مثل ذلك، ومثل هذا
يجوز من مَثَلَ بمسلم أن يُمْثَلَ به على سبيل القصاص والمقارضة على فعله،
انتھی .
قلت: وهذا عند من يبيح المماثلة في ذلك، والمسألة خلافية، وفي
((المحلى)): مثلة العرنيين منسوخة، ففي آخر قصتهم قال قتادة: بلغنا ((أنه (وَلّ كان
(١) (١٣/٣).
(٢) (١٣٣/٢).
(٣) ((المنتقى)) (١٧٢/٣).
٩٦
سعد عـ

٢١ - كتاب الجهاد
(٣) باب
(٩٥٨) حديث
وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيداً)). وَقُلْ ذُلِكَ لِجُيُوشِكَ وَسَرَايَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَالسَّلَامُ
عَلَيْكَ .
أخرجه مسلم موصولاً في: ٣٢ - كتاب الجهاد والسير، ٢ - باب تأمير
الإمام الأمراء على البعوث، حديث ٢.
بعد ذلك يحث على الصدقة وينهى عن المثلة))، وفي لفظٍ لهما، قال قتادة:
فحدثني ابن سيرين أن ذلك كان قبل أن ينزل الحدود، وفي لفظ البيهقي: قال
أنس: ((فما خطبنا رسول الله وَ ل#ل بعد هذا خطبة إلا نهى فيه عن المثلة)).
وممن قال بنسخه الشافعي، أو محمول على أنه فعل بهم ما فعلوا
بالرعاء، وقد جاء مصرحاً به عند مسلم(١) عن أنس: ((إنما سمل النبي
ويد
أولئك، لأنهم سملوا أعين الرعاء))، وروى ابن سعد: ((أنهم قطعوا أيدي
الراعي ورجله، وغرزوا الشوك في لسانه وعينه حتى مات))، وعلى هذا ما فعل
بهم ليس بمثلة، فإن المثلة ما كان ابتداء من غير جزاء، انتهى.
قال الباجي(٢): وهذا في قتلهم بعد الاستيثاق منهم، فأما في الحرب،
فإنهم على ضربين: أحدهما: أن يضعف المشرك عن المحاربة، ويستسلم،
فهذا يجوز قتله بالطعن والضرب دون التمثيل ولا التعذيب، والضرب الثاني :
أن يكون مقاتلاً ومدافعاً، فهذا يجوز أن يتوصل إليه بكل ما يمكن بما فيه
تمثيل وغيره، انتهى .
(ولا تقتلوا وليداً) أي صبياً، كما تقدم في محله، زاد في النسخ الهندية
بعد ذلك (ولا امرأة) وليست هذه الزيادة في النسخ المصرية، وتقدم الكلام عليه
أيضاً (وقل ذلك) أي المذكور من الوصية (لجيوشك) جمع جيش، والمراد
الكبير (وسراياك) جمع سرية، والمراد الصغير، وقوله: (إن شاء الله) للتبرك
(والسلام عليك) واختلفت شراح ((الموطأ)) في رفع هذا الكلام الأخير ووقفه،
(١) ((صحيح مسلم)) (١٦٧١).
(٢) ((المنتقى)) (١٧٢/٣).
٩٧

٢١ - كتاب الجهاد
(٤) باب
(٤) باب ما جاء في الوفاء بالأمان
فجعله الزرقاني مرفوعاً، إذ قال: ويقول وَلّ لمن يُؤَمِّره: قل ذلك لجيوشك إلى
آخره، وجعله الباجي موقوفاً، إذ ذكر سائر ألفاظ الحديث بقوله وَ ل#، وذكر هذا
القول بلفظ الترضي إذ قال: وقوله - رضي الله عنه -: قل ذلك لجيوشك إلى
آخره، إنما خص الأمير بهذه الوصية، ثم أمره أن يوصي بها من ينفذه من
الجيوش والسرايا؛ لأنه هو الذي يطاع أمره، فإذا أمر بذلك من ينفذه امثتل
(١)
أمره، انتهى(١).
وبذلك جزم شيخنا في ((المصفى)) (٢) إذ قال: ((ونوشت عمر بن عبد العزيز
بعامل خودكه بكواين سخن لشكرهائي بزركـ خودرا ولشكرهائي كوچك
خودرا))، انتهى.
وبذلك جزم صاحب ((المحلى)) إذ قال بعد قوله ((وليداً ولا إمرأة)): إلى
هاهنا تم الحديث المرفوع، وقوله: ((قل ذلك لجيوشك)) إلى آخره من تتمة كلام
عمر بن عبد العزيز، انتهى.
وهو الظاهر عندي لوجوه: منها: أن حديث سليمان بن بريدة عن أبيه
المرفوع عند مسلم انتهى إلى قوله: ((وليداً)) بهذا اللفظ، وليس فيه هذا الكلام،
ومنها: أن صيغ الحديث المرفوع كلها بلفظ الجمع خطاباً للسرية، وهذا بلفظ
الإفراد يناسب المخاطبة لعامل من عمَّاله الذي كتب إليه، ومنها: أن لفظ
السلام في آخره يناسب انتهاء الكتابة، كما هو من سنن المكاتيب.
(٤) ما جاء في الوفاء بالأمان
قال الموفق(٣): والجملة أن الأمان إذا أعطي أهل الحرب، حرم قتلهم
ومالهم والتعرض لهم، انتهى.
(١) ((المنتقى)) (١٧٢/٣).
(٢) (١٥٧/٢).
(٣) ((المغني)) (٧٥/١٣).
٩٨
-

