Indexed OCR Text

Pages 61-80

٢١ - كتاب الجهاد
(٣) باب
(٩٥٦) حديث
أَمْرَأَةً مَقْتُولَةً، فَأَنْكَرَ ذُلِكَ، وَنَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ.
أخرجه البخاريّ في: ٥٦ - كتاب الجهاد والسير، ١٤٨ - باب قتل النساء في
الحرب .
ومسلم في: ٣٢ - كتاب الجهاد والسير، ٨ - باب تحريم قتل النساء والصبيان
في الحرب، حديث ٢٤ و٢٥.
قلت: وسيأتي قريباً في كلام القاري برواية أبي عبيد عن الصعب بن
جثامة، أن النهي عن ذلك كان بخيبر، انتهى، فإن لم يكن هذا تصحيفاً من
حنين، فهو مقدم على فتح مكة (امرأة) لم تسم (مقتولة فأنكر) وَلقر (ذلك) أي
قتلها، وفي رواية الطبراني المذكورة، فقال: ((ما كانت هذه لتقاتل، ونهى))،
فذكر الحديث.
(ونهى عن قتل النساء والصبيان) قال الباجي(١): قوله: ((فأنكر ذلك))
يحتمل أن يكون وقّلل علم من حال تلك المرأة أنها لم تقاتل، ويحتمل أن يكون
حمل أمرها على المعهود من حال النساء في بعدهن عن القتال والمنعة،
وقوله مَّر: ((ما كانت هذه لتقاتل))، كما حديث رباح عند أبي داود، يقتضي أن
المنع من قتل النساء والصبيان؛ لأنهم لا يقاتلون، وفيهن معنى آخر أنهن من
الأمور التي يستعان بها على العدو وينتفع بها دون مخافة منهن.
فأما إن قاتلوا فإنهن يقتلن، لأن العلة التي منعت من قتلهن عدم القتال
منهن، فإذا وجد منهن وجدت علة إباحة قتلهن؛ لأن الحاجة داعية إلى دفع
مضرتهن وإزالة منعهن الموجود في الرجال، وهذا إذا قاتلن بالسلاح والرمح
وشبهه، وأما الرمي بالحجارة فهل يبيح قتلهن أم لا؟ قال ابن حبيب: لا
يستباح بذلك قتلهن، وقال سحنون: يرميهن المسلمون بالحجارة وإن قتلن في
ذلك، انتهى .
(١) ((المنتقى)) (١٦٦/٣).
٦١

٢١ - كتاب الجهاد
(٣) باب
(٩٥٦) حديث
قال الحافظ(١): اتفق الجميع كما نقل ابن بطال وغيره على منع القصد
إلى قتل النساء والولدان، أما النساء فلضعفهن، وأما الولدان فلقصورهم عن
فعل الكفر، ولما في استبقائهم جميعاً من الانتفاع بهم، إما بالرق أو بالفداء
فيمن يجوز أن يفادى به، وحكى الحازمي قولاً بجواز قتل النساء والصبيان
على ظاهر حديث الصعب الذي أخرجه البخاري وغيره، من أنه سئل وَّ عن
أهل الدار يبيتون من المشركين، فيصاب من نسائهم وذراريهم، قال: هم
منهم، وزعم الحازمي أنه ناسخ لحديث النهي، وهو غريب، وأشار الزهري
إلى نسخ حديث الصعب، فقد أخرج أبو داود (٢) رواية الصعب من طريق
الزهري، وذكر في آخره قال الزهري: ثم نهى رسول الله وّل بعد ذلك عن قتل
النساء والولدان.
وحكاه القاري(٣) عن أبي عبيد إذ قال: قال أبو عبيد: كان في أول
الإسلام نساء المشركين وولدانهم يقتلون مع رجالهم، ثم أسند أبو عبيد عن
الصعب بن جثامة قال: سألت رسول الله وَّر عن أولاد المشركين أنقتلهم
معهم؟ قال: نعم، فإنهم منهم، ثم نهى عن قتلهم يوم خيبر، انتهى.
وقال الحافظ(٤): قد أخرج ابن حبان في حديث الصعب زيادة في آخره
((ثم نهى عنهم يوم حنين))، وهي مدرجة في حديث الصعب، وقال مالك
والأوزاعي: لا يجوز قتل النساء والصبيان بحال، حتى لو تترس أهل الحرب
بالنساء والصبيان أو تحصنوا بحصن أو سفينة وجعلوا معهم النساء والصبيان لم
يجز رميهم ولا تحريقهم.
(١) ((فتح الباري)) (١٤٨/٦).
(٢) ((سنن أبي داود)) (٣٦٧٣).
(٣) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٣٥٤/٨).
(٤) (فتح الباري)) (٦/ ١٤٧).
٦٢
.--

٢١ - كتاب الجهاد
(٣) باب
(٩٥٧) حديث
١٠/٩٥٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّ
أَبَا بَكْرِ الصِّدِّيقَ بَعَثَ جُيُوشاً إِلَى الشَّامِ،
والذي جنح إليه غيرهم الجمع بين الحديثين، وهو قول الشافعي
والكوفيين، وقالوا: إذا قاتلت المرأة جاز قتلها، وقال ابن حبيب من المالكية:
لا يجوز القصد إلى قتلها إذا قاتلت، إلا إن باشرت القتل وقصدت إليه، ويؤيد
الجمهور ما أخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان من حديث رباح بن الربيع :
كنا مع النبي ◌َّل في غزوة، فرأى الناس مجتمعين، فرأى امرأة مقتولة، فقال:
((ما كانت هذه لتقاتل))، فإن مفهومه أنها لو قاتلت لقتلت، انتهى.
١٠/٩٥٧ - (مالك عن يحيى بن سعيد أنّ أبا بكر الصديق) - رضي الله عنه -
(بعث) في زمان خلافته (جيوشاً)(١) جمع جيش، قال ابن عابدين(٢): أقله عند
الإمام أبي حنيفة أربعمائة، وأقل السرية عنده مائة، كما في ((الخانية))، وكذا في
((الشرنبلالية)) نقلاً عنها، وعن ((العناية)) خلافاً لما في (البحر)) عن ((الخانية)) أن أقل
السرية مائتان، قال في ((الشرنبلالية)): وما قاله ابن زياد من أن أقل السرية أربعمائة
وأقل الجيش أربعة آلاف قاله من تلقاء نفسه، انتهى (إلى الشام) وكان بعثه إلى
الشام في أوائل سنة ١٣ هـ بعد عوده من الحج، وكان أول لواء عقده إلى الشام لواء
خالد بن سعيد بن العاص.
وقال ابن الأثير: وتابعه عليه كثير من المؤرخين أنه عزله قبل أن يسير
بإيعاز عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وأمره أن يكون بتيماء ردءاً للمسلمين
وأن لا يفارقها، وأن يدعو من حوله من العرب، وأن لا يقاتل إلا من قاتله،
فاجتمع إليه جموع كثيرة، كذا في ((أشهر مشاهير الإسلام)). وقال شارح
(السير)): لما جَهَّزَ أبو بكر - رضي الله عنه - الجيوش بعد رسول الله بَّل، وهي
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٦٩/١٤).
(٢) ((رد المحتار)) (٢٠٧/٦).
٦٣

