Indexed OCR Text
Pages 41-60
٢١ - كتاب الجهاد (١) باب (٩٥٢) حديث عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي الْيُسْرِ وَالْعُسْرِ، قلت: وظاهر كلام النووي في ((شرح مسلم)) أن حديثي عبادة في بيعة الحرب والبيعة على السمع والطاعة، وأن لا ننازع الأمر أهله كلها واحد أو يجمعها كلها البيعة على الصبر، كما بسطه في ((باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال وبيان بيعة الرضوان تحت الشجر))(١)، وهذه هي البيعة الثانية، وهي البيعة في الزجر عن الفواحش، وسميت بيعة النساء؛ لأنه تعالى ذكرها بقوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ الآية(٢)، وهذه المبايعة حضرها أيضاً عبادة بن الصامت. واختلف أهل العلم وعامة شراح الحديث في أنها متى وقعت، والجمهور على أنها بيعة العقبة، قال النووي(٣): أما حديث عبادة: بايعنا رسول الله وَل على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا إلى آخره، فإنما كان في أول الأمر ليلة العقبة قبل الهجرة وقبل فرض الجهاد، انتهى. وقال العيني(٤): إن القاضي عياض وجماعة من الأئمة الأجلّاء قد جزموا بأن حديث عبادة هذا كان بمكة ليلة العقبة لما بايع الأنصار البيعة الأولى بمنى، انتهى. وبه جزم العيني، وكذا حكاه الحافظ عن القاضي ومن تبعه أنهم جازمون بذلك، لكن الحافظ بنفسه مال إلى أن المبايعة المذكورة، أي مبايعته النساء، وقعت بعد فتح مكة، وحقق ذلك، وأَوَّل ما في الروايات من خلافه. (على السمع) له بإجابة أقواله، وضمن بايع معنى ما عاهد فعدي بعلى، وقال الباجي: السمع هاهنا يرجع إلى معنى الطاعة، ولعله أن يكون أصله الإصغاء إلى قوله والتفهم له، انتهى (والطاعة) لله ولرسوله (في العسر واليسر) (١) انظر: ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٢/١٣/٧). (٢) سورة الممتحنة: الآية ١٢. (٣) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٦/١٣/٧). (٤) (عمدة القاري)) (٢٤٢/١). ٤١ ٢١ - كتاب الجهاد (١) باب (٩٥٢) حديث وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وفي المصرية: في اليسر والعسر، بالتقديم والتأخير، قال الباجي: يريد أن الذي شرط علينا السمع والطاعة لأوامره ونواهيه على كل حال في حال اليسر وحال العسر، ويحتمل أن يريد به يسر المال وعسره والتمكن من جيد الراحلة ووافر الزاد والاقتصار على أقل ما يمكن منهما، انتهى. قال الحافظ: وفي رواية إسمعيل بن عبيد عن عبادة عند أحمد، وعلى النفقة في العسر واليسر، انتهى. (والمنشط) بفتح الميم وسكون النون وفتح الشين المعجمة، قال ابن الأثير: مفعل من النشاط، وهو الأمر الذي ينشط له، ويَخِفُّ إليه، ويؤثر فعله، وهو مصدر بمعنى النشاط، كذا في ((العيني)) (والمكره) بفتح أوله وثالثه مصدر ميمي أيضاً أي في وقت النشاط إلى امتثال أوامره ووقت الكراهية، كذلك قال الزرقاني(١). وقال الحافظ ابن حجر(٢): أي في حالة نشاطنا وفي الحالة التي نكون فيها عاجزين عن العمل بما نؤمر به، ونقل ابن التين عن الداودي: أن المراد الأشياء التي يكرهونها، وقال ابن التين: الظاهر أنه أراد في وقت الكسل والمشقة في الخروج، ليطابق قوله: المنشط، قال الحافظ: ويؤيده ما وقع في رواية إسماعيل بن عبيد: في النشاط والكسل، وقال الباجي(٣): يريد وقت النشاط إلى امتثال أوامره ووقت الكراهية لذلك، ولعله أن يريد بالمنشط وجود السبيل إلى ذلك والتفرغ له وطيب الوقت وضعف العدو، ويريد بالكره تعذر السبيل وشغل المانع وشدة الهواء بالحر والبرد وصعوبة السفر وقوة العدو، انتھی . (١) (شرح الزرقاني)) (٨/٣). (٢) ((فتح الباري)) (٧/١٣). (٣) ((المنتقى)) (١٦٤/٣). ٤٢ -- : ٢١ - كتاب الجهاد (١) باب (٩٥٢) حديث وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، (وأن لا ننازع الأمر أهله). قال الباجي: يريد الإمارة، ويحتمل هذا أن يكون شرطاً على الأنصار، ومن ليس من قريش أن لا ينازعوا فيه أهله، وهي قريش، ويحتمل أن يكون هذا مما أخذه على جميع الناس أن لا ينازعوا من ولّاه الله الأمر منهم، وإن كان فيهم من يصلح لذلك الأمر إذا كان قد صار لغيره، انتهى. قال السيوطي في ((التنوير))(١): الثاني: هو الصحيح، ويؤيده أن في ((مسند أحمد)) زيادة: ((وإن رأيت أن لك في الأمر حقاً))، وعند ((ابن حبان)) زيادة: ((وإن أكلوا مالك وضربوا ظهرك))، وعند ((البخاري)) زيادة: ((إلا أن تروا كفراً بواحاً))، انتهى. قال ابن عبد البر (٢): اختلف في أهله، فقيل: أهل العدل والإحسان والفضل