Indexed OCR Text

Pages 521-540

٢٠ - كتاب الحج
(٧٨) باب
(٩٣١) حديث
وفي ((شرح اللباب))(١): إِن قتل محرم قملة، وكذا إن ألقاها تصدق
بكسرة، وإن كانت القملة اثنين أو ثلاثاً فقبضة من طعام، وفي الزائد على
الثلاث بالغا ما بلغ نصف صاع، انتهى.
قال الموفق (٢): اختلفت الرواية عن أحمد في إباحة قتل القمل، فعنه
إباحته؛ لأنه من أكثر الهوام أذىً، فأبيح قتله، كالبراغيث وسائر ما يؤذي،
وعنه أنّ قتلَه مُحَرَّمٌ، وهو ظاهر كلام الخرقي؛ لأنه يترفّه بإزالته عنه، فحُرِّمَ
كقطع الشعر، ولأن النبي ◌ّ- رأى كعب بن عجرة والقمل يتناثر على وجهه،
فقال له: ((احلق رأسك))، فلو كان قتل القمل أو إزالته مباحاً، لم يكن كعب
ليتركه حتى يصير كذلك، أو لكان النبي ◌ّ أمره بإزالته خاصة.
ولا فرق بين قتل القمل أو إزالته بإلقائه على الأرض، أو قتله بالزِّثْبَقِ،
فإن قتله لم يحرم لحرمته، لكن لما فيه من الترفه، فعمَّ المنع إزالته كيفما
كانت، ولا يَتَفَلَّى، فإنّ التفلّي عبارة عن إزالة القمل، وهو ممنوع منه، وقال
بعض أصحابنا: إنما اختلفت الرواية في القمل الذي في شعره، فأما ما ألقاه
من ظاهر بدنه، فلا فدية فيه.
فإن خالف وتفلَّى أو قتل قملاً فلا فدية فيه، فإن كعب بن عجرة حين
حلق رأسه، قد أذهب قملا كثيراً، ولم يجب عليه لذلك شيء، وإنما وجبت
الفدية بحلق الشعر، ولأن القمل لا قيمة له فأشبه البعوض والبراغيث، ولأنه
ليس بصيد ولا مأكول.
وحكي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه قال: هي أهون مقتول،
وسُئل ابن عباس عن محرم ألقى قملة، ثم طلبها فلم يجدها، قال: تلك ضالة
(١) (ص٢٠٩).
(٢) ((المغني)) (١١٥/٥).
٥٢١

٢٠ - كتاب الحج
(٧٨) باب
(٩٣١) حديث
قَالَ مَالِكٌ: مَنْ نَتَفَ شَعَراً مِنْ أَنْفِهِ، أَوْ مِنْ إِبْطِهِ،
لا تُبْتَغَى، وهذا قول طاوس وسعيد بن جبير وعطاء وأبى ثور وابن المنذر.
وعن أحمد فيمن قتل قملة، قال: يطعم شيئاً، فعلى هذا أيُّ شيء تصدق
به أجزأ، سواء قتل كثيراً أو قليلاً، وهذا قول أصحاب الرأي، وقال إسحاق:
تمرة فما فوقها. وقال مالك: حفنة من طعام، وروي ذلك عن ابن عمر
- رضي الله عنهما - وقال عطاء: قبضة من طعام، وهذه الأقوال كلها ترجع إلى
ما قلناه، فإنهم لم يريدوا بذلك التقدير، وإنما هو على التقريب لأقل ما
یتصدق به، انتهى.
(قال مالك: ومن نتف شعراً) ولو واحدة عند مالك (من أنفه أو) من
(إبطه) قال الباجي (١): يريد أن يسير ذلك وكثيره إذا قصد إليه سواء، تجب
بذلك كله الفدية؛ لأنه من إماطة الأذى، ومما جرت العادة بالتنظيف بإزالته
وإزالة مثله، وأما ما لا يقصد إلى نتفه وإنما يقصد إلى غير ذلك مثل أن يريد
نزع مخاط يابس من أنفه، فتنقلع معه شعرات، ففي ((المبسوط)) عن مالك: لا
شيء علیه، انتھی.
قال الخرقي: من حلق أربع شعرات فصاعداً، فعليه صيام ثلاثة أيام أو
إطعام أو ذبح، أي ذلك فعل أجزأه. قال الموفق(٢): القدر الذي يجب به الدم
أربع شعرات فصاعداً. وفيه رواية أخرى يجب في الثلاث في حلق الرأس.
قال القاضي: هو المذهب، وهو قول الحسن وعطاء وابن عيينة والشافعي وأبي
ثور لأنه شعر آدمي، يقع عليه اسم الجمع المطلق، فجاز أن يتعلق به الدم
كالربع، ووجه كلام الخرقي أن الأربع كثير، فوجب به الدم كالربع فصاعداً.
أما الثلاثة فهي آخر القلة، وآخر الشيء منه فأشبه الشعرة والشعرتين، انتهى.
(١) ((المنتقى)) (٧٠/٣).
(٢) ((المغني)) (٣٨١/٥).
٥٢٢

٢٠ - كتاب الحج
(٧٨) باب
(٩٣١) حديث
وقال الدردير(١): في شعرة أزالها من جسده أو شعرات عشرة فأقل لغير
إماطة أذى فيها حفنة من طعام، ولإماطته فدية، كما لو زادت على العشرة
مطلقاً ، انتهى.
قال النووي في ((المناسك))(٢): يُحَرَّمُ إزالة الشعر بحلق أو نتف أو تقصير
أو إحراق أو غير ذلك، سواء فيه شعر الرأس وغيره من شعور البدن حتى يحرم
بعض شعرة واحدة من أي موضع كان، فإن فعل شيئاً من ذلك عصى ولزمته
الفدية، انتهى.
قال ابن حجر: تكمل الفدية بإزالة ثلاثة شعرات فأكثر أو جزء من ثلاثة
مع اتحاد الزمان والمكان، وفي شعرة أو ظفرة أو بعضٍ كُلِّ، وإن قلَّ مُدٌّ وفي
اثنين من كُلِّ منهما مُدَّان، انتهى.
وفي ((شرح اللباب))(٣): إذا حلق رأسه كله أو ربعه فصاعداً فعليه دم،
وإن كان أقل من الربع فعليه صدقة. هذا هو الصحيح المختار الذي عليه
جمهور أصحاب المذهب، وذكر الطحاوي في ((مختصره)): أن في قول أبي
يوسف ومحمد: لا يجب الدم ما لم يحلق أكثر رأسه، ولو حلق لحيته أو
ربعها فعليه دم، وفي أقل من الربع صدقة، وإن أخذ من شاربه أي بعضه أو
حلقه كله عليه صدقة، ولو حلق الرقبة كلها، فعليه دم، ولو بعضها فعليه
صدقة، ولو حلق الإبطين أو أحدهما فعليه دم، وفي أقل من إبط صدقة.
ولو حلق الصدر أو الساق أو الركبة أو الفخذ فعليه دم، كما اختاره
صاحب ((الهداية)) وكثير من المشايخ، وقيل: صدقة، لما فيه في ((المبسوط)):
(١) ((الشرح الكبير)) (٦٤/٢).
(٢) (ص١٦٤).
(٣) (ص١٧٦).
٥٢٣

