Indexed OCR Text

Pages 501-520

٢٠ - كتاب الحج
(٧٨) باب
(٩٢٩) حديث
ومن طريق أشعث وداود عن الشعبي عن كعب، وكذا في حديث عبد الله بن
عمرو عند الطبراني، وعرف بذلك قوة قول من قال: لا فرق في ذلك بين التمر
والحنطة، وإن الواجب ثلاثة آصع لكل مسكين نصف صاع.
ولمسلم عن ابن أبي عمر عن سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح وغيره
عن مجاهد في هذا الحديث: ((وأطعم فرقاً بين ستة مساكين))، والفرق ثلاثة
آصع، وأخرجه الطبري من طريق يحيى بن آدم عن ابن عيينة، فقال فيه: قال
سفيان: ((والفرق ثلاثة آصع))، فأشعر بأن تفسير الفرق مدرج، لكنه مقتضى
الروايات الأخر، ففي رواية سليمان بن قرم عن ابن الأصبهاني عند أحمد:
(لكل مسكين نصف صاع»، وفي رواية يحيى بن جعد عند أحمد أيضاً: ((أو
أطعم ستة مساكين مُدَّين مُدَّين)).
وأما ما وقع في بعض النسخ عند مسلم في رواية زكريا عن ابن
الأصبهاني: ((أو يطعم ستة مساكين، لكل مسكين صاع)) فهو تحريف ممن دون
مسلم، والصواب ما في النسخ الصحيحة: (لكل مسكينين)) بالتثنية، وكذا أخرجه
مسدد في ((مسنده)) عن أبي عوانة عن ابن الأصبهاني على الصواب، انتهى.
وفيه أن الواجب في الروايات الصحيحة الكثيرة لفظ الطعام، وفي
((المجتمع)): قال الخليل: إن العالي في كلام العرب أن الطعام هو البر، انتهى.
وتقدم في أبواب الفطر ما قال الخطابي وغيره: قد كانت لفظ الطعام
تستعمل في الحنطة عند الإطلاق حتى إذا قيل: سُوقُ الطعام فُهِمَ منه سوق
الحنطة. وإذا غلب العرف نزل اللفظ عليه، انتهى.
وقد ذكر ابن حزم في ((المحلى)) (١) بعض هذه الروايات، وزاد فيها
حديث بشر بن عمر الزهراني عن شعبة عن عبد الرحمن بن الأصبهاني عن
(١) (٢٢٩/٥).
٥٠١

٢٠ - كتاب الحج
(٧٨) باب
(٩٢٩) حديث
عبد الله بن معقل عن كعب بن عجرة، فذكر فيه نصف صاع حنطة، لكل
مسكين، وحديث إسماعيل بن زكريا عن أشعث عن الشعبي عن عبد الله بن
معقل عن كعب بن عجرة، وفيه: ((أو أطعم ستة مساكين صاعاً من تمر)).
والثاني: أن الإطعام لستة مساكين، وترجم البخاري في ((صحيحه)): ((باب
قوله تعالى: أو صدقة وهي إطعام ستة مساكين)) قال الحافظ(١): يشير بهذا إلى
أن الصدقة في الآية مبهمة فسرتها السنة، وبهذا قال جمهور العلماء، وروى
سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن الحسن قال: الصوم عشرة أيام، والصدقة
على عشرة مساكين، وروى الطبري عن عكرمة ونافع نحوه، قال ابن عبد البر:
لم يقل بذلك أحد من فقهاء الأمصار، انتهى.
وفي ((العيني)): إن الإطعام لستة مساكين، ولا يجزئ أقل من ستة، وهو
قول الجمهور، وحكي عن أبي حنيفة أنه يجوز أن يدفع إلى مسكين واحدٍ،
انتھی .
والثالث: أن الواجب في الإطعام لكل مسكين نصف صاع من أي شيء
كان المخرج في الكفارة قمحاً أو شعيراً أو تمراً، وهو قول مالك والشافعي
وإسحاق وأبي ثور وداود، وحكي عن الثوري وأبي حنيفة تخصيص ذلك
بالقمح، وإن الواجب من الشعير والتمر صاع لكل مسكين، وحكى ابن عبد البر
عن أبي حنيفة وأصحابه كقول مالك والشافعي.
قال الشيخ في ((البذل))(٢): لم أر هذا القول في كتب مذهبنا، قال
العيني: وعند أحمد في رواية: أن الواجب لكل مسكين مدّ من قمح أو مدّان
من شعير أو تمر، انتهى.
(١) ((فتح الباري)) (١٥/٤).
(٢) ((بذل المجهود)) (١٠٦/٩).
٥٠٢

٢٠ - كتاب الحج
(٧٨) باب
(٩٢٩) حديث
أَوِ انْسُكْ بِشَاةٍ،
وقال الموفق(١) بعدما حكى مذهبهم من ثلاثة آصع من كل شيء:
ومذهب الحنفية من أنه يجزئ من البر نصف صاع لكل مسكين، ومن التمر
والشعير صاع صاع، فقال: ويجزئ البر والشعير والزبيب في الفدية، لأن كل
موضع أجزأ فيه التمر أجزأ فيه ذلك كالفطرة وكفارة اليمين. وقد روى أبو داود
فرقاً من زبيب، ولا يجزئ من هذه الأصناف أقل من ثلاثة آصع إلا البر، ففيه
روايتان: إحداهما: مدّ من بر لكل مسكين مكان نصف صاع من غيره، كما في
كفارة اليمين، والثاينة: لا يجزئ إلا نصف صاع، وبهذا قال مالك والشافعي،
انتھی .
وفي ((البدائع))(٢): أن الصدقة المقدرة للمسكين في الشرع لا تنقص عن
نصف صاع كصدقة الفطر وكفارة اليمين والفطر والظهار، انتهى.
والرابع: في موضع الإطعام، وسيأتي البحث فيه قريباً (أو انسك) بوصل
الهمزة وضم السين (بشاة) أي تقرب بذبحها. قال الحافظ(٣): قوله: انسك
بشاة، ووقع في رواية الكشميهني شاة بغير موحدة. والأول تقديره تقرب بشاة،
ولذلك عَدَّاه بالباء، والثاني تقديره اذبح شاة، والنسك يطلق على العبادة وعلى
الذبح المخصوص، وسياق رواية الباب موافق للآية، انتهى. وقوله وَال
المذكور تفسير لقوله تعالى: ﴿أَوْ شٍُ﴾ وترجم البخاري في (صحيحه)): ((باب
النسك شاة)).
قال الحافظ (٤): أي النسك المذكور في الآية، وروى الطبري من طريق
(١) («المغني)) (٣٨٤/٥).
(٢) ((بدائع الصنائع)) (٤٢٥/٢).
(٣) ((فتح الباري)) (١٥/٤).
(٤) (فتح الباري)) (١٨/٤).
٥٠٣

