Indexed OCR Text
Pages 561-580
٢٠ - كتاب الحج
(٨١) باب
(٩٣٤) حديث
قَالَ: فَمَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ وَ ل﴾ عَنْ شَيْءٍ، قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ، إِلَّا قَالَ:
((افْعَل، وَلَا حَرَجَ)).
أخرجه البخاريّ في: ٢٥ - كتاب الحج، ١٣١ - باب الفتيا على الدابة عند
الجمرة .
ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٥٧ - باب من حلق قبل النحر أو نحر قبل
الرمي، حديث ٣٢٧.
وتقدم في مسألة اشتراط الطهارة للسعي ما قال الحافظ: حكى ابن
المنذر عن عطاء قولين فيمن بدأ بالسعي قبل الطواف بالبيت، وبالإجزاء قال
بعض أهل الحديث لحديث أسامة بن شريك، وقال الجمهور: لا يجزئه،
وأوّلوا حديث أسامة على من سعى بعد طواف القدوم وقبل طواف الإفاضة،
انتھی .
وذهب ابن حزم إلى جواز تقديم السعي وردّ على من فرّق بين تقديم
السعي وبين سائر ما قدم وأخر.
(قال) عبد الله بن عمرو (فما سئل) ببناء المجهول (رسول الله ◌ِّيّة) زاد في
رواية: يومئذ (عن شيء قدم ولا أخر) ببناء المجهول من التفعيل فيها (إلا
قال) ◌َّر في جوابه (افعل) الآن ما بقي (ولا حرج) عليك. وفي رواية يونس
عند مسلم وصالح عند أحمد: فما سمعته سئل يومئذ عن أمر مما ينسى المرء
أو يجهل من تقديم بعض الأمور على بعض أو أشباهها إلا قال: ((افعلوا ذلك
ولا حرج))، كذا في ((الفتح)).
قال الباجي(١): لا يقتضي هذا إياحة ذلك، لأنه إنما سأل عمن فعل ذلك
جهلاً، وقد بَيَّن الترتيب في الحج، فكان ذلك هو المشروع، ولا يقتضي ذلك
رفع الحرج في تقديم شيء ولا تأخيره غير المسألتين المنصوص عليهما، لأننا
(١) ((المنتقى)) (٧٦/٣).
٥٦١
٢٠ - كتاب الحج
(٨١) باب
(٩٣٤) حديث
لا ندري عن أي شيء غيرهما سئل في ذلك اليوم، وجوابه إنما كان عن سؤال
السائل فلا يدخل فيه غيره كما لا يدخل في قوله: ((انحر ولا حرج، ارم ولا
حرج)). غير ذلك مما لم يسأل عنه، انتهى.
وكذا قال ابن التين: إن هذا الحديث لا يقتضي وقع الحرج في غير
المسألتين المنصوص عليهما يعني المذكورتين في رواية مالك، لأنه خرج جواباً
للسؤال ولا يدخل فيه غيره، انتهى.
وتعقبه الحافظ (١) فقال: كأنه غفل عن قوله في بقية الحديث: ((فما سئل
عن شيء قُدِّم ولا أُخِّر)) وكأنه حمل ما أبهم فيه على ما ذكر، لكن قوله: في
رواية ابن جريج وأشباه ذلك یَرُدُّ عليه.
وتقدم فيما حررناه من مجموع الأحاديث عدة صور، وبقيت عدة صور،
لم تذكرها الرواة إما اختصاراً، وإما لكونها لم تقع، وبلغت بالتقسيم أربعاً (٢)
وعشرين صورة، منها: صورة الترتيب المتفق عليها، وذلك أن وظائف يوم
النحر بالاتفاق أربعة أشياء: رمي الجمرة، ثم نحر الهدي، أو ذبحه، ثم الحلق
أو التقصير، ثم طواف الإفاضة.
(١) ((فتح الباري)) (٥٧٣/٣).
(٢) قلت: وهكذا تصويرها :
(١) رمي
نحر
حلق
طواف
(٢) رمي
حلق
طواف
نحر
(٣) رمي
طواف
نحر
حلق
(٤) رمي
نحر
طواف
حلق
حلق
(٥) رمي
نحر
طواف
(٦) رمي
طواف
حلق
نحر
فهذة ستة صور بتقديم الرمي، وكذا يحصل ستة صور بتقديم كل واحد من بقية الثلاثة،
فيحصل المجموع أربعاً وعشرين صورة. اهـ، (ش)).
٥٦٢
٢٠ - كتاب الحج
(٨١) باب
(٩٣٤) حديث
وقد أجمع العلماء على مطلوبية هذا الترتيب إلا أن أبا جهم المالكي
استثنى القارن، فقال: لا يحلق حتى يطوف، كأنه لاحظ أنه في عمل العمرة،
والعمرة يتأخر فيها الحلق عن الطواف، وردّ عليه النووي بالإجماع، ونازعه
ابن دقيق العيد في ذلك، إذ قال: ويشهد لهذا قولُه وَّ في القارن: حتى يحل
منهما جميعاً، فإنه يقتضي أن الإحلال منهما يكون في وقت واحد، فإذا حلق
قبل الطواف والعمرة قائمة بهذا الحديث، فيقع الحلق فيها قبل الطواف.
وفي هذا الاستشهاد نظر، ورَدَّ عليه بعض المتأخرين بنصوص الأحاديث
والإجماع المتقدم عليه، وكأنه يريد بنصوص الأحاديث ما ثبت عنده أن
النبي ◌َ﴿ كان قارناً في آخر الأمر، وقد حلق قبل الطواف، وهذا إنما ثبت بأمر
استدلالي لا نصيّ، أعني كونه ◌َ لم قارناً، وابن الجهم بنى على مذهب مالك
والشافعي، ومن قال بأن النبي و 8* كان مفرداً، وأما الإجماع فبعيد الثبوت إن
أراد به الإجماع النقلي القولي، وإن أراد السكوتي ففيه نظر، وقد ينازع فيه
أيضاً، انتهى.