٢١ - كتاب الجهاد
(٣) باب
(٩٥٧) حديث
جيوش، على بعضها أَمَّرَ شرحبيل بن حسنة، وعلى بعضها يزيد بن أبي سفيان،
وعلى بعضها عمرو بن العاص، أمرهم أن يخرجوا ويجتمعوا في بيار بني
شرحبيل، وهي على ستة أميال من المدينة.
وفيه دليل على أن الإمام إذا أراد أن يُجَهِّز جيشاً ينبغي له أن يأمرهم بأن
يعسكروا خارجاً من البلدة في موضع ليجتمعوا فيه؛ لأن ارتحالهم من ذلك
الموضع بعدما اجتمعوا فيه أيسر من ارتحالهم من بيوتهم.
ثم أتاهم أبو بكر - رضي الله عنه - وصلى بهم الظهر، ثم قام فحمد الله
تعالى، وأثنى عليه، ثم قال: إنكم تنطلقون إلى أرض الشام، وهي أرض
شبعة، قد ورب الكعبة دخلتها مرات، ومنهم من روى سبعة بالمهملة، وفسر
بكثرة السباع المؤذية فيها، وهو تصحيف، والصواب شبعة أي مخصبة كثيرة
النعم بها، يشبع المرء، ثم قال: وإن الله ناصركم ومكّن لكم حتى تتخذوا فيها
مساجدَ، فلا يعلم الله أنكم تأتونها تلهياً، إلى آخر ما ذكر من وصيته وتجهيزه
للبعوث .
وقال البلاذري: قالوا: لما فرغ أبو بكر - رضي الله عنه - من أمر أهل
الردّة رأى توجيه الجيوش إلى الشام، فكتب إلى أهل مكة والطائف واليمن
وجميع العرب بنجد والحجاز، يستنفرهم للجهاد، ويُرَغِّبُهم فيه وفي غنائم
الروم، فسارع الناس إليه من محتسب وطامع، وأتوا المدينة من كل أوب،
فعقد ثلاثة ألوية لثلاثة رجال: خالد بن سعيد بن العاصي، وشرحبيل بن
حسنة، وعمرو بن العاص، وكان عقده هذه الألوية يوم الخميس لمستهل صفر
سنة ١٣ هـ، وذلك بعد مقام الجيوش معسكرين بالجرف المحرم كله، وأبو
عبيدة بن الجراح يصلي بهم، وكان أبو بكر أراد أبا عبيدة أن يعقد له،
فاستعفاه من ذلك، وقد روی قوم أنه عقد له، وليس ذلك بثبت.
وذكر أبو مخنف أن أبا بكر قال للأمراء: إن اجتمعتم على قتال فأميركم
٦٤
.--

٢١ - كتاب الجهاد
(٣) باب
(٩٥٧) حديث
فَخَرَجَ يَمْشِي مَعَ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ،
أبو عبيدة وإلا فيزيد بن أبي سفيان، وذكر أن عمرو بن العاصي إنما كان مدداً
للمسلمين وأميراً على من ضم إليه، قال: ولما عقد أبو بكر لخالد بن سعيد
كره عمر ذلك، فكلم أبا بكر في عَزْله، وقال: إنه رجل فخور يحمل أمره على
المغالبة والتعصب، فعزله أبو بكر، ووجه أبا أروى الدوسي لأخذ لوائه، فلقيه
بذي المروة، فأخذ اللواء منه له، ورَدَّ به على أبي بكر، فدفعه أبو بكر إلى
يزيد بن أبي سفيان فسار به، ومعاوية أخوه يحمله بين يديه، ويقال: بل سلّم
إليه اللواء بذي المروة، فمضى على جيش خالد، وسار خالد بن سعيد محتسباً
في جيش شرحبيل، وأمر أبو بكر - رضي الله عنه - عمرو بن العاصي أن يسلك
طريق أيلة عامداً لفلسطين، وأمر يزيد أن يسلك طريق تبوك، وكتب إلى
شرحبيل أيضاً أن يسلك طريق تبوك، وكان العقد لكل أمير في بدء الأمر على
ثلاثة آلاف رجل، فلم يزل أبو بكر يتبعهم الإمداد، حتى صار مع كل أمير
سبعة آلاف وخمسمائة، ثم تتام جمعهم بعد ذلك أربعة وعشرين ألفاً، انتهى.
(فخرج) الصديق - رضي الله عنه - (يمشي مع يزيد بن أبي سفيان)
صخر بن حرب بن أمية أبو خالد الأموي، وكان يقال له: يزيد الخير، استعمله
أبو بكر على رُبع الأجناد في الجهاد، كذا في ((تهذيب الحافظ))(١)، وفي
(الإصابة)): كان أخو الخليفة معاوية مِنْ مسلمة الفتح، قال أبو عمر: كان
أفضل أولاد أبي سفيان أمَّره أبو بكر - رضي الله عنه - لما قفل من الحج سنة
١٢ هـ أحد أمراء الأجناد، توفي في طاعون عمواس سنة ١٨ هـ، وقيل: سنة
١٩ هـ.
قال الباجي(٢): يحتمل أنه خرج معه على سبيل البر له والتشييع، فيكون
ذلك سنة في تشييع الخارج إلى الغزو والحج وسبيل البر، وأضاف مشيه إلى
(١) ((تهذيب التهذيب)) (٣٣٢/١١).
(٢) ((المنتقى)) (١٦٧/٣).
٦٥