والدين، فلا ينازعون؛ لأنهم أهله، وأما أهل الفسق والجور والظلم فليسوا بأهله، ألا ترى قوله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِى الَّلِمِينَ﴾ وإلى منازعة الظالم الجائر ذهبت طوائف من المعتزلة وعامة الخوارج، وأما أهل السنة فقالوا: الاختيار أن يكون الإمام فاضلاً عدلاً محسناً، فإن لم يكن فالصبر على طاعة الجائر أولى من الخروج عليه، لما فيه من استبدال الأمن بالخوف وهرق الدماء وشن الغارات والفساد، وذلك أعظم من الصبر على جوره وفسقه، والأصول تشهد والعقل والدين أن أولى المكروهين أولاهما بالترك، انتهى. ولفظ البخاري برواية بسر عن جنادة عن عبادة: ((وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً، عندكم من الله فيه برهان))، قال الحافظ(٣): بواحاً (١) (ص٣٧٤). (٢) ((الاستذكار)) (٣٨/١٤)، و((شرح الزرقاني)) (٩/٣). (٣) ((فتح الباري)) (٨/١٣). ٤٣ ٢١ - كتاب الجهاد (١) باب (٩٥٢) حديث بموحدة ومهملة، قال الخطابي: يريد ظاهراً بادياً، ووقع عند الطبراني في هذا الحديث: ((كفراً صراحاً))، بصاد مهملة مضمومة ثم راء، وفي رواية ابن حبان ((إلا أن يكون معصية الله بواحاً))، وعند أحمد ((ما لم يأمروك بإثم بواح))، وفي رواية عند أحمد والطبراني والحاكم ((سيلي أموركم من بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون وينكرون عليكم ما تعرفون، فلا طاعة لمن عصى الله))، وعند أبي بكر بن أبي شيبة ((سيكون عليكم أمراء يأمرونكم بما لا تعرفون ويفعلون ما تنكرون، فليس لأولئك عليكم طاعة))، وقوله: ((عندكم من الله فيه برهان))، أي نص آية أو خبر صحيح لا يحتمل التأويل، ومقتضاه أنه لا يجوز الخروج عليهم ما دام فعلهم يحتملُ التأويل، قال النووي: المراد بالكفر ههنا المعصية، ومعنى الحديث لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكراً محققاً تعلمونه من قواعد الإسلام؛ فإذا رأيتم ذلك فأنكروا علیھم، انتهى. وقال غيره: المراد بالإثم ههنا المعصية والكفر فلا يعترض على السلطان، إلا إذا وقع في الكفر الظاهر، والذي يظهر حمل رواية الكفر على ما إذا كانت المنازعة في الولاية، فلا ينازعه بما يقدح في الولاية إلا إذا ارتكب الكفر، وحمل رواية المعصية على ما إذا كانت المنازعة فيما عدا الولاية، فإذا لم يقدح في الولاية نازعه في المعصية، بأن ينكر عليه برفق، ويتوصل إلى تثبيت الحق له بغير عنف، ومحل ذلك إذا كان قادراً. ونقل ابن التين عن الداودي قال: الذي عليه العلماء في أمر الجور، أنه إن قدر على خلعه بغير فتنة ولا ظلم وجب وإلا فالواجب الصبر. وعن بعضهم لا يجوز عقد الولاية لفاسق ابتداء، فإن أحدث جوراً بعد أن كان عدلاً، فاختلفوا في جواز الخروج عليه، والصحيح المنع إلا أن يكفر فيجب الخروج علیه، انتهى. ٤٤ ٠٠ . -- -- --- - - ٢١ - كتاب الجهاد (١) باب (٩٥٢) حديث وَأَنْ نَقُولَ أَوْ نَقُومَ بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا، لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِم. أخرجه البخاريّ في: ٩٣ - كتاب الأحكام، ٤٣ - باب كيف يبايع الإمام الناس . ومسلم في: ٣٣ - كتاب الإمارة، ٨ - باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، وتحريمها في المعصية، حديث ٤١. وقال(١) أيضاً تحت حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - رفعه ((السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)): أي لا يجب ذلك، بل يحرم على من كان قادراً على الامتناع، وتقدم البحث في كتاب الفتن، وملخصه أنه ينعزل بالكفر إجماعاً، فيجب على كل مسلم القيام في ذلك، فمن قوي على ذلك فله الثواب، ومن داهن فعليه الإثم، ومن عجز وجبت عليه الهجرة من تلك الأرض، انتهى . (وأن نقول) باللام (أو نقوم) بالميم شك من يحيى بن سعيد أو مالك، قاله الزرقاني (بالحق حيثما كنا، لا نخاف في الله) أي في نصرة دينه (لومة لائم) من الناس واللومة المرة من اللوم، قال الزمخشري: وفيها وفي التنكير مبالغتان كأنه قال: لا نخاف شيئاً قط من لوم أحد من اللوام، ولومة مصدر مضاف (٢) لفاعله، انتهى (٢). وقال الباجي(٣): يريد أن يظهروا الحق بالقول أو القيام به حيث كانوا من المواطن والأماكن لا يمنعهم من ذلك مخافة ولا لومة لائم، انتهى. قال ابن عبد البر(٤): هكذا روى هذا الحديث عن مالك بهذا الإسناد (١) ((فتح الباري)) (١٣/ ١٢٢). (٢) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٩/٣). (٣) ((المنتقى)) (١٦٤/٣). (٤) انظر: ((التمهيد)) (٢٧١/٢٣). ٤٥ ٢١ - كتاب الجهاد (١) باب (٩٥٣) حديث ٦/٩٥٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ؛ قَالَ: كَتَبَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، يَذْكُرُ لَهُ جُمُوعاً مِنَ الرُّومِ، وَمَا يَتَخَوَّفُ مِنْهُمْ. جمهور رواته، وهو الصحيح، وما خالفه عن مالك فليس بشيء، واختلف فيه على يحيى بن سعيد، فذكره مبسوطاً قال الزرقاني: أضربت عنه لأن الشيخين لم يلتفتا إليه واعتمدا رواية مالك ومن وافقه، فأخرجه البخاري في الأحكام عن إسماعيل عن مالك، ومسلم في المغازي من طريق عبد الله بن إدريس عن يحيى بن سعيد وعبيد الله بن عمر عن عبادة بن الوليد عن أبيه عن جده، (١) ٠ انتھی ٦/٩٥٣ - (مالك، عن زيد بن أسلم، قال: كتب أبو عبيدة) عامر (بن الجراح) أحد العشرة المبشرة (إلى عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه وأرضاه -، يعني حين حاصر أبا عبيدة وأصحابه أهل الشام وأصابهم جهد، كذا في ((المحلى)) (يذكر له) جملة حالية أو مستأنفة، أي يذكر أبو عبيدة لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - (جموعاً) بالضم، قال المجد: الجمع جماعة الناس جمعه جموع (من الروم) اسم قبيلة سميت باسم جدها، وهو روم بن عيصر بن إسحاق بن إبراهيم، كذا في ((الجمل)). (وما يتخوف) بالبناء للفاعل أو المفعول (من أمرهم) كذا في النسخ الهندية، وفي النسخ المصرية: ((منهم))، أي من الروم، وفي ((المحلى)): ما يتخوف من أمرهم من كثرة عدوهم وعُدَدهم، وفي ((شعب البيهقي)): أن أبا عبيدة حصر. وقال الباجي(٢): كتب أبو عبيدة إلى عمر - رضي الله عنه - إذا كان أمير (١) ((شرح الزرقاني)) (٩/٣). (٢) ((المنتقى)) (١٦٥/٣). ٤٦ ---- عد. ٢١ - كتاب الجهاد (١) باب (٩٥٣) حديث فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ مَهْمَا يَنْزِلُ بِعَبْدٍ مُؤْمِنٍ مِنْ مُنْزَلِ شِدَّةٍ، يَجْعَلِ اللَّهُ بَعْدَهُ فَرَجاً، وَإِنَّهُ لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ. المؤمنين يستشير فيما يفعله لما فجأ المسلمين من جموع الروم، ويعلمه ما يتقي منهم، ويخاف من ضعف مسلمي الثغور عنهم (فكتب إليه عمر بن الخطاب) في جواب مكتوبه: (أما بعد) الحمد والصلاة (فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من منزلٍ شدةٍ) بضم الميم وفتح الزاي مصدر، أو اسم مكان، وبفتح الميم وكسر الزاي مكان نزول، قاله الزرقاني، وفي ((المحلى)): مُنْزَل شِدَّةٍ، بإضافة المنزل بزنة المجهول إلى الشدة من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف، وفي نسخةٍ: ((شدة)) بالرفع، وقوله: بزنة اسم الفاعل مجرور ووجهه ظاهر، (يجعل الله بعده فرجاً) بفتح الراء والجيم، وفي نسخة بدله: ((مخرجاً))، كذا في ((المحلى)). ثم استدل عمر - رضي الله عنه - على ذلك بقوله: (وإنه لن يغلب عسر يسرين) قال الخطابي: قيل: معناه العسر بين يسرين، إما فرج عاجل في الدنيا، وإما ثواب آجل في الآخرة، وقيل: أراد أن العسر الثاني هو الأول، كذا في ((المحلى)). قال الباجي: قيل: وجه ذلك أنه لما عرف العسر اقتضى استغراق الجنس، فكان العسر الأول هو الثاني من قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُشْرِ يُسْرًّا (®﴾(١) ولما كان اليسر منكراً كان الأول منه غير الثاني، وقد أدخل البخاري في تفسير سورة ألم نشرح بإثر قوله: ﴿إِنَّ مَعَ الْمُسْرِ بُمْرًا ﴾﴾ كقوله تعالى: ﴿هَلْ تَرَبَصُونَ بِنَّا إِلَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ فهذا يقتضي أن اليسرين عنده الظفر بالمراد والأجر، فالعسر لا يغلب هذين اليسرين؛ لأنه لا بد أن يحصل للمؤمن أحدهما، قال الباجي: وهذا عندي وجه ظاهر، انتهى. قلت: وسياق البخاري في ((صحيحه)) قال ابن عيينة: أي إن مع ذلك العسر يسراً آخر، كقوله: ﴿هَلْ تَرَّصُونَ بِنَّ إِلَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾(٢) ولن يغلب (١) سورة الشرح: الآية ٦. (٢) سورة التوبة: الآية ٥٢. ٤٧ ٢١ - كتاب الجهاد (١) باب (٩٥٣) حديث عسر يسرين، قال الحافظ(١): قوله: إن من ذلك العسر إلى آخره، هذا مصير مع ابن عيينة إلى اتباع النحاة في قولهم: إن النكرة إذا أعيدت نكرة كانت غير الأولى، وموقع التشبيه أنه كما ثبت للمؤمنين تعدد الحسنى، كذا ثبت لهم تعدد اليسر، أو أنه ذهب إلى أن المراد بأحد اليسرين الظفر وبالآخر الثواب، فلا بد للمؤمن من أحدهما . وقوله: (لن يغلب عسر يسرين))، روي هذا مرفوعاً موصولاً ومرسلاً، وروي أيضاً