ثم قال الحافظ (١): واختلفوا في جواز تقديم بعضها على بعض،
فأجمعوا على الإجزاء في ذلك كله كما قاله ابن قدامة في ((المغنى))، إلا أنهم
اختلفوا في وجوب الدم في بعض المواضع، وقال القرطبي: روي عن ابن
عباس، ولم يثبت عنه أن من قدّم شيئاً على شيء فعليه دم، وبه قال سعيد بن
جبير وقتادة والحسن والنخعي وأصحاب الرأي، انتهى. وفي نسبته إلى النخعي
وأصحاب الرأي نظر، فإنهم لا يقولون بذلك إلا في بعض المواضع كما
سيأتي .
قال: وذهب الشافعي وجمهور السلف وفقهاء أصحاب الحديث إلى
(١) ((فتح الباري)) (٥٧١/٣).
٥٦٣
٢٠ - كتاب الحج
(٨١) باب
(٩٣٤) حديث
الجواز وعدم وجوب الدم. وقال ابن دقيق العيد: منع مالك وأبو حنيفة تقديم
الحلق على الرمي والذبح لأنه حينئذ يكون الحلق قبل وجود التحللين،
وللشافعي قول مثله، وقد بُنِي القولان له على أن الحلق نسك أو استباحة
محظور، فإن قلنا: إنه نسك جاز تقديمه على الرمي وغيره، لأنه يكون من
أسباب التحلل، وإن قلنا: إنه استباحة محظور، فلا. قال: وفي هذا البناء
نظر، لأنه لا يلزم من كون الشيء نسكاً أن يكون من أسباب التحلل، لأن
النسك ما يثاب عليه .
وهذا مالك يرى أن الحلق نسك، ويرى أن لا يُقَدَّمُ على الرمي مع
ذلك، وقال الأوزاعي: إن أفاض قبل الرمي أهراق دماً، وقال عياض: اختلف
عن مالك في تقديم الطواف على الرمي. روى ابن عبد الحكم عن مالك أنه
يجب عليه إعادة الطواف، فإن توجه إلى بلده بلا إعادة وجب عليه دم، قال
ابن بطال: هذا يخالف حديث ابن عباس وكأنه لم يبلغه، انتهى.
قال الحافظ(١): وكذا في رواية ابن أبي حفصة عن الزهري في حديث
عبد الله بن عمرو. وكأن مالكاً لم يحفظ ذلك عن الزهري.
وقال صاحب ((المغني)): قال الأثرم عن أحمد: إن كان ناسياً أو جاهلاً
فلا شيء عليه، وإن كان عالماً فلا، لقوله في الحديث: ((لم أشعر))، وأجاب
بعض الشافعية بأن الترتيب لو كان واجباً لما سقط بالسهو كالترتيب بين السعي
والطواف، فإنه لو سعى قبل أن يطوف وجب إعادة السعي، وأما ما وقع في
حديث أسامة بن شريك فمحمول على من سعى بعد طواف القدوم، ثم طاف
طواف الإفاضة، فإنه يصدق عليه أنه سعى قبل الطواف، أي طواف الركن،
ولم يقل بظاهر حديث أسامة إلا أحمد وعطاء، فقالا: لو لم يطف للقدوم ولا
(١) (فتح الباري)) (٥٧٢/٣).
٥٦٤
٢٠ - كتاب الحج
(٨١) باب
(٩٣٤) حديث
لغيره. وقدّم السعي قبل طواف الإفاضة أجزأه، أخرجه عبد الرزاق عن ابن
جریج عنه .
وقال ابن دقيق العيد: ما قاله أحمد قوي من جهة أن الدليل دَلَّ على
وجوب اتباع الرسول في الحج، بقوله: ((خذوا عني مناسككم))، وهذه
الأحاديث المرخصة قُرِنَتْ بقول السائل: ((لم أشعر))، فيختص الحكم بهذه
الحالة، وتبقى حالة العمد على أصل وجوب الاتباع في الحج، وأيضاً فالحكم
إذا رتب على وصف يمكن أن يكون معتبراً لم يجز اطّراحه، ولا شك أن عدم
الشعور وصف مناسب لعدم المؤاخذة، وقد علق به الحكم، فلا يمكن اطّراحه
بإلحاق العمد به، إذ لا يساويه، وأما التمسك بقول الراوي فما سُئِل عن
شيء، فإنه يشعر بأن الترتيب مطلقاً غير مراعى، فجوابه أن هذا الإخبار من
الراوي يتعلق بما وقع السؤال عنه وهو مطلق بالنسبة إلى حال السائل،
والمطلق لا يدل على أحد الخاصين بعينه فلا يبقى حجة في حال العمد، انتهى
ما في ((الفتح))(١).
وقال الأبي (٢): أما الإفاضة فاختلف قول مالك إذا قدمها قبل الرمي،
فقيل: يجزئه ويهدي، وقيل: لا يجزئه ويعيدها بعد الرمي وهو كمن لم يفض،
وكذلك اختلف قوله: إذا قدمها على الحلق فرمى ثم أفاض ثم حلق. فقال:
مرة يجزئه، وقال مرة: يعيدها بعد الحلق، وقال في ((الموطأ)): أحبُّ إليّ أن
يريق دماً، انتهى.
قلت: تقدم قول مالك هذا في التقصير، وكذلك اختلف قول مالك في
النحر قبل الحلق، وتقدم في آخر ((ما جاء في الحلاق)): الأمر الذي لا
(١) ((فتح الباري)) (٥٧٢/٣).
(٢) ((إكمال إكمال المعلم)) (٤٠٥/٣).
٥٦٥
٢٠ - كتاب الحج
(٨١) باب
(٩٣٤) حديث
اختلاف فيه عندنا أن أحداً لا يحلق رأسه، ولا يأخذ من شعره حتى ينحر هدياً
إن كان معه، وتقدم في ((العمل في النحر)): قال مالك: لا يجوز لأحد أن يحلق
رأسه حتى ينحر هديه، انتهى. وتقدم في شرح القولين اختلافهم في ذلك.
