Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ - كتاب الجهاد (١) باب (٩٤٩) حديث وذكر هذه الأجوبة الباجي إذ قال: وقد روي عن أبي عبد الرحمن الحبلي سمعت رسول الله وسلم يقول: ((ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبوا غنيمة إلّا تعجلوا ثلثي أجرهم))، الحديث، أخرجه مسلم وهذا الحديث لا يثبت(١)، رواه أبو هانئ حميد بن هانئ، وليس بمشهور، ولو ثبت لكان معناه أن يصيبوا غنيمة على غير وجهها، أو يكونوا قد خرجوا قاصدين لها مع إرادة الجهاد، ولا يصح حمله على عمومه؛ لأنا لا نعلم غازياً أعظم أجراً من أهل بدر على ما أصابوا من الغنيمة، انتهى (٢). وقال عياض(٣): الوجه عندي إجراء الحديثين على ظاهرهما، واستعمالهما على وجههما، ولم يجب عن الإشكال المتعلق بأهل بدر، وقال ابن دقيق العيد: لا تعارض بين الحديثين، بل الحكم فيهما جارٍ على القياس؛ لأن الأجور تتفاوت بحسب زيادة المشقة فيما كان أجره بحسب مشقته إذ للمشقة دخول في الأجر، وإنما المشكل العمل المتصل بأخذ الغنائم يعني فلو كانت تنقص الأجر لما كان السلف الصالح يثابرون عليها، فيمكن أن يجاب عنه بأن أخذها من جهة تقديم بعض المصالح الجزئية على بعض؛ لأن أخذ الغنائم أول ما شرع كان عوناً على الدين وقوة لضعفاء المسلمين، وهي مصلحة عظمى تغفر لها بعض النقص في الأجر من حيث هو. وأما الجواب عمَّن استشكل ذلك بحال أهل بدر، فالذي ينبغي أن يكون التقابل بين كمال الأجر ونقصانه لمن يغزو بنفسه إذا لم يغنم، أو يغزو فيغنم، فغايته أن حال أهل بدر مثلاً عند عدم الغنيمة أفضل منه عند وجودها، ولا ينفي ذلك أن يكون حالهم أفضل من حال غيرهم من جهة أخرى، ولم يرو (١) قلت: قال الحافظ ابن حجر: هذا مردود؛ لأنه ثقة، يحتج به عند مسلم. (٢) ((المنتقى)) (١٦٠/٣). (٣) انظر: ((فتح الباري)) (٩/٦). ٢١ ... - ٢١ - كتاب الجهاد (١) باب (٩٤٩) حديث فيهم نص أنهم لو لم يغنموا كان أجرهم بحاله من غير زيادة، ولا يلزم من كونه مغفوراً لهم، وأنهم أفضل المجاهدين أن لا يكون وراءهم مرتبة أخرى. وأما الاعتراض بحل الغنائم فغير وارد، إذ لا يلزم من الحل ثبوت وفاء الأجر لكل غازٍ، والمباح في الأصل لا يستلزم الثواب بنفسه، لكن ثبت أن أخذ الغنيمة واستيلاءها من الكفار يحصل الثواب، ومع ذلك فمع ثبوت الفضل في أخذ الغنيمة، وصحة التمدح بأخذها، لا يلزم من ذلك أن كل غازٍ يحصل له من أجر غزاته نظير من لم يغنم شيئاً البتة (١). قال الحافظ (٢): والذي مثل بأهل بدر أراد التهويل، وإلا فالأمر على ما تقرر آخراً بأنه لا يلزم من كونهم مع أخذ الغنيمة أنقص أجراً، مما لو لم يحصل لهم أجر الغنيمة أن يكونوا في حال أخذهم الغنيمة مفضولين بالنسبة إلى من بعدهم، كمن شهد أحداً لكونهم لم يغنموا شيئاً، بل أجر البدري في الأصل أضعاف أجر من بعده، مثال ذلك أن يكون لو فرض أجر البدري بغير غنيمة ستمائة، وأجر الأحُدي مثلاً بغير غنيمة مائة، فإذا نسبنا ذلك باعتبار حديث عبد الله بن عمرو كان للبدري لكونه أخذ الغنيمة مائتان وهي ثلث الستمائة، فيكون أكثر أجراً من الأحُدي. وإنّما امتاز أهل بدر بذلك لكونها أول غزوة شهدها النبي ◌َّ في قتال الكفار، وكان مبدأ اشتهار الإسلام وقوة أهله، فكان لمن شهدها مثل أجر من شهد المغازي التي بعدها جميعاً، فصارت لا يوازيها شيء في الفضل. واختار ابن عبد البر أن المراد بنقص أجر من غنم أن الذي لا يغنم يزداد أجره لحزنه على ما فاته من الغنيمة، كما يؤجر من أصيب بماله، فكان الأجر (١) (شرح الزرقاني)) (٤/٣، ٥). (٢) ((فتح الباري)) (٩/٦). ٢٢ -- ٢١ - كتاب الجهاد (١) باب (٩٥٠) حديث ٣/٩٥٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي صَالِحِ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ لما نقص عن المضاعفة بسبب الغنيمة عند ذلك، كالنقص من أصل الأجر(١) ولا يخفى مباينة هذا التأويل لسياق حديث عبد الله بن عمرو الذي تقدم ذكره. وذكر بعض المتأخرين للتعبير بثلثي الأجر في حديث عبد الله بن عمرو حكمة لطيفة بالغة، وذلك أن الله أعدَّ للمجاهدين ثلاث كرامات، دنيويتان، وأخروية، فالدنيويتان: السلامة والغنيمة، والأخروية: دخول الجنة، فإذا رجع سالماً غانماً، فقد حصل له ثلثا ما أعدّ الله له، وبقي له عند الله الثلث، وإن رجع بغير غنيمة عوض الله عز وجل عن ذلك ثواباً في مقابلة ما فاته، وكان معنى الحديث أنّه يقال للمجاهد: إذا فات عليك شيء من أمر الدنيا عوضتك عنه ثواباً، وأما الثواب المختص بالجهاد، فهو حاصل للفريقين معاً، قال: وغاية ما فيه عدّ ما يتعلق بالنعمتين الدنيويتين أجراً