٢٠ - كتاب الحج
(٧٨) باب
(٩٣١) حديث
أَوِ اطَّلَى جَسَدُهُ بِنُورَةٍ، أَوْ يَحْلِقُ عَنْ شَجَّةٍ فِي رَأْسِهِ لِضَرُورَةٍ، أَوْ
يَحْلِقُ قَفَاهُ لِمَوْضِعِ الْمَحَاجِمِ
متى حلق عضواً مقصوداً بالحلق فعليه دم، وإن حلق ما ليس بمقصود فصدقة،
وما في ((المبسوط)) أصح، وإن حلق أقل ما ذكر من كل عضو فصدقة، ولا
يقوم الربع من هذه الأعضاء مقام الكل.
وما ذكرنا من لزوم الدم أو الصدقة إنما هو في حالة الاختيار بأن ارتكب
المحظور بغير عذر، أما في حالة الاضطراب بأن ارتكبه بعذر كمرض وعلة فهو
مخير بين الصيام والصدقة والدم، انتهى مختصراً.
(أو طلى) من المجرد في النسخ الهندية، واطَّلَى من المزيد في النسخ
المصرية، كلاهما بمعنى، قال صاحب ((مختار الصحاح)): طلاه بالدهن وغيره
من باب رمى، واطَّلَى به على افتعل، انتهى. (جسده بنورة) بضم النون حجر
الكلس. ثم غلبت على اختلاط تضاف إليه من زرنيخ وغيره، يستعمل لإزالة
الشعر، قاله الزرقاني (١).
وقال المجد: النورة بالضم الهناء وانتار وتنور وانتور تطلى بها، وفي
((منتهى الأرب)): النورة بالضم: آهك، وفي ((المحيط الأعظم)): بضم نون
وسكون واو وفتح راء مهملة: آهك.
:
قال الباجي (٢): هو على ما ذكره؛ لأنه لا فرق بين إزالته الشعر عن
جسده بنتف أو حلق أو طلاء نورة أو غير ذلك إذا كان قاصداً إلى إزالته، ومن
طلى جسده بنورة فقد قصد إزالة الشعر، فكانت عليه فدية. انتهى.
قلت: وبذلك قال الجمهور كما تقدم في الحديث الأول من الباب.
(أو يحلق) الشعور (عن شجة) كانت (في رأسه لضرورة) كالتداوي وغيره
(أو يحلق قفاه) أي مؤخر الرأس (لموضع المحاجم) جمع محجمة بكسر الميم،
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٨٧/٢).
(٢) ((المنتقى)) (٧٠/٣).
٥٢٤
...-

٢٠ - كتاب الحج
(٧٨) باب
(٩٣١) حديث
وهي قارورة الحجامة، ويقال لها: المحجم أيضاً بكسر الميم، وإنما بالجمع
لاختلاف عادات الناس، فإن العرب يحتجمون على الرأس، والفرس بين
الكتفين، والآخرون على غيرهما .
قال الباجي(١): يريد أن عليه الفدية إن حلق لها شعراً ولا فرق بين أن
يفعل ذلك لضرورة أو غيرها، لأن إماطة الأذى لا تختلف بالضرورة في
وجوب الفدية، انتهى.
قال الموفق(٢): أما الحجامة إذا لم يقطع شعراً فمباحة من غير فدية في
قول الجمهور، فإن احتاج في الحجامة إلى قطع شعر فله قطعه، لما روى
عبد الله بن بحينة أن رسول الله قدير احتجم بلحي جمل في طريق مكة، وهو
محرم وسط رأسه، متفق عليه.
ومن ضرورة ذلك قطع الشعر، ولأنه يباح حلق الشعر لإزالة أذى القمل،
فكذلك هاهنا، وعليه الفدية، وبهذا قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأبو ثور
وابن المنذر، وقال صاحبا أبي حنيفة: يتصدق بشيء، ولنا قوله تعالى: ﴿فَن
كَانَ مِنْكُم فَرِضًا أَوْ بِهِ أَذَّى مِّن رَّأْسِهِ﴾(٣) الآية، ولأنه حلق الشعر لإزالة ضرر
غيره، فلزمته الفدية كما لو حلقه لإزالة قمله، انتهى.
وفي ((الهداية))(٤): إن حلق موضع المحاجم فعليه دم عند أبي حنيفة
- رحمه الله -، وقالا: عليه صدقة لأنه إنما يحلق لأجل الحجامة، وهي ليست
من المحظورات، فكذا ما يكون وسيلة لها إلا أن فيه إزالة شيء من التفث
(١) ((المنتقى)) (٧٠/٣).
(٢) ((المغني)) (١٢٦/٥).
(٣) سورة البقرة: الآية ١٩٦.
(٤) (١٥٨/١).
٥٢٥

٢٠ - كتاب الحج
(٧٨) باب
(٩٣١) حديث
وَهُوَ مُحْرِمٌ، نَاسِياً أَوْ جَاهِلًا: إِنَّ مَنْ فَعَلَ شَيْئاً مِنْ ذُلِكَ، فَعَلَيْهِ
الْفِدْيَةُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْلِقَ مَوْضِعَ الْمَحَاجِمِ، وَمَنْ
جَهِلَ فَحَلَقَ رَأْسَهُ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ الْجَمْرَةَ، افْتَدَى.
فتجب الصدقة، ولأبي حنيفة أن حلقه مقصود، لأنه لا يتوسل إلى المقصود إلا
به، وقد وجد إزالة التفث عن عضو كامل فيجب الدم، انتهى.
وهذا كله في قطع الشعر للحجامة، وأما حكم الاحتجام فتقدم في بابه
(وهو محرم) في هذه الأحوال كلها سواء فعل هذه الأمور المذكورة (ناسياً أو
جاهلاً: إن من) هكذا في أكثر النسخ بزيادة لفظ ((من)) فإن بتشديد النون، ومن
اسمه، وليس في بعض النسخ لفظ ((من)) فإن بسكون النون شرطية (فعل شيئاً
من ذلك) المذكور قبل ذلك (فعليه في ذلك كله الفدية)، وتقدم في الحديث
الأول أن السهو والعمد والخطأ والجهل كلها سواء عند الجمهور في وجوب
الفدية .
(ولا ينبغي له أن يحلق موضع المحاجم) قال الباجي(١) يحتمل وجهين،
أحدهما: أنه لا ينبغي أن يحلق ذلك للاحتجام إلا للضرورة، لأن إماطة الأذى
لا تفعل وإن فدى إلا لضرورة. والثاني: أن حلق الشعر في الجملة محظور
على المحرم، وأن هذا من جملته، فأخبر أن حكمه حكم سائر شعر الجسد،
انتهى .
(قال مالك: من جهل) قال الزرقاني: وفي نسخة ((نسي)) (فحلق رأسه قبل
أن يرمي الجمرة افتدى) لأنه حلق قبل أن يتحلل من شيء من إحرامه، فأول
التحلل رمي جمرة العقبة. قال الباجي: وقال الزرقاني(٢): لأنه ألقى التفث قبل
التحلل، وقد أمر كعب بالفدية في الحلق قبل محله لضرورته، فكيف بالجاهل
والناسي؟ انتهى.
(١) ((المنتقى)) (٧١/٣)
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٨٧/٢).
٥٢٦

٢٠ - كتاب الحج
(٧٩) باب
(٩٣٢) حديث
(٧٩) باب ما يفعل من نسي من نسكه شيئاً
٢٤٠/٩٣٢ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي
تَمِيمَةَ السَّخْتَيَانِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ؛
قَالَ: مَنْ نَسِيَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئاً، أَوْ تَرَكَهُ، فَلْيُهْرِقْ دَماً.
قَالَ أَيُّوبُ: لَا أَدْرِي، قَالَ: تَرَكَ، أَوْ نَسِيَ.
قلت: وذلك لأن الترتيب بين الحلق والرمي واجب عند المالكية أيضاً،
قال الدردير (١): اعلم أنه يفعل يوم النحر أربعة أمور مرتبة رمي العقبة فالنحر
فالحلق فالإفاضة، فتقديم الرمي على الحلق والإفاضة واجب، وما عداه
مندوب، انتهى. وسيأتي مذاهب الأئمة في ترتيب هذه الأفعال في أول حديث
((جامع الحج)).
(٨٠) ما يفعل من نسي من نسكه شيئاً
اعلم أن أفعال الحج عند الأئمة الأربعة مركبة من ثلاثة أشياء: الأركان،
والواجبات، والسنن، والمقصود، كما يظهر من ملاحظة الأثر الوارد فيه بيان
من نسي أو ترك شيئاً من الواجبات كما سيأتي بيانه.
٢٤٠/٩٣٢ - (مالك، عن أيوب بن أبي تميمة) كيسان (السختياني عن
سعيد بن جبير، أن) وفي النسخ المصرية (عن عبد الله بن عباس) رضي الله عنهما
(قال: من نسي من نسكه شيئاً أو) قال (تركه) شك من الراوي على الظاهر كما يدل
عليه قول أيوب الآتي (فليهرق دماً)، وبهذا قال الجمهور(٢)، كما سيأتي مفصلاً.
(قال أيوب: لا أدري أقال) سعيد شيخي، وليس في النسخ المصرية همزة
استفهام (ترك أم نسي) يعني أن لفظة أو في الأثر ليست للتنويع، بل للشك
(١) ((الشرح الكبير)) (٤٦/٢).
(٢) انظر: ((المغني)) (٣٢٤/٥ - ٣٨٠).
٥٢٧

٢٠ - كتاب الحج
(٧٩) باب
(٩٣٢) حديث
من الراوي، وفيما حكى صاحب ((جمع الفوائد)) من رواية مالك فيها زيادة مما
بعد الفرائض، وسياقها عن ابن عباس: من نسي شيئاً من نسكه أو تركه مما
بعد الفرائض فليهرق دماً، انتهى.
وذكر صاحب ((الهداية)) برواية ابن مسعود: من قدم نسكاً على نسك فعليه
دم، وتعقب عليه شراحه، فقالوا: كونه برواية ابن عباس أعرف. قال الزيلعي
في ((نصب الراية))(١): رواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) حدثنا سلّام بن مطيع أبو
الأحوص عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن ابن عباس قال: من قدم شيئاً
من حجه أو أخّره فليهرق لذلك دماً، وقال الشيخ في ((الإمام)): إبراهيم بن
مهاجر ضعيف، وأخرج عن سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وجابر بن زيد أبي
الشعثاء نحو ذلك، وأخرج الطحاوي في ((معاني الآثار)) (٢) حديث ابن عباس
برواية إبراهيم بن مهاجر عنه، وأخرجه أيضاً ثنا ابن مرزوق نا الخصيب ثنا
وهيب عن أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مثله، انتهى.
وقال الحافظ في ((الدراية)): أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد حسن من طريق
مجاهد عن ابن عباس: ((من قدم شيئاً من حجه أو أخره فليهرق لذلك دماً))،
وأخرجه الطحاوي في وجه آخر أحسن منه، انتهى. وسيأتي شيء من ذلك في
أول ((جامع الحج)).
وقال في ((التلخيص))(٣): حديث ابن عباس موقوفاً عليه ومرفوعاً ((من ترك
نسكاً فعليه دم))، أما الموقوف فرواه مالك في ((الموطأ)) والشافعي عنه عن
أيوب عن سعيد بن جبير عنه، وأما المرفوع فرواه ابن حزم من طريق علي بن
(١) (١٢٩/٣).
(٢) (٤٢٤/١) ((باب تقديم نسك على نسك)).
(٣) ((تلخيص الحبير)) (٢٢٩/٢).
٥٢٨