وقد عرفت أن أحاديث الباب بعمومها لا توافق أحداً من الأئمة، بل
خالفتها الحنفية والمالكية في بعض الأمور، وهو قول للشافعي، وخصها أحمد
بالعمد في قول مع الإجماع على أن العمد والخطأ والنسيان في وجوب الدم
سواء، والجملة في مذاهب الأئمة في ذلك ما في فروعهم.
ففي ((المغني))(١): في يوم النحر أربعة أشياء: الرمي، ثم النحر، ثم
الحلق، ثم الطواف، والسُّنَّةُ ترتيبها هكذا، فإن النبي ◌َّ رتّبها كذلك وصفه
جابرٌ في حج النبيِ وََّ، وروى أنس ((أن النبي ◌َّ- رمى، ثم نحر، ثم حلق)).
رواه أبو داود(٢)، فإن أخل بترتيبها ناسياً أو جاهلاً بالسنة فلا شيء عليه في
قول كثير من أهل العلم، منهم الحسن وطاوس ومجاهد وسعيد بن جبير،
وعطاء والشافعي وإسحاق وأبو ثور وداود ومحمد بن جرير الطبري، وقال أبو
حنيفة: إن قدم الحلق على الرمي أو على النحر فعليه دم، لأنه لم يوجد التحلل
الأول، فلزمه الدم كما لو حلق قبل يوم النحر.
ولنا ما روى عبد الله بن عمرو من قوله وَيلي: ((اذبح ولا حرج)). وفي لفظ
قال: ((فما سمعته يسأل يومئذ عن أمر مما ينسى المرأ، أو يجهل من تقديم
بعض الأمور على بعضها وأشباهها إلا قال: افعلوا ولا حرج عليكم))، رواه
مسلم .
وعن ابن عباس عن النبي وَلّر، ((أنه قيل له يوم النحر، وهو بمنى في
(١) ((المغني)) (٣٢٠/٥).
(٢) حديث جابر أخرجه مسلم (١٢١٨)، وأبو داود (١٩٠٥)، وابن ماجه (٣٠٧٤).
٥٦٦
٢٠ - كتاب الحج
(٨١) باب
(٩٣٤) حديث
النحر والحلق والرمي والتقديم والتأخير))، فقال: ((لا حرج))، متفق عليه، وسنة
رسول الله وَ﴾ أحق أن تُتَّبَعَ على أنه لا يلزم من سقوط الدم بفقد الشيء في
وقته سقوطُه قبل وقته، فإنه لو حلق في العمرة بعد السعي، لا شيء عليه، وإن
كان الحِلّ ما حصل قبله، وكذلك في مسألتنا إذا قلنا: إن الحِلَّ يحصل
بالحلق، فقد حلق قبل التحلل، ولا دم عليه.
فأما إن فعله عمداً عالماً بمخالفة السنة في ذلك ففيه روايتان:
إحداهما: لا دم عليه وهو قول عطاء وإسحاق لإطلاق حديث ابن
عباس، وكذلك حديث عبد الله بن عَمْرٍو، من رواية سفيان بن عُيينة، والثانية:
عليه دمٌّ. رُوي نحو ذلك عن سعيد بن جبير وجابر بن زيد وقتادة والنخعي،
لأنه تعالى قال: ﴿وَلَا تَخْلِّقُواْ رُءُوسَكُمٍ حَتَّ بَعَ الْهَدْىُ مَحِلَّمْ﴾(١) ولأنهِ وَلَّ رتّب،
وقال: ((خذوا عني مناسككم)) والحديث المطلق قد جاء مقيداً، فيحمل المطلق
على المقيد.
قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن رجل حلق قبل أن يذبح،
فقال: إن كان جاهلاً فليس عليه، فأما التعمد، فلا، لأن النبي مَل# سأله
رجل، فقال: لم أشعر، قيل لأبي عبد الله: سفيان بن عيينة لا يقول: لم
أشعر؟ فقال: نعم، ولكن مالكاً والناس عن الزهري: لم أشعر، وهو في
الحدیث، انتهى.
وفي (الروض المربع)) (٢): لا يلزمه بتأخير الحلق عن أيام منى دم، ولا
بتقديمه على الرمي والنحر، لا إن نحر أو طاف قبل رميه ولو عالماً، انتهى.
وقال النووي: الأعمال المشروعة يوم النحر أربعة: الرمي، ثم الذبح، ثم
(١) سورة البقرة: الآية ١٩٦.
(٢) (٥١٥/١).
٥٦٧
٢٠ - كتاب الحج
(٨١) باب
(٩٣٤) حديث
الحلق، ثم الطواف، وهي على هذا الترتيب مستحبة، فلو خالف، فقدم بعضها
على بعض جاز، وفاته الفضيلة، انتهى.
وقال الدردير(١): اعلم أنه يفعل في يوم النحر أربعة أمور مرتبة: الرمي،
فالنحر، فالحلق، فالإفاضة، فتقديم الرمي على الحلق والإفاضة واجب، وما
عداه مندوب. قال الدسوقي: حاصله: أن تقديم الرمي على الاثنين الأخيرين
واجب، يجبر بالدم، وأما تقديمه على الثاني، أو تقديم الثاني على كل واحد
من الأخيرين، أو تقديم الثالث على الرابع فمستحب، فالمراتب ستة: الوجوب
في اثنين، والندب في أربعة، انتهى.
وأما عند الحنفية فقال ابن عابدين(٢): إن الطواف لا يجب ترتيبه على
شيء من الثلاثة، وإنما يجب ترتيب الثلاثة: الرمي، ثم الذبح، ثم الحلق،
لكن المفرد لا ذبح عليه، فيجب عليه الترتيب بين الرمي والحلق فقط، انتهى.