٢١ - كتاب الجهاد
(٤) باب
(٩٥٩) حدیث
٩٥٩/ ١٢ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْل
الْكُوفَةِ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إِلَى عَامِلِ حَيْشٍ، كَانَ بَعَثَهُ: إِنَّهُ
بَلَغَنِي أَنَّ رِجَالاً مِنْكُمْ يَظْلُبُونَ الْعِلْجَ، حَتَّى إِذَا أَسْنَدَ
وقال الحافظ(١): الغدر حرام باتفاق، سواء كان في حق المسلم أو
الذمي، انتهى.
هذا، وقد وقع في ذلك روايات لا تحصر، منها: ما أخرجه البخاري
عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - مرفوعاً: ((أربع خلال من كن فيه كان
منافقاً خالصاً، من إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا
خاصم فجر، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى
يدعها))، وغير ذلك من الروايات.
١٢/٩٥٩ - (مالك عن رجل من أهل الكوفة) قال الزرقاني(٢): يقال: هو
سفيان الثوري(٣) ولا يبعد ذلك، فقد روى مالك عن يحيى بن مضر الأندلسي
عن الثوري قال: الطلح المنضود: الموز قاله ابن عبد البر، انتهى ما قال
الزرقاني. (أن عمر بن الخطاب كتب إلى عامل) أي أمير (جيش) لم يسم، قاله
الزرقاني. (كان) عمر - رضي الله عنه - (بعثه) أي ذلك الأمير إلى وجه من
الآفاق (إنه بلغني أن رجالاً منكم يطلبون العلج) بكسر العين المهملة وسكون
اللام الرجل الضخم من كبار العجم، وبعض العرب يطلقه على الكافر مطلقاً،
والجمع علوج وأعلاج مثل حمل وحمول وأحمال (حتى إذ أسند) أي صعد
(١) ((فتح الباري)) (٢٨٠/٦).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (١٣/٣).
(٣) فإن الثوري من تلامذة الإمام ملك ومع ذلك فقد روى عنه بواسطة أيضاً، فلا بعد في أن
يروي عنه بدون الواسطة، اهـ ((ش)».
٩٩

٢١ - كتاب الجهاد
(٤) باب
. (٩٥٩) حديث
فِي الْجَبَلِ وَامْتَنَعَ، قَالَ رَجُلٌ: مَظْرَسْ (يَقُولُ لَا تَخَفْ)
(في الجبل وامتنع) أي حفظ نفسه لصعوده على الجبل (قال رجل) من المسلمين
(مطرس) هكذا في جميع النسخ المصرية والهندية بالطاء، وحقها بالتاء كلمة
فارسية، كما سيأتي بيانها، قال الزرقاني: كذا ليحيى بالطاء المهملة، ولغيره
مترس، انتهى. فما في نسخة ((المصفى)) بالتاء ليس في رواية يحيى (يقول) أي
يريد بقوله: مطرس (لا تخف) كأنه آمنه بقوله هذا.
وقد أخرج البخاري في ((صحيحه))(١) تعليقاً قال عمر - رضي الله عنه -:
إذا قال: مترس فقد آمنه، إن الله يعلم الألسنة كلها، قال الحافظ(٢): وصله
عبد الرزاق من طريق أبي وائل، قال: جاءنا كتاب عمر - رضي الله عنه -
ونحن نحاصر قصر فارس، فقال: إذا حاصرتم قصراً، فلا تقولوا: أنزل على
حكم الله، فإنكم لا تدرون ما حكم الله، ولكن أنزلوهم على حكمكم، ثم
اقضوا فيهم، وإذا لقي الرجل الرجل، فقال: لا تخف فقد آمنه، وإذا قال:
مترس فقد آمنه، إن الله يعلم الألسنة كلها، ومترس كلمة فارسية معناها لا
تخف، وهي بفتح الميم وتشديد المثناة وإسكان الراء بعدها مهملة وقد تخفف
التاء، وبه جزم بعض من لقيناه من العجم، وقيل: بإسكان المثناة وفتح الراء.
ووقع في ((الموطأ)) رواية يحيى بن يحيى الأندلسي مطرس بالطاء بدل
المثناة، قال ابن قرقول: هي كلمة أعجمية، والظاهر أن الراوي فَخَّم المثناة
فصارت تشبه الطاء، كما يقع من كثير من الأندلسيين، انتهى.
وقال العيني(٣): اختلفوا في ضبطها، فضبطه الأصيلي بفتح الميم،
وضبطه أبو ذر بكسر الميم وسكون التاء، وضبطه بعضهم بإسكان التاء وفتح
(١) في ((باب إذا قالوا صَبَأنا ولم يحسنوا أسلمنا)) من ((كتاب الجزية والموادعة)) انظر ((فتح
الباري)) (٢٧٤/٦).
(٢) ((فتح الباري)) (٢٧٤/٦).
(٣) ((عمدة القاري)) (٥٢٣/١٠).
١٠٠
.- -