٢٠ - كتاب الحج
(٧٩) باب
(٩٣٢) حديث
الجعد عن ابن عيينة عن أيوب به، وأعلّه بالراوي عن علي بن الجعد أحمد بن
علي بن سهل المروزي، فقال: إنه مجهول، وكذا الراوي عنه علي بن أحمد
المقدسي، قال: هما مجهولان، انتهى.
قال الباجي(١): قوله: ((من ترك من نسكه شيئاً)) يريد مما هو مشروع في
نسكه، وذلك أن النسك على ثلاثة أضرب. ضرب: هو ركن من أركانه وهو
الإحرام، والطواف، والسعي في العمرة، وفي الحج الإحرام، والطواف
والسعي والوقوف بعرفة هذا على المشهور من المذهب، وزاد ابن الماجشون:
رمي العقبة يوم النحر، فهذا من ترك شيئاً منه لم يصح نسكه، وكان عليه
إتمامه، ولا يجزئه عنه دم ولا غيره.
وضرب ثان: وهو موجبات الحج، وليس بركن من أركانه كالإحرام من
الميقات لمن مَرَّ به مريداً للنسك، وطواف الورود لغير المراهق، والمبيت
بالمزدلفة للحجاج، ورمي الجمار كلها على المشهور من المذهب، أو رمي
الجمار في أيام التشريق على مذهب ابن الماجشون، والمبيت بمنى ليالي منى،
فهذه التي أراد عبد الله بن عباس بقوله في هذا الحديث.
والضرب الثالث: ليست من واجبات الحج، وإنما هو من أحكامه
المشروعة فيه على وجه الندب والاستحباب، كالخروج إلى منى يوم التروية قبل
الزوال، وصلاة الظهر والعصر بها، وصلاة المغرب والعشاء، والمبيت بها، ثم
صلاة الصبح بها يوم عرفة، والمقام بالمزدلفة حتى يصح، وتقديم الذبح على
الحلاق، ورمي الجمرتين الأوليين من أعلاهما، والوقوف عندهما وما جرى
مجرى ذلك فهذه كلها مشروع، الإتيان بها مندوب إليها، فمن تركها أو نسيها
فقد ترك الأفضل، وليس عليه في ذلك دم ولا غيره، انتهى.
(١) ((المنتقى)) (٧١/٣).
٥٢٩

٢٠ - كتاب الحج
(٧٩) باب
(٩٣٢) حديث
وقال ابن قدامة في ((الشرح الكبير)) (١): أركان الحج الوقوف بعرفة،
وطواف الزيارة، وعنه أي الإمام أحمد أنها أربعة أي الإحرام والسعي أيضاً،
وعنه أنها ثلاثة، وأن السعي سنة، واختار القاضي أنه واجب ليس بركن، أما
الوقوف بعرفة فركن لا يتم الحج إلا به إجماعاً، وطواف الزيارة أيضاً ركن لا
يتم الحج إلا به.
قال ابن عبد البر: لا خلاف في ذلك بين العلماء، وواجباته سبعة:
الإحرام من الميقات، والوقوف بعرفة إلى الليل، والمبيت بمزدلفة إلى بعد
نصف الليل، والمبيت بمنى، والرمي، والحلق أو التقصير، وطواف الوداع،
وما عدا هذا سنن: وهو الاغتسال، وطواف القدوم، والرمل، والاضطباع،
واستلام الركنين، وتقبيل الحجر، والإسراع، والمشي في مواضعهما،
والخطب، والأذكار، والصعود على الصفا والمروة.
وأركان العمرة: الطواف، وفي الإِحرام والسعي روايتان على ما ذكرنا في
الحج وواجبها: الحلق أو التقصير في إحدى الروايتين بناءً على الحلق في
الحج، وسنتها: الغسل والدعاء والذكر وغير ذلك، فمن ترك ركناً لم يتم
النسك إلا به، ومن ترك واجباً فعليه دم، ومن ترك سنة فلا شيء عليه، انتهى.
وكذا في ((الروض المربع))(٢) عَدَّ الأركَان أربعةً: الإحرام، والوقوف،
وطواف الزيارة، والسعي، والواجبات سبعة: الإحرام من الميقات المعتبر له،
والوقوف إلى الغروب على من وقف نهاراً، والمبيت بمنى بغير أهل السعاية
والرعاية، والمبيت بمزدلفة إلى بعد نصف الليل لمن أدركها قبله على غير
السقاة والرعاة، والرمي مرتباً، والحلاق والتقصير، والوداع، انتهى.
(١) (٥٠٢/٣).
(٢) (٥٢٤/١).
٥٣٠

٢٠ - كتاب الحج
(٧٩) باب
(٩٣٢) حديث
وقال النووي في ((المناسك)) (١): أعمال الحج ثلاثة أقسام: ١ - أركان
و٢ - واجبات و٣ - سنن، أما الأركان فخمسة: الإحرام، والوقوف، وطواف
الإفاضة، والسعي، والحلق. إذا قلنا بالأصح: إنه ركن. وأما الواجبات:
فالاثنان متفق عليهما، وأربعة مختلفة فيها، فإنشاء الإحرام من الميقات،
والرمي واجبان متفق عليهما .
وأما الأربعة: فأحدها: الجمع بين الليل والنهار في الوقوف بعرفة.
والثاني: المبيت بمزدلفة. والثالث: المبيت بمنى ليالي الرمي. والرابع: طواف
الوداع، والأصح وجوب الأربعة، انتهى.
وتعقب ابن حجر على الأول وقال: الجمع في الوقوف بين الليل والنهار
سنة. وقال النووي: الترتيب واجب في الأركان، ويشترط تقدم الإحرام على
جميعها، ويشترط تقدم الوقوف على طواف الإفاضة والحلق، ويشترط كون
السعي بعد طواف صحيح، انتهى.
ثم قال النووي(٢): وأما السنن، فجميع ما ذكر مما يؤمر به الحاج سوى
الأركان والواجبات، أما أحكام هذه الأقسام فالأركان لا يتم الحج ولا يجزئ
حتى يأتي بجميعها، ولا يحل من إحرامه مهما بقي منها شيء، حتى لو أتى
بالأركان كلها إلا أنه ترك طوفة من السبع أو مرة من السعي لم يصح الحج ولم
يحصل التحلل الثاني.
وكذا لو حلق شعرتين لم يتم حجه ولا يحل حتى يحلق أو يقصر شعرة
ثالثة، ولا يجبر شيء من الأركان بالدم وغيره، وأما الواجبات، فمن ترك منها
شيئاً لزمه دم، ويصح الحج بدونه، سواء تركها عمداً أو سهواً لكن العامد
(١) (ص٣٧٥).
(٢) ((مناسك النووي)) (ص٣٧٦).
٥٣١