وفي ((الهداية))(٣): من أخّر الحلق حتى مضت أيام النحر فعليه دم عند
أبي حنيفة، وكذا إذا أخّر طواف الزيارة، وقالا: لا شيء عليه في الوجهين،
وكذا الخلاف أي بين أبي حنيفة وصاحبيه في تأخير الرمي، وفي تقديم نسك
على نسك، كالحلق قبل الرمي ونحر القارن قبل الرمي والحلق قبل الذبح،
لهما أن ما فات مستدرك بالقضاء، ولا يجب مع القضاء شيء آخر، وله حديث
ابن مسعود أنه قال: من قدم نسكاً على النسك فعليه دم، انتهى.
قال شراح ((الهداية)): قوله: ابن مسعود هكذا في أكثر النسخ، وفي
بعضها ابن عباس، وهو أصح، قال الحافظ في ((الدراية)): لم أجده عن ابن
(١) ((الشرح الكبير)) (٤٦/٢).
(٢) (رد المحتار)) (٦٦٩/٣).
(٣) (١٦٤/١).
٥٦٨
٢٠ - كتاب الحج
(٨١) باب
(٩٣٤) حديث
مسعود، وإنما هو عن ابن عباس، وكذا هو في بعض النسخ، وأخرجه ابن أبي
شيبة بإسناد حسن من طريق مجاهد عن ابن عباس، وأخرجه الطحاوي من وجه
آخر أحسن منه عنه، انتھی.
قلت: وتقدم في ((الموطأ)) أيضاً في ((ما يفعل من نسي من نسكه شيئاً)).
وتكلم الكلام على طرقه، وأنه معمول عند الكل من الأئمة الأربعة في ترك
الواجبات .
واستدل صاحب ((الهداية)) أيضاً على وجوب هذا الترتيب بقوله وَله: ((إن
أول نُسكنا في يومنا هذا أن نرمي، ثم نذبح، ثم نحلق. قال الحافظ في
((الدراية)): لم أجده، لكن أخرج الخمسة عن أنس: أن النبي ◌َّ أتى منى فأتى
الجمرة، فرماها، ثم أتى منزله بمنى فنحر، ثم قال للحلاق: خذ، وأشار إلى
جانبه الأيمن ثم الأيسر، انتهى.
ويمكن أن يستدل عليه بما في ((البخاري)) من حديث المسور بن مخرمة
ومروان في قصة الحديبية، فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله وَالخلال
لأصحابه: ((قوموا فانحروا ثم احلقوا))، الحديث.
وبما في ((البخاري)) أيضاً من حديث المسور: ((أن رسول الله وَّ نحر
قبل أن يحلق، وأمر أصحابه بذلك)).
وبما تقدم في ((جامع الهدي)): أن ابن عمر - رضي الله عنهما - كان
يقول: المرأة المحرمة إذا أحلت لم تمتشط حتى تأخذ من قرون رأسها، وإن
كان لها هدي لم تأخذ من شعرها شيئاً حتى تنحر هديها .
ثم حديث الباب حجة للمرجح من مسلك الإمامين الشافعي وأحمد،
ومخالف في بعض الصور لمسلك الإمامين مالك وأبي حنيفة، واعتذر عن ذلك
أتباعهما بوجوه :
٥٦٩
٢٠ - كتاب الحج
(٨١) باب
(٩٣٤) حديث
١ - منها: ما تقدم في كلام الباجي من أنه لا يقتضي إباحة ذلك، لأنه
إنما سأله عمن فعل ذلك جهلاً، وقد بين الترتيب في الحج، فكان ذلك هو
المشروع، انتهى.
٢ - ومنها: ما تقدم أيضاً من كلام الباجي من أنه لا يقتضي ذلك رفع
الحرج في تقديم شيء ولا تأخيره غير المسألتين المنصوص عليهما، لأنا لا
ندري عن أي شيء غيرهما سُئل في ذلك اليوم، وجوابه إنما كان عن سؤال
السائل، فلا يدخل فيه غيره، انتهى.
وبه جزم ابن التين إذ قال: إن هذا الحديث لا يقتضي رفع الحرج في
غير المسألتين المنصوص عليهما يعني المذكورتين في رواية مالك، لأنه خرج
جواباً للسؤال، ولا يدخل فيه غيره، انتهى.
وتعقبه الحافظ(١) إذ قال: وكأنه غفل عن قوله في بقية الحديث: فما
سئل عن شيء قدم ولا أخر، وكأنه حمل ما أبهم فيه على ما ذكر، لكن قوله
في رواية ابن جريج: وأشباه ذلك يرد عليه، وتقدم فيما حررناه من مجموع
الأحاديث عدة صور، انتهى.
وأجاب عنه الزرقاني(٢) بأن مالكاً - رضي الله عنه - أوجب الدم في
تقديم الإفاضة على الرمي، لأنه لم يقع في روايته حديث الباب، ولا يلزم
بزيادة غيره لأنه أثبت الناس في ابن شهاب، وأوجب الفدية في تقديم الحلق
على الرمي لوقوعه قبل كل شيء من التحلل، انتهى.
وقال أيضاً في موضع آخر: خص منه أي من عموم ما ورد في الترخيص
تقديم الإفاضة على الرمي، لئلا يكون وسيلة إلى النساء والصيد قبل الرمي،
(١) ((فتح الباري)) (٥٧٣/٣).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٩١/٢).
٥٧٠
٢٠ - كتاب الحج
(٨١) باب
(٩٣٤) حديث
ولأنه خلاف الواقع منه وَّل، وقد قال: ((خذوا عني مناسككم))، ولم يثبت عنده
زيادة ذلك في حديث الباب، فلا يلزمه زيادة غيره، وهو أثبت الناس في ابن
شهاب، ومحل قبول زيادة الثقة ما لم يكن من لم يزدها أوثق منه، وابن أبي
حفصة الذي روى ذلك عن ابن شهاب وإن كان صدوقاً روى له الشيخان، لكنه
يخطئ، بل ضعفه النسائي، واختلف قول ابن معين في تضعيفه، وكان يحيى بن
سعید یتكلم فيه، انتهى.