موقوفاً، أما المرفوع فأخرجه ابن مردويه من حديث جابر بإسناد ضعيف، ولفظه: ((أوحي إلي ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ بُسْرًا ﴿ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾﴾﴾، ولن يغلب عسر يسرين)) - وأخرجه السيوطي في (الدر))(٢) مبسوطاً - وأخرج سعيد بن منصور، وعبد الرزاق من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله وَل : ((لو كان العسر في حجر لدخل عليه اليسر حتى يخرجه، ولن يغلب عسر يسرين، ثم قال: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴿َ إِنَّ مَعَ الْعُمْرِ يُسْرًا ﴾﴾﴾))(٣)، وإسناده ضعيف، وأخرجه عبد الرزاق والطبري من طريق الحسن عن النبي ◌َّ وأخرجه عبد بن حميد عن ابن مسعود بإسناد جيد من طريق قتادة، قال: ((ذكر لنا أن رسول الله مَل بشر أصحابه بهذه الآية، فقال: لن يغلب عسر يسرين إن شاء الله)). وأما الموقوف فأخرجه مالك عن زيد بن أسلم، فذكر أثر الباب، ثم قال: وقال الحاكم: صح ذلك عن عمر وعلي - رضي الله عنهما -، وهو في ((الموطأ)) عن عمر - رضي الله عنه -، لكن من طريق منقطع، وأخرجه عبد بن حميد عن ابن مسعود بإسناد جيد، وأخرجه الفراء بإسناد ضعيف عن ابن عباس، انتهى. 1 (١) (فتح الباري)) (٧١٢/٨). (٢) ((الدر المنثور)) (٥٠٤/٨). (٣) سورة الشرح: الآيتان ٦،٥. ٤٨ ٢١ - كتاب الجهاد (١) باب (٩٥٣) حديث وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ قلت: وما حكى الحافظ من مصير ابن عيينة إلى مذهب النحاة ذهب إلى ذلك المذهب أصحاب الأصول أيضاً، كما بسط صاحب ((نور الأنوار)) ومثّل ذلك بقول الشاعر: ففكّر في ألم نَشْرَح إذا اشتدت بك البلوى إذا فكّرته فافرح فعسر بين يسرين وقيدوا ذلك بالإطلاق وخلوّ المقام عن القرائن، وإلا فقد تعاد النكرة نكرةٌ مع عدم المغايرة، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى فِ السَّمَاءِ إِلَهُ وَفِ الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ (وأن الله) تبارك وتعالى (يقول في كتابه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَصْبِرُواْ ﴾) على الطاعات والمصائب وعن المعاصي (﴿وَصَابِرُواْ﴾) الكفار، فلا يكونوا أشدّ صبراً منكم كذا في ((الجلالين)). قال صاحب ((الجمل)): أي غالبوهم في الصبر، ولا تكونوا أضعف فيكونوا أشد منكم صبراً، وأشار الشارح إلى أنه من باب ذكر الخاص بعد العام، لشدة متعلقه وصعوبته، ولأنه أكمل وأفضل من الصبر على ما سواه، فهو كعطف الصلاة الوسطى على الصلوات، انتهى. (﴿وَرَابِطُواْ﴾) أي أقيموا على الجهاد، كذا في ((الجلالين)) وفي ((الجمل)): أصل المرابطة أن يربط هؤلاء خيولهم وهؤلاء خيولهم بحيث يكون كل من الخصمين مستعداً لقتال الآخر، ثم قيل: لكل مقيم بثغر يدفع عن ورائه مرابطاً، وإن لم يكن له مركوب مربوط، انتهى ((خازن)). (﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ﴾) تبارك وتعالى في جميع أحوالكم (﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾) قال الباجي(١)؛ ذكرهم عمر - رضي الله عنه - هذه الآية، ونَبَّههم عليها لما تضمنت جميع ما يحتاجون إليه من الأمر بالصبر ومداومته، وهو قوله: ((وصابروا)) والأمر بالرباط وهو المقام بالثغر، وسدُّه والذبُّ عنه وعن أهله، انتهى. (١) ((المنتقى)) (١٦٥/٣). ٤٩ ٢١ - كتاب الجهاد (٢) باب (٩٥٤) حديث (٢) باب النهي عن أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدوّ ٩٥٤/ ٧ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ مَ﴿ أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ . وأثر الباب أخرجه ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا وابن جرير والحاكم وصححه، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) عن زيد بن أسلم كذا في (الدر))(١) للسيوطي. (٢) النهي عن أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو وتبعه الإمام البخاري في هذه الترجمة، كما سيأتي قريباً. ٧/٩٥٤ - (مالك، عن نافع عن عبد الله بن عمر) رضي الله عنهما (أنه قال نهى رسول الله وَ له أن يسافر بالقرآن) أي بالمصحف أو ما فيه قرآن، قال الباجي(٢): والسفر اسم واقع للغزو وغيره (إلى أرض العدو) أي أهل الشرك، قال الباجي: يريد - والله أعلم - المصحف لما كان القرآن مكتوباً فيها، سماه قرآناً، ولم يرد ما كان منه محفوظاً في الصدر؛ لأنه لا خلاف أنه يجوز لحافظ القرآن الغزو، وإنما كان ذلك لأنه لا إهانة للقرآن في قتل