٠٠
٢٠ - كتاب الحج
(٧٨) باب
(٩٢٩) حديث
مغيرة عن مجاهد في آخر هذا الحديث: ((فأنزل الله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِّنْ صِيَامٍ أَوْ
صَدَقَةٍ أَوْ شٍُ﴾(١) والنسك شاة))، ومن طريق محمد بن كعب القرظي عن كعب:
((أمرني أن أحلق وأفتدي بشاة))، فقال عياض: ومن تبعه تبعاً لأبي عمر كل من
ذكر النسك في هذا الحديث مفسراً، فإنما ذكروا شاة، وهو أمر، لا خلاف فيه
بين العلماء.
قال الحافظ: يُعَكِّرُ عليه ما أخرجه أبو داود من طريق نافع عن رجل من
الأنصار عن كعب بن عجرة: ((أنه أصابه أذى، فحلق فأمره النبي ◌ّ أن يهدي
بقرة))، وللطبراني من طريق عبد الوهاب بن بخت عن نافع عن ابن عمر قال:
(حلق كعب بن عجرة رأسه فأمره رسول الله وَ ل# أن يفتدي، فافتدى ببقرة))،
ولعبد بن حميد من طريق أبي معشر عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما -
قال: ((افتدى كعب من أذى كان برأسه، فحلقه ببقرة قلّدها وأشعرها)).
ولسعيد بن منصور من طريق ابن أبي ليلى عن نافع عن سليمان بن يسار:
((قيل لابن كعب بن عجرة: ما صنع أبوك حين أصابه الأذى في رأسه؟ قال:
ذبح بقرة))، فهذه الطرق كلها تدور على نافع، وقد اختلف عليه في الواسطة
الذي بينه وبين كعب، وقد عارضها ما هو أصح منها من أن الذي أمر به كعب
وفعله في النسك إنما هو شاة.
وروى سعيد بن منصور وعبد بن حميد من طريق المقبري عن أبي هريرة
((أن كعب بن عجرة ذبح شاة لأذى كان أصابه))، وهذا أصوب من الذي قبله،
واعتمد ابن بطال على رواية نافع عن سليمان بن يسار، فقال: أخذ كعب بأرفع
الكفارات، ولم يخالف النبي ◌ّير فيما أمره به من ذبح الشاة، بل وافق وزاد،
ففيه أن من أفتى بأيسر الأشياء فله أن يأخذ بأرفعها كما فعل كعب، قال
(١) سورة البقرة: الآية ١٩٦.
٥٠٤
-------
.---

٢٠ - كتاب الحج
(٧٨) باب
(٩٢٩) حديث
الحافظ (١): هو فرع ثبوت الحديث ولم يثبت لما قدمته، انتهى.
وفي ((العيني))(٢): قال شيخنا زين الدين: لفظ البقرة منكرٌ شاذّ، وقال ابن
حزم: خبر كعب بن عجرة الصحيح فيما رواه ابن أبي ليلى، والباقون روايتهم
مضطربة موهومة، فوجب ترك ما اضطرب فيه، والرجوع إلى رواية عبد الرحمن
التي لم تضطرب، انتهى.
قلت: وتكلم ابن حزم في ((المحلى)) على هذه الروايات رواية رواية،
وهذا أحد الأبحاث المتعلقة بهذا القول.
والثاني: بأي شيء افتدى كعب بن عجرة، قال الحافظ بعدما ذكر من
رواية أبي الزبير عن مجاهد عند الطبراني بلفظ: ((ما أجد هدياً، قال: فأطعم،
فقال: ما أجد، قال: فصم: عرف من رواية أبي الزبير، أن كعباً افتدى
بالصيام، ووقع في رواية ابن إسحاق ما يشعر بأنه افتدى بالذبح لأن لفظه ((صم
أو أطعم أو انسك شاة، قال: فحلقت رأسي ونسكت))، وروى الطبراني من
طريق ضعيفة عن عطاء عن كعب في آخر هذا الحديث: ((فقلت: يا رسول الله
خر لي، قال: أطعم ستة مساكين))، انتهى.
كذا قال الحافظ، ولم يجزم بشيء من الثلاثة، لكن تقدم في كلامه
الإشارة إلى ترجيح الشاة، إذ قال بعد ذكر رواية البقرة: وقد عارضها ما هو
أصح منها من أن الذي أمر به كعب، وفعله في النسك إنما هو شاة، انتهى.
وكذا ذكر الزيلعي في ((نصب الراية))(٣) الروايات الثلاث، ولم يرجح
شيئاً، وتقدم في البحث الأول أن ابن بطال اعتمد على افتدائه بالبقرة، وتعقبه
(١) ((فتح الباري)) (١٩/٤).
(٢) ((عمدة القاري)) (٤٦٧/٧).
(٣) (١٢٤/٣، ١٢٥).
٥٠٥