٢٠ - كتاب الحج
(٧٩) باب
(٩٣٢) حديث
قَالَ مَالِكٌ: مَا كَانَ مِنْ ذُلِكَ هَدْياً، فَلَا يَكُونُ إِلَّا بِمَكَّةَ، وَمَا
كَانَ مِنْ ذُلِكَ نُسُكاً،
يأثم، وأما السنن فمن تركها لا شيء عليه، لا دم ولا إثم، لكن فاته الكمال
والفضل، انتهى.
وفي ((الغنية)): أما فرائض الحج، وهي أهم الشرائط فثلاث. الأول:
الإحرام قبل الوقوف بعرفة، والثاني: الوقوف ولو ساعة. والثالث: طواف
الزيارة، وحكم الفرائض أنه لا يصح الحج إلا بها، ولو ترك واحداً منها لا
يجبر بدم، وأما واجباته فستة: وقوف جمع ولو لحظة، والسعي، ورمي
الجمار، والذبح للقارن والمتمتع، والحلق، أو التقصير، وطواف الصدر
للآفاقي غير الحائض والنفساء، ومن واجبات الحج واجبات فرائضه وواجبات
واجباته، وكذا شرائط واجباته.
:
أما الأول، فكإنشاء الإحرام من الميقات. والثاني، كتقديم الرمي الأول
على الحلق. والثالث، ككون السعي بعد طواف معتدٍ به، وألحق بالواجبات
ترك محظورات الإحرام، لاشتراكهما في وجوب الجزاء، وكل ما هو واجب
فحكمه وجوب الدم بتركه بلا عذر، وجواز الحج سواء تركه عمداً أو سهواً أو
خطأ أو جاهلاً أو عالماً، لكن العامد آثم.
وسننه كالغسل للإحرام وغير ذلك كثيرة، وحكمها الإساءة بتركها وعدم
لزوم الجزاء.
ومستحباته أكثر من أن تحصى، وحكمها حصول الأجر بالإتيان وعدم
لزوم الإساءة بالترك، انتهى مختصراً. وإذا عرفت ذلك فعلم أن مراد الأثر عند
الأئمة الأربعة هي الواجبات لا غير.
(قال مالك: ما كان من ذلك) أي الدم المذكور في أثر ابن عباس (هدياً
فلا يكون) ذبحه (إلا بمكة) أو منى كما تقدم في محليه (وما كان من ذلك نسكاً
٥٣٢

٢٠ - كتاب الحج
(٨٠) باب
(٩٣٣) حديث
فَهُوَ يَكُونُ حَيْثُ أَحَبَّ صَاحِبُ النُّسُكِ.
(٨٠) باب جامع الفدية
٢٤١/٩٣٣ - قَالَ مَالِكٌ، فِيمَنْ أَرَادَ أَنْ يَلْبِسَ شَيْئاً مِنَ النِّيَابِ
الَّبِي لَا يَنْبَغِي
فهو يكون حيث أحب صاحب النسك) قال الباجي(١): يريد أن ما لزم بشيء من
ذلك من الهدي على ما تقدم تفسيره قبل هذا، فلا يكون إلا بمكة، لأن الهدايا
لا تكون إلا بمكة، قال تعالى: ﴿هَدْيَا بَلِغَ الْكَمْبَةِ﴾ فلا يجوز أن ينحر هدياً إلا
بمنى أو بمكة.
ويريد بقوله: النسك هاهنا فدية الأذى، لأنه الذي لصاحبه أن يذبحه حيث
شاء إذا لم يثبت له حكم الهدي، وقد قال تعالى: ﴿فَنْ كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًا أَوْ بِهِةٍ أَذَّى مِّن
زَّأْسِهِ، فَفِذْيَةٌ مِّنْ صِيَاءٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُكٍ﴾، واسم النسك يصح أن يقع على فدية
الأذى، وعلى الهدي، وعلى كل واحد من أعمال الحج والعمرة، ويقع على جملة
الحج والعمرة، لكن المراد في هذا الموضع إراقة الدم على وجه الفدية، انتهى.
قلت: وتقدم في ((جامع الهدي)) أن دماء الحج عند المالكية ثلاثة أنواع:
وهي منقسمة على نوعين: الهدي، والنسك، وهو دم الفدية، ويختص الأول
بمنى أو مكة ولا يختص الثاني بموضع، وأما عند الحنابلة، فكل هدي أو
إطعام، فهو لمساكين الحرم إلا من أصابه أذى من رأسه، فتجوز في الموضع
الذي حلق فيه، وفي رواية محل الجميع الحرم، وبه قالت الشافعية والحنفية.
(٨٠) جامع الفدية
أي الأحكام المتفرقة من أبواب الفدية، فهو بمنزلة مسائل شتى يكتبونها
أصحاب التصانيف في أواخر الأبواب لا سيما الفقهاء في مصنفاتهم.
٢٤١/٩٣٣ - (قال مالك فيمن أراد أن يلبس شيئاً من الثياب التي لا ينبغي)
(١) ((المنتقى)) (٧١/٣).
٥٣٣