٣ - ومنها: أنها بعمومها مخالف للآية الشريفة، فقد احتج النخعي ومن
تبعه في منع تقديم الحلق على غيره بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِّقُواْ رُءُوسَكُمْ خَى بَلُغَ الْهَدَىُ
مِلَّمْ﴾(١) قال: فمن حلق قبل الذبح أهراق دماً، رواه ابن أبي شيبة بسند
صحيح، وتعقب الحافظ بأن المراد ببلوغ محله وصوله إلى المحل الذي يحل
فيه ذبحه وقد حصل، انتهى.
وأجاب عنه العيني(٢) بأنه ليس المراد الكلي مجرد البلوغ إلى المحل
الذي يذبح فيه، بل المقصد الكلي الذبح، ولذا لو بلغ ولم يذبح يجب عليه
الفدية، انتهى .
قلت: وأيضاً لا بد من بلوغ المحل في وقته كما هو معلوم، فلو بلغ
وذبح قبل الحج لا يجزئ عند أحد عن القِران أو التمتع، ومعلوم أن وقت
الذبح بعد الرمي إجماعاً .
٤ - ومنها: أنه ويهر عذرهم لعدم شيوع أحكام المناسك. والدليل على
ذلك كما في ((العيني)) ما رواه أبو سعيد الخدري قال: ((سُئِل رسول الله وَ﴾
وهو بين الجمرتين عن رجل حلق قبل أن يرمي قال: لا حرج، وعن رجل ذبح
(١) سورة البقرة: الآية ١٩٦.
(٢) ((عمدة القاري)) (٣٥١/٧).
٥٧١
٢٠ - كتاب الحج
(٨١) باب
(٩٣٤) حديث
قبل أن يرمي قال: لا حرج، ثم قال: عباد الله وضع الله عز وجل الضيق
والحرج، وتعلموا مناسككم، فإنها من دينكم)).
قال العيني: فدل ذلك على أن الحرج الذي رفعه الله عنهم إنما كان
لجهلهم بأمر المناسك لا لغير ذلك، وذلك لأن السائلين كانوا أناساً أعراباً لا
علم لهم بالمناسك، فأجابهم رسول الله وّ﴾ل بقوله: لا حرج، يعني فيما فعلتم
بالجهل، لا أنه أباح لهم ذلك فيما بعد، انتهى.
وحديث أبي سعيد أخرجه الطحاوي. ثم قال: أفلا ترى أنه أمرهم بتعليم
مناسكهم، لأنهم كانوا لا يحسنونها، فدل ذلك أن الحرج والضيق الذي
رفعه الله عنهم هو لجهلهم بأمر مناسكهم، لا لغير ذلك، انتهى.
٥ - ومنها: ما في ((البناية)) عن (المستصفى)): كان هذا في ابتداء الإسلام
حين لم تستقر المناسك دل عليه أنه - عليه الصلاة والسلام - سُئِل في ذلك
الوقت سعيت قبل أن أطوف فقال: ((افعل ولا حرج))، وذلك لا يجوز
بالإجماع، واليوم لا يُفْتَى بمثله، انتھی.
٦ - ومنها: ما قال ابن الهمام(١): إن قول القائل: لم أشعر ففعلت ما
يفيد أنه ظهر له بعد فعله أنه ممنوع من ذلك، فلذا قدم اعتذاره على سؤاله وإلا
لم يسأل أو لم يعتذر. لكن قد يُقال: يحتمل أن الذي ظهر له مخالفة ترتيبه
لترتيب رسول الله ول فظن أن ذلك الترتيب متعين فقدم ذلك الاعتذار، وسأل
عما يلزمه به فَبَيَّن عليه الصلاة والسلام في الجواب عدم تعينه عليه بنفي
الحرج، وإن ذلك الترتيب مسنون لا واجب، والحق أنه يحتمل أن يكون
كذلك، وأن يكون الذي ظهر له كان هو الواقع، إلا أنه ﴿ عذرهم للجهل،
وأمرهم أن يتعلموا مناسكهم، وإنما عذرهم بالجهل، لأن الحال إذا ذاك كان
(١) ((فتح القدير)) (٤٦٩/٢).
٥٧٢
٢٠ - كتاب الحج
(٨١) باب
(٩٣٤) حديث
في ابتدائه، وإذا احتمل كلا منهما فالاحتياط اعتبار التعيين، والأخذ به واجب
في مقام الاضطراب فيتم الوجه لأبي حنيفة، انتهى.
٧ - ومنها: ما أجاب به أكثر الشراح المالكية والحنفية من أن معنى
الحرج الإثم، وهو المنفي هاهنا، قال الأبي في ((الإكمال))(١): وقوله: ((لا
حرج)) عندنا على نفي الإثم فقط، انتهى.
قال الشيخ في ((الكوكب الدري))(٢): وقال الإمام: إن أمثال هذه في أمثال
هذه لا تعد حرجاً، فإنهم لما سمعوا الخطبة، وعلموا الأحكام، ووجدوهم
خالفوا ما قال النبي ◌َ لة، كبر عليهم أن لا يكونوا اكتسبوا من حجهم إلا مأثماً،
وتحرجوا عن وجوب القضاء، فدفعه النبي ◌ّ، وقال: لا حرج مما تخافون
منه، وأما وجوب الدم فثابت عن ابن عباس فيؤخذ به، انتهى. وبذلك جزم
الطحاوي وغيره من الأئمة الأعلام أن المنفي هو الإثم فقط دون الفدية.
وتعقبه الحافظ (٣) في ((الفتح)) بقوله: والعجب ممن يحمل قوله: ((ولا
حرج)) على نفي الإثم فقط، ثم يخص ذلك ببعض الأمور دون بعض، فإن كان
الترتيب واجباً يجب بتركه دم، فليكن في الجميع وإلا فما وجه تخصيص بعض
دون بعض مع تعميم الشارع الجميع بنفي الحرج، انتهى.