(٩٥٧) حدیث
٢١ - كتاب الجهاد
وَكَانَ أَمِيرَ رُبْعٍ مِنْ تِلْكَ الأَرْبَاعِ.
(٣) باب
يزيد بن أبي سفيان، إما لأنه اختص بمماشاته والقرب منه والمكالمة له، وإما
لأنه كان خروجه بسببه، فقال: خرج مع يزيد يشيعه بمعنى أنه قصد بخروجه
تشييعه وإن لم يخرجا معاً، انتهى.
وفي ((نيل المآرب)): وسن تشييع الغازي لا تلقيه، انتهى. وفي
((المغني))(١): قال أحمد: يُشَيَّعُ الرجل إذا خرج ولا يتلقَّوْنه، شَيَّعَ عليٍّ
رسولَ اللهَ وَّل في غزوة تبوك، ولم يتلقَّه، وروي عن أبي بكر الصديق - رضي الله
عنه - أنه شَيَّعَ يزيد بن أبي سفيان حين خرج إلى الشام، فذكر أثر الباب إلى
قوله: ((إني أحتسب خطاي هذه في سبيل الله)) وشيع أبو عبد الله أبا الحارث
الصائغ ونعلاه في يديه، وذهب إلى فعل أبي بكر - رضي الله عنه -، أراد أن
تُغَبَّرَ قدماه في سبيل الله، وروي مرفوعاً (٢): ((من اغبرَّت قدماه في سبيل الله
حرمه الله على النار))، انتهى مختصراً.
قلت: وقد ورد في التلقي أيضاً ما أخرجه أبو داود (٣) عن السائب بن
يزيد، قال: لما قدم النبي ◌َّر المدينة من غزوة تبوك تلقاه الناس، فلقيته مع
الصبيان على ثنية الوداع، انتهى.
(وكان يزيد أميرَ ربع من تلك الأرباع) التي أَمَّرَها الصديق إلى الشام،
وأمراء الباقي أبو عبيدة ربع، وعمرو بن العاصي ربع، وشرحبيل بن حسنة
ربع، قاله الزرقاني(٤)، وفي (المحلى)): الأرباع جمع ربع، وكأنه قسم الجيش
أربعة أقسام، وكان يزيد أمير قسم واحد منها، انتهى. والظاهر عندي أن الربع
(١) ((المغني)) (١٧/١٣).
(٢) أخرجه أحمد (٢٢٥/٥).
(٣) رقم الحديث (٢٧٧٩) كتاب الجهاد.
(٤) (شرح الزرقاني)) (١٢/٣).
٦٦
-
- -

٢١ - كتاب الجهاد
(٣) باب
(٩٥٧) حديث
فَزَعَمُوا أَنْ يَزِيدَ قَالَ لأَّبِي بَكْرٍ: إِمَّا أَنْ تَرْكَبَ، وَإِمَّا أَنْ أَنْزِلَ. فَقَالَ
.....
أَبُو بَكْرٍ: مَا أَنْتَ بِنَازِلٍ، وَمَا أَنَا بِراكِبٍ، إِنِّي أَحْتَسِبُ خُطَايَ
ههنا بفتح الراء بمعنى الجماعة لا بالضم، بمعنى جزء من أربعة أجزاء، قال
المجد: الربع: الدار بعينها حيث كانت، جمعه رباع وربوع وأربع وأرباع،
والمَحَلَّة، وجماعة الناس، انتهى.
وبذلك فسَّره شيخ مشايخنا الدهلوي في ((المصفى)) (١) إذ قال: ((ويزيد بن
أبي سفيان أميريك جمع بود ازجماعتها ي آن لشكر)) (٢) انتهى. لكن قال في
(المسوى)): أمير ربع من تلك الأرباع يعني قسمة الشام، وأنها كانت أجناداً
أربعة، انتهى (فزعموا) أي أخبرت الرواة (أن يزيد قال لأبي بكر: إما أن تركب)
على الدابة (وإما أن أنزل) أنا أيضاً عن الدابة حتى نتساوى في السير.
قال الباجي(٣): وذلك على معنى الإكرام لأبي بكر - رضي الله عنه -
والتواضع له لدينه وفضله وخلافته لئلا تكون حاله في الركوب أرفع من حاله
في المشي، انتهى.
(فقال أبو بكر: ما أنت بنازل) لئلا يكون المشي تعباً عليك، وتخرج إلى
الجهاد، وقد قال النبي ◌ّ# للخارجين إلى الجهاد: ((ليس من البر الصيام في
السفر)) (وما أنا براكب) وذلك (إني احتسبت) بصيغة المتكلم ببناء الماضي في
النسخ الهندية، وببناء المضارع بلفظ: أحتسب في النسخ المصرية، أي أردت
الأجر أو أعتدّ، وإنما قيل لمن ينوي بعمله وجه الله: احتسبه؛ لأن له حينئذ أن
يعتدَّ عمله (خطاي) بإضافة الخطا إلى ضمير المتكلم جمع خطوة بالضم بُعْدما
بين القدمين .
(١) (١٥٨/٢).
(٢) في اللغة الفارسية: والمراد: هو أمير أحد أقسام الجيش.
(٣) ((المنتقى)) (١٦٧/٣).
٦٧

٢١ - كتاب الجهاد
(٣) باب
(٩٥٧) حديث
هذِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. ثُمَّ قَالَ لَهُ:
وفي ((شرح السير الكبير)): أنه - رضي الله عنه - أتي براحلة ليركب،
فقال: بل أمشي، فقادوا راحلته، وهو يمشي وخلع نعليه وأمسكها بإصبعه رغبة
أن تغبرّ قدماه في سبيل الله، وقد قال ◌َ: ((من اغبرت قدماه في سبيل الله لم
تمسهما نار جهنم))، قال: فالمستحب لمن يشيع الحاج والغزاة أن يفعل، كما
فعل أبو بكر - رضي الله عنه -، انتهى.
(هذه في سبيل الله) لكونها مشياً في طاعته، قال الباجي: يريد أن قصده
بالمشي في تشييعهم ووصيتهم حسبة في سبيل الله تعالى، فلعله أراد الرفق به
والتقوية له لما يلقى من نصب العدو وتعب السفر ولقاء العدو ومقاومته، وأبو
بكر - رضي الله عنه - لا يلقى شيئاً من ذلك، فلم يحتج من التقوي والترفه ما
يحتاج إليه یزید، انتهى.
وقد اقتدى الصديق - رضي الله عنه - في ذلك بالنبي وَلّ حين بعث
معاذ بن جبل إلى اليمن، فخرج يمشي في ظل راحلة معاذ، وهو راكب
لأمره وم # له بذلك، فمشى معه ميلاً، كما عند أحمد وأبي يعلى وابن عساكر،
قاله الزرقاني(١) (ثم قال له) الصديق توصية ليزيد، وقد ذكر صاحب ((أشهر
مشاهير الإسلام)) وصية أبي بكر - رضي الله عنه - ليزيد مفصلاً، وزاد في أول
ما ذكره الإمام مالك - رضي الله عنه - في ((موطئه)) كلاماً كثيراً، نورده بلفظه
تتميماً للفائدة، ولم يذكر فيه ما ذكره الإمام مالك، إلا كلمة واحدة، كما
سترى، فقال بعدما مدح المجاهدين بقوة العزيمة والصبر والاعتماد على الله في
السر والجهر وعدم المبالاة بالحياة في سبيل إعلاء كلمة الدين وغير ذلك.
١
فقال: ضِفْ إلى هذا ما يصاحب أولئك المجاهدين من حسن الرأي بمن
يصاحبهم من رجال الإسلام وأقطاب السياسة والحرب يومئذ، كعمرو بن
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٢/٣).
٦٨
---
--