٢٠ - كتاب الحج
(٨٠) باب
(٩٣٣) حدیث
لَهُ أَنْ يَلْبِسَهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ، أَوْ يُقَصِّرَ شَعَرَهُ، أَوْ يَمَسَّ طِيباً مِنْ غَيْرِ
ضَرُورَةٍ، لِيَسَارَةِ مُؤْنَةِ الْفِدْيَةِ عَلَيْهِ. قَالَ: لَا يَنْبَغِي لَأَحَدٍ أَنْ يَفْعَلَ
ذُلِكَ وَإِنَّمَا أُرْخِصَ فِيهِ لِلْضَّرُورَةِ وَعَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، الْفِدْيَةُ.
أي لا يجوز (له أن يلبسها وهو محرم أو) أراد أن (يقصر شعره) وهو محرم (أو
يمس طيباً من غير ضرورة) داعية إلى هذه الأمور، بل يريد أن يفعلها (ليسارة
مؤنة الفدية عليه) أي يسهل له مشقة الفدية لغناه (قال) مالك: (لا ينبغي) أي لا
يجوز (لأحد أن يفعل ذلك) أي ما ذكر من الأمور (وإنما أرخص) ببناء
المجهول (فيه) أي فيما ذكر من لبس الثياب وقطع الشعر (للضرورة).
قال الباجي(١): يعني من أراد أن يأتي شيئاً من محظورات الإحرام من
غير ضرورة، ويفتدي، واستسهل الفدية لقلتها أو لكثرة ماله، فإنه لا يجوز له
ذلك من غير ضرورة، وهو آثم، وإنما يجوز له ذلك بشرط الضرورة والأذى
الذي ليس بمعتاد، والأصل في ذلك قوله: ﴿فَنْ كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًا أَوْ بِهِةَ أَذَى﴾(٢)
الآية. فاشترط في استباحة ذلك الضرورة والأذى، وكذلك قال النبي بَل
لكعب بن عجرة، وقد رأى كثرة ما به من القمل: ((أيؤذيك هوامّك))؟ فلما
قال: نعم، قال له: ((احلق رأسك)) وأمره بالفدية، فعلق إباحة ذلك بالتأذي
بالهوام (وعلى من فعل ذلك الفدية) مبتدأ قدم عليه خبره.
قال الباجي(٣): الظاهر أنه أراد به، وإن كان الحلق واللباس والتطيب من
المعاني المحظورة لغير ضرورة، فإن الفدية تجب على من فعل ذلك، ولا
يخرج بالحظر والإثم عن وجوب الفدية، ويحتمل أن يريد به، وإنما أبيح له
فعل شيء من ذلك للضرورة، وأوجب عليه مع ذلك الفدية، ليظهر تغليظ المنع
فكيف بمن فعله لغير ضرورة، انتهى.
(١) ((المنتقى)) (٧٢/٣).
(٢) سورة البقرة: الآية ١٩٦.
(٣) ((المنتقى)) (٧٢/٣).
٥٣٤

٢٠ - كتاب الحج
(٨٠) باب
(٩٣٣) حديث
وَسُئِلَ مَالِكٌّ: عَنِ الْفِدْيَةِ مِنَ الصِّيَامِ، أَوِ الصَّدَقَةِ، أَوِ النُّسُكِ،
أَصَاحِبُهُ بِالْخِيَارِ فِي ذُلِكَ؟ وَمَا النُّسُكُ؟ وَكَمَ الطَّعَامُ؟ وَبِأَيِّ مُدَّ هُوَ؟ وَكَم
الصِّيَامُ؟ وَهَلْ يُؤَخِّرُ شَيْئاً مِنْ ذُلِكَ أَمْ يَفْعَلُهُ فِي فَوْرِهِ ذُلِكَ؟ قَالَ مَالِكٌ:
كُلُّ شَيْءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ فِي الْكَفَّارَاتِ، كَذَا أَوْ كَذَا، فَصَاحِبُهُ مُخَيَّرٌ فِي
ذلِكَ، أَيَّ شَيْءٍ أَحَبَّ أَنْ يَفْعَلَ ذُلِكَ، فَعَلَ. قَالَ: وَأَمَّا النُّسُكُ فَشَاةٌ
وقد تقدم قريباً تحت حديث كعب بن عجرة أن العامد والساهي والمعذور
وغيره سواء عند الجمهور في وجوب الفدية، وإن اختلفوا في التخيير وتحتم الدم.
(وسئل مالك عن) أحكام (الفدية) المذكورة في الآية (من الصيام أو
الصدقة أو النسك) بيان للفدية ثم بين الأحكام التي سئل عنها، وهي عديدة،
إحداها (أصاحبه) أي الفادي (بالخيار في ذلك؟) أي مختار في أي الثلاثة شاء
يفدي أو يتعين عليه شيء في ذلك؟ (و) ثانيها (ما النسك؟) الوارد في الآية.
(و) ثالثها (كم الطعام؟) أي ما مقداره (و) رابعها (بأي مد هو؟) أي الطعام بأي
مد يؤدي، فإن الأمداد كانت مختلفة بالمدينة المنورة، (و) خامسها (كم
الصيام؟)، (و) سادسها (هل يؤخر شيئاً من ذلك) أي نوعاً من أنواع الفدية (أم
يفعله) أي الفداء (في فوره ذلك؟) المحظور، أي وجوب الفدية على الفور أو
التراخي .
(قال مالك) في جواب هذه المسائل على غير ترتيب اللف: (كل شيء)
أي حكم ورد (في كتاب الله) تعالى (في) بيان (الكفارات كذا أو كذا) أي بلفظة
((أو)) (فصاحبه مخيّر في ذلك) أي في أدائه (أيّ ذلك أحبّ أن يفعل) مفعول
أحبّ، وفي النسخ المصرية: أي شيء أحبّ أن يفعل ذلك (فعل) خبر لقوله:
أي شيء، وهذا جواب المسألة الأولى، وقد روي ذلك عن ابن عباس وعطاء
وعكرمة ما كان في القرآن ((أو)) فصاحبه بالخيار كما تقدم في آخر الحديث
الأول في ((باب فدية من حلق قبل أن ينحر)).
(وأما النسك) أي المراد بالنسك (فشاة) جواب للمسألة الثانية، وتقدم
٥٣٥