٢٠ - كتاب الحج
(٧٨) باب
(٩٢٩) حديث
الحافظ وقال: لم يثبت، ونص رواية أبي داود من طريق الحكم عن ابن أبي
ليلى بلفظ: ((فحلقت رأسي ثم نسكت)) أنه افتدى بالذبح، لكن يأباه حديث
الشعبي عن كعب عند أبي داود: «قال ◌َ له: أمعك دم؟ قال: لا، قال: فصم
ثلاثة أيام أو أطعم))، وجمع الشيخ بينهما في ((البذل)) (١) بأنه يحتمل أنه لم يكن
واجداً للشاة حین سأله پڼ، ثم بعد ذلك حصلت له فذبحها، انتهى.
وبهذا جمع الزرقاني، وزاد: وأما ما أخرجه ابن عبد البر أنه قال:
فحلقت وصمت فإما أنها رواية شاذة، أو أنه فعل الصوم أيضاً باجتهاده،
انتھی .
والثالث: في موضع الذبح، قال العيني(٢) في جملة المسائل المستنبطة
من الحديث: ومنها، ما احتج بعموم الحديث مالِكٌ على أنَّ الفدية يفعلها
حيث شاء سواء في ذلك الصيام والإطعام والكفارة، لأنه لم يعين له موضعاً
للذبح أو الإطعام، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت البيان، وقد اتفق العلماء
في الصوم أن له أن يفعله حيث شاء، لا يختص ذلك بمكة ولا بالحرم، وأما
النسك والإطعام فجَوَّزهما مالك أيضاً كالصوم، وخصص الشافعي ذلك بمكة
أو بالحرم.
واختلف فيه قول أبي حنيفة فقال مرة: يختص بذلك الدم دون الإطعام،
وقال مرة: يختصان جميعاً بذلك، وقال هشيم: أخبرنا ليث عن طاووس أنه
كان يقول: ما كان من دم أو طعام فبمكة، وما كان من صيام فحيث شاء،
وكذا قال عطاء ومجاهد والحسن، انتهى.
قلت: وتقدم في ((جامع الهدي)) عن الدردير أن دماء الفدية، وهي دم
(١) ((بذل المجهود)) (١١٢/٩).
(٢) ((عمدة القاري)) (٤٦٤/٧).
٥٠٦

٢٠ - كتاب الحج
(٧٨) باب
(٩٢٩) حديث
تخيير بأنواعها الثلاثة الذبح أو الإطعام أو الصيام، لا تختص بزمان ولا مكان
إلا أن ينوي بالذبح الهدي، فحكمه حكم الهدي في الاختصاص بمكة أو منى.
وقال الخرقي: كل هدي أو إطعام فهو لمساكين الحرم إن قدر على
إيصاله من أصابه أذى من رأسه، فيفرقه على المساكين في الموضع الذي حلق
فيه .
قال الموفق(١): أما فدية الأذى فتجوز في الموضع الذي حلق فيه، نص
عليه أحمد، وقال الشافعي: لا يجوز إلا في الحرم، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مِلُّهَاَ
إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، ولنا أنه وَّر أمر كعب بن عجرة بالفدية بالحديبية، ولم يأمر
ببعثه إلى الحرم، وظاهر كلام الخرقي اختصاص ذلك بفدية الشعر وما عداه من
الدماء فبمكة .
وقال القاضي، في الدماء الواجبة بفعل محظور، كاللباس والطيب: هي
كدم الحلق، وفي الجميع روايتان: إحداهما، يفدي حيث وجد سببه، والثانية،
محل الجميع الحرم، أما جزاء الصيد فهو لمساكين الحرم، نص عليه أحمد إلى
آخر ما تقدم بحثه في أبواب الهدي.
وفي ((الهداية))(٢): الصوم يجزئه في أي موضع شاء؛ لأنه عبادة في كل
مكان، وكذلك الصدقة عندنا لما بيًَّّا، وأما النُّسك فيختص بالحرم، انتهى.
قال العيني في ((البناية)): قوله: أي موضع شاء هذا بالاتفاق بين الأئمة
الأربعة، وقوله: كذلك الصدقة عندنا خلافاً للشافعي، فإنه قال: الطعام لا
يجزيه إلا في الحرم، وبه قال أحمد، قوله: لما بينا هو أنه عبادة في كل
مكان، انتهى .
(١) ((المغني)) (٤٥٠/٥).
(٢) (١٦٠/١).
٥٠٧

٢٠ - كتاب الحج
(٧٨) باب
(٩٢٩) حديث
أَيَّ ذُلِكَ فَعَلْتَ أَجْزَأَ عَنْكَ)).
الصواب عبد الكريم بن مالك الجزريّ، عن مجاهد، عن عبد الرحمن.
وكذلك أخرجه البخاريّ في: ٢٧ - كتاب المحصَر، ٦ - باب قول الله تعالى:
﴿أو صدقة﴾ .
ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ١٠ - باب جواز حلق الرأس للمحرم،
حديث ٨٢.
(أي ذلك) المذكور من الأنواع الثلاثة (فعلت) بالخطاب (أجزأ عنك) في
التفكير صرح بذلك بعد التعبير بلفظ ((أو)) المفيد للتخيير زيادة في البيان،
وترجم البخاري في صحيحه ((باب قول الله تعالى: ﴿فَن كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًا أَوْ بَِ
أَذَى مِّن رَّأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِّنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَّةٍ أَوْ شٍُ﴾(١) وهو مخير.
قال الحافظ(٢): قوله: ((مخير)) من كلام المصنف استفاده من ((أو))
المكررة، ويذكر عن ابن عباس وعطاء وعكرمة ما كان في القرآن ((أو)) فصاحبه
بالخيار، وأقرب ما وقفت عليه من طرق حديث الباب إلى التصريح ما أخرجه
أبو داود من طريق الشعبي عن ابن أبي ليلى عن كعب بن عجرة أن النبي :
وسيلة
قال له: ((إن شئت فانسك نسيكة، وإن شئت فصم ثلاثة أيام، وإن شئت
فأطعم)). الحديث.
وفي رواية مالك في ((الموطأ)) أيّ ذلك فعلت أجزأ. ثم قال بعد ذكر
رواية أبي داود: ووافقتها رواية عبد الوارث عن ابن أبي نجيح، أخرجها مسدد
في ((مسنده))، ومن طريقه الطبراني. لكن رواية عبد الله بن معقل عند البخاري
تقتضي أن التخيير إنما هو بين الإطعام والصيام لمن لم يجد النسك، ولفظه
((قال أتجد شاة؟ قال، لا. قال: فصم، أو أطعم)).
(١) سورة البقرة: الآية ٢٨.
(٢) ((فتح الباري)) (١٣/٤).
٥٠٨
--------- -------