وأجاب عنه الزرقاني (٤) بأن مالكاً خص من العموم تقديم الحلق على
الرمي، فأوجب فيه الفدية لعلة أخرى، وهي إلقاء التفث قبل فعل شيء من
التحلل - وقد أوجب الله ورسوله الفدية على المريض أو من برأسه أذى إذا
(١) ((إكمال إكمال المعلم)) (٤٠٤/٣).
(٢) ((الكوكب الدري)) (١٢١/٢).
(٣) ((فتح الباري)) (٥٧١/٣).
(٤) ((شرح الزرقاني)) (٣٩١/٢).
٥٧٣
٢٠ - كتاب الحج
(٨١) باب
(٩٣٤) حديث
حلق قبل المحل مع جواز ذلك لضرورته، فكيف بالجاهل والناسي؟
وخص منه أيضاً تقديم الإفاضة على الرمي لئلا يكون وسيلة إلى النساء
والصيد قبل الرمي، ولأنه خلاف الواقع منه وَّ وقد قال: ((خذوا عني
مناسككم)) ولم يثبت عنده زيادة ذلك في حديث الباب، فلا يلزمه زيادة غيره،
انتھی .
وحاصل الجواب أن أحاديث الباب لا تدل إلا على نفي الإثم فقط،
وأما وجوب الدم في مواضع إيجابه أوجبه مالك أو غيره إنما أوجبوه لدلائل
وعلل أخر، وقال ابن دقيق العيد: ومن قال بوجوب الدم في العمد والنسيان
فإنه يحمل قوله ◌َّيلر: ((لا حرج)) على نفي الإثم، ولا يلزم من نفي الإثم نفي
وجوب الدم.
وادّعى بعض الشارحين أن قوله وَلّر: ((لا حرج)) ظاهر في أنه لا شيء
عليه، وعني بذلك نفي الإثم والدم معاً، وفيما ادّعاه من الظهور نظر، وقد
ينازعه خصومه فيه بالنسبة إلى الاستعمال العرفي، فإنه قد استعمل ((لا حرج)
كثيراً في نفي الإثم، وإن كان من حيث الوضع اللغوي يقتضي نفي الضيق،
نعم، من أوجب الدم، وحمل نفي الحرج على نفي الإثم يُشْكل عليه تأخير
بيان وجوب الدم، فإن الحاجة تدعو إلى بيان هذا الحكم، فلا يؤخر عنها
بيانه، ويمكن أن يقال: إن ترك ذكره في الرواية لا يلزم منه ترك ذكره في نفس
الأمر، انتهى.
قلت: وذكر هذا الإيراد الحافظ ابن حجر أيضاً، ورَدَّ عليه العيني(١)
بوجه آخر، فقال: قال بعضهم: وتُعُقِّبَ بأن وجوب الفدية يحتاج إلى دليل،
ولو كان واجباً لبيّنه وَله حينئذ لأنه وقت الحاجة، فلا يجوز تأخيره، قلت:
(١) ((عمدة القاري)) (٣٥١/٧).
٥٧٤
٢٠ - كتاب الحج
(٨١) باب
(٩٣٤) حديث
.
الإثم دليل أقوى من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَخْلِقُواْ رُءُوسَكُمْ حَّ بَتْغَ اَلْهَدْىُ مَحِلَّمْ﴾ وبه
احتج النخعي ، فقال: فمن حلق قبل الذبح أهراق دما، رواه ابن أبي شيبة عنه
بسند صحيح، انتھی.
قلت: وتقدم الجواب عنه أيضاً في كلام الشيخ في (الكوكب)) بأنه ثابت
عن ابن عباس فیؤخذ به، انتهى.
قلت: ومما يستدل به على أن المراد نفي الإثم فقط لا غيره ما رواه أبو
داود في معنى حديث الباب، فكان وَلّ يقول: ((لا حرج، لا حرج إلا على
رجل اقترض عرض رجل مسلم وهو ظالم، فذلك الذي حرج وهلك))، فهذا
ينادي بأعلى صوت أن المنفي هو الإثم فقط، لأنه لم يقل أحد من السلف
والخلف بوجوب الدم على من اقترض عرض رجل مسلم.
٨ - ومنها: ما هو المشهور على ألسنة مشايخ الدرس بأن فتوى الراوي
إذا كان مخالفاً لروايته يعمل بفتواه، وهذا ابن عباس - رضي الله عنه - الراوي
لرواية الباب أفتى بوجوب الدم، وتعقبه الحافظ في ((الفتح))(١) بأن الطريق بذلك
إلى ابن عباس فيها ضعف، فإن ابن أبي شيبة أخرجها، وفيها إبراهيم بن
مهاجر، وفيه مقال.
وتعقبه العيني(٢) بقوله: لا نسلم ذلك، فإن إبراهيم بن مهاجر روى له
مسلم، وفي ((الكمال)): روى له الجماعة إلا البخاري، وروى عنه مثل الثوري
وشعبة والأعمش، فلا اعتبار لذكر ابن الجوزي إياه في الضعفاء، ولئن سلمنا
ما ادّعاه في هذه الطريق فقد رواه الطحاوي من طريق آخر ليس فيه كلام،
فقال: حدثنا نصر بن مرزوق، نا الخصيب، نا وهيب عن أيوب عن سعيد بن
(١) ((فتح الباري)) (٥٧٢/٣).
(٢) ((عمدة القاري)) (٣٥٢/٧).
٥٧٥
٢٠ - كتاب الحج
(٨١) باب
(٩٣٤) حديث
جبير، عن ابن عباس مثله، وأخرجه ابن أبي شيبة عن جرير، عن منصور عن
سعيد بن جبير عن ابن عباس نحوه، انتهى.