٢١ - كتاب الجهاد
(٣) باب
(٩٥٧) حديث
العاص وأبي عبيدة بن الجراح ويزيد بن أبي سفيان ومعاوية بن أبي سفيان
- رضي الله عنهم -، ومن ورائهم مثل أبي بكر - رضي الله عنه - يمدهم بالرأي
ويتابع إليهم النصائح، وحسبهم من وصاياه وصيته ليزيد بن أبي سفيان التي
تعجز أقطاب السياسة، وتنفع قادة الجيوش وساسة الأمم في كل عصر، وقد
أوصاه بها لما شيّعه ماشياً، كما أوصى سائر الأمراء:
((وصية أبي بكر ليزيد)): إني قد وليتك لأبلوك وأجربك، فإن أحسنت
رددتك إلى عملك وزدتك، وإن أسأت عزلتك، فعليك بتقوى الله، فإنه يرى من
باطنك مثل الذي يرى من ظاهرك، وإن أولى الناس بالله أشدهم تولياً له،
وأقرب الناس من الله أشدهم تقرباً إليه بعمله، وقد وليتك عمل خالد، فإياك
وعُبِيَّة الجاهلية، فإن الله يُبغضها ويُبغض أهلها، وإذا قدمت على جندك،
فأحسن صحبتهم وابدأهم بالخير، وعدهم إياه، وإذا وعظتهم فأوجز، فإن كثير
الكلام ينسي بعضه بعضاً، وأصلح نفسك يصلح لك الناس، وصلِّ الصلوات
لأوقاتها بإتمام ركوعها وسجودها والتخشع فيها، وإذا قدم عليك رسل عدوك
فأكرمهم، وأقلِلْ لبثهم حتى يخرجوا من عسكرك وهم جاهلون به، ولا ترينهم
فيروا خللك ويعلموا علمك، وأنزلهم في ثروة عسكرك وامنع من قبلك من
محادثتهم، وكن أنت المتولي لكلامهم، ولا تجعل سرك لعلانيتك فيخلط
أمرك.
وإذا استشرت فاصدق الحديث تصدق المشورة، ولا تحزن عن المشير
خبرك، فتوقى من قبل نفسك، واسمر بالليل في أصحابك تأتك الأخبار،
وتنكشف عندك الأستار، وأكثر حرسك وبَدِّدْهم في عسكرك، وأكثر مفاجأتهم
في محارسهم بغير علم منهم بك، فمن وجدته غفل عن حرسه، فأحسن أدبه
وعاقبه في غير إفراط وأعقب بينهم بالليل، واجعل النوبة الأولى أطول من
الأخيرة، فإنها أيسرهما لقربها من النهار، ولا تخف من عقوبة المستحق، ولا
تلجنّ فيها، ولا تسرع إليها، ولا تخذلها مدفعاً، ولا تغفل عن أهل عسكرك
٦٩

٢١ - كتاب الجهاد
(٣) باب
(٩٥٧) حديث
إِنَّكَ سَتَجِدُ قَوْماً زَعَمُوا أَنَّهُمْ حَبَّسُوا أَنْفُسَهُمْ لِلَّهِ، فَذَرْهُمْ وَمَا زَعَمُوا
أَنَّهُمْ حَبَّسُوا أَنْفُسَهُمْ لَهُ،
فتفسده، ولا تجسس عليهم، فتفضحهم، ولا تكشف الناس عن أسرارهم،
واكتف بعلانيتهم، ولا تجالس العباثين، وجالس أهل الصدق والوفاء، واصدق
اللقاء، ولا تجبن فيجبن الناس، واجتنب الغلول، فإنه يُقَرِّب الفقر ويدفع
النصر، وستجدون أقواماً حبسوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم وما حبسوا
أنفسهم له، انتهى.
(إنك ستجد قوماً زعموا أنهم حبسوا) أي وقفوا (أنفسهم الله) وهم الرهبان
(فذرهم) بصيغة أمر أي دَعْهم (وما زعموا أنهم حبسوا له) كذا في النسخ
الهندية، وفي النسخ المصرية: ((حبسوا أنفسهم له)) لكونهم لا يخالطون الناس،
لا تعظيماً لفعلهم بل ((هم الأخسرون أعمالًا)) ﴿ الَّذِيْنَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِ الْخَوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ
يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعَا (®)﴾(١)
قال الباجي(٢): يريد الرهبان الذين حبسوا أنفسهم عن مخالطة الناس،
وأقبلوا على ما يدعون من العبادة، وكفوا عن معاونة أهل ملتهم برأي أو مال
أو حرب أو إخبار، فهؤلاء لا يقتلون سواء كانوا في صوامع أو ديارات أو
غيران(٣)، لأن هؤلاء قد اعتزلوا الفريقين وعفوا عن معاونة أحدهما، وأما
رهبان الكنائس، فقال ابن حبيب: يقتلون؛ لأنهم لم يعتزلوا أهل ملتهم وهم
مداخلون لهم بحيث لا يمكن أن تعرف سلامتهم عن معونتهم، ولا يسبى
الرهبان ولا يخرجون من صوامعهم، بل يتركون على حالهم، خلافاً للشافعي
في قوله: ((يسبون ويسترقون))، لقول أبي بكر - رضي الله عنه -: فدعهم وما
زعموا، إلى آخره، وهذا يقتضي إلقاءهم على حالهم.
(١) سورة الكهف: الآية ١٠٤.
(٢) ((المنتقى)) (١٦٧/٣).
(٣) جمع غار.
٧٠
ـســـ