٢٠ - كتاب الحج
(٧٨) باب
(٩٢٩) حديث
ولأبي داود في رواية أخرى أمعك دم؟ قال؛ لا، قال: فإن شئت فصم،
ونحوه للطبراني من طريق عطاء عن كعب، ووافقهم أبو الزبير عن مجاهد عند
الطبراني، وزاد بعد قوله: ما أجد هدياً: ((قال: فأطعم قال: ما أجد، قال:
فصم)) ولذا قال أبو عوانة في ((صحيحه)): فيه دليل على أن من وجد نسكاً لا
يصوم، يعني ولا يطعم، لكن لا أعرف من قال بذلك من العلماء إلا ما رواه
الطبري وغيره عن سعيد بن جبير، قال: النسك شاة، فإن لم يجد قُوَّمَت الشاة
دراهم، والدراهم طعاماً، فتصدق به أو صام لكل نصف صاع يوماً، أخرجه
من طريق الأعمش عنه، قال: فذكرته لإبراهيم، قال: سمعت علقمة مثله.
فحينئذ يحتاج إلى الجمع بين الروايتين، وقد جُمِع بينهما بأوجهٍ: منها،
ما قال ابن عبد البر: إن فيه الإشارة إلى ترجيح الترتيب لا لإيجابه، ومنها، ما
قال النووي: ليس المراد أن الصيام أو الإطعام لا يجزئ إلا لفاقد الهدي، بل
المراد أنه استخبره هل معه هدي، أو لا؟ فإن كان واجده أعلمه أنه مخير بينه
وبين الصيام والإطعام، وإن لم يجده أعلمه أنه مخير بينهما .
ومحصله أنه لا يلزم من سؤاله عن وجدان الذبح تعيينه، لاحتمال أنه لو
أعلمه أنه يجده لأخبره بالتخيير بينه وبين الإطعام والصوم، ومنها ما قال
غيرهما: يحتمل أن النبي وّ لما أذن له في حلق رأسه بسبب الأذى أفتاه بأن
يكفر بالذبح على سبيل الاجتهاد منه وَّرَ أو بوحي غير متلوٍ، فلما أعلمه أنه لم
يجد نزلت آية التخيير، فخَيَّره حينئذ بين الصيام والإطعام لعلمه بأنه لا ذبح
معه، فصام لكونه لم يكن معه ما يطعمه .
ويوضح ذلك رواية مسلم في حديث عبد الله بن معقل المذكور حيث
قال: ((أتجد شاة؟)) قلت: لا. فنزلت هذه الآية: ﴿فَفِدْيَةٌ مِّنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ
نُسُكٍ﴾ فقال: ((صم ثلاثة أيام أو أطعم))، وفي رواية عطاء الخراساني قال:
((صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين))، قال: وكان قد علم أنه ليس عندي ما
٥٠٩

٢٠ - كتاب الحج
(٧٨) باب
(٩٢٩) حديث
أنسك به، ونحوه في رواية محمد بن كعب القرظي عن كعب.
وسياق الآية يشعر بتقديم الصيام على غيره، وليس ذلك لكونه أفضل في
هذا المقام من غيره، بل السِرُّ فيه أن الصحابة الذين خوطبوا شفاهاً بذلك كان
أكثرهم يقدر على الصيام أكثر مما يقدر على الذبح أو الإطعام، انتهى. وهذا
أحد الأبحاث المتعلقة بهذا القول.
والثاني: أن التخيير يختص بالعذر أو يعم الحلق مطلقاً. قال العيني (١):
إن المحرم إذا حلق رأسه أو لبس أو تطيب عامداً من غير ضرورة، فقد حكى
ابن عبد البر في ((الاستذكار))(٢) عن أبي حنيفة والشافعي وأصحابهما وأبي ثور:
أن عليه دماً لا غير، وأنه لا يخير إلا في الضرورة، وقال مالك: بئس ما فعل
وعليه الفدية وهو مخير فيها، وقال شيخنا زين الدين ما حكاه عن الشافعي
وأصحابه ليس بجيد، بل المعروف عنهم وجوب الفدية كما جزم به الرافعي،
كما أوجبوا الكفارة في اليمين الغموس بل أولى بالوجوب، انتهى.
قلت: وقد جزم الحافظ والقسطلاني الشافعيان بأنه لا يخير إلا في
الضرورة، ويتعين الدم في العمد، لكن فروع الشافعية متظافرة على أن دم
الحلق دم تخيير وتقدير، فيجوز العدول عن الدم إلى غيره مما قدره الشارع.
وفي ((فتح المعين)): فمرتكب المحرم مخير في الفدية بين الثلاثة
المذكورة، انتهى. واستدل له شارحاً في ((إعانة الطالبين)) بالآية وحديث كعب
هذا، ثم قال: وقيس بالحلق وبالمعذور غيرهما، انتهى.
وفي ((روضة المحتاجين)): القسم الرابع من الدماء: المخير المقدار،
فالمكلف مخير بين أشياء، وتلك الأشياء مقدرة أي قدرها الشارع فلا تزيد ولا
(١) ((عمدة القاري)) (٤٦٢/٧).
(٢) انظر: ((الاستذكار)) (٣٠٦/٣).
٥١٠