قلت: وقد أقرَّ الحافظ بنفسه في ((الدراية)) بطريق مجاهد بأنه حسن،
وأخرجه الطحاوي من وجه آخر أحسن منه، كما تقدم «فيما يفعل من نسي من
نسكه شيئاً))، وإبراهيم بن مهاجر قال الثوري وأحمد بن حنبل: لا بأس به،
وقال أحمد: قال يحيى بن معين يوماً عند عبد الرحمن بن مهدي، وذكر
إبراهيم بن مهاجر وآخر، فقال: ضعيفان، فغضب عبد الرحمن، وكره ما قال،
كذا في ((التهذيب))(١) .
٩ - ومنها: معارضتها لدلالة آية الأذى، فإن الله عز اسمه إذا أوجب
الفدية لعذر الأذى، فكيف بدون العذر، قال ابن رشد في ((البداية))(٢): وعمدة
مالك أن رسول الله وَلّ حكم على من حلق قبل محله من ضرورة بالفدية،
فكيف من غير ضرورة، انتهى .
وتعقبه ابن الهمام(٣) فقال: أما الاستدلال بدلالة قوله تعالى: ﴿فَن كَانَ
مِنْكُمْ فَرِيضًا أَوْ بِهَِ أَذَّى مِّن رَأْسِهِ﴾ الآية. فإن إيجاب الفدية للحلق قبل أوانه حالة
العذر يوجب الجزاء مع عدم العذر بطريق أولى، فمتوقف على أن ذلك التأقيت
الصادر عنه وَل# بالقول كان لتعيينه لا لاستنانه، انتهى.
ويمكن أن يجاب عنه بأن من قال بوجوب الدم، ثبت عنده إيجابه، وقد
تقدم في (باب الحلاق)) ما قال مالك: الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا أن
أحداً لا يحلق رأسه، ولا يأخذ من شعره، حتى ينحر هدياً إن كان معه، ولا
(١) انظر: ((تهذيب التهذيب)) (١٦٧/١).
(٢) ((بداية المجتهد)) (٣٥١/١).
(٣) انظر: ((فتح القدير)) (٤٧٠/٢).
٥٧٦
٢٠ - كتاب الحج
(٨١) باب
(٩٣٤) حديث
يحلُّ من شيء حرم عليه، حتى يحلّ بمنى يوم النحر، وذلك أن الله تعالى قال:
﴿وَلَا تَحْلِّقُواْ رُءُوسَكُمْ﴾ الآية.
١٠ - ومنها: ما في ((العناية)) بعد ذكر حديث الباب وحديث ابن عباس
والتعارض بينهما، فيصار إلى ما بعدهما، والقياس معنا، كما في ((الهداية)،
يعني أن التأخير عن إمكان يوجب الدم فيما هو موقت بالمكان كالإحرام، فكذا
التأخير عن الزمان فيما هو موقّت بالزمان، وقال ابن الهمام: ومما استدل به
قياس الإخراج عن الزمان بالإخراج عن المكان، انتهى.
١١ - ومنها: ما حقق ابن دقيق العيد من إثبات الدم في العمد إذ قال:
من أسقط الدم، وجعل ذلك مخصوصاً بحالة عدم الشعور، فإنه يحمل ((لا
حرج)) على نفي الإثم والدم معاً، فلا يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة،
ومشى أيضاً على القاعدة في أن الحكم إذا رتب على وصف يمكن أن يكون
معتبراً لم يجز اطّراحه، وإلحاق غيره مما لا يساويه به، ولا شك أن عدم
الشعور وصف مناسب لعدم التكليف والمؤاخذة والحكم علّق به، فلا يمكن
اطّراحه وإلحاق العمد به إذ لا يساويه، فإن تمسك بقول الرواي فما سئل عن
شيء قدم ولا أخر إلا قال: ((افعل ولا حرج)) فإنه قد يشعر بأن الترتيب مطلقاً
غير مراعى في الوجوب.
فجوابه أن الراوي لم يحك لفظاً عاماً عن الرسول { 8* يقتضي جواز
التقديم والتأخير مطلقاً، وإنما أخبر عن قوله وَلجر: لا حرج بالنسبة إلى كل ما
سئل عنه من التقديم والتأخير حينئذ، وهذا الإخبار عن الراوي إنما تعلق بما
وقع السؤال عنه، وذلك مطلق بالنسبة إلى حال السؤال، وكونه وقع عن العمد
أو عدمه، والمطلق لا يدل على أحد الخاصين بعينه، فلا يبقى حجة في حال
العمد، انتهى.
وأنت خبير بأنه إذا ثبت الدم في العمد يثبت في السهو إذ لا يقول
بالفصل أحد من الأئمة، إلا رواية مرجوحة عن الإمام أحمد، كما تقدم.
٥٧٧
٢٠ - كتاب الحج
(٨١) باب
(٩٣٥) حديث
٢٤٣/٩٣٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ كَانَ إِذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجِّ أَوْ عُمْرَةٍ، ..
١٢ - ومنها ما في ((الدر))(١): أخرج محمد بن يحيى الذهلي عن
الزهريات وابن عساكر عن ابن شهاب قال: سأل عبد الملك بن مروان علي بن
عبد الله بن عباس عن هذه الآية: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجْ﴾ فقال
علي بن عبد الله: الحرج الضيق جعل الله الكفارات مخرجاً من ذلك، سمعت
ابن عباس يقول ذلك، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن شهاب أن ابن
عباس كان يقول في قوله: ﴿شَىْءُ عَظِيمٌ﴾ توسعة الإسلام ما جعل الله من
التوبة ومن الكفارات، فهذه الآثار عن ابن عباس نص في أن الكفارات ليست
منافية لنفي الحرج، بل هي المراد بنفي الحرج.
١٣ - ومنها: أن أحاديث الباب ساكتة عن إيجاب الدم ونفيه، وأكثر ما
فيها نفي الحرج، وهو لا ينفي الدم نصاً، بل غاية ما فيه أنه يحتمل نفي الدم،
كما عرفت، وأحاديث ابن عباس وما في معناها نص في إثبات الدم، فيقدم
النص على المحتمل.