٢١ - كتاب الجهاد
(٣) باب
(٩٥٧) حديث
فإن كان للرهبان أموال، فروى ابن نافع عن مالك في الراهب له الغنيمة
والزرع في أرض الروم، أنه لا يعرض له وذلك يسير، ولا يعرض لبقره ولا
لغنمه إذا عرف أنها له، ولذلك وجه يعرفُ، وما أدري كيف يعرف هذا؟ وقال
سحنون: إن معنى ذلك من قول مالك: إذا كان قليلاً قدر عيشه، وأما ما جاوز
ذلك فلا يترك له، وجه قول سحنون أن في استئصال ماله قتله أو إنزاله عن
موضعه، وقد تقدم أن ذلك غير جائز، فلا بد أن يترك له ما يكفيه، وما زاد
عليه فلا حاجة له إليه فلا يترك له، انتهى.
قال ابن عابدين(١): وفي ((السير الكبير)): لا يقتل الراهب في صومعته،
ولا أهل الكنائس الذين لا يخالطون الناس، فإن خالطوا قتلوا كالقسيس،
انتهى. قلت: اختصر كلام صاحب السير، وتمامه أنه ذكر تحت حديث أبي
بكر - رضي الله عنه - هذا ما نصه: به يستدل أبو يوسف ومحمد في أن
أصحاب الصوامع لا يُقتلون، وهو رواية عن أبي حنيفة، وعن أبي يوسف قال:
سألت أبا حنيفة عن قتل أصحاب الصوامع، فرأى قتلهم حسناً .
والحاصل: أن هذا إذا كانوا ينزلون إلى الناس، ويصعد الناس إليهم
فيصدرون عن رأيهم في القتال يقتلون، فأما إذا غلقوا أبواب الصوامع على
أنفسهم، فإنهم لا يقتلون، وهو المراد في حديث أبي بكر - رضي الله عنه -
لتركهم القتال أصلاً، وهذا لأن المبيح للقتل شرهم من حيث المحاربة، فإذا
غلقوا الباب على أنفسهم اندفع شرهم مباشرة وتسبيباً، فأما إذا كان لهم رأي
في الحرب فهم محاربون تسبيباً، انتهى.
وفي ((المبسوط)) السرخسي: سألته عن أصحاب الصوامع والرهبان فرأى
قتلهم حسناً، وفي ((السير الكبير)): المروي عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -
(١) ((رد المحتار)) (٣٠٨/٤).
٧١

٢١ - كتاب الجهاد
(٣) باب
(٩٥٧) حديث
وَسَتَجِدُ قَوْماً فَحَصُوا عَنْ أَوْسَاطِ رُؤُوسِهِمْ مِنَ الشَّعَرِ،
أنهم لا يقتلون، وهو قول أبي يوسف ومحمد، وقيل: لا خلاف في الحقيقة،
فإنهم إن كانوا يخالطون الناس يقتلون عندهم جميعاً؛ لأن المقاتلة يصدرون عن
رأيهم، وهم يحثونهم على القتال، وإن كانوا طينوا على أنفسهم الباب، ولا
يخالطون الناس أصلاً، فإنهم لا يقتلون، وقيل: بل في المسألة خلاف، فهما
استدلا بوصية أبي بكر - رضي الله عنه - ليزيد بن أبي سفيان، حيث قال:
وستلقى أقواماً أهل الصوامع والرهبان زعموا أنهم فرغوا أنفسهم للعبادة،
فدعهم وما فرغوا أنفسهم له .
والمعنى فيه أنهم لا يقاتلون، والقتل لدفع القتال، وأبو حنيفة - رضي الله
عنه - يقول: هؤلاء من أئمة الكفر، وقال تعالى: ﴿فَقَئِلُواْ أَبِمَّةَ الْكُفْرِّ﴾،
فمعنى هذا الكلام أنهم فرغوا أنفسهم للإصرار على الكفر، والاشتغال بما يمنع
عنه في الإسلام.
والظاهر أن الناس يقتدون بهم فهم يحثون الناس على القتال فعلاً، وإن
كانوا لا يحثونهم على ذلك قولاً؛ لأنهم بما صنعوا لا تخرج بنيتهم من أن
تكون صالحة للقتال، وإن كانوا لا يشتغلون بالمحاربة، كالمشغولين بالتجارة
والحراسة منهم، بخلاف النساء والصبيان، انتهى.
:
(وستجد قوماً فحصُوا) بفتح الفاء والحاء المهملة وضم الصاد المهملة
الفحص: البحث والكشف، كما في ((المجمع)). (عن أوساط رؤوسهم من
الشعر) قال الباجي: يريد حلقوا أوساط رؤوسهم، قال ابن حبيب: يعني
الشمامسة، انتهى. زاد الزرقاني(١): وهم رؤساء النصارى جمع شماس،
انتهى. قال المجد: الشمّاس كشدّاد: من رؤوس النصارى الذي يحلق وسط
رأسه لازماً للبيعة، جمعه شَمَامِسَة، انتهى.
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٢/٣).
٧٢