٢٠ - كتاب الحج
(٧٨) باب
(٩٢٩) حديث
تنقص، وأسباب هذا القسم ثمانية أشياء: الأول حلق الشعر، إلى أن قال: لا
فرق في ذلك بين العامد وغيره، والجاهل وغيره، انتهى.
قال الخرقي: من حلق أربع شعرات فصاعداً عامداً أو مخطئاً فعليه صيام
ثلاثة أيام أو إطعام ثلاثة آصع بين ستة مساكين، أو ذبح شاة.
قال الموفق(١): الكلام في هذه المسألة في فصول: الأول: أن على
المحرم فدية إذا حلق رأسه ولا خلاف في ذلك، الثاني: لا فرق بين العامد
والمخطئ ومن له عذر ومن لا عذر له في ظاهر المذهب، وهو قول الشافعي
ونحوه عن الثوري، وفيها وجه آخر لا فدية على الناسي وهو قول إسحاق وابن
المنذر لقوله ◌َ﴾: «عفي لأمتي الخطأ والنسيان)).
ولنا؛ أنه إتلاف، فاستوى عمده وخطأه كقتل الصيد، ولأن الله تعالى أوجب
الفدية على من حلق رأسه لأذى به وهو معذور، فكان في ذلك تنبيهاً على وجوبها
على غير المعذور، الثالث: أن الفدية هي إحدى الثلاثة المذكورة في الآية. ولا فرق
في ذلك بين المعذور وغيره، والعامد والمخطئ، وهو مذهب مالك والشافعي،
وعن أحمد أنه إذا حلق لغير عذر، فعليه الدم من غير تخيير، وهو مذهب أبي حنيفة،
لأنه تعالى خيّر بشرط العذر، فإذا عدم الشرط وجب زوال التخيير، ولنا أن الحكم
ثبت في غير المعذور بطريق التنبيه تبعاً له، والتبع لا يخالف أصله، انتهى.
وفي ((الهداية))(٢): إذا حلق ربع رأسه أو ربع لحيته فصاعداً فعليه دم، فإن كان أقل
من الربع فعليه صدقة، وإن تطيّب أو لبس أو حلق من عذر فهو مخير إن شاء ذبح شاة،
وإن شاء تصدق على ستة مساكين بثلاثة أصوع من الطعام، وإن شاء صام ثلاثة أيام، ثم
بسط العيني(٣) في ذكر ما يستفاد من الأحكام تقدم ذكر عدة منها في شرح الحديث.
(١) انظر: ((المغني)) (٣٨١/٥).
(٢) (١٥٨/١).
(٣) ((عمدة القاري)) (٤٦٢/٧).
٥١١

٢٠ - كتاب الحج
(٧٨) باب
(٩٣٠) حديث
٢٣٨/٩٣٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ
مُجَاهِدٍ أَبِي الْحَجَّاجِ،
ونلخص البواقي تكميلاً للفائدة فقال: منها: جواز الحلق للمحرم للحاجة
مع الكفارة المذكورة، وهذا مجمع عليه، ومنها: أنه ليس في الحديث تعرض
لغير حلق الرأس من سائر شعور الجسد، وقد أوجب العلماء الفدية بحلق سائر
شعور البدن، لأنها في معنى حلق الرأس إلا داود الظاهري، فإنه قال: لا
تجب الفدية إلا بحلق الرأس.
وحكى الرافعي عن المحاملي أن في رواية عن مالك: لا يتعلق الفدية
بشعر البدن، ومنها: أنه أمر بحلق شعر نفسه فلو حلق المحرم شعر حلال فلا
فدية على واحد منهما عند مالك والشافعي وأحمد، وحكي عن أبي حنيفة أنه
قال: ليس للمحرم أن يحلق شعر الحلال، فإن فعل فعليه صدقة، ومنها: أنه
إذا حلق من غير ضرورة يلزمه الفدية سواء كان عامداً أو ناسياً أو عالماً أو
جاهلاً، وذهب إسحاق وداود إلى أنه لا شيء على الناسي، ومنها: أن النسك
هاهنا شاة فلو تبرع بأكثر من هذا جاز، انتهى.
٢٣٨/٩٣٠ - (مالك، عن حميد بن قيس المكي) الأعرج (عن مجاهد بن
أبي الحجاج) هكذا في جميع النسخ الهندية، وفي جميع النسخ المصرية(١)
بدون لفظ: ((الابن)) بين مجاهد وأبي الحجاج، بل كلها متظافرة على لفظ
مجاهد أبي الحجاج، وهو وإن كان صحيحاً في نفسه فإن أبا الحجاج كنية
مجاهد بن جبر الفقيه المفسر المشهور، لكنه ليس بصحيح في رواية يحيى.
قال الزرقاني(٢): أبو الحجاج كنية مجاهد بن جبير، وليحيى ابن
الحجاج، وهو خطأ، إذ لم يقل أحد أن اسم أبيه الحجاج، انتهى.
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٩٨/١٣).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٨٥/٢).
٥١٢
- --
------

٢٠ - كتاب الحج
(٧٨) ياب
(٩٣٠) حدیث
عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَِّ قَالَ لَهُ:
(لَعَلَّكَ اذَاكَ هَوَامُّكَ؟)) فَقُلْتُ: نَعَمْ، يَا رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالَ
رَسُولَ اللَّهِ وَله: «احْلِقْ رَأْسَكَ،
(عن) عبد الرحمن (ابن أبي ليلى) الأنصارى (عن كعب بن عجرة أن
رسول الله ﴾ قال له) وهو محرم معه بالحديبية والقمل يتناثر على وجهه (لعلك
آذاك هوامَك؟) بشدِ الميم، جمع هامة بشدّها، وهي الدابة، والمراد بها هاهنا
القمل، كما في كثير من الروايات، لأنها تطلق على ما يدِبُّ من الحيوان وإن
لم يقتل كالحشرات والقمل، قاله الزرقاني تبعاً للحافظ وغيره.
وقال الدميري(١): الهوام حشرات الأرض، والهامة كل ما يهم بالأذى
اسم فاعل من هم يهم.
(فقلت: نعم يا رسول الله) آذاني. (فقال رسول الله وَل﴾: احلِق) بكسر
اللام (رأسك) أي أزِل شعره. قال الباجي(٢): قوله: ((هوامُّك)) يريد القمل فهو
هوام الإنسان المختص بجسده، فلما رأى رسول الله وَ ل﴿ كثرتها سأله عن تأذيها
فأعلمه بذلك، فقال: ((احلق رأسك))، ثم أعلمه بما يلزمه في حلق رأسه وهي
الفدية .
وهذا يدل على أن إزالة القمل عن رأس الإنسان ممنوع، ومما يجب به
الفدية، وإلا فقد كان يأمره بمشط رأسه، واستعمال ما يقتلها ويزيلها مع بقاء
شعره، لكن لما كانت الضرورة تبيح الأمرين، لأنه إنما تجب بإزالتها في حالة
واحدة فدية واحدة، وهو أقرب تناولاً فيما يريد، وأعم منفعة، وراحة أَمَرَه
بالحلاق، وهذا لمن قصد إزالة الشعر.
فأما من لم يقصد إزالته، وإنما قصد إلى فعل آخر فكان سبب تساقط
(١) ((حياة الحيوان)) (٥١١/٢).
(٢) ((المنتقى)) (٦٨/٣).
٥١٣