الغازي، وإنما الإهانة للقرآن بالعبث بالمصحف والاستخفاف به، وقد روي مفسراً: ((نهي أن يسافر بالمصحف))، رواه عبد الرحمن بن مهدي عن مالك بهذا السند، انتهى. قال الأبي(٣): لم يكن المصحف مكتوباً حينئذ، فلعله من الإخبار عن مغيب، أو لعله كان مكتوباً في رقاع فيصح، ويتقرر النهي عن السفر بالقليل (١) انظر: ((الدر المنثور (( (٣٩٠/٢). (٢) ((المنتقى)) (١٦٥/٣). (٣) ((إكمال الإكمال)) (٢١٦/٣). ٥٠ ٢١ - كتاب الجهاد (٢) باب (٩٥٤) حديث والكثير منه، لا سيما على القول: إن القرآن اسم جنس يصدق على القليل والكثير، وأما على القول بأنه اسم للجميع فيتعلق النهي بالقليل، لمشاركته الكل في العلة، فإن حرمة القليل منه كالكثير، انتهى. وقال النووي(١): فيه النهي عن المسافرة بالمصحف إلى أرض الكفار للعلة المذكورة، وهي مخافة أن ينالوه فينتهكوا حرمته، فإن أمنت هذه العلة بأن يدخل في جيش المسلمين الظاهرين عليهم، فلا كراهة ولا منع عنه حينئذ لعدم العلة، هذا هو الصحيح، وبه قال أبو حنيفة والبخاري وآخرون، وقال مالك وجماعة من أصحابنا بالنهي مطلقاً، وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة الجواز مطلقاً، والصحيح عنه ما سبق، واتفق العلماء على أنه يجوز أن يكتب إليهم كتاب فيه آية أو آيات، والحجة فيه كتاب النبي وّل إلى هرقل، قال القاضي: وكره مالك وغيره معاملة الكفار بالدراهم والدنانير التي فيها اسم الله تعالى أو ذكره سبحانه، انتهى. قلت: وقال البخاري في (صحيحه))(٢): (باب كراهية السفر بالمصاحف إلى أرض العدو))، وكذلك يروى عن محمد بن بشر عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن النبي ◌َ﴾، وتابعه ابن إسحاق عن نافع، وقد سافر النبي وَسْتَّه صَلىالله وأصحابه في أرض العدو، وهم يَعْلَمُوْنَ القرآنَ، ثم أخرج حديث الباب برواية القعنبي عن مالك. قال الحافظ(٣): قوله: وقد سافر إلى آخره. أشار البخاري بذلك إلى أن المراد بالنهي عن السفر بالقرآن السفر بالمصحف، خشية أن يناله العدو، لا (١) ((شرح النووي على صحيح مسلم)) (١٣/١٣/٧). (٢) ((صحيح البخاري)) (٢٩٩٠). (٣) ((فتح الباري)) (٦/ ١٣٣). ٥١ ٢١ - كتاب الجهاد (٢) باب (٩٥٤) حديث السفر بالقرآن نفسه، وقد تعقبه الإسماعيلي بأنه لم يقل أحد إن من يحسن القرآن لا يغزو في دارهم، وهو اعتراض من لم يفهم مراد البخاري، وادَّعى المهلب أن مراد البخاري بذلك تقوية القول بالتفرقة بين العسكر الكثير والطائفة القليلة، فيجوز في تلك دون هذه. قال ابن عبد البر(١): أجمع الفقهاء أن لا يسافر بالمصحف في السرايا والعسكر الصغير المخوف عليه، واختلفوا في الكبير المأمون عليه، فمنع مالك مطلقاً، وفصل أبو حنيفة، وأدار الشافعية الكراهية مع الخوف وجوداً وعدماً، وقال بعضهم كالمالكية، واستدل به على منع بيع المصحف من الكافر، لوجود المعنى المذكور فيه، وهو التمكن من الاستهانة به، ولا خلاف في تحريم ذلك. وإنما وقع الاختلاف هل يصح لو وقع، ويؤمر بإزالة ملكه عنه أم لا؟ واستدل به على منع تعلم الكافر القرآن، فمنع مالك مطلقاً، وأجاز الحنفية مطلقاً، وعن الشافعي قولان، وفصل بعض المالكية بين القليل، لأجل مصلحة قيام الحجة عليهم، فأجازه، وبين الكثير فمنعه، ويؤيده قصة هرقل، حيث كتب إليه النبي وَلي# بعض الآيات، وقد نقل النووي الاتفاق على جواز الكتاب إليهم بمثل ذلك، انتهى . قال الأبي (٢): أجاز الفقهاء الكتب إليهم بالآية ونحوها للدعاء إلى الإسلام والوعظ، ومنع مالك تعليمهم شيئاً من القرآن، وأجازه أبو حنيفة، واختلف فيه قول الشافعي، وحجة المجيز لعله يرغب في الإسلام، وحجة المانع أنه نجس في الحال، وعدوٌ لله تعالى وكتابه، فقد يعرضه للمهانة، ولو طلب العدو مصحفاً ينظر فيه لم يمكن من ذلك، انتهى. : (١) ((الاستذكار)) (١٣ /٥١). (٢) ((إكمال إكمال المعلم)) (٢١٦/٥). ٥٢ ٢١ - كتاب الجهاد (٢) باب (٩٥٤) حديث وفي ((المنتقى))(١): قال ابن سحنون: قلت لسحنون: أجاز بعض العراقيين الغزو بالمصحف في الجيش الكبير؟ فقال: لا يجوز ذلك لنهي رسول الله الم عن ذلك عاماً ولم يفصل، وقد يناله العدو من ناحية الغفلة، قال الباجي: ولو أن أحداً من الكفار رغب أن يرسل إليه بمصحف يتدبره لم يرسل إليه؛ لأنه نجس جنب، ولا يجوز له مسّ المصحف، ولا يجوز لأحد أن يسلمه إليه، ذكره ابن الماجشون، وكذلك لا يجوز أن يُعَلِّم أحداً من ذراريهم القرآن؛ لأن ذلك سبب لتمكنهم منه، ولا بأس أن يقرأ عليهم احتجاجاً عليهم به، ولا بأس أن يكتب إليهم بالآية ونحوها على سبيل الوعظ، كما كتب ◌ّ إلى ملك الروم ﴿يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ﴾ الآية، انتهى. وقال الزرقاني(٢): استدل بالحديث على منع تعليم الكافر القرآن مطلقاً، وبه قال مالك، وفصل بعض المالكية بين القليل والكثير، وزاد بعضهم منع بيع كتب فقه فيها آثار، قال السبكي: والأحسن أن يقال: كتب علم. وإن لم يكن فيها آثار تعظيماً للعلم الشرعي، وقال ولده التاج: ينبغي منع ما يتعلق بالشرعي ككتب النحو وغيره. وفي ((المحلى)): فرق الحنفية بين العسكر الكبير والصغير، فيجوزون في الأول، لأن الغالب فيه الأمن بخلاف الثاني، لما في ((المحيط))، وقال الطحاوي: كان هذا في بدء الإسلام عند قلة المصاحف وحملة القرآن، ثم انتسخ ذلك لما كثرت المصاحف وكثر القراء، فحينئذ لا بأس به، والأصح ما في ((المحيط))، انتهى. وفي ((الدر المختار))(٣): نهينا عن إخراج ما يجب تعظيمه ويحرم (١) ((المنتقى)) (١٦٥/٣). (٢) ((شرح الزرقاني)) (١٠/٣). (٣) (٣١٦/٤). ٥٣ ٢١ - كتاب الجهاد (٢) باب (٩٥٤) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا ذُلِكَ، مَخَافَةً أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ . أخرجه البخاريّ في: ٥٦ - كتاب الجهاد والسير، ١٢٩ - باب السفر بالمصاحف إلى أرض العدوّ. ومسلم في: ٣٣ - كتاب الإمارة، ٢٤ - باب النهي أن يسافر بالمصحف إلى أرض الكفار، حديث ٩٣. الاستخفاف به، كمصحف وكتب فقه وحديث، قال ابن عابدين: خلافاً لقول الطحاوي: إن ذلك إنما كان عند قلة المصاحف كي لا تنقطع عن أيدي الناس، وأما اليوم فلا يكره، انتهى. (قال مالك: وإنما ذلك) أي النهي (مخافة) بالنصب للأجلية (أن يناله العدو) فيؤدي إلى استهانته. والحديث أخرجه البخاري برواية القعنبي عن مالك بدون هذه الزيادة، قال الحافظ (١): أورده ابن ماجه من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن مالك، وزاد: ((مخافة أن يناله العدو))، ورواه ابن وهب عن مالك فقال: ((خشية أن يناله العدو))، وأخرجه أبو داود عن القعنبي عن مالك، فقال: قال مالك: أراه مخافة، فذكره، قال أبو عمر: كذا قال يحيى بن يحيى الأندلسي ويحيى بن بكير وأكثر الرواة عن مالك، فجعلوا التعليل من قول مالك، ولم يرفعوه، وأشار أبو عمر إلى أن ابن وهب تفرد برفعها، وليس كذلك لما تقدم من رواية ابن ماجه، وهذه الزيادة رفعها ابن إسحاق أيضاً عند أحمد، وكذلك أخرجها مسلم والنسائي وابن ماجه من طريق الليث عن نافع ومسلم من طريق أيوب بلفظ: ((فإني لا آمن أن يناله العدو))، فصح أنه مرفوع، وليس بمدرج، ولعل مالكاً كان يجزم به، ثم صار يشك في رفعه، فجعله من تفسير نفسه، انتهى. . -.. - قلت: ورفعه محمد بن بشير عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر، كما (١) ((فتح الباري)) (١٣٣/٦). ٥٤ ..----- - ٢١ - كتاب الجهاد (٣) باب (٩٥٥) حدیث (٣) النهي عن قتل النساء والولدان في الغزو ٨/٩٥٥ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ أَبْنِ شِهَابٍ، عَنِ أَبْنِ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكِ؛ قَالَ: (حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ كَعْبٍ) أخرجه إسحاق بن راهويه في ((مسنده)) بلفظ: ((كره رسول الله وَال أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو)). (٣) النهي عن قتل النساء والولدان بالكسر، قال الراغب: الولد المولود يقال: للواحد والجميع والصغير والكبير، ويقال: الوليد لمن قرب عهده بالولادة، فإذا كبر سقط عنه هذا الاسم، وجمعه ولدان، قال تعالى: ﴿يَوْمَا يَجْعَلُ الْوِلْدَنَ شِيبًا﴾، وفي ((المجمع)): الوليد الطفل جمعه ولدان، والأنثى وليدة جمعها ولائد (في الغزو) وهو قول الجمهور، حتى حكى عليه الإجماع غير واحد. قال ابن رشد(١): لا خلاف بينهم في أنه لا يجوز قتل صبيانهم ولا نسائهم ما لم تقاتل المرأة والصبي، فإذا قاتلت استبيح دمها، انتهى. قلت: وفيه بعض الخلاف سيأتي قريباً . ٨/٩٥٥ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن ابن لكعب بن مالك) الأنصاري، وسيأتي شيء من الكلام على اسمه، ولم يتعرض له الحافظ في مبهمات ((التعجيل))، وقد روى عن كعب أولاده عبد الله وعبيد الله ومحمد ومعبد وعبد الرحمن، كما في ((التهذيب)). (قال مالك: حسبت أنه) أي الزهري (قال) محل عن ابن لكعب عن (عبد الرحمن بن كعب) قال ابن عبد البر: كذا ليحيى وابن القاسم وابن بكير (١) (بداية المجتهد)) (٣٨٣/١). ٥٥ ----- ٢١ - كتاب الجهاد (٣) باب (٩٥٥) حدیث أَنَّهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ الَّذِينَ قَتَلُوا أَبْنَ أَبِي الْحُقَيْقِ وبشر بن عمر وغيرهم، وقال القعنبي: حسبت أنه قال: عبد الله بن كعب أو عبد الرحمن بالشك، وقال ابن وهب: عن ابن لكعب، ولم يقل عبد الله ولا عبد الرحمن ولا حسب شيئاً من ذلك، انتهى. قلت: وتقدمت ترجمة عبد الرحمن بن كعب في آخر الجنائز، مع الاختلاف بينهم في سماع الزهري عنه، وأما عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري المدني كان قائد أبيه حين عمي، روى عنه الزهري وجماعة، ذكره ابن حبان في ((الثقات)) وقال: مات في ولاية سليمان سنة ٩٧هـ أو سنة ٩٨ هـ من رواة الستة إلا الترمذي، ذكره العسكري فيمن لحق النبي ◌َّ، وقال الواقدي: ولد على عهده ﴿1، كذا في ((تهذيب الحافظ))(١). (أنه) أي ابن كعب (قال: نهى رسول الله وَل﴾) قال ابن عبد البر(٢): اتفق رواة ((الموطأ)) على إرساله، ولا علمت أحداً أسنده عن مالك من جميع رواته إلا الوليد بن مسلم، فإنه قال فيه: عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن كعب بن مالك أخرجه الدارقطني، كذا في ((التنوير))(٣)، قلت: وذكر الحافظ في ((الفتح)) (٤) في ((باب أهل الدار يبيتون)) رواية الإسماعيلي من طريق الزهري، قال: أخبرني ابن كعب بن مالك عن عمه، أن رسول الله وقّلو لما بعث إلى ابن أبي الحقيق نهى عن قتل النساء والصبيان، انتهى. (الذين قتلوا) وهم خمسة نفر أو ستة، كما سيأتي في كلام الحافظ، (ابن أبي الحقيق) - بضم الحاء المهملة وقافين مصغراً - هو أبو رافع اليهودي (١) (٣٦٩/٥). (٢) انظر: ((الاستذكار)) (٥٥/١٤) و((التمهيد)) (١٦٦/١١). (٣) ((تنوير الحوالك)) (ص٣٧٥). (٤) (فتح الباري)) (١٤٧/٦). ٥٦ ٢١ - كتاب الجهاد (٣) باب (٩٥٥) حديث المشهور، وترجم البخاري في (صحيحه)) ((قتل أبي رافع عبد الله بن أبي الحقيق، ويقال: سلام بن أبي الحقيق، كان بخيبر، ويقال: في حصن له بأرض الحجاز)). قال الحافظ (١): الحقيق بمهملة وقاف مصغراً، والذي سماه عبد الله هو عبد الله بن أنيس، وذلك فيما أخرجه الحاكم في ((الإكليل)) من حديثه مطولاً، وأوله ((أن الرهط الذين بعثهم رسول الله وّل إلى عبد الله بن أبي الحقيق ليقتلوه، وهم عبد الله بن عتيك وعبد الله بن أنيس وأبو قتادة وحليف لهم ورجل من الأنصار، وأنهم قدموا خيبر ليلاً))، فذكر الحديث. وقال ابن إسحاق: هو سَلَّام أي بتشديد اللام، قال: لما قتلت الأوس كعب بن الأشرف، استأذنت الخزرجُ رسولَ الله وَّ في قتل سلّام بن أبي الحقيق وهو بخيبر، فأذن لهم، قال: فحدثني الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك، قال: كان مما صنع الله لرسوله أن الأوس والخزرج كانا يتصاولان تصاول الفحلين، لا تصنع الأوس شيئاً، إلا قالت الخزرج: والله لا تذهبون بهذه فضلاً علينا، وكذلك الأوس، فلما أصابت الأوس كعب بن الأشرف، تذاكرت الخزرج من رجل له العداوة لرسول الله وَل﴾، كما كان لكعب، فذكروا ابن أبي الحقيق وهو بخيبر، انتهى. ويقال: في حصن له بأرض الحجاز، كما وقع في حديث البراء عند البخاري. قال الحافظ(٢): ويحتمل أن يكون حصنه كان قريباً من خيبر في طرف أرض الحجاز، ولأبي رافع المذكور أخوان مشهوران من أهل خيبر، أحدهما كنانة، وكان زوج صفية قبل النبي ◌َّير، وأخوه الربيع بن أبي الحقيق، وقتلهما النبي ◌َلّ جميعاً بعد فتح خيبر، انتهى. (١) ((فتح الباري)) (٣٤٢/٧). (٢) ((فتح الباري)) (٣٤٢/٧). ٥٧ ٢١ - كتاب الجهاد (٣) باب (٩٥٥) حديث عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ، قَالَ: فَكَانَ رَجُلٌ مِنْهُمْ وأخرج البخاري من رواية البراء، قال: ((بعث رسول الله وَلّ رهطاً إلى أبي رافع، فدخل عليه عبد الله بن عتيك بيته ليلاً هو نائم فقتله))، الحديث. قال ابن سعد: كانت في رمضان سنة ست، وقيل: في ذي الحجة سنة خمس، وقيل: فيها سنة أربع، وقيل: في رجب سنة ثلاث، وقد سمي منهم عند البخاري عبد الله بن عتيك - بفتح المهملة وكسر المثناة - وعبد الله بن عتبة، قال الحافظ: ولم يذكر عبد الله بن عتبة، إلا في هذا الحديث. وزعم ابن الأثير في ((جامع الأصول)) أنه ابن عنبة، بكسر العين وفتح النون، وهو غلط، فإنه متأخر الإسلام، وهذه القصة متقدمة، والرواية بضم العين وسكون المثناة، لا بالنون، وعند ابن إسحاق: عبد الله بن عتيك ومسعود بن سنان وعبد الله بن أنيس وأبو قتادة وخزاعي بن الأسود، وقلبه بعضهم، فقال: أسود بن خزاعي، فإن كان عبد الله بن عتبة محفوظاً، فقد كانوا ستة، وفي