٢١ - كتاب الجهاد
(٣) باب
(٩٥٧) حديث
فَاضْرِبْ مَا فَحَصُوا عَنْهُ بِالسَّيْفِ،
وجزم شيخنا الدهلوي في ((المصفى)) (١) بأنهم قوم من المجوس، إذ قال:
(يعني مجوس كه حلق سردرآن عصر خصلت مجوس بود))، انتهى. وقال في
((المسوى)) (٢): قوله: فحصوا عن أوساط رؤوسهم، أي حلقوا مواضع منها
كأفحوص(٣) القطا وهم الشمامسة، انتهى.
(فاضرب ما فحصوا عنه بالسيف) قال الباجي(٤): يريد بذلك قتلهم، ولم
يرد ضرب ذلك الموضع خاصة، وذلك كقوله تعالى: ﴿فَأَضْرِبُواْ فَوْقَ الْأَعْنَاقِ
وَأَضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾(٥)، وأما ضرب أوساط رؤوسهم بالسيف فلا يجوز
ذلك إلا قبل الأسر لهم في نفس الحرب، وأما بعد أسرهم والتمكن منهم، فلا
ينبغي أن يمثل بهم، ولا يعبث في قتلهم، ولكن تضرب أعناقهم صبراً إلا أن
يكونوا قد فعلوا بالمسلمين على وجه التمثيل فيعمل بهم مثله، انتهى.
قلت: وهذا عند من أباح المثلة في المماثلة، والمسألة خلافية، وقد
اقتفى الصدِّيق الأكبر - رضي الله عنه - في ذلك النبي ◌َّ، فقد ذكر صاحب
(النهاية)) حديث أنه أوصى أمراء جيش مؤتة: وستجد آخرين للشيطان في
رؤوسهم مفاحص فأقلعوها بالسيوف، أي إن الشيطان قد استوطن رؤوسهم
فجعلها له مفاحص، كما يستوطن القطا مفاحصها، انتهى.
وفي ((شرح السير)): قوله: ستلقى أقواماً قد حلقوا أوساط رؤوسهم،
المراد به الشمامسة، وهم بمنزلة العلوية فينا، وإليه أشار في طريق آخر فقال:
ويتركون شعوراً كالعصائب، وهم من أولاد هارون - عليه السلام - يصدر
(١) (١٥٨/٢).
(٢) ((المسوّى)) (٣١٠/٢).
(٣) أفحوص: حُفْرة تحفرها القطاة أو الدجاجة في الأرض لتبيض.
(٤) ((المنتقى)) (١٦٧/٣).
(٥) سورة الأنفال: الآية ١٢.
٧٣

٢١ - كتاب الجهاد
(٣) باب
(٩٥٧) حديث
الناس عن رأيهم في القتال، ويحثونهم على ذلك، فهم أئمة الكفر، فقتلهم
أولى من قتل غيرهم، وإليه أشار في الطريق الآخر، فقال: فاضربوا مقاعد
الشيطان منها بالسيوف أي من أوساط رؤوسهم المحلوقة، والله لئن أقتل منهم
رجلاً أحبُّ إليّ من أن أقتل سبعين من غيرهم، وذلك لأن الله تعالى يقول:
﴿فَقَائِلُواْ أَبِعَةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَ أَيْمَانَ لَهُمْ﴾، انتهى.
قلت: وقد أخرجه السيوطي(١) في تفسير الآية برواية ابن أبي حاتم عن
عبد الرحمن بن جبير عن أبي بكر - رضي الله عنه -.
قال الباجي(٢): لم يذكر في هذا الحديث تقديم الدعوة، والمشركون في
ذلك على ضربين؛ طائفة قد بلغتهم الدعوة، وطائفة لم تبلغهم، فأما من بلغتهم
الدعوة، فروي عن مالك تلتمس غرتهم، ويقاتلون دون تقديم دعوة إلى
الإسلام، وهذه رواية العراقيين عن مالك، وفي ((المدونة)) روايتان عن مالك،
قال ابن القاسم: لا يُبَيَّتُوا، غزوناهم نحن أو أقبلوا إلينا غزاة في بلادنا حتى
يُدْعَوا، قال: وقد قال مالك: الدعوة ساقطة عمن قارب الدار لعلمهم بما
يُدْعون إليه، وأما من شك في أمره فخيف أن لا تبلغه الدعوة، فإن الدعوة
أقطع للشك وأنزه للجهاد.
وقال أبو حنيفة: إن بلغتهم الدعوة فحسن أن يدعوا قبل القتال، وإن لم
تبلغهم الدعوة لم يبتدؤا بالقتال حتى يُدْعَوْا، وقال الشافعي: لا أعلم أحداً من.
المشركين لم تبلغهم الدعوة، إلا أن يكون خلف الذين يقاتلون قوماً من
المشركين خلف الخزر والترك لم تبلغهم الدعوة، فلا يقاتلوا حتى يدعوا إلى
الإيمان .
(١) ((الدر المنثور)) (١٢٥/٤).
(٢) ((المنتقى)) (١٦٨/٣).
٧٤
:
١

٢١ - كتاب الجهاد
(٣) باب
(٩٥٧) حديث
وجه الرواية الأولى ما روي أن النبي وَل# بعث إلى كعب بن الأشرف
وابن أبي الحقيق فَبيَّتُوهما غارين، وقتلوهما ولم يُقَدَّمَا دعوةً، ومن جهة المعنى
ما احتج به في ((المدونة)) أنه قد تقدم علمهم بما يُدْعَوْن إليه، وهم مع ذلك
يطلبون الغرات والعورات، فيجب أن يلتمس منهم.
ووجه الرواية الثانية ما روي أن علياً - رضي الله عنه - قال للنبي رَ* يوم
خيبر: نقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، فقال النبي وَ لير: ((أنفذ، ثم ادعُهم إلى شهادة
أن لا إله إلا الله، فوالله لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حمر
النعم))، ومن جهة المعنى أن هذا حرب للمشركين، فلزم أن يتقدم بالدعوة كغير
العالمين؛ لأن تجديد الدعوة قد يكون فيها من التذكير بالله والإيمان به ما لم
يكن فيما تقدم، فإن عُؤْجل أحد ممن لم تبلغه الدعوة، فقتل قبل أن يدعى إلى
الإيمان، فقد قال أبو حنيفة: لا دية فيه، وقال الشافعي: الدية على عاقلة
القاتل، قال القاضي أبو الحسن: لست أعرف لمالك - رضي الله عنه - فيه
نصاً، والأظهر عندي قول أبي حنيفة، انتهى.
وقال أيضاً في موضع آخر: قد اختلف العلماء في هذا أي في الدعوة،
فقال مالك: أحبّ إليّ أن يدعى العدو قبل القتال بلغتهم الدعوة أو لا، إلا
أن يُعَجِّلُوا سواء قربوا أو بعُدوا، وقال عنه ابن القاسم: لا يبيتوا حتى
يدعوا، وقال ابن الماجشون عن مالك: لا يدعى من قرب من الدرب مثل
طرسوس المصِّيصة، وروى ابن حبيب عن المدنيين من أصحاب مالك إنما
الدعوة اليوم فيمن لم يبلغه الإسلام، ولا يعلم ما يقاتل، وأما من بلغ
الإسلام، وعلم ما يدعى إليه، وحارب وحورب، كالروم والإفرنج ممن دانى
أرض الإسلام، وعرفه، فالدعوة فيهم ساقطة، قال ابن حبيب: فيجب أن يغار
عليهم، وينتهز فيهم الفرصة، فقد بعث النبي ◌َّ من يقتل كعب بن الأشرف،
انتھی .
وقال الخرقي: يقاتل أهل الكتاب والمجوس ولا يدعون؛ لأن الدعوة قد
٧٥