الجالية)
وَسَاءٌ
٢٤٣/٩٣٥ - (مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله
وقد ورد الحديث مختصراً ومفصلاً بطرق عن عدة صحابة، ذكرها العيني (٢)
(كان إذا قفل) بقاف ففاء على زنة رجع ومعناه، والقفول الرجوع وفي ((شرح
الفصيح)) لابن هشام: القافلة الراجعة، فإن كانت خارجة فهي الصائبة، سُمِّيَت
بذلك على وجه التفاؤل، كأنها تصيب كلما خرجت إليه، وفي ((الجامع)»:
يقفلون، ولا يكون القافل إلا الراجع إلى وطنه، كذا في ((العيني)). قلت:
ويطلق القافلة على الصائبة أيضاً تفاؤلاً بالرجوع، (من غزو أو حج أو عمرة)
(١) ((الدر المنثور)) (٧٣/٦).
(٢) انظر: ((عمدة القاري)) (٤٣٣/٧)، و((التمهيد)) (ح ٢٤١).
٥٧٨
---
٢٠ - كتاب الحج
(٨١) باب
(٩٣٥) حديث
يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنَ الأَرْضِ
ظاهره اختصاص ذلك بهذه الأمور الثلاث، وليس الحكم كذلك عند الجمهور،
بل يشرع قول ذلك في كل سفر إذا كان سفر طاعة كصلة الرحم، وطلب العلم
لما يشمل الجميع من اسم الطاعة.
وقيل: يتعدى أيضاً إلى المباح؛ لأن المسافر فيه لا ثواب له، فلا يمتنع
عليه فعل ما يحصل له الثواب، وقيل: يشرع في سفر المعصية أيضاً؛ لأن
مرتكبها أحوج إلى تحصيل الثواب من غيره، وهذا التعليل متعقب؛ لأن الذي
يخصه بسفر الطاعة لا يمنع من سافر في مباح ولا في معصية من الإكثار من
ذكر الله، وإنما النزاع في خصوص هذا الذكر في هذا الوقت المخصوص،
فذهب قوم إلى الاختصاص لكونها عبادات مخصوصة شرع لها ذكر مخصوص،
فتختص به، كالذكر المأثور عقب الأذان وعقب الصلاة.
وإنما اقتصر الصحابي على الثلاث لانحصار سفر النبي ◌َ# فيها، ولذا
ترجم البخاري عليه في أبواب الدعوات ((باب الدعاء إذا أراد سفراً أو رجع))(١)
على أنه تعرض لما دل عليه الظاهر، فترجم في أواخر أبواب العمرة ((ما يقول
إذا رجع من الحج أو العمرة أو الغزو)) كذا في ((الفتح))(٢). وقال العيني(٣):
ظاهره الاختصاص بهذه الثلاثة وليس كذلك عند الجمهور، بل يقول ذلك في
كل سفر، لكن قيده الشافعية بسفر الطاعة، كصلة الرحم وطلب العلم وغير
ذلك، وقيل: يشرع في سفر المعصية أيضاً، لأن مرتكب المعصية أحوج إلى
تحصيل الثواب، انتهى.
(يكبر) الله عز وجل (على كل شرف) بالشين المعجمة والراء المهملة
المفتوحتين آخره فاء هو المكان العالي (من الأرض) ووقع عند مسلم من رواية
(١) ((صحيح البخاري)) (٦٣٨٥/٢).
(٢) انظر: ((فتح الباري)) (٦١٨/٣).
(٣) ((عمدة القاري)) (٤٧٢/١٥).
٥٧٩
٢٠ - كتاب الحج
(٨١) باب
(٩٣٥) حديث
ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ،
.
عبيد الله أبي عمر العمري عن نافع بلفظ: ((إذا أوفى)) أي ارتفع، ((على ثنية))
بمثلثة ثم نون ثم تحتانية ثقيلة هي العقبة، ((أو فدفد)) بفتح الفاء ثم دال مهملة،
ثم فاء ثم دال، والأشهر تفسيره بالمكان المرتفع، وقيل: هو الأرض
المستوية، وقيل: الفلاة الخالية من شجر وغيره، وقيل: غليظ الأودية ذات
الحصى، كذا في ((الفتح))(١).
قال الباجي(٢): فكان يكبر على كل شرف من الأرض تعظيماً لله ومواظبة
على ذكره وإظهاراً لكلمته، وإنما كان يخص بذلك الشرف؛ لأن منه يرى من
الأرض ما يقع عليه بصره، فكان يستحب أن يفعل ذلك أول ما يرى من
الأرض مما فتحه الله عليه ويستقبله بالتكبير والتعظيم، ولأن ما شرع فيه
الإعلان من الذكر، فالأحق به ما علا من الأرض كالأذان والتلبية؛ لأن في
ذلك إظهاراً
للذكر، انتهى.
وقال القاري(٣): لعل الحكمة أن المقام مقام علو وفيه نوع عظمة
فاستحضر عظمة خالقه، قال الطيبي: وجه التكبير على الأماكن العالية هو
استحباب الذكر عند تجدد الأحوال والتقلب في التارات، وكان ◌َّيم يراعي ذلك
في الزمان والمكان، لأن ذكر الله ينبغي أن لا ينسى في كل الأحوال، انتهى.
وقال العراقي: مناسبته أن الاستعلاء محبوب وفيه ظهور وغلبة، فينبغي
للمتلبس به أن يذكر عنده أن الله أكبر من كل شيء، انتهى. وقال المهلب:
تكبيره ولو عند الارتفاع استشعار لكبرياء الله تعالى، وعندما يقع عليه العين من
عظيم خلقه أنه أكبر من كل شيء.
(ثلاث تكبيرات) أي يكرر التكبير ويستمطر منه المزيد، ووقع عند مسلم
(١) (١٨٩/١١).
(٢) ((المنتقى)) (٧٧/٣)
(٣) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٢٠٢/٥).
٥٨٠