بطريق المجاز، كذا في ((الفتح)). ٣/٩٥٠ - (مالك عن زيد بن أسلم) العدوي (عن أبي صالح) ذكوان (السمان) بائع السمن (عن أبي هريرة) الحديث أخرجه مسلم في كتاب الزكاة مطولاً برواية حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم، وبرواية سهيل بن أبي صالح عن أبيه بلفظ قال رسول الله وَ﴾: ((ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته))، الحديث. وفيه زكاة الكنز والإبل والغنم إلى أن قال سهيل: ولا أدري أذكر زكاة البقر أم لا. قالوا: فالخيل يا رسول الله! قال: ((الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة. الخيل ثلاثة))، ثم ذكر نحو حديث الباب. قال الطيبي(٢): جواب على أسلوب الحكيم وله توجيهان؛ فعلى مذهب (١) هكذا في ((فتح الباري)) (٩/٦) وفي الأصل ((الغنيمة)). (٢) ((شرح الطيبي)) (١٤٧٣/٥). ٢٣ ٢١ - كتاب الجهاد (١) باب (٩٥٠) حدیث أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ: «الْخَيْلُ لِرَجُلِ أَجْرٌ، وَلِرَجُلِ سِتْرٌ، وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ. فَأَمَّا الَّذِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، الشافعي معناه دع السؤال عن الوجوب إذ ليس فيه حق واجب، لكن اسأل عما يرجع من اقتنائها على صاحبها من المضرة والمنفعة، وعلى مذهب(١) معناه لا تسأل عما وجب فيه من الحقوق وحده، بل اسأل عنه وعما يتصل بها من المنفعة والمضرة، كذا في ((المرقاة))، والحديث من مستدلات الحنفية في وجوب الزكاة في الخيل، والمسألة خلافية تقدمت في ((كتاب الزكاة)). ! ! (أن رسول الله وَّر قال: الخيل) هي جماعة الأفراس ليس له مفرد من لفظه، وقيل: مفرده الخائل، كذا في ((المحلى))، وسيأتي شيء منه في ((باب الخيل .. )) (ثلاثة) هكذا في النسخ الهندية أي ثلاثة أنواع، وليست هذه اللفظة في النسخ المصرية، وعزاه الزرقاني إلى نسخة القعنبي، فقال: زاد القعنبي: لثلاثة، يريد أن اتخاذها وربطها في الغالب يكون لأحد هذه الثلاث الأحوال (لرجل أجر) أي ثواب يعني أما لمجرد الأجر (ولرجل ستر) بكسر السين وسكون المثناة الفوقية أي ساتر لفقره أو حاله لا أجر فيها ولا وزر (وعلى رجل وزر) بكسر الواو أي إثم ومعصية . قال الحافظ(٢) وتبعه صاحب ((المحلى)) والزرقاني: وجه الحصر في الثلاثة أن الذي يقتني الخيل إما أن يقتنيها للركوب أو للتجارة، وكل منهما إما أن يقترن به فعل طاعة الله وهو الأول، أو معصيته وهو الأخير، أو يتجرد عن ذلك، وهو الثاني. (فأما الذي هي له أجر، فرجل ربطها في سبيل الله) أي أعدها لهذا الوجه واتخذها من سببه، وهو من وجوه البر يثاب عليه صاحبه في حال مقامه دون (١) كذا في الأصل، والظاهر مذهب أبي حنيفة، ((ش)) انظر: ((شرح الطيبي)) (١٤٧٣/٥). (٢) ((فتح الباري)) (٦٤/٦). ٢٤ مصعـ 1 --- ٢١ - كتاب الجهاد (١) باب (٩٥٠) حديث فَأَطَالَ لَهَا فِي مَرْجِ أَوْ رَوْضَةٍ، فَمَا أَصَابَتْ فِي طِيَلِهَا استعماله في الجهاد وغزو العدو؛ لأنه من باب الإنفاق في سبيل الله والإعداد له، والإرهاب على العدو، فإذا غزا به كان له أجر الجهاد والغزو وأجر الاتخاذ والرباط، كذا في ((المنتقى))، والأصل فيه قوله عز اسمه: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أُسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ، عَدُوَّ الَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾(١) الآية. (فأطال لها) أي أطال الرجل الرابط حبلها الذي ربطها فيه حتى تسرح للرعي (في مرج) بفتح الميم وإسكان الراء آخره جيم، فسره القاري بالمرعى، قال الراغب(٢): أصل المرج الخلط والمروج الاختلاط، يقال: مَرِج أمرهم: اختلط، ويقال للأرض التي يكثر فيها النبات فتمرج فيه الدواب: مرج، انتهى. وفي ((المجمع))(٣): المرج: الخلط، وطول لها في مرج، هي الأرض الواسعة ذات نبات كثير تمرج فيه الدواب أي تخلى تسرح مختلطة كيف شاءت (أو روضة) شك من الراوي، وفي ((المشكاة)) عن مسلم بلفظ: ((وروضة)) بالواو، قال القاري: عطف تفسير أو الروضة أخص من المرعى، وفي نسخة ((المصابيح)) بلفظ: ((أو)) قال ابن الملك: شَكٌّ من الراوي، انتهى. قلت: وهو كذلك في أصل مسلم بلفظ (أو))، وفي ((المجمع)): الروضة: البستان في غاية النضارة الكشاف كل أرض ذات نبات ومياه، انتهى. وقال الزرقاني(٤) تبعاً للحافظ: أكثر ما يطلق في الموضع المرتفع (فما أصابت) أي أكلت من العشب والزرع وشربت ومشت (في طيلها) بكسر الطاء المهملة وفتح التحتانية بعدها لام، هو الحبل الذي يرتبط به، ويطول لها (١) سورة الأنفال: الآية ٦٠. (٢) ((مفردات ألفاظ القرآن)) (ص ٧٦٤). (٣) ((مجمع بحار الأنوار)) (٥٥٩/٤). (٤) ((شرح الزرقاني)) (٥/٣). ٢٥ ٢١ - كتاب الجهاد (١) باب (٩٥٠) حديث ذَلِكَ مِنَ الْمَرْجِ أَوِ الرَّوْضَةِ، كَانَ لَهُ حَسَنَاتٌ. وَلَوْ أَنَّهَا قَطَعَتْ طِيَلَهَا ذُلِكَ، فَاسْتَنَّتْ لترعى، ويقال له: طول بالواو المفتوحة أيضاً، قاله الحافظ(١). قال الزرقاني: ولم يأت به روايته ههنا، كما زعم بعضهم، إنما ورد في حديث أبي هريرة موقوفاً معلقاً عند البخاري في فضل الجهاد والسير بلفظ: ((إن فرس المجاهد ليستن في طوَله، فيكتب له حسنات))، انتهى. قلت: لكنه وارد عند مسلم(٢) في حديث الباب من رواية حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم بلفظ: ((فما أكلت من ذلك المرْج والروضة من شيء إلا كتب له عدد ما أكلت حسنات، وكتب له عدد أروائها وأبوالها حسنات، ولا تقطع طولها فاستنت شَرَفاً أو شرفين، إلا كتب الله عدد آثارها وأروائها»، الحديث . وقال القاري(٣): الطول حبلها الطويل الذي يشدّ أحد طرفيه في يد الفرس، والآخر في وتد أو غيره، لتدور فيه، وترعى من جوانبها ولا تذهب لوجهها، انتهى. وكذا قال العيني وزاد، وقيل: هو الحبل تشد به ويمسك صاحبه بطرفه ويرسلها لترعى، وقال ابن وهب: هو الرسن، وأنكر يعقوب الياء، وقال: لا يُقال إلا بالواو، وعن الأخفش هما سواء، انتهى. (ذلك) إشارة إلى الطيل (من المرج أو الروضة) بالشك كالسابقة (كان) ما أصابته، وفي نسخة: كانت بالتأنيث نظراً لمعنى ما (له حسنات) يوم القيمة (ولو أنها) أي الخيل (قطعت طِيَلها ذلك فاستنت) بفتح المثناة الفوقية وتشديد النون أي مرحت بنشاط، وقال الجوهري: هو أن يرفع يديه ويطرحهما معاً، وقال (١) انظر: ((فتح الباري)) (٦٤/٦). (٢) (٦٨٠/٢) كتاب الزكاة. (٣) ((مرقاة المفاتيح)) (١٢٤/٤). ٢٦ ---- ٢١ - كتاب الجهاد (١) باب (٩٥٠) حديث شَرَفاً أَوْ شَرَفَيْنِ، كَانَتْ آثَارُهَا وَأَرْوَاتُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ، وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهْرِ ، غيره: أن يلج في عدوه مقبلاً أو مدبراً، وفي المثل: استنت الفصال حتى القرعى، يضرب لمن يتشبه بمن فوقه، كذا في ((الفتح))(١). (شرفاً أو شرفين) بفتح المعجمة والراء والفاء فيهما، الشرف العالي من الأرض سمي بذلك؛ لأن العالي يشرف على ما يتوجه إليه، وقال القاري: أي شوطاً أو ميداناً أو موضعاً عالياً من الأرض أو ذهاباً إلى إخراج المرج أو منع العود إلى محلها، أو إنما سمي شرفاً؛ لأن الدابة تعدو حتى تبلغ شرفاً من الأرض أي مرتفعاً من الأرض، فتقف عند ذلك وقفة، ثم تعدو ما بدا لها، انتهى . وقال الباجي(٢): استنان الشرف الجري إلى ما يعلو من الأرض، وقد رأيت لبعض أهل اللغة أن الشرف والطلق واحد، فيكون معناها على هذا جريها طلقاً أو طلقين، انتهى. (كان) في النسخ الهندية، وفي النسخ المصرية: كانت (آثارها) بالمد والمثلثة أي خطاها في الأرض، وقال العيني(٣): جمع أثر، وأثر كل شيء بقيته. والظاهر أن المراد أثر خطواتها في الأرض، انتهى (وأروائها) بمثلثة جمع روث قال الحافظ: يريد ثواب ذلك لا أن الأرواث بعينها توزن (حسنات له) أي لصاحبها يوم القيمة (ولو أنها) أي الخيل (مرّت) بشد الراء (بنهر) بفتح الهاء وسكونها لغتان فصيحتان ذكرهما ثعلب، وقال الهروي: الفتح أفصح، وقال ابن خالويه: الأصل فيه التسكين، قاله العيني. (١) (٥/٦). (٢) ((المنتقى)) (١٦٢/٣). (٣) ((عمدة القاري)) (٨٧/٩). ٢٧ ٢١ - كتاب الجهاد (١) باب (٩٥٠) حدیث فَشَرِبَتْ مِنْهُ، وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَ بِهِ، كَانَ ذُلِكَ لَهُ حَسَنَاتٍ، فَهِيَ لَهُ أَجْرٌ. وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِياً (فشربت منه) أي من النهر بغير قصد المالك كما بينه بقوله: (ولم يرد) الجملة حالية (أن يسقي) بفتح الياء وضمها، قاله القاري، والمفعول محذوف وفي رواية القعنبي عند البخاري: (أن يسقيها به)) أي من ذلك النهر، قال العيني: من باب التنبيه؛ لأنه إذا كان يحصل له هذه الحسنات من غير أن يقصد سقيها، فإذا قصدها فأولى بأضعاف الحسنات، وقال القرطبي: أي يمنعها من شرب يضرها، أو لأنه كره أن يشرب من ماء غيره بغير إذنه، انتهى. (كان ذلك) أي شربها بدون قصده (له حسنات) يوم القيامة، وقال الحافظ(١): فيه أن الإنسان يؤجر على التفاصيل التي تقع في فعل الطاعة إذا قصد أصلها، وإن لم يقصد تلك التفاصيل، وقد تأوله بعض الشراح فقال ابن المنير: قيل: إنما أُجِرَ لأن ذلك وقت لا ينتفع بشربها فيه، فيغتم صاحبها بذلك فيؤجر، وقيل: إن المراد