٢١ - كتاب الجهاد
(٣) باب
(٩٥٧) حدیث
بلغتهم، ويدعى عبدة الأوثان قبل أن يحاربوا، قال الموفق(١): قوله في أهل
الكتاب والمجوس: لا يُدْعَوْن، فهو على عمومه؛ لأن الدعوة قد انتشرت
وعَمَّتْ، فلم يبق منهم من لم تبلغه الدعوة إلا نادر بعيد، وأما قوله: يُدْعَى
عبدة الأوثان، فليس بعام، فإن من بلغته الدعوة منهم لا يدعون، وإن وجد
منهم من لم تبلغه الدعوة دُعي قبل القتال.
وكذلك إن وجد من أهل الكتاب من لم تبلغه الدعوة دعوا قبل القتال،
قال أحمد: إن الدعوة قد بلغت وانتشرت، ولكن إن جاز أن يكون قوم خلف
الروم وخلف الترك على هذه الصفة لم يجز قتالهم قبل الدعوة، لما روى بريدة
قال: كان النبي ◌َلّه إذا بعث أميراً على سرية أو جيش قال: إذا لقيت عدوك
من المشركين ادعهم إلى إحدى ثلاث خصال، فأيتهن أجابوك إليها فاقبل
منهم، وكُفَّ عنهم، ادعهم إلى الإسلام، فإن هم أجابوك. فاقبل منهم، وكُفَّ
عنهم، فإن هم أبوا أدعهم إلى إعطاء الجزية، الحديث. رواه أبو داود
ومسلم(٢).
وهذا يحتمل أن يكون في بدء الأمر قبل انتشار الدعوة وظهور الإسلام،
وأما اليوم فقد انتشرت الدعوة، فاستغني بذلك عن الدعاء، قال أحمد: كان
النبي ◌َّ﴾ يدعو إلى الإسلام قبل أن يحارب، حتى أظهر الله الدين، وعلا
الإسلام ولا أعرف اليوم أحداً يُدَّعَى قد بلغت الدعوة كلَّ أحد، فالروم قد
بلغتهم الدعوة، وعلموا ما يراد منهم، وإنما كانت الدعوة في أول الإسلام،
وإن دعا فلا بأس.
وقد روي: أن النبي ◌َ﴾ أغار على بني المصطلق وهم غارُّوْن آمنون،
(١) ((المغني)) (٢٩/١٣).
(٢) أخرجه مسلم (١٧٣١)، وأبو داود (٢٦١٢)، والترمذي (١٦١٧)، وابن ماجه (٢٨٥٨).
٧٦

٢١ - كتاب الجهاد
(٣) باب
(٩٥٧) حديث
وإبلهم تُشْقى على الماء، متفق عليه (١).
وعن الصعب بن جثامة قال: سمعت رسول الله وجل﴿ يسأل عن الديار من
ديار المشركين، يُبَيِّتُوْن، فيصيبون من نسائهم وذراريهم، فقال: ((هم منهم))،
متفق عليه(٢) .
فقال سلمة بن الأكوع: أمر رسول الله وَ ر أبا بكر فغزونا ناساً من
المشکرین فبيتناهم، رواه أبو داود(٣) .
ويحتمل أن يحمل الأمر بالدعوة في حديث بريدة على الاستحباب، فإنها
مستحب على كل حال، وقد روي أن النبي وكل أمر علياً حين أعطاه الراية يوم
خيبر، وبعثه إلى قتالهم أن يدعوهم، وهم ممن بلغتهم الدعوة، رواه البخاري.
ثم قال: ((ومن قتل منهم قبل الدعاء لم يضمن؛ لأنه لا إيمان له ولا أمان، فلم
يضمن، كنساء من بلغته الدعوة وصبيانهم)، انتهى.
وفي ((الدر المختار))(٤): لا يحل لنا أن نقاتل من لم تبلغه الدعوة إلى
الإسلام، وهو إن اشتهر في زماننا شرقاً وغرباً، لكن لا شك أن في بلاد الله
من لا شعور له بذلك خلافاً لما نقله المصنف، وندعو ندباً من بلغته إلا إذا
تضمن ذلك ضرراً، قال ابن عابدين: قوله: خلافاً لما نقله المصنف عن
((الينابيع)) من أن ذلك كان في ابتداء الإسلام، وأما الآن فقد فاض واشتهر،
فيكون الإمام مخيراً بين البعث إليهم وتركه، انتهى.
وقال أيضاً: فلو قاتلهم قبل الدعوة أثم للنهي ولا غرامة لعدم العاصم،
وهو الدين، أو الإحراز بالدار، فصار كقتل النسوان، انتهى.
((صحيح البخاري)) (٣/ ١٩٤)، من كتاب العتق، وأخرجه مسلم (١٣٥٦/٣).
(١)
(٢)
((صحيح البخاري)) (٧٤/٤)، و((صحيح مسلم)) (٣/ ١٣٦٤).
(٣)
((سنن أبي داود)) (٢ / ٤١).
(٤) (٣٠٤/٤).
٧٧