حديث عبد الله بن أنيس في ((الإكليل)) أسود بن حرام، وكذا ذكره موسى بن عقبة في ((المغازي)) فإن كان غير من ذكر وإلا فهو تصحيف. وفي ((دلائل البيهقي)) من طريق موسى بن عقبة على الشك هل هو أسود بن خزاعي أو أسود بن حرام، وكان سبب قتله، كما أخرجه البخاري برواية البراء قال: وكان أبو رافع يؤذي رسول الله وَ له ويُعين عليه، وذكر ابن عائذ من طريق أبي الأسود عن عروة، أنه كان ممن أعان غطفان وغيرهم من مشركي العرب بالمال الكثير على رسول الله وَّر، وعند ابن إسحاق: كان فيمن حَزَّبَ الأحزاب يوم الخندق، فبعث إليه عبد الله بن عتيك ومعه أربعة، الحدیث . (عن قتل النساء والولدان) أي الصبيان يعني نهاهم حين أنفذهم لقتله، وتقدم قريباً من رواية الإسماعيلي بسنده، أن رسول الله و ◌َ﴿ لما بعث إلى ابن أبي الحقيق نهى عن قتل النساء والصبيان (قال: فكان رجل منهم) أي من ٥٨ ٢١ - كتاب الجهاد (٣) باب (٩٥٥) حديث يَقُولُ: بَرَّحَتْ بِنَا أَمْرَأَةُ أَبْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ بِالصِّيَاحِ، فَأَرْفَعُ السَّيْفَ عَلَيْهَا، ثُمَّ أَذْكُرُ نَهْيَ رَسُولِ اللَّهِ فَهَ، فَأَكُفُّ، وَلَوَّلَا ذَلِكَ أَسْتَرَحْنَا مِنْهَا . قال ابن عبد البر: اتفق رواة ((الموطأ)) على إرساله. الخمسة الذين ذهبوا لقتله (يقول: برحت) بفتح الموحدة والراء المهملة والثقيلة والحاء المهملة أي أظهرت، وفي ((المجمع)): برّح به إذا شق عليه، وبرح الخفاء إذا ظهر، انتهى. وعلى هذا فيكون التعدية بالباء، وقال المجد: برحاء الحمى وغيرها: شدة الأذى، ومنه بَرَّح به الأمر تبریحاً، انتهى. (بنا امرأة ابن أبي الحقيق بالصياح) وعند ابن سعد: فلما رأت السلاح أرادت أن تصيح، فأشار إليها ابن عتيك بالسيف فسكتت، وعند ابن إسحاق: فصاحت امرأته، فنوهت بنا فجعلنا نرفع السيف عليها، ثم نذكر نهي رسول الله وَ ل﴿ عن قتل النساء فنكف عنها، قال الزرقاني(١): فيمكن أنهم لما دخلوا صاحت صياحاً لم يسمع، ثم أرادت رفع صوتها ومداومة الصياح، لتسمع الجيران، فرفعوا عليها السيف فسكتت (فأرفع عليها) أي على امرأة ابن أبي الحقيق (السيف) لأقتلها لصياحها (ثم أذكر نهي رسول الله وَلّد) عن قتل النساء إذ نهاهم حين أنفذهم (فأكف) بشد الفاء أي أمتنع عن قتلها (ولولا ذاك) أي نهيه ◌َّ (لاسترحنا منها) بقتلها، بزيادة اللام في أولها في النسخ الهندية، وفي النسخ المصرية: ((استرحنا)) بدون اللام. قال الباجي(٢): فكان يمنعه قتلها إذا رفع عليها السيف ما يذكر من نهي رسول الله وَّ عن قتل النساء والولدان، ولولا ما يذكره من ذلك النهي لقتلها، فاستراحوا منها، وهذا يدل على التعلق بالعموم؛ لأنه أجرى نهيه وَ ل على (١) ((شرح الزرقاني)) (١١/٣). (٢) ((المنتقى)) (١٦٦/٣). ٥٩ ٢١ - كتاب الجهاد (٣) باب (٩٥٦) حديث ٩/٩٥٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ أَبْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ رَأَى فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ العموم في سائر الحالات، ولم يقصره على القصد إلى ذلك دون الحاجة إليه، والذي يظهر من مذهب أصحابنا أنه لا تقتل المرأة إذا جرى منها مثل هذا من الإنذار بالصياح، وقد قال ابن سحنون: لا يقتل النساء في الحراسة، خلافاً للأوزاعي في قوله: يقتلن في الحراسة، ووجه ذلك أن الحراسة على الأسوار، والحصون ليست من باب المدافعة، انتهى. ٩/٩٥٦ - (مالك عن نافع) زاد في النسخ المصرية بعد ذلك: ((عن ابن عمر))، وليست هذه في النسخ الهندية، وهو الصواب كما سيأتي (أن رسول الله وَله) قال ابن عبد البر(١): هكذا أرسله أكثر رواة ((الموطأ))، ووصله عن مالك عن نافع عن ابن عمر جماعة، منهم عبد الرحمن بن مهدي وابن بكير وأبو مصعب وعبد الله بن يوسف التّنِّيسى وآخرون، كذا في ((التنوير))(٢). وعلم منه أن ما في بعض نسخ ((الموطأ)) المصرية من ذكر ابن عمر في رواية يحيى ليس بوجيه، وأخرجه الشيخان وأبو داود برواية الليث وغيره عن نافع عن ابن عمر موصولاً . (رأى في بعض مغازيه) قال القسطلاني(٣): هي غزوة الفتح، كما في ((المعجم الأوسط)) للطبراني، يعني في رواية ابن عمر - رضي الله عنهما -، كما ذكره الحافظ في ((الفتح))، وذكر أيضاً النهي عنه برواية ابن حبان في غزوة حنين، وبرواية أبي داود في ((المراسيل)) في غزوة الطائف، قال: ويحتمل التعدد . (١) انظر: ((الاستذكار)) (٥٨/١٤) و((التمهيد)) (١٣٦/١٦ -١٣٨). (٢) ((تنوير الحوالك)) (ص٣٧٦). (٣) ((إرشاد الساري)) (٦/ ٥٤٣). ٦٠