حيث تشرب من ماء الغير بغير إذنه، فيغتم صاحبها لذلك فيؤجر، وكل ذلك عدول عن القصد، انتهى. قال الباجي: يريد ◌َ﴾ أن تصرف هذه الخيل وإن كان بغير سببه يكون حسنات له، ولذلك وصف أولاً ما كان بسببه من الإطالة لها في المرج والروضة، ثم ذكر ما يكون بغير سبب ومن غير اختياره من قطع الطيل واستنان الشرف، وذكر بعد ذلك ما لم يرد فعله من أن تشرب من غير أن يريد سقيها، وأخبر أن ذلك كله حسنات له من ربطها، وإنما أتى بذلك - والله أعلم - ليستوعب أنواع التصرفات، انتهى. (فهي) الخيل (له أجر) وهذا أحد الأنواع الثلاثة (و) الثاني الذي هي له ستر (رجل ربطها) أي الخيل (تغنياً) بفتح المثناة الفوقية والغين المعجمة وكسر (١) ((فتح الباري)) (٦/ ٦٤). ٢٨ ٢١ - كتاب الجهاد (١) باب (٩٥٠) حديث وَتَعَفُّفاً، وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ النون الثقيلة والمثناة التحتية أي استغناء عن الناس، يقال: تغنيت بما رزقني الله تغنياً، وتغانيت تغانياً، واستغنيتُ استغناء كلها بمعنى، والمعنى أنه يطلب بنتاجها أو بما حصل من أجرتها ممن يركبها ونحو ذلك تغنياً عن سؤال الناس (وتعففاً) عن مسألتهم منصوبان على التعليل (ولم ينس حق الله) عزَّ وجل . قال الباجي(١): يريد أنه ربطها ليستغني بها، ويعفّ عن السؤال، وهو مع ذلك من قصده فيها لم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها، يريد - والله أعلم - أن اتخاذها لهذا الوجه لا يسقط حق الله فيها، فإن ضَيَّعَ حقوق الله فيها لم توصف بأنها ستر له خاصة لما يلحقه من المأثم والوزر بسببها، وإنما يوصف بذلك من لم يأثم باتخاذها؛ لأنه أدى حق الله عز وجل في رقابها وظهورها، انتھی . والحديث هكذا أخرجه البخاري في ((كتاب الشرب)) برواية مالك عن زيد بن أسلم، ولفظ مسلم برواية سهيل عن أبيه: ((أما الذي هي له ستر فالرجل يتخذها تكرماً وتجملاً، ولا ينسى حق ظهورها وبطونها في عسرها ويسرها))، وأخرج أيضاً برواية حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم بلفظ: ((أما التي هي له ستر فرجل ربطها في سبيل الله، ثم لم ينس حق الله في ظهورها ولا رقابها)) وبهذا اللفظ ذكره صاحب (المشكاة)) عن مسلم، قال القاري: قال ابن الملك: ليجاهد، والصواب ما قاله الطيبي من أنه لم يرد به الجهاد، بل النية الصالحة إذ يلزم التكرار، انتهى. وأيضاً إذا أراد به الجهاد فتكون له أجراً، فكيف يقال: إنها له ستر، وقال الطيبي: يعضده رواية غيره ((ورجل ربطها تغنياً وتعففاً))(٢)، انتهى. (١) ((المنتقى)) (١٦٢/٣). (٢) انظر: ((مرقاة المفاتيح)» (١٢٣/٤). ٢٩ ٢١ - كتاب الجهاد (١) باب (٩٥٠) حديث فِي رِقَابِهَا وَلَا فِي ظُهُورِهَا، (في رقابها ولا في ظهورها) قال النووي(١): استدل به أبو حنيفة على وجوب الزكاة في الخيل، وقال مالك والشافعي وجماهير العلماء: لا زكاة فيها بحال، وتأولوا هذا الحديث على أن المراد يجاهد بها، وقد يجب الجهاد إذا تعين، وقيل: يحتمل أن المراد بالحق في رقابها الإحسان إليها والقيام بعلفها وسائر مؤنها، والمراد بظهورها إطراق فحلها إذا طلبت عاريته، وهذا على الندب، وقيل: المراد حق الله مما يكسب من مال العدو على ظهورها، وهو الخمس، انتهى. وقال الحافظ (٢): قيل: المراد حسن ملكها وتعهد شبعها وريّها والشفقة عليها في الركوب. وإنما خص رقابها بالذكر؛ لأنها تستعار كثيراً في الحقوق اللازمة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيُ رَقَبَةٍ﴾ وهذا جواب من لم يوجب الزكاة في الخيل وهو قول الجمهور، وقيل: المراد بالحق إطراق فحلها والحمل عليها في سبيل الله، وهو قول الحسن والشعبي ومجاهد، وقيل: المراد بالحق الزكاة، وهو قول حماد وأبي حنيفة، انتهى. قلت: وتقدم في كتاب الزكاة تفصيل الاختلاف في ذلك، والحديث من مستدلات الحنفية في الوجوب، قال صاحب ((المحلى)): ثم ((لم ينس حق الله في رقابها)) وهو الزكاة، ((ولا في ظهورها)) هو حمل منقطع الغزاة، والحاج، كذا فسّره علماؤنا المستدلون به على مذهبهم في إيجاب الزكاة، انتهى. قال القارى(٣): فإن قيل: كيف يستدل بهذا الحديث على الوجوب؟ قلت: بعطف الرقاب على الظهور؛ لأن المراد بالرقاب الذوات إذ ليس في (١) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٤/ ٦٦/٧). (٢) ((فتح الباري)) (٦٤/٦). (٣) ((مرقاة الفاتيح)) (١٢٢/٤). ٣٠ ٢١ - كتاب الجهاد (١) باب (٩٥٠) حديث فَهِيَ لِذْلِكَ سِتْرٌ، وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْراً وَرِيَاءً وَنِوَاءً لأَهْلِ الإِسْلَامِ، الرقاب منفعة للغير كما في الظهور، وبمفهوم الجواب الآتي في الحمر من قوله وَ﴾: ((ما أنزل علي في الحمر شيء))، وأجاب القاضي عنه بأن معنى قوله: ((ثم لم ينس حق الله في رقابها))، أداء زكاة تجارتها، انتهى. وقال الزيلعي على ((الكنز)): لا يجوز حمله على زكاة التجارة؛ لأنه وَال سئل عن الحمير بعد الخيل فقال: ((لم ينزل علي فيه شيء))، فلو كان المراد زكاة التجارة لما صحّ نفيه عن الحمير، انتهى. (فهي) الخيل (لذلك) الرجل (ستر) بكسر السين حجاب يمنعه عن الحاجة إلى الناس (و) الثالث الذي هي له وزر (رجل ربطها) أي الخيل (فخراً) منصوب على التعليل أي لأجل التفاخر والتعاظم على من دونه من أفراد الناس (ورياء) بالهمز ويبدل أي ليرى الناس عظمته في ركوبه وحشمته، قاله القاري. وقال الحافظ: أي إظهاراً للطاعة والباطن بخلاف ذلك، انتهى. (ونواء) بكسر النون والمد هو مصدر، تقول: ناوأت العدو مناوأة ونواء، أصله من ناء إذا نهض، ويستعمل في المعاداة، قال الخليل: ناوأت الرجل ناهضته بالعداوة، وحكى عياض عن الداودي أنه وقع عنده ((ونوى)) بفتح النون والقصر، قال: ولا يصح ذلك، قال الحافظ (١): حكاه الإسماعيلي عن رواية إسماعيل بن أبي أويس، فإن ثبت فمعناه: وبعداً لأهل الإسلام أي منهم، والظاهر أن الواو في قوله: ورياء ونواء بمعنى ((أو))؛ لأن هذه الأشياء قد تفترق في الأشخاص وكل واحدة منها مذموم على حدته، انتهى. (لأهل الإسلام) قال الباجي(٢): يريد أن يفتخر بها ويرائي بها أهل الإسلام، وأما لو افتخر بها على أهل الشرك ورآهم بها لكان ذلك من باب (١) ((فتح الباري)) (٦٥/٦). (٢) ((المنتقى)) (١٦٣/٢). ٣١ ٢١ - كتاب الجهاد (١) باب (٩٥٠) حدیث فَهِيَ عَلَى ذُلِكَ وِزْرٌ)). وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ لَّهَ عَنِ الْحُمُرِ، فَقَالَ: (لَمْ يُنْزَلْ عَلَيَّ فِيهَا شَيْءٌ إِلَّ هُذِهِ الآيَةُ الْجَامِعَةُ الخير الذي يرجو عليه الأجر، والنواء المقاومة على وجه العداوة، فمن اقتنى فرساً يفتخر بها على أهل الإسلام ويناديهم بها فهي عليه وزر، انتهى. (فهي) الخيل (على ذلك) الرجل (وزر) بكسر الواو أي إثم على ذلك القصد (وسئل) ببناء المجهول، قال الحافظ (١): لم أقف على تسمية السائل صريحاً، ويحتمل أنه صعصعة بن ناجية عم الفرزدق؛ لقوله: ((قدمت على النبي ◌َّ فسمعته يقول: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴾﴾ إلى آخر السورة، فقلت: ما أبالي أن لا أسمع غيرها حسبي)) رواه أحمد والنسائي وصححه الحاكم وجزم في المقدمة بهذا الاحتمال، قاله الزرقاني (٢). (النبي) في النسخ الهندية، وفي المصرية: رسول الله (َ# عن الحمر) بضمتين جمع حمار أي ما حكمها هل هي في حكم الخيل أم لا؟ قال الباحي: يريد - والله أعلم - أن السائل له لم يعلم أن كان حكم الحمر حكم الخيل فيما ذكر من أنها لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر، أو يكون مخالفاً لحكم الخيل في ذلك؛ لأنها لا تتخذ غالباً لجهاد ولا تربط فيه، وهي مما جرت العادة أن يناوى بها ولا يفتخر باقتنائها، ولا هي مما يكتسب بركوبها وأن يكسب بالحمل عليها كالإبل والبغال، فقال ◌َله: ((لم ينزل فيها إلا هذه الآية الجامعة))، انتهى. وقال القاري: سئل ما حكمها، قال! ابن الملك: أي هل تجب فيها الزكاة، انتهى. وبه جزم الخطابي. (فقال) مََّ (لم ينزل) ببناء المجهول (عليَّ) بشد الياء (فيها) أي الحمُر (شيء) منصوص (إلا هذه الآية) بالرفع والنصب، كذا في ((المرقاة)). (الجامعة) (١) ((فتح الباري)) (٦٥/٦). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٧/٣). ٣٢ ---- ---- ----- ٢١ - كتاب الجهاد (١) باب (٩٥٠) حديث وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ الْفَاذَّةُ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ . (( ٨ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ أخرجه البخاريّ في: ٥٦ - كتاب الجهاد والسير، ٤٨ - باب الخيل لثلاثة. ومسلم في: ١٢ - كتاب الزكاة، ٦ - باب إثم مانع الزكاة، حديث ٢٤. لجميع أنواع الخير والشر، قال ابن الملك: يعني ليس في القرآن آية مثلها في قلة الألفاظ وجمع معاني الخير والشر، قال الطيبي (١): سميت جامعة لاشتمال اسم الخير على جميع أنواع الطاعات: فرائضها، ونوافلها، واسم الشرّ على ما يقابلها من الكفر والمعاصي، صغيرها وكبيرها (الفاذة) بالفاء والذال المعجمة المشددة أي المنفردة في معناها . قال الباجي: يريد قليلة المثل في هذا الحكم، يقال: كلمة فاذة وفذة أي شاذة، انتهى. وقال أبو عبد الملك: يحتمل أنه أراد لم يتكرر مثلها في القرآن بلفظها، ويحتمل أنها