٢١ - كتاب الجهاد
(٣) باب
(٩٥٧) حديث
وَإِنِّي مُوصِيكَ بِعَشْرِ: لَا تَقْتُلَنَّ أَمْرَأَةً، وَلَا صَبِيّاً، وَلَا كَبِيراً هَرِماً،
ثم قال الصديق الأكبر رضي الله عنه: (وإني موصيك بعشر) خصال (لا
تقتلن امرأة ولا صبياً) لما ورد النهي عن قتلهما عن النبي ◌َّر في عدة مواضع.
قال الباجي(١): وذلك على حسب ما تقدم من المنع من قتل النساء
والصبيان، أن الصبي هو الذي لم يحتلم، ولم ينبت، فإن أنبت ولم يحتلم،
فهل يقتل أم لا؟ اختلف أصحابنا في ذلك، فقال أكثرهم: يُقْتَلُ. وقال ابن
القاسم: لا يُقْتَلُ حتى يحتلم، وجه الأول ما روي عن عطية أنه قال: عرضنا
يوم قريظة فكان من أنبت منا قتل، الحديث.
ومن جهة المعنى أن الاحتلام إنما يتعلق به حقوق الباري تعالى، وأما حقوق
الآدميين فالأحكام التي تنفذ بين الناس، فلا يجوز أن تتعلق بالاحتلام؛ لأنه أمر لا
يدرى، ويمكن كتمانه وادعاؤه، وإنما يجب أن يعلق ذلك بأمر يظهر، وتمكن
معرفته بالنظر إليه، وهو الإنبات على أنه في الأغلب لا يتأخر عن الاحتلام، ولا
يتقدم عليه بكثير مدة، وأكثر ما يكون مقارناً له - والله أعلم -، انتهى.
قلت: والمراد في أثر الباب الصغير جداً لما ورد في بعض طرقه ((ولا
تقتلن مولوداً»، وهو كذلك في رواية ((السير الكبير))، قال الشارح: قوله: ولا
تقتلن مولوداً، وما من أحد إلا وهو مولود، ولكن المراد الصبي سماه مولوداً
لقرب عهده بالولادة، والمراد به إذا كان لا يقاتل فسره في الطريق الآخر،
فقال: ((لا تقتلن صغيراً ضرعاً))، انتهى.
(ولا كبيراً هرماً) بفتح هاء وكسر راء المتصف بالهرم، هو بفتحتين أقصى
الكبر، وفي ((هامش الحصن)) عن ((الحرز)): المراد به صيرورة الرجل خرفاً من
كبر السن، على ما ذكره المظهر بحيث لم يميز بين الأمور المحسوسة
والمعقولة والمنقولة، انتهى.
(١) ((المنتقى)) (١٦٩/٣).
٧٨
.-

٢١ - كتاب الجهاد
(٣) باب
(٩٥٧) حدیث
قال الباجي(١): يريد الشيخ الهرم الذي بلغ من السن ما لا يطيق القتال
ولا يُنْتفع به في رأي، ولا مدافعة، فهذا مذهب جمهور الفقهاء أن لا يقتل.
وبه قال أبو حنيفة ومالك، وللشافعي قولان، أحدهما: مثل قول الجماعة،
والثاني: يقتل، والدليل ما نقوله قول أبي بكر - رضي الله عنه - هذا ولا
مخالف له، فثبت أنه إجماع، انتهى.
وفي ((هامش الحصن)): الشيخ الفاني الذي لا يقدر على القتال، ولا على
الصياح عند التقاء الصفين، ولا يقدر على الإحبال، ولا يكون من أهل الرأي
والتدبير، أما إذا كان يقدر على القتال يقتل، وكذا إذا كان يقدر على الصياح
عند التقاء الصفين؛ لأنه بصياحه يحرضهم على القتال، وكذلك إذا كان قادراً
على الإحبال، وكذلك إذا كان صاحب رأي يقتل؛ لأن الناس يحاربون برأيهم،
وقد صح أن رسول الله والر قتل دريد بن الصمة، وكان ابن مائة وعشرين سنة،
وفي رواية: ابن مائة وستين سنة؛ لأنه كان صاحب رأي ((محيط برهاني))،
انتھی .
وفي ((المحلى)): وكانوا أحضروه ليدبر رأيهم، وكان ابن مائة وعشرين
سنة، وقيل كان أعمى أيضاً، وعلى هذا يحمل ما رواه أبو داود، وعن سمرة بن
جندب مرفوعاً: (اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شرخهم))، انتهى.
قال شارح ((السير)): قوله: شيخاً كبيراً، وفي رواية: فانياً، يعني إذا كان
لا يقاتل ولا رأي له في ذلك، أما إذا كان يقاتل أو له رأي فيه، فيقتل على ما
روي أنه عليه السلام أمر بقتل دريد، وكان ابن مائة وعشرين سنة، وفيه قصة
معروفة أنهم أحضروه يوم حنين ليستعينوا برأيه، فقد كان ذا رأي في الحرب،
فأشار إليهم بأن يرفعوا الظعن إلى عليا بلادهم، وأن يلقي الرجال بسيوفهم
(١) ((المنتقى)) (١٦٩/٣).
٧٩

٢١ - كتاب الجهاد
(٣) باب
(٩٥٧) حدیث
وَلَا تَقْطَعَنَّ شَجَراً مُثْمِراً، وَلَا تُخَرِّبَنَّ عَامِراً،
على متون الخيل، فلم يقبلوا رأيه، وقاتلوا مع أهاليهم، وكان ذلك سبب
انهزامهم، انتهى.
(ولا تقطعن شجراً مثمراً ولا تخربن) من الإفعال والتفعيل، كما في
((المحلى)) (عامراً) قال صاحب ((المحلى)): وكره أحمد تخريب العامر إلا من
حاجة إلى ذلك، انتهى.
قال الباجي(١): هذا على ضربين، أما ما كان من البلاد مما يرجى أن
يظهر عليه المسلمون، فإنه لا يقطع شجر المثمر، ولا يخرب عامره لما يرجى
من استيلاء الإسلام عليه وانتفاعهم به، وما كان بحيث لا يرجى مقام المسلمين
به لبعده وتوغله في بلاد الكفر، فإنه يُخَرَّبُ عامرُه، ويقطع شجره المثمر
وغيره؛ لأن في ذلك إضعافاً لهم وتوهيناً وإتلافاً لما يتقَوُّوْن به على المسلمين،
قال ابن حبيب: قال مالك وأصحابه: إنما نهى الصديق عن إخراب الشام؛
لأنه علم مصيرها للمسلمين، وأما ما لا يرجى ظهورهم عليه فخراب ذلك مما
ينبغي، قال ابن حبيب: وهو الصحيح، وقد أحرق النبي ◌ُّ نخل بني النضير،
انتھی .
وقال الخرقي: لا يقطع شجرهم ولا يحرق زرعهم إلا أن يكونوا يفعلون
ذلك في بلادنا، فيفعل ذلك بهم لينتهوا، قال الموفق(٢): جملته أن الشجر
والزرع ينقسم ثلاثة أقسام:
أحدها: ما تدعو الحاجة إلى إتلافه كالذي يقرب من حصونهم، ويمنع
من قتالهم، أو يستترون به من المسلمين، أو يحتاج إلى قطعه لتوسعة طريق أو
غيره، أو يكونون يفعلون ذلك بنا، فيفعل بهم ذلك لينتهوا، فهذا يجوز بغير
خلاف نعلمه .
(١) ((المنتقى)) (١٦٩/٣).
(٢) ((المغني)) (١٤٦/١٣).
٨٠