٢٠ - كتاب الحج
(٧٨) باب
(٩٣١) حديث
وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوِ أَطْعِمْ سِنَّةَ مَسَاكِينَ، أَوِ انْسُكْ بِشَاةٍ)) .
أخرجه البخاريّ في: ٢٧ - كتاب المحصَر، ٥ - باب قول الله تعالى: ﴿فمن
كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه﴾.
٢٣٩/٩٣١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ
الْخُرَاسَانِيِّ؛ أَنَّهُ قَالَ: حَدَّثَنِي شَيْخٌ بِسُوقِ الْبُرَمِ بِالْكُوفَةِ،
الشعر من رأسه ولحيته فلا فدية، وقد روى محمد فيمن سقط من شعر رأسه
شيء لحمل متاعه أو جرّ يده عن لحيته فتساقط منهما الشعرة أو الشعرتان أو
اغتسل تبرداً، فتساقط منه شعر كثير لا شيء عليه، ووجه ذلك أنه لم يقصد
إزالته، انتهى.
(وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك بشاة) تقدمت المباحث
المتعلقة بذلك في الحديث السابق.
٢٣٩/٩٣١ - (مالك عن عطاء بن) أبي مسلم (عبد الله الخراساني) لمالك
عنه ثلاث أحاديث مرفوعة هذا ثانيهما (أنه قال: حدثني شيخ) سيأتي الكلام
على اسمه (بسوق البرم) بضم الموحدة وفتح الراء جمع برمة وهي القدر من
الحجر، وكذا قال المجد: قدر من حجارة، ولم يقيده صاحب ((مختار
الصحاح)) بالحجارة (بالكوفة).
قال ابن عبد البر(١): يقولون: إن هذا الشيخ عبد الرحمن بن أبي ليلى
وهذا بعيد، لأنه أشهر في التابعين من أن يقول فيه عطاء: شيخ، وأظن قائل
ذلك لما عرف أنه كوفي، وأنه الذي يروي الحديث عن كعب ظن أنه هو، وقد
روى هذا الحديث عبد الله بن معقل عن كعب، وقد يكون هو الشيخ الذي
ذكره عطاء فهو كوفي، لا يبعد أن يلقاه عطاء، وهو أشبه عندي، انتهى.
وابن معقل بالمهملة وكسر القاف أخرج حديثه الشيخان، واقتصر في
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٨٥/٢).
٥١٤

٢٠ - كتاب الحج
(٧٨) باب
(٩٣١) حديث
عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ؛ أَنَّهُ قَالَ: جَاءَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﴾ وَأَنَا أَنْفُخُ
تَحْتَ قِدْرٍ لأَصْحَابِي، وَقَدِ امْتَلأَّ رَأْسِي وَلِحْيَتِي قَمْلًا، فَأَخَذَ
بِجَبْهَتِي، ثُمَّ قَالَ: ((احْلِقْ
((تعجيل المنفعة)) على الأول، فقال: عطاء عن شيخ بالكوفة عن كعب بن عجرة
لعله عبد الرحمن بن أبي ليلى، ويشكل على ما اختاره ابن عبد البر أن حديث
ابن معقل كان في المسجد لا السوق، فقد أخرج البخاري عن عبد الله بن
معقل قال: ((جلست إلى كعب بن عجرة فسألته عن الفدية))، الحديث.
قال الحافظ(١): زاد مسلم في روايته من طريق غندر عن شعبة وهو في
المسجد. ولأحمد عن بهز قعدت إلى كعب بن عجرة في هذا المسجد، وزاد
في رواية سليمان بن قرم عن ابن الأصبهاني يعني مسجد الكوفة، انتهى.
فالظاهر عندي أنه غيرهما، فإن الرواة عن كعب لهذا الحديث عديدة
تقدم ذكرهم في كلام الحافظ في أول حديث الباب. ولا يبعد أن يكون هذا
محمد بن كعب القرظي، فإنه سكن الكوفة ثم المدينة، فإن في آخر حديثه عن
ابن ماجه من زيادة قوله: ((وقد علم أن ليس عندي ما أنسك به)).
(عن كعب بن عجرة أنه قال: جاءني رسول الله وَّة) تقدم الجمع بينه وبين
ما ورد من قوله: حملت إلى رسول الله و 8* ومن قوله: أرسل إلي فدعاني،
وغير ذلك من الألفاظ (وأنا أنفخ تحت قدر لأصحابي). وفي رواية: ((قدر لي)).
وفي رواية: ((تحت برمة لي)) تبين أن القدر برمة، ولا تنافي بين إضافته له تارة
ولأصحابه أخرى كما هو ظاهر.
(وقد امتلأ رأسي ولحيتي قملا) زاد أحمد: حتى حاجبي وشاربي، وفي
رواية أبي قلابة: قملت حتى ظننت أن كل شعرة من رأسي فيها القمل من
أسفلها إلى أعلاها (فأخذ بجبهتي) لعله أخذه على سبيل التأنيس (ثم قال احلق
(١) ((فتح الباري)) (١٧/٤).
٥١٥