نزلت وحدها، والفاذ هو المنفرد، انتهى. وقال ابن التين(٢): المراد أن الآية دلت على أن من عمل في اقتناء الحمير طاعة رأى ثواب ذلك، وإن عمل معصية رأى عقابها، قال ابن عبد البر: فيه أن ما قاله في الخيل كان بوحي لقوله في الحمر: لم ينزل إلخ، وهذا يعضد قول من قال: إنه كان لا يتكلم إلا بوحي وتلا ﴿وَمَا يَنَطِقُ عَنِ الْمَوَّ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَىِ ﴿٣)﴾ (﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾) أي مقدار نملة صغيرة أو ذرة من الهباد هو ما يرى في شعاع الشمس من الطائر في الهواء (﴿خَيْرًا يَرَهُ﴾) أي يرى ثوابه وجزاءه (﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّا يَرَهُ﴾﴾. قال الباجي(٣): يريد - والله علم - أنه لم ينزل عليه في الحمر من التقسيم (١) ((شرح الطيبي)) (١٤٧٤/٥). (٢) انظر: ((فتح الباري)) (٦٥/٦). (٣) ((المنتقى)) (١٦٣/٣). ٣٣ ٢١ - كتاب الجهاد (١) باب (٩٥٠) حديث والتفسير ما نزل في الخيل، لكنها داخلة تحت عموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ﴾ الآية، والحمر وإن لم تبلغ مبلغ الخيل في الجهاد فقد يحمل عليها راحلته من لم يستطع اقتناء الخيل، ويحمل عليها زاده، وسلاحه، ويتكسب عليها ضعفاء الناس، وأما هي فيشتريها ويستعين بها أهل الشرك، والبغي على غزو الإسلام فيوزرون بها، فهذا مستفاد من عموم الآية؛ لأن اقتناءها لا يخلو أن يكون من عمل الخير أو من عمل الشر، وقد أخبر تعالى من عمل شيئاً منهما فإنه يراه، وهذا يدل على التعلق بالعموم؛ لأنه # تعلق بعموم الآية. واستفاد منه حكماً، انتهى. وقال ابن بطال(١): فيه تعليم الاستنباط والقياس لأنّه شَبَّهَ ما لم يذكر الله حكمه في كتابه، وهي الحمر بما ذكره من عمل مثقال ذرة من خير أو شر، وهذا نفس قياس، وتعقبه ابن المنير بأنه ليس من القياس في شيء، وإنما هو استدلال بالعموم، وإثبات لصيغته، خلافاً لمن أنكره أو وقف، وفيه تحقيق لإثبات العمل بظاهر العموم، وأنها ملزمة حتى يدل دليل التخصيص، وإشارة إلى الفرق بين الحكم الخاص المنصوص والعام الظاهر وهو حجة أيضاً في عموم النكرة الواقعة في سياق الشرط نحو من عمل صالحاً، وقد اتفق العلماء على عموم آية ((فمن يعمل)) القائلون بالعموم، ومن لم يقل به. قال ابن مسعود: هذه أحكم آية في القرآن وأصدق، وقال كعب الأحبار: لقد أنزل الله تعالى على محمد رَّ آيتين أحصتا ما في التوراة ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّا يَرَهُ ﴾﴾(٢) قال ابن عبد البر: أما الخير فلا خلاف أن المؤمن يراه في القيمة ويثاب عليه، وأما الشرُّ فتحتَ المشيئة، انتهى. (١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٧/٨). (٢) سورة الزلزلة: الآيتان ٧، ٨. ٣٤ i -- ٢١ - كتاب الجهاد (١) باب (٩٥١) حديث ٤/٩٥١ - وحدّثني عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ مَعْمَرٍ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ؛ قلت: وذلك لقوله عز اسمه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءٍ﴾(١) وأخرج السيوطي في (الدر)) (٢) بطرق كثيرة عن جماعة من الصحابة مرفوعاً، ما حاصله أنه عَزَّ اسمُه يَدَّخِرُ مثاقيل الخير للمؤمن في الجنة. ويحتسب مثاقيل الشر بأمراض ومصيبات وغير ذلك مما يصيب المرء في الدنيا . ٤/٩٥١ - (مالك عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر) بن حزم بن زيد (الأنصاري) أبو طُوالة بضم الطاء المهملة المدني قاضيها لعمر بن عبد العزيز ثقة كثير الحديث من رواة الستة، قال الدقاق: لا يعرف في المحدثين من يكنى أبا طوالة سواه، مات سنة ١٣٤هـ، ويقال بعد ذلك، كما في ((التقريب)). (عن عطاء بن يسار) مرسلاً عند يحيى، وهو متصل بوجوه، كذا في ((التقصي)). وقال السيوطي(٣): وصله الترمذي من طريق بكير بن الأشج، والنسائي من طريق إسماعيل بن عبد الرحمن، كلاهما عن عطاء بن يسار عن ابن عباس به. وقال الترمذي: حسن، انتهى. قلت: ولفظ الترمذي في النسخ التي بأيدينا: حسن غريب من هذا الوجه، ويروى من غير وجه عن ابن عباس عن النبي وَّل، انتهى. وزاد الحافظ (٤) فيمن روى من طريق إسماعيل بن عبد الرحمن ابن حبان، ثم قال: وفي رواية للحاكم ((أي الناس أكمل إيماناً)) وكأن المراد بالمؤمن من قام بما (١) سورة النساء: الآية ٤٨. (٢) انظر: ((الدر المنثور)) (٥٤٢/٨ - ٥٤٦). (٣) ((تنوير الحوالك)) (ص٣٧٣) ط دار الكتب العلمية. (٤) ((فتح الباري)) (٦/٦). ٣٥ ٢١ - كتاب الجهاد (١) باب (٩٥١) حديث أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ: ((أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ مَنْزِلاً؟ رَجُلٌ آخِذٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ، يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، تعين عليه القيام به، ثم حصل هذه الفضيلة، وليس المراد من اقتصر على الجهاد، وأهمل الواجبات العينية، وحينئذ فيظهر فضل المجاهد لما فيه من بذل نفسه وماله لله تعالى، ولما فيه من النفع المتعدي، وإنما كان المؤمن المعتزل يتلوه في الفضيلة؛ لأن الذي يخالط الناس لا يسلم من ارتكاب الآثام، فقد لا يفي هذا بهذا، وهو مقيد بوقوع الفتن، انتهى. (أنه قال: قال رسول الله ولي: ألا) حرف تنبيه (أخبركم) استئناف، ويحتمل أن يكون ((ألا)) مركباً من لا النافية، واستفهام التقرير، ويكون لفظ بلى مقدراً إن لم يكن مذكوراً في الروايات. قال الباجي(١): وقد علم أنهم يريدون ذلك على سبيل التنبيه لهم على الإصغاء إليه، والإقبال على ما يخبر به، والتفرغ لفهمه (بخير الناس منزلاً) وفي نسخة الباجي: ((منزلة))، وكذا في ((المحلى)) أي أكثرهم ثواباً وأرفعهم درجة، قاله الباجي. وقال عياض: هذا عام مخصوص، وتقديره من خير الناس، وإلا فالعلماء الذين حملوا الناس على الشرائع والسنن، وقادوهم إلى الخير أفضل، وكذا الصديقون كما جاءت به الأحاديث، ويؤيده أن في رواية النسائي: ((أن من خير الناس رجلاً عمل في سبيل الله على ظهر فرسه)) بمن التي للتبعيض (رجل آخد) بصيغة اسم الفاعل (بعنان) بكسر العين المهملة لجام (فرسه يجاهد في سبيل الله). قال الباجي: يريد - والله أعلم - أنه مواظب على ذلك، ووصفه بأنه آخذ بعنان فرسه، يجاهد في سبيل الله بمعنى أنه لا يخلو في الأغلب من ذلك راكباً له، أو قائداً، هذا معظم أمره ومقصوده من تصرفه، فوصف بذلك جميع أحواله وإن لم يكن آخذاً بعنان فرسه في كثير منها . (١) ((المنتقى)) (١٦٣/٣). ٣٦ - ٢١ - كتاب الجهاد (١) باب (٩٥١) حديث أَلَا أَخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ مَنْزِلاً بَعْدَهُ؟ رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ فِي غَنَيْمَتِهِ. يُقِيمُ الصَّلاَةَ، وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ، ويَعْبُدُ اللَّهَ، لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا)). هذا حديث مرسل. وقد وصله الترمذيّ، وحسّنه في: ٢٠ - كتاب فضائل الجهاد، ١٨ - باب ما جاء أي الناس خير. وكذلك النسائيّ في: ٢٣ - كتاب الزكاة، ٧٤ - باب من يسأل بالله عزّ وجلّ ولا يعطى به. (ألا أخبركم بخير الناس منزلاً) هكذا في جميع النسخ الهندية والمصرية، إلا نسخة الباجي ففيها ((منزلة)) وذكره الزرقاني(١) روايةً، فقال: وفي رواية (منزلة)) (بعده) قال الباجي: وصف رسول الله وَ﴾ أفضل المنازل، ونصَّ عليها ورغّب فيها من قوي عليها، وأخبر بعد ذلك من قصر عن هذه الفضيلة وضعف عنها، فليس كل الناس يستطيع الجهاد، ولا يقدر على أن يكون آخذاً بعنان فرسه فيه، ففي الناس الضعيف والكبير وذو الحاجة والفقير، انتهى. (رجل معتزل في غنيمة) بضم الغين المعجمة إشارة إلى قلتها، كذا في ((المنتقى)) (٢). وفي أكثر النسخ المصرية: ((غنيمته)) بزيادة الضمير (يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويعبد الله) زاد في النسخ الهندية (وحده) وليست هذه في المصرية (ولا يشرك به شيئاً) وإنما فضل الأول على ذلك؛ لأن نفعه متعدٍ، وهذا نفعه لازم. قال الباجي: فمنزلته بعد منزلة المجاهد من أفضل المنازل لأدائه الفرائض وإخلاصه لله تعالى العبادة، وبُعده عن الرياء والسمعة إذا خفي، ولم يكن ذلك شهرة له، ولأنه لا يؤذي أحداً، ولا يذكره، ولا تبلغ درجته درجة (١) ((شرح الزرقاني)) (٨/٣). (٢) ((المنتقى)) للباجي (١٦٣/٣). ٣٧ i ٢١ - كتاب الجهاد (١) باب (٩٥٢) حديث ٥/٩٥٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَادَةُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِيهِ، المجاهد؛ لأن المجاهد يذبُّ عن المسلمين، ويجاهد الكافرين حتى يدخلهم في الدين، فيتعدَّى فضلُه إلى غيره، ويكثر الانتفاع به، وهذا المعتزل لا يتعدى نفعه إلى غيره، انتهى. وقد أخرج البخاري(١) من رواية أبي سعيد الخدري قيل: يا رسول الله أي الناس أفضل؟ فقال رسول الله وَالر: ((مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله))، قالوا: ثم من؟ قال: ((مؤمن في شعب من الشعاب، يتقي الله، ويدع الناس من شره)). وقال الحافظ(٢) بعد ما ذكر عدة روايات في الباب: وفي الحديث فضل الانفراد لما فيه من السلامة من الغيبة واللغو ونحو ذلك، وأما اعتزال الناس أصلاً، فقال الجمهور: محل ذلك عند وقوع الفتن، وقال ابن عبد البر: إنما أوردت هذه الأحاديث بذكر الشعب والجبل؛ لأن ذلك في الأغلب يكون خالياً من الناس، فكل موضع يبعد عن الناس، فهو داخل في هذا المعنى، انتهى. ٥/٩٥٢ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري، اختلف في سند هذا الحديث على يحيى بن سعيد الأنصاري، والسند المذكور ههنا هو الصحيح، كما سيأتي في آخر الحديث (قال: أخبرني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت) الأنصاري المدني أبو الصامت، ويقال له: عبد الله أيضاً، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: كنيته أبو الوليد ثقة من رواة الستة إلا الترمذي (عن أبيه) الوليد بن عبادة بن الصامت الأنصاري أبو عبادة المدني، ولد في حياة النبي وَل، ثقة قليل الحديث من رواة الستة غير أبي داود، وتوفي في خلافة (١) ((صحيح البخاري)) (٢٧٨٦). (٢) ((فتح الباري)) (٧/٦). ٣٨ --- ٢١ - كتاب الجهاد (١) باب (٩٥٢) حديث عَنْ جَدِّهِ؛ قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ وَ﴾ عبد الملك بن مروان، وفي ((التقريب)): ثقة من كبار الثانية مات بعد السبعين (عن جده) عبادة بن الصامت الأنصاري الخزرجي البدري أحد النقباء. (قال: بايعنا) قال العيني: بفتح العين فعل ماض، ونا مفعوله، ويروى بإسكان العين، أي بايعنا نحن، انتهى. وقال النووي(١): المبايعة المعاهدة، وهي مأخوذة من البيع؛ لأن كل واحد من المتبايعين يمد يده إلى صاحبه، وكذا هذه البيعة تكون بأخذ الكف، وقيل: سميت مبايعة لما فيها من المعاوضة لما وعدهم الله من عظيم الجزاء، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية، انتهى. (رسول الله وَّل) قال الحافظ: أي ليلة العقبة كما تقدم إيضاحه في أوائل (كتاب الإيمان)) (٢)، انتهى. كذا قال الحافظ تحت حديث الباب في كتاب الفتن(٣). وقال العيني (٤) في ((كتاب الأحكام)): قيل: كان هذا في بيعة العقبة الثانية، وقال ابن إسحاق: كانوا في العقبة الثانية ثلاثة وسبعين رجلاً من الأوس والخزرج وامرأتين، انتهى. وبسط البحث في ذلك في ((كتاب الإيمان)) وسبب ذلك أن أحاديث المبايعة رويت عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - بألفاظ مختلفة، الأولى: بيعة العقبة وكانت على السمع والطاعة في العسر واليسر. قال الحافظ: وإنما نص ليلة العقبة ما ذكر ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي: أن النبي و 8* قال، لمن حضر من الأنصار: ((أبايعكم على أن (١) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٢٢٩/١٢/٦). (٢) (فتح الباري)) (٦٦/١). (٣) (٦/١٣). (٤) ((عمدة القاري)) (١٦ / ٤٥٢). ٣٩ ٢١ - كتاب الجهاد (١) باب (٩٥٢) حديث تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم))، فبايعوه على ذلك، وعلى أن يرحل إليهم هو وأصحابه، وعلى هذه البيعة حمل الحافظ حديث الباب، وقال: وأصرح منه ما أخرجه أحمد والطبراني من وجه آخر أنه جرت له قصة مع أبي هريرة عند معاوية بالشام، فقال: يا أبا هريرة إنك لم تكن معنا إذ بايعنا رسول الله ﴾ على السمع، والطاعة، في النشاط، والكسل، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن نقول بالحق، ولا نخاف في الله لومة لائم، وعلى أن ننصر رسول الله ◌َّ إذا قدم علينا يثرب، فنمنعه مما نمنع منه أنفسنا وأزواجنا وأبناءنا، ولنا الجنة. فهذه بيعة رسول الله وقلّ التي بايعناه عليها، وعند الطبراني له طريق أخرى وألفاظه قريبة من هذه، وقد وضح أن هذا هو الذي وقع في البيعة الأولى، انتهى .. والثانية: بيعة الحرب، وهي التي وقعت في الحديبيّة تحت الشجرة على عدم الفرار، وكان فيها أيضاً عبادة بن الصامت، ويشكل عليه ما أخرجه أحمد من طريق محمد بن إسحاق عن عبادة بن الوليد عن أبيه عن جده، وكان أحد النقباء قال: بايعنا رسول الله وَل بيعة الحرب. وكان عبادة من الاثني عشر الذين بايعوا في العقبة الأولى على بيعة النساء، وعلى السمع، والطاعة في عسرنا، ويسرنا، الحديث. قال الحافظ (١): فإنّه ظاهر في اتحاد البيعتين، لكن الحديث في ((الصحيحين)) من طريق مالك، كما في الأحكام، ليس فيه هذه الزيادة، والصواب أن بيعة الحرب بعد بيعة العقبة؛ لأن الحرب إنما شرع بعد الهجرة، وقد اشتملت رواية ابن إسحاق على ثلاثة بيعات: بيعة العقبة: وقد صرح أنها كانت قبل أن يفرض الحرب في رواية الصنابحي عن عبادة عند أحمد، والثانية: بيعة الحرب، والثالثة: بيعة النساء، أي التي وقعت على نظير بيعة النساء، انتهى. (١) ((فتح الباري)) (١/ ٦٧). ٤٠ --