٢٠ - كتاب الحج
(٨٠) باب
(٩٣٣) حديث
وَأَمَّا الصِّيَامُ فَثَلَاثَة أَيَّامٍ، وَأَمَّا الطَّعَامُ فَيُطْعِمُ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ
مِسْكِينِ مُدَّانِ، بِالْمُدِّ الأَوَّلِ، مُدِّ النَّبِيِّ
وسـ
قَالَ مَالِكٌ: وَسَمِعْتُ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ: إِذَا رَمَى الْمُحْرِمُ
شَيْئاً، فَأَصَابَ شَيْئاً مِنَ الصَّيْدِ لَمْ يُرِدْهُ، فَقَتَلَهُ: إِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَفْدِيَهُ،
أيضاً تحت حديث كعب بن عجرة مفصلاً، وقد قال الحافظ(١): قال عياض
ومن تبعه تبعاً لأبي عمر: كل من ذكر النسك في هذا الحديث مفسراً، فإنما
ذكروا شاة، وهو أمر لا خلاف فيه بين العلماء (وأما الصيام فثلاثة أيام) جواب
المسألة الخامسة، وتقدم أيضاً في حديث كعب من أن ذلك إجماع خلافاً لما
قيل من عشرة أيام.
(وأما الطعام) جواب المسألة الثالثة: (فيطعم ستة مساكين) كما قال به
الجمهور منهم الأئمة الأربعة (لكل مسكين مدان) مبتدأ وخبر، وفي نسخة مدين
مفعول يطعم، والمسألة خلافية تقدمت في حديث كعب بن عجرة مفصلاً (بالمد
الأول) جواب المسألة الرابعة (مد النبي ◌ُ ◌ّد) بدل من المد الأول. تقدم الكلام
عليه مفصلاً في أبواب صدقة الفطر، ولم يذكر المصنف جواب المسألة
السادسة، ولم أجدها في ((المدونة)) ولا (الدردير))، ووجوبها على التراخي
عندنا الحنفية صرح بذلك القاري في ((شرح اللباب))(٢).
:
(قال مالك: وسمعت بعض أهل العلم يقول: إذا رمى المحرم شيئاً) غير
الصيد (فأصاب) المرمى (شيئاً من الصيد لم يرده) أي الصيد يعني لم يقصد
المحرم الصيد، بل أصابه بدون قصده (فقتله) أي الصيد (إن) بالكسر مقول
القول (عليه) أي على المحرم (أن يفديه) من المجرد، وفي النسخ المصرية
ويفتديه من الافتعال في النسخ الهندية، والمعنى واحد.
(١) ((فتح الباري)) (٤٢٨/٤).
(٢) انظر: (ص٢٢٧).
٥٣٦

٢٠ - كتاب الحج
(٨٠) باب
(٩٣٣) حديث
وَكَذْلِكَ الْحَلَالُ يَرْمِي فِي الْحَرَمِ شَيْئاً، فَيُصِيبُ صَيْدَاً لَمْ يُرِدْهُ،
فَيَقْتُلُهُ: إِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَقْدِيَهُ، لأَنَّ الْعَمْدَ وَالْخَطَأَّ فِي ذُلِكَ بِمَنْزِلَةٍ سَوَاءٌ .
وسبب وجوب الجزاء ما سيصرح المصنف من أن العمد والخطأ في ذلك
أي في وجوب الجزاء بمنزلةٍ سواءٌ لأنه إتلاف، والإتلاف مضمون في العمد
والخطأ، لكن العامد آثم بخلاف المخطيء، وإليه ذهب الجمهور سلفاً وخلفاً،
وفيه خلاف البعض، كما تقدم مفصلاً في أبواب الصيد.
قال ابن بطال(١): اتفق أئمة الفتوى من أهل الحجاز والعراق وغيرهم
على أن المحرم إذا قتل الصيد عمداً أو خطأ فعليه الجزاء، وخالف فيه أهل
الظاهر وأبو ثور وابن المنذر من الشافعية متمسكين بقوله تعالى: ﴿مُتَعَمِّدًا﴾،
وقال ابن شهاب: يجب الجزاء على العامد بالآية وعلى المخطئ بالسنة كما
تقدم في محله .
(وكذلك الحلال يرمي في الحرم شيئاً) غير الصيد (فيصيب) المرمى (صيداً
لم يرده) الرامي (فيقتله: إن عليه أن يفديه) من المجرد في المصرية، والمزيد
في الهندية من الافتداء، ووجه ذلك ما تقدم في مبدأ أمر الصيد في الحرم:
أجمع المسلمون على تحريم صيد الحرم على الحلال والمحرم، وما يحرم،
ويضمن في الإحرام يحرم ويضمن في الحرم، وما لا فلا، إلا شيئين:
أحدهما: القمل مختلف في قتله في الإحرام، ومباح في الحرم بلا خلاف،
والثاني: صيد البحر مباح في الإحرام، ولا يحل صيده من آبار الحرم وعيونه،
وكرهه جابر بن عبد الله، وعن أحمد رواية أخرى أنه مباح، قاله الموفق(٢)
(لأن العمد والخطأ في ذلك) أي في وجوب الجزاء (بمنزلة سواء) دليل
للمسألتين، وتقدم مراراً مفصلاً ومختصراً.
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٢١/٤).
(٢) («المغني)) (١٧٩/٥).
٥٣٧

٢٠ - كتاب الحج
(٨٠) باب
(٩٣٣) حديث
قَالَ مَالِكٌ، فِي الْقَوْمِ يُصِيبُونَ الصَّيْدَ جَمِيعاً وَهُمْ مُحْرِمُونَ، أَوْ
فِي الْحَرَمِ. قَالَ: أَرَى أَنَّ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ جَزَاءَهُ، إِنَّ حُكِمَ
عَلَيْهِمْ بِالْهَدْي، فَعَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ هَذْيٌ، وَإِنْ حُكِمَ عَلَيْهِمْ
بِالصِّيَامِ، كَانَ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمُ الصِّيَامُ، وَمِثْلُ ذَلِكَ، الْقَوْمُ
يَقْتُلُونَ الرَّجُلَ خَطَأَ، فَتَكُونُ كَفَّارَةُ ذُلِكَ، عِنْقَ رَقَبَةٍ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ
مِنْهُمْ، أَوْ صِيَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُم.
(قال مالك في القوم يصيبون الصيد جميعاً وهم محرمون) أي اجتمع
المحرمون في قتل صيد واحد (أو في الحرم) أي القوم يصيبون الصيد في الحرم
وهم حلال (قال) مالك: (أرى أن على كل إنسان منهم جزاءً) أي كاملاً، وفي
النسخ المصرية(١): جزاءه والمعنى واحد، أي جزاء كامل في كلتا المسألتين
يعني على كل إنسان منهم جزاء كامل كما لو انفرد بقتله، لأن حكم ذلك حكم
الكفارة والكفارة لا تتبعَّض، وبذلك قالت الحنفية(٢) في المحرم دون الحرم،
والمسألة خلافية تقدمت في أبواب الصيد (إن) بالكسر والسكون استئناف
(حكم) ببناء المجهول (عليهم بالهدي، فعلى كل إنسان منهم هدي) كامل.
(وإن كان حكم عليهم بالصيام كان على كل إنسان منهم الصيام) بعدل
ذلك أو إطعام، فعلى كل واحد منهم إطعام، وكأنه تركه اكتفاء، والمقصود أن
لا تفريق في أنواع الجزاء في الوجوب على كل واحد منهم، وصرح بذلك لما
أن بعضهم فرقوا، فقالوا: إن كان صوماً صام كل واحد صوماً تاماً، وإن كان
غير ذلك فجزاء واحد، فصرح المصنف بذلك أن لا تفريق في الصوم وغيره،
ثم بين المصنف مبنى مختاره بالقياس، فقال: (ومثل ذلك) أي مثال جزاء
الصيد (القوم يقتلون الرجل خطأ، فتكون كفارة ذلك) أي كفارة قتل الخطأ (عتق
رقبة على كل إنسان منهم، أو صيام شهرين متتابعين على كل إنسان منهم) .
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٣١٤/١٣).
(٢) في ((الاستذكار)) (٣١٥/١٣) وقال أبو حنيفة: إذا قتل جماعة محرمون صيداً فعلى كل
واحد منهم جزاء كامل، فإن قتل محلون صيداً في الحرم فعلى جماعتهم جزاء واحد.
٥٣٨

٢٠ - كتاب الحج
(٨٠) باب
(٩٣٣) حديث
قَالَ مَالِكٌ: مَنْ رَمَى صَيْداً، أَوْ صَادَهُ بَعْدَ رَمْيْهِ الْجَمْرَةَ،
وَحِلَاقِ رَأْسِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يُفِضْ: إِنَّ عَلَيْهِ جَزَاءَ ذَلِكَ الصَّيْدِ،
لأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ: ﴿وَإِذَا حَلْتُمُ فَأَصْطَادُواْ﴾ وَمَنْ لَمْ يُفِضْ،
فَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ مَسُّ الطّيبِ وَالنِّسَاءِ.
(قال مالك: من رمى صيداً) هكذا في جميع النسخ الهندية والمصرية،
وذكر في بعض النسخ على الحاشية بطريق النسخة بدله ظبياً (أو صاده) لعل
الفرق بين اللفظين أن الأول يختص بالاصطياد بالرمي، والثاني للتعميم بأي
نوع كان، والأوجه أن مقصود الأول التعرض بالصيد وإن لم يقتل، وغرض
الثاني القتل بالاصطياد، فقد قال الدردير(١): الجزاء في تعريض الصيد لتلفه
كنتف ريشه بحيث لا يقدر على الطيران، ولم تعلم سلامته، وجرحه جرحاً لم
ينفذ مقاتله وغاب ولم تتحقق سلامته، انتهى.
(بعد رميه الجمرة) العقبة (و) بعد (حلاق رأسه، غير أنه لم يفض) أي لم
يطف طواف الإفاضة. إلى ذلك الوقت (إن عليه جزاء ذلك الصيد) الذي رماه
أو صاده (لأن) جواز الصيد معلق على التحلل، فإن (الله تبارك وتعالى قال:
ج
﴿وَإِذَا ◌َلْتُمْ فَأَصْطَادُواْ﴾) .
وأنت خبير بأن (من لم يفض) أي لم يطف طواف الإفاضة (فقد بقي
عليه) من ممنوعات الإحرام (مس الطيب) على طريق الكراهة عند المالكية
خاصة (و) بقي عليه حرمة (النساء) تحريماً إجماعاً، فلم يتحقق له الحل
الأكبر، وكان جواز الصيد في الآية معلقاً على الحل، فلم يتحقق جوازه، فإن
صاد أو تعرض للصيد إذ ذاك وجب عليه الجزاء، وهذا كله على مسلك الإمام
مالك - رضي الله عنه -، والجمهور على حلية الصيد والطيب بالتحلل الأصغر،
وهو المراد عندهم بالآية لروايات وردت بقوله وَي: ((إذا رميتم وحلقتم فقد حل
(١) ((الشرح الكبير)) (٧٥/٢).
٥٣٩

٢٠ - كتاب الحج
(٨٠) باب
(٩٣٣) حدیث
قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِيمَا قَطَعَ مِنَ الشَّجَرِ فِي الْحَرَمِ
شَيْءٌ، وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ أَحَداً حَكَمَ عَلَيْهِ فِيهِ بِشَيْءٍ، وَبِتْسَ مَا صَنَعَ .
لكم كل شيء إلا النساء))، وتقدم البسط في ذلك في مبدأ ((باب الإفاضة)).
(قال مالك: ليس على المحرم فيما قطع من الشجر) بيان لما (في الحرم
شيء) لا جزاء ولا غيره سوى الحرمة، فيتوب إلى الله عَزَّ اسمه (ولم يبلغنا أن
أحداً) من السلف (حكم عليه) أي على القاطع (فيه) أي في شجر الحرم (بشيء
وبئس ما صنع). قال الباجي(١): ذكر فيه مسألتين، إحداهما: ليس على المحرم
فيما قطع من الشجر في الحرم بشيء، والثانية: قوله: بئس ما صنع فنص على
المنع من ذلك، وتتعلق بذلك مسألة ثالثة، وهي تبيين الشجر الممنوع قطعه
وتمييزه من غيره، فأما المسألة الأولى في أنه لا يجب به شيء فهو مذهب
مالك، وقال أبو حنيفة والشافعي: يجب عليه الجزاء، انتهى.
وقال الدردير (٢): لا جزاء على قاطع ما حرم قطعه؛ لأنه قدر زائد على
التحريم يحتاج لدليل، انتهى.
واستدل على ذلك الزرقاني(٣) بأن النبي وَليل قال في خطبة فتح مكة: ((لا
:
يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً، ولا يعضد بها شجراً))،
وكذا في روايات أخر، ليس في شيء منها ذكر جزاء ولا غيره، والكفارات لا
يقاس عليها، انتهى.
وقال الموفق(٤): يجب في إتلاف الشجر والحشيش الضمان، وبه قال
الشافعي وأصحاب الرأي، وروي ذلك عن ابن عباس وعطاء. وقال مالك وأبو
(١) ((المنتقى)) (٧٥/٣).
(٢) ((الشرح الكبير)) (٧٩/٢).
(٣) (شرح الزرقاني)) (٣٨٩/٢).
(٤) ((المغني)) (١٨٨/٥).
٥٤٠