٢٠ - كتاب الحج
(٧٨) باب
(٩٣١) حديث
هُذَا الشَّعَرَ، وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ، أَوِ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ)) وَقَدْ كَانَ
رَسُولُ اللَّهِ وَلَ عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدِي مَا أَنْسُكُ بِهِ .
أخرجه البخاريّ موصولًا في: ٦٤ - كتاب المغازي، ٣٥ - باب غزوة
الحديبية .
ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ١٠ - باب جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان
به أذى، حديث ٨٠.
قَالَ مَالِكٌ، فِي فِدْيَةِ الأَذَى: إِنَّ الأَمْرَ فِيهِ،
هذا الشعر) أي شعر الرأس، فإن الوارد في الروايات احلق رأسك (وصم ثلاثة
أيام، أو أطعم ستة مساكين). ثم ذكر وجه الاقتصار على الأمرين، والوارد في
الآية التخيير بين الثلاثة. فقال: (وقد كان رسول الله وَّ- علم) أي بإخباري إياه
كما في رواية عبد الله بن معقل عند البخاري: تجد شاة، فقلت: لا ، الحديث
(أنه ليس عندي ما أنسك به) فلم يأمرني به، فلا يخالف الروايات الواردة
بالتخيير بين الثلاث؛ لأن ذلك عند وجود الشاة، فلما أخبره أنها ليست عنده
خيّره بين الصيام والإطعام، قاله الزرقاني(١)، وتقدم شيء من ذلك في كلام
الحافظ؛ إذ جمع بين مختلف ما ورد في التخيير.
وقال الباجي(٢): لم يذكر في هذا الحديث النسك، وقد تقدم من حديث
عبد الكريم ومجاهد أنه نص على النسك بالشاة، ويحتمل أن يجمع بين
الحديثين بأنهما رويا حكمَ من حلق في الجملة دون تعيين أحد، وحكى عطاء
ما أمر به كعب بن عجرة في خاصة نفسه، ويحتمل أن يكون أراد كعب أن
النبي ◌ّير قد علم أنه ليس عندي ما أنسك به إلا أنه ذكر لي حكم النسك ليبين
بذلك حکم من هو عنده، انتهى.
(قال مالك في فدية الأذى) المذكورة في الآية (إن الأمر فيه) أي الحكم
(١) (شرح الزرقاني)) (٣٨٦).
(٢) ((المنتقى)) (٦٩).
٥١٦

٢٠ - كتاب الحج
(٧٨) باب
(٩٣١) حدیث
أَنَّ أَحَداً لَا يَفْتَدِي حَتَّى يَفْعَلَ مَا يُوجِبُ عَلَيْهِ الْفِذْيَةَ، وَإِنَّ الْكَفَّارَةَ
إِنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ وُجُوبِهَا عَلَى صَاحِبِهَا،
في هذه المسألة (أن أحداً لا يفتدي حتى يفعل ما يوجب عليه الفدية) قال
الباجي: ومعنى ذلك أن الفدية إنما هي إماطة الأذى. فلما لم يمطه لم تجب
عليه فدية، ولا وجد سبب وجوبها فلا يجزئ عنه، كما لا يجزئ إخراج الهدي
قبل تجاوز الميقات بالإحرام، ولا الكفارة في الصوم قبل فساده، انتهى.
وقال في ((المحلى)): به قالت الأئمة الثلاثة الباقية، انتهى.
قلت: ولا يصح النقل، فقد قال الموفق(١): من أبيح له حلق رأسه لأذى
به فهو مخير في الفدية قبل الحلق وبعده، نص عليه أحمد لما روي أن
الحسين بن علي اشتكى رأسه، فأتى علي، فقيل له: هذا الحسين يشير إلى
رأسه، فدعا بجزور، فنحرها، ثم حلقه وهو بالسقيا، رواه أبو إسحاق
الجوزجاني، ولأنها كفارة، فجاز تقديمها على وجوبها ككفارة الظهار واليمين،
انتھی .
قلت: وما استدل به من أثر الحسين مشكل، فإن سياقه يخالف ما تقدم
في ((جامع الهدي)) من سياق ((الموطأ)): بلفظ ((فأمر علي - رضي الله عنه -
برأسه، فحلق ثم نسك عنه بالسقيا))، الحديث (وإن الكفارة إنما تكون بعد
وجوبها على صاحبها).
قال الباجي(٢): وذلك يحتمل وجهين: أحدهما أن يريد كفارة اليمين
فقاس فدية الأذى عليها في المنع، والثاني أن يريد أن فدية الأذى كفارة، فلا
يجوز إخراجها قبل وجوبها، فنبه بذلك على أن هذا حكم جميع الكفارات،
وأن الفدية من جملة الكفارات، فلا يجوز إخراجها حتى تجب، فهذا مطرد
(١) («المغني)) (٣٨٧/٥).
(٢) ((المنتقى)) (٦٨/٣).
٥١٧

٢٠ - كتاب الحج
(٧٨) باب
(٩٣١) حديث
وَأَنَّهُ يَضَعُ فِدْيَتَهُ حَيْثُ مَا شَاءَ، النُّسُكَ، أَوِ الصِّيَامَ، أَوِ الصَّدَقَةَ،
بِمَكَّةَ أَوْ بِغَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ.
قَالَ مَالِكٌ: لَا يَصْلُحُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَنْتِفَ مِنْ شَعَرِهِ شَيْئاً، وَلَا
٠٠
يَحْلِقَهُ، وَلَا يُقَصِّرَهُ، حَتَّى يَحِلَّ. إِلَّا أَنْ يُصِيبَهُ أَذىَ فِي رَأْسِهِ،
على رواية منع إخراج كفارة اليمين قبل الحنث، وأما على رواية إجازة ذلك في
كفارة اليمين فالفرق بينهما أن كفارة الفدية لم يوجد سببها، وكفارة اليمين قد
وجد سببها، وهو اليمين فوازن فدية الأذى من اليمين أن يكفر قبل يمينه، فإنه
لا يجزئه قولاً واحداً، انتهى.
قلت: وأداء كفارة اليمين قبل الحنث مختلف فيه بين الأئمة بخلاف قبل
اليمين فهو إجماعي (وأنه يضع) أي يؤدي (فديته حيث ما شاء) أي في أي
موضع شاء من الحل أو الحرم كما سيصرح به (النسك أو الصيام أو الصدقة)
بيان للفدية وصرح بالثلاثة لاختلاف الأئمة في الاثنتين الأخريين (بمكة أو
بغيرها من البلاد) زيادة إيضاح لقوله: حيثما شاء، وتقدم الكلام على ذلك في
آخر الحديث الأول.
(قال مالك: لا يصلح للمحرم) أي يحرم عليه من الصلاح ضد الفساد
وهو حرام (أن ينتف من شعره) سواء كان في رأسه، أو جسده عند الجمهور
كما تقدم قريباً في مسائل ((العيني))، وحكي فيه خلاف داود.
وقال الخرقي: لا يقطع شعراً من رأسه ولا جسده، قال الموفق(١):
أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من أخذه شعره إلا من عذر، وشعر
الرأس والجسد في ذلك سواء، انتهى (شيئاً) ولو واحداً.
(ولا يحلقه) بموسى أو نورة أو غيرهما (ولا يقصره) بمقراض وغيره
والمعنى لا يزيله كله ولا جزءه أصلاً (حتى يحل) أي يستمر عدم الجواز إلى
أن يحل من إحرامه سواء كان للحج أو العمرة (إلا أن يصيبه أذى رأسه) أو في
(١) ((المغني)) (١٤٥/٥).
٥١٨

٢٠ - كتاب الحج
(٧٨) باب
(٩٣١) حديث
فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ، كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَا يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يُقَلِّمَ أَظْفَارَهُ،
وَلَا يَقْتُلَ قَمْلَةً،
جسده فيجوز له أن يحلق، وعلى هذا (فعليه فدية) واجبة بعد الحلق (كما
أمره الله تعالى) بقوله ﴿فَن كَانَ مِنكُم ◌َرِيضًا أَوْ بِ أَذَى مِّن رَأْسِهِ﴾ الآية.
(ولا يصلح له) أي لا يجوز (أن يقلم أظفاره). قال الخرقي: ولا يقطع
ظفراً إلا أن ينكسر قال الموفق(١): أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من
قلم أظفاره إلا من عذر، لأن قطع الأظفار إزالة جزء يترفّهُ به، فحُرِّمُ كإزالة
الشعر، فإن انكسر فله إزالته من غير فدية تلزمه، انتهى. وتقدم في ما يجوز
للمحرم أن يفعله (ولا يقتل قملة) واحدة، وأولى ما زاد. وفي بعض النسخ:
قمله بالإضافة على إرادة الجنس، وتقدم أيضاً أنه لا يجوز قتلها عند مالك
والحنفية، واختلفت الرواية في ذلك عن أحمد وجزم الخرقي بأنه لا يتفلى
المحرم، ولا يقتل القمل، وقال النووي في ((المناسك))(٢): له أن ينحي القمل
من بدنه وثيابه، ولا كراهة في ذلك، وله قتله ولا شيء عليه، بل يستحب
للمحرم قتله كما يستحب لغيره، ويكره للمحرم أن يفلي رأسه ولحيته، فإن فعل
فأخرج منهما قملة وقتلها تصدق ولو بلقمة، نص عليه الشافعي.
قال جمهور أصحابنا: هذا التصدق مستحب، وقال بعضهم: واجب لما
فيه من إزالة الأذى عن الرأس، قال ابن حجر: قوله: ((ويكره للمحرم)) مقتضاه
اختصاص الكراهة والتصدق بالرأس واللحية، وهو حسن، كما قاله الزركشي :
أخذاً من نص البويطي وغيره، لأن البَدَنَ لا فدية فيه قطعاً، بخلاف الرأس ففيه
وجهان ومثله اللحية لأن الترفه فيهما بإزالته أكثر، انتهى. وتقدم فيما يجوز
للمحرم فعله كلام صاحب ((الهداية)).
(١) ((المغني)) (١٤٦/٥).
(٢) (ص١٩٠).
٥١٩

٢٠ - كتاب الحج
(٧٨) باب
(٩٣١) حديث
وَلَا يَطْرَحَهَا مِنْ رَأْسِهِ إِلَى الأَرْضِ، وَلَا مِنْ جِلْدِهِ وَلَا مِنْ ثَوْبِهِ، فَإِنْ
طَرَحَهَا الْمُحْرِمُ مِنْ جِلْدِهِ أَوْ مِنْ ثَوْبِهِ، فَلْيُطْعِمْ حَقْنَةَ مِنْ طَعَامِ .
(ولا يطرحها) أي القملة (من رأسه إلى الأرض ولا من جلده) أي جسده
(ولا من ثوبه) الذي لبسه (فإن طرحها المحرم من جلده) ولو من الرأس (أو من
ثوبه فليطعم) من الإطعام (حفنة) بالضم (من طعام) أي ملأ يدٍ واحدةٍ كما قاله
في ((المدونة))، وإن كانت لغة ملأ اليدين، قاله الزرقاني(١).
قال الباجي(٢): وذلك أنه ممنوع من قتل شيء من الحيوان، وممنوع من
طرح القمل عن جسده لأنها من دواب الجسد فلا يطرحها عن شيء من جسده
رأس ولا غيره، ولا عن ثوب يكون على جسده مما يلبسه، لأن ذلك من باب
قتله، وإنما وجب عليه حفنة من طعام في قتل القملة لقلة ما طرح منها، وأنه
لم يبلغ مبلغ إماطة الأذى، ولو جهل فنَقَّى رأسه أو ثوبه حتى ينتفع بذلك لكان
عليه الفدية.
وأما إذا قتل قملة أو قملات فإنه يطعم حفنة، أو حفنات من طعام وما
أطعم أجزأه، قاله ابن حبيب، ووجه ذلك أن من أزال عن نفسه القمل الكثير
الذي ينتفع بإزالته، وينقي جسمه منه فعليه الفدية، لأن النبي ◌ّ في قصة
كعب بن عجرة لمّا رأى عليه الهوامّ، فأباح له الحلاق وأمره بالفدية لأنه أزال
عن نفسه أذى الهوام، وأما إذا لم يزل منه إلا اليسير الذي لا يستضر به لعلة،
ولا ينتفع بإزالته لكثرة ما يبقى عليه منه فليس عليه فيه إلا إطعام شيء على ما
ذكر، لأنه لم يزل أذاه، انتهى.
وقال الدردير(٣): في قتل قملة واحدة أو قملات عشرة فدون حفنة،
وفدية إن زادت على عشرة، انتهى مختصراً بتغير.
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٨٧/٢).
(٢) ((المنتقى)) (٧٠/٣).
(٣) ((الشرح الكبير)) (٧٤/